القضايا السياسية العراقية الساخنة التي شغلت وما زالت تشغل الجميع منذ فترة هي:
- قانون انتخابات المحافظات
- كركوك
- مواقف الحزبين الكرديين الكبيرين
- تحالف المقايضة بينهما والمجلس الأعلى
المحور الأساسي في القضية هو كركوك، التي يسميها دعاة ضمها إلى كردستان من قوى التيار القومي الكردي بـ«قدس كردستان».
والتحالف ما بين المجلس الأعلى الإسلامي من جهة، وكل من الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني من جهة أخرى، إنما هو قائم على أساس مقايضة كركوك لصالح الحزبين القوميين الكرديين في مقابل الإقليم الشيعي الكبير ذي المحافظات التسع لصالح المجلس.
وهنا أحب أن أبين بعض الحقائق فيما يتعلق الأمر بالموقف من القضية الكردية، والنظام الفيدرالي، والحزبين الكرديين، وأبعاد قضية كركوك.
بادئ ذي بدء أحب أن أوجه خطابا أخويا وطنيا عقلانيا لإخوتي السياسيين الكرد، أن رجاءً ثم رجاءً لا تطلقوا عبارة (الشوفينية) على كل من يختلف معكم، لأننا وجدنا في ذلك ثمة مفردة ثالثة تضاف إلى مفردة (التكفير) ومفردة (التخوين)، ألا هي مفردة (التشويف) أو (الشوفنة)، لأن قذف كل مخالف لكم في رؤيته السياسية بالشوفينية، كما اعتاد وللأسف الكثير من السياسيين الأكراد أن يمارسوه، حتى مع من لا يُشَكّ في نصرته ماضيا وحاضرا للقضية الكردية، كما إن استخدام هذه المفردة مع المخالفين للسياسيين الكرد أو قل الأحزاب الكردية - وليس للشعب الكردي والقضية الكردية – غدت تشبه قذف النظام السابق لكل مخالفيه بأنهم أعداء الحزب والثورة، ونرأب بطرف سياسي ناضل عقودا ضد النظام الديكتاتوري السابق أن يتشبه به في واحدة من أبرز سلوكياته.
فيما يتعلق بالقضية الكردية فإني شخصيا كنت وما زلت أقول ألاّ بد من الإقرار بالحقوق القومية الكردية بلا حدود، أي بما في ذلك حق تقرير المصير والاستقلال بدولة كردية، إذا كان ذلك يعبر حقا عن إرادة الشعب الكردي، لأني لطالما قلت إن الكرد يتوفرون على مقومات شعب ومقومات أمة، ومن حقهم لذلك أن يختاروا أن يعيشوا في إطار وطن متعدد ومتنوع الأعراق على ضوء خيارهم الحر، سواء على أساس الفيدرالية أو الكونفيدرالية، مقرونة بالنظام الديمقراطي الذي تسري مبادئه على كل من الصعيد الاتحادي والإقليمي على حد سواء، أو أن يختاروا أن يؤسسوا دولة قومية كردية ديمقراطية تتمتع فيها سائر القوميات الأخرى أيضا بحقوقها. أؤكد أهمية الإيمان بهذه الحقوق للكرد، ولكن على ألاّ يقع الأكراد - أقصد القوى السياسية - في حال اختيارهم البقاء في الدولة الوطنية العراقية؛ ألاّ يقعوا في مَطبّ الاستغراق في الفكر القومي، فقد عانينا كثيرا من الفكر القومي العربي، ولا حاجة لنا لبدء معاناة جديدة وغير معلومة الأمد مع فكر قومي كردي. فمساوئ الفكر السياسي القومي ليست أقل من مساوئ كل من الفكر السياسي الديني والفكر السياسي المذهبي، أي في حال العراق فكر الإسلام السياسي، وفكر الطائفية السياسية، سواء الشيعية منها وبالدرجة الأولى، أو السنية.
ومهم جدا أن نميّز بين الإيمان بالحقوق القومية لإخواننا الكرد وبين تقويمنا لأداء الأحزاب السياسية الكردية. فهناك الآن جو واسع في وسط الشعب الكردي ومثقفي الأكراد، لاسيما الليبراليين من عدم الاتفاق مع الأحزاب الكردية في أدائها السياسي في الإقليم، لوجود ملاحظات مهمة على مدى تطابقه مع مبادئ وأسس الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان بشكل صحيح، وهناك موقف تساؤل عراقي عام عن عدم تلمس البعد الوطني العراقي في خطاب وأداء الكثير من السياسيين الأكراد وأحزابهم، دون أن نعمم هذه الملاحظة على الجميع منهم.
فيما يتعلق بمسألة كركوك فمن غير الصحيح أن يُصنع منها لغما يهدد المشروع الوطني العراقي والوحدة الوطنية، ومن غير المعقول أن يفرض مُكوِّن من مكونات الشعب العراقي - حتى لو كان مكونا أساسيا - إرادته بطريقة تشبه الابتزاز على سائر الشعب العراقي. ثم إن دستور 2005 أقر النظام الفيدرالي، وذلك ضمن الوحدة الوطنية، وهذا لا يتفق مع ثنائية تعاطي الأحزاب الكردية، بحيث يتعاطون فيما يتعلق الأمر بالإقليم كما لو كانوا دولة مستقلة، أو لا أقل بصورة كونفيدرالية، ويتعاطون مع الدولة الاتحادية كشركاء متكافئي التأثير على مسار الدولة مع الأكثرية العربية. وهنا يطلب من هذه الأحزاب تحديد موقفها بشكل واضح؛ إما فيدرالية، وإما كونفيدرالية، وإما دولة كردية مستقلة. فالكونفيدرالية مثلا تعطي هذا السقف العالي لاختصاصات الإقليم في حدود الإقليم نفسه، ولكن دون منح السقف العالي نفسه على مستوى الدولة الاتحادية.
ثم إننا نحن أنصار القضية الكردية عندما انتصرنا لقضية شعبنا الكردي المناضل العزيز، لرفضنا القاطع لكل تهميش لمكون من مكونات الشعب العراقي، لاسيما إذا كان مكونا قوميا مهما كالشعب الكردي في العراق، إننا ومن منطلق ذات القاعدة والمبدأ نرى أنفسنا ملزمين أخلاقيا وديمقراطيا ووطنيا أن ننتصر بنفس المقدار للمكونات القومية الصغيرة نسبيا في كردستان، إذا ما جرى تهميشها من قبل أحزاب القومية الكبرى على مستوى الإقليم، وكذلك كما إننا عندما أصررنا على الابتعاد عن الخطاب القومي العربي رغم أن الأكثرية القومية البالغة ما يقارب الثمانين بالمئة هي الأكثرية العربية، احتراما للمشاعر القومية لإخواننا الكرد ولبقية القوميات المتعايشة في العراق، كالتركمان والآشوريين، لكون العراق رغم الأغلبية العربية بلد متعدد القوميات كما نص الدستور، نُصرّ أيضا على ألا يستغرق السياسيون الكرد في الخطاب القومي الكردي في كردستان، احتراما للمشاعر القومية لمكونات الإقليم الأخرى، لأن كردستان ورغم الأكثرية الكردية هو الآخر إقليم متعدد القوميات.
من هنا، حتى لو تبين أن الكرد يمثلون الأكثرية في كركوك، فلا يمكن أن تفرض إرادتهم في قضية يرفضها المكونان الآخران رفضا قاطعا، ونحن هنا ننسجم مع أنفسنا، عندما قلنا من قبل أن العرب وإن كانوا يمثلون الأكثرية الواضحة والكبرى في العراق، لا يجوز أن يفرضوا إرادتهم على المكونات القومية الأخرى، لاسيما على أبناء القومية الكردية، ووقفنا بشدة ضد أي توجه يريد فرض الإرادة القومية لعرب العراق على القوميات غير العربية، كما إننا نحن الرافضين للطائفية السياسية كنا ضد توجه الكثير من السياسيين الشيعة الإسلاميين في فرض إراداتهم وشعاراتهم الشيعية على بقية المكونات المذهبية والدينية.
أما القول إن كركوك تاريخيا جزء من كردستان، فأتصور أننا في غنى عن مناقشة تأييد هذه الدعوى أو دحضها، لأننا نعلم أن اتخاذ التاريخ - حقبة من التاريخ طالت أو قصرت، بعدت أو قربت - أساسا لمعالجة مثل هذه الأمور أو حل المشاكل الحدودية – سواء الدولية أم الإدارية الداخلية - كان دائما عاملا أساسيا للتوترات بل والاقتتال، درأ الله ذلك عن العراق وأهله. بل نحن نحتاج إلى حل عقلاني سلمي ديمقراطي توافقي وطني وحدوي.
ثم أرجع إلى الدستور لأقول لطالما حاولت شخصيا أن أروّج في لجنة كتابة الدستور لفكرة الفيدرالية المركبة، التي تعني إمكانية إقامة اتحاد بين أكثر من إقليم، فيكون التسلسل الإداري في العراق الفيدرالي على النحو الآتي: 1) الدولة الاتحادية، 2) اتحادات الأقاليم، 3) الأقاليم، 4) محافظات الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم. ثم طرحت تصورا طالبت بإدراجه في الدستور عن إمكانيتين، الأولى إمكانية اتحاد أكثر من إقليم في إقليم واحد، مع وضع حد أعلى لعدد محافظات الإقليم كما كان في قانون إدارة الدولة، والثانية إمكانية إعادة تشكيل إقليم ما في أكثر من إقليم. هذا كله كان تحسبا للمستقبل ليس فيما يتعلق الأمر بإقليم كردستان وتطلعات توسعته حصرا، بل خوفا من تأسيس الإقليم الشيعي الكبير على أساس طائفي.
ثم نحن إذا ضمنا الحقوق القومية والدينية والمذهبية والثقافية لكل شرائح ومكونات الشعب العراقي، فما معنى الإصرار على توسيع الإقليم الكردي أو الكردستاني، أو تأسيس السوپرإقليم الشيعي، إلا إذا كان ذلك تحسبا لإمكانية الانفصال الكردي أو الانفصال الشيعي، مما يجعلنا اليوم نقر بصحة هواجس أحزاب المكون السني العربي أثناء العملية الدستورية الأولى، ولذا فتوسيع الإقليم الكردي إلى أقصى حد ممكن، وتوسيع الإقليم الشيعي من جهة أخرى إلى أقصى مساحة ممكنة، يضمن للمتطلعين إلى الدولة الكردية المستقلة والدولة الشيعية المستقلة امتلاك دولة بأكبر مساحة جغرافية ممكنة وأكبر عدد ممكن من الرعايا وأكبر ثروة طبيعية ممكنة. هذا لا يستبطن اتهاما لأحد، بل هو تساؤل مشروع وتعبير عن هاجس يثير القلق.
والذي يزيد من هذا الهاجس هو التحالف بين الحزبين الكرديين من جهة والمجلس الأعلى من جهة ثانية، وهذان الطرفان (الكردي القومي، والشيعي الإسلامي) هما أصحاب التطلعين نحو كردستان بأقصى مساحة ممكنة وشيعستان - إن صح المصطلح - بأقصى مساحة ممكنة. ومن المفارقات أن المجلس الأعلى كان أثناء كتابة الدستور هو صاحب المطالبة وبإصرار بتسمية دولة العراق بـ«جمهورية العراق الإسلامية الاتحادية»، من أجل أن يجعلوا مفردة «الإسلامية» سلعة للمساومة يتنازلون عنها مقابل تنازل الأكراد عن مفردة «الاتحادية»، إذ كان يتمنى الكرد أن يسمى العراق «جمهورية العراق الاتحادية» وأيدهم الكثيرون في ذلك، بما فيهم من الإسلاميين الشيعة قبل نزول أوامر القيادات ذات الارتباط بالمجلس؛ كل هذا تعبيرا من المجلس وبعض الإسلاميين الائتلافيين من غير المجلس عن حساسيتهم تجاه إضافة مفردة «الاتحادية»، وهذا يبين بوضوح إن التحالف (الكردِيَّيني-المجلسي) سينهار عندما تنتفي دوافعه في حال عدم تحقيق الكرد لهدف إلحاق كركوك إلى كردستان، والذي سيعقبه عدم تحقيق المجلس لهدف تأسيس الإقليم الشيعي ذي المحافظات التسع. قلت المجلس والحزبين الكرديين، ولم أقل التحالف الرباعي بضم حزب رئيس الوزراء الحالي، لأن المواقف بين المجلس والدعوة بدت في الآونة الأخيرة متباينة بشكل حاد في الكثير من القضايا، مما يبشر بانفكاك التحالف بينهما، بعدما تفكك الائتلاف العراقي الموحد من قبل.
والذي نأمله كقوى وطنية وتيار ديمقراطي علماني خصوصا من الأحزاب الكردية أن تملك الشجاعة في إعادة النظر في خطابها السياسي وإعادة الحسابات لمبرر استصحاب توجهات ما قبل سقوط النظام الديكتاتوري في جعل النضال من أجل الحقوق القومية الكردية على رأس أولوياتها، أو الجمود عند لحظة سقوط النظام في التاسع من نيسان عام 2003، فاليوم غير ذلك اليوم، والأكراد لم يعودوا يملكون مبررات الخوف على ضياع حقوقهم القومية بعد كل ما اكتسبوه من حقوق في إقليمهم وما ثبت لهم في الدستور، وبعدما تحولوا إلى شركاء حقيقيين في إدارة الدولة العراقية. فاليوم نحتاج إلى أن تتحول الأحزاب الكردية إلى خطاب وطني عراقي، وإلى تكريس التقليد الديمقراطي، ولنا عتاب على رئيس جمهوريتنا إذ بقي في خطابه في مثل هذه القضايا زعيما كرديا، ولم يتحول إلى زعيم وطني عراقي، ومثله يقال عن نائبه الهاشمي الذي بقي زعيما لمكونه في كثير من القضايا، أكثر من كونه في موقع قيادة العراق، هذا ناهيك عن نقدنا المتواصل للسياسيين الشيعة الذي كانوا أصحاب المثل غير الحسن في التأسيس لسابقة حملهم لمشروع شيعي أكثر من حملهم لمشروع عراقي وطني، وهم الذين يفترض بهم أنهم آخر من يفكر بطرح مشروع ضيق لمكونه بدلا من مشروع الوطن، لأنهم ليسوا أقلية كي يستغرقوا في مشروع طائفتهم. نعم الجميع بحاجة اليوم إلى شجاعة وإرادة إعادة نظر جدية في الخطاب والأداء السياسيين.
إني هنا لا أقول أن المطلوب أن نرفض ضم كركوك إلى كردستان في كل الأحوال، أو أن المطلوب دعم مطلب الأحزاب الكردية في هذا الضم، بل الذي أريد أن أقوله أن لا بد أن يكون الحل مرضيا للجميع، ولا بد من العودة إلى المرجعية الحقيقية، التي هي مرجعية اعتماد العقلانية والوطنية والوحدوية والتوافقية واحترام حقوق الجميع بلا استثناء.
01/08/2008
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::