حددتم موعد قدومكم للعراق فدعونا نحدد موعد مغادرتكم

دخل الأمريكان بقرار منهم وتحديد موعد من قبلهم العراق محررين/محتلين. فنقول لهم – سواء في عهد إدارة بوش الحالي أو عهد إدارة أوباما أو مكين المقبل -، لا بد من أن تتحملوا مسؤوليتكم الأخلاقية فيما يترتب على مجيئكم إلى العراق وقيامكم بعملية التغيير، من حيث أنه لا يمكن لكم – أخلاقيا – أن تقرروا مغادرة العراق بقرار منكم ومتى ما شئتم أنتم، كما جئتم بقرار منكم وبتحديد موعد ذلك بأنفسكم. سواء كانت مغادرة قواتكم آخر عام 2011 أو منتصف عام 2009، فإن تحديد أيٍّ من هذين الموعدين أو أيِّ موعد سواهما لا بد من أن يجري بإرادة الطرفين، وبما يراعي مصالح الطرفين. فبينما سمعنا في الفترة السابقة أن مغادرة القوات الأمريكي سيكون في نهاية عام 2011، إذا بنا نسمع مؤخرا من ديڤيد پتريوس قائد القوات الأميركية في العراق في مقابلة له مع صحيفة فايننشيال تايمز الصادرة اليوم الخميس الماضي إن هناك درجة من الأمل لم تكن موجودة قبل تسعة عشر شهرا، وأن البلاد تغيرت كثيرا منذ أن تسلم مهامه في شباط عام 2007، مما يجعله يرجح إمكان مغادرة القوات الأمريكية للعراق في تموز عام 2009 بعد تراجع أعمال العنف في البلاد. لا ندري هل تصريحات پتريوس من قبيل الضغط لكونها جاءت متزامنة مع سعي الولايات المتحدة لوضع اللمسات النهائية لاتفاقية أمنية تحكم وجود القوات الأميركية في العراق بعد انقضاء تفويض الأمم المتحدة نهاية العام الحالي، ولا ندري بأي اتجاه يراد أن يُضغط أمريكيا.

كل إنسان يحب وطنه ويحترم شعبه ويعتز بكرامة إنسان ذلك الوطن يحب أن يرى وطنه خاليا من قوات أجنبية، وأن يرى أن القوات الوطنية وحدها هي التي تؤمّن أمن البلاد وسلامته داخليا وخارجيا، وتملك الدولة زمام أمورها بالكامل وتكون السيادة للشعب وحده. ولكن الأمريكان هم الذين قرروا تفكيك الدولة وتفكيك الجيش العراقي، كي نبدأ من الصفر في بناء دولتنا وقواتنا ومؤسساتنا، وهم يعلمون بعجزنا عن القيام بكل ذلك من غير مساعدتهم، ويعلمون أن خطر تدخلات دول الجوار وخطر عودة قوى التطرف إلى المشهد السياسي والأمني والاجتماعي ما زال محدقا بنا، فالأمن الذي يُتحدَّث عنه، صحيح أنه تحقق منه الكثير، لكنه ما زال أمنا قلقا، والديمقراطية في العراق هي الأخرى ما زالت ديمقراطية قلقة، وما كان قلقا غير مستقر فهو معرض للانهيار لا قدر الله، ومن هنا فإنه من الواجب الأخلاقي لأمريكا ألا تترك العراقيين بأمن قلق وديمقراطية قلقة قبل أن يستقر أمنهم وديمقراطيتهم. فكما قال سياسيون عراقيون معروفون ببغضهم للاحتلال أن خروج القوات الأميركية منتصف عام 2009 سابق لأوانه. أما أولئك الذين يطالبون بالتعجيل بخروج القوات الأمريكية من العراق فهم على أنواع، منهم كذابون يزايدون على الآخرين بوطنيتهم ويستخدمون هذه الورقة لكسب عواطف الشارع العراقي، استخفافا منهم بالجماهير وبوعيهم، ومنهم لعله منفذون لأجندة إقليمة تريد لأمن العراق ولمشروعه الديمقراطي أن ينهارا، ومنهم سذج لا يفهمون تهجي الوطنية تهجيا صحيحا، فيقرأون الوطنية رفضا وعنادا وعنفا وفوضوية بغير حساب ولا إجراء حسابات دقيقة لكل خطوة ولمردوداتها المحتملة، وهؤلاء وإن كانوا يحبون وطنهم، لكنه حب ساذج بسبب أميتهم السياسية. فإن الخروج السابق لأوانه يعني نهوض الميليشيات النائمة من سباتها، لأنها في الحقيقة لم تمت، إنما حُوِّلت إلى موت سريري اصطناعي، وهذا النوع من الموت السريري الاصطناعي ليس كالموت السريري الطبيعي الذي يعقبه في أكثر الحالات موت نهائي، وإنما يمكن للمريض أن يتعافى عندما تُزال عنه أسباب الإماتة السريرية الاصطناعية ويُخضَع لدورة نقاهة. ثم نشاط المخابرات الإقليمية سينتعش بشكل أكثر فاعية وأكثر قدرة على تخريب المشروع الوطني العراقي، فما زالت إيران تتحين الفرص، ولعل دولا أخرى من الجوار ستتحرك بجرأة وفاعلية أكبر مما تمارسه الآن مع وجود القوات الأمريكية.

ومن هنا فإن خروج القوات الأمريكية، إذا كان لا بد من تحديد جدول زمني له، فلا بد إما من أن يحدد السقف الزمني الأقصى الذي قد يحتاج العرقيون للأمريكان خلاله، مع إبقاء احتمال الاتفاق على تقصير المدة وتقريب الموعد بطلب من العراق نفسه وتفاهم مع الأمريكان، إذا ما شُخِّص أن بناء القوات الوطنية قد استكُمِل وخطر الميليشات قد استُئصِل والتدخلات الإقليمية لاسيما المخابراتية قد أُنهِيَت. وإما بالعكس من وضع سقف زمني أدنى أي لأقرب احتمال لتوفير شروط الانسحاب، مع إبقاء احتمال طلب التمديد من قبل الحكومة العراقية مفتوحا، إذا شُخِّص أن شروط الانسحاب لم تُستَوفَ بعد بشكل كافٍ.

أما المزايدات بشعارات الوطنية فلا تخدم مشروعنا الوطني في تحقيق السيادة الوطنية الكاملة غير المنقوصة، وفي بناء الدولة المدنية، دولة الدستور والقانون، التي تُحترَم فيها حقوق الإنسان، ويعيش المواطن فيها آمنا، وتهابها دول الجوار، وتتمتع بسيادة وعزة واقتدار، فتؤسس علاقاتها مع العالم ومع دول المنطقة على أسس الصداقة وحسن الجوار والسلام والاحترام المتبادل وعدم التدخل بالشؤون الداخيلة بالاتجاهين.

09/09/2008

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::