رأي في زيارة مثال الآلوسي لإسرائيل وتداعياتها

منذ مدة وبعيدا عن أضواء الإعلام قبل الوقت المناسب نشتغل أنا ومعي مجموعة من المثقفين العراقيين الليبراليين من داخل وخارج العراق لبلورة مشروع أطلق بمبادرة مني بعنوان مشروع لتجمع للديمقراطيين العراقيين. وهذا المشروع ترك الخيارات مفتوحة أمام التأسيس لكيان سياسي أو منتدى ثقافي وكذلك أمام مساعي تشكيل تحالف وطني ديمقراطي علماني ليبرالي واسع، وأمام مشروع توحيدي للقوى الديمقراطية ذات الرؤى والبرامج السياسية التي تكاد تتطابق، بل وحتى أمام اندماجنا في كيان أو مشروع توحيدي قبل التأسيس أو بعده، فالثابت هو المشروع الوطني العراقي ومحورية الديمقراطية ومبدأ الفصل بين الدين والسياسة والخروج من نفق الطائفية السياسية وتسييس الدين. ومن الشخصيات الليبرالية التي أتواصل معها في التداول حول الهم الوطني هو السيد مثال الآلوسي، كما هو تواصلي مع شخصيات أخرى كالسيد نصير الجادرجي وغيرهما.

وأثناء انهماكي مع جمع من الديمقراطيين العراقيين بحوارات يومية مكثفة منذ أسابيع طفحت إلى سطح المشهد السياسي والإعلامي قضية زيارة السيد مثال الآلوسي لإسرائيل وتداعياتها البرلمانية والشعبية والإعلامية.

وكنت منذ اليوم الأول أنوي كتابة رأيي في هذه القضية، ولكن انهماكنا في تنضيج المشروع قبل إطلاقه إلى فضاء الإعلام والساحة السياسية من داخل العراق كان سببا لتأخري في بيان موقفي من القضية.

أما حرصي على أن أبين وجهة نظري الشخصية، كوني في صدد إطلاق مشروع سياسي، وبالتالي لا بد من تعرف الشارع العراقي على مواقف المبادر والمتصدي لهذا المشروع في القضايا الحساسة. فهي ليست نرجسية كما سيحلو للبعض ربما أن يوصفني بها، ولا هو الاعتداد بالنفس، بقدر ما هي ضرورة أن يكون المتصدون للمشاريع السياسية واضحين للجمهور في مواقفهم تجاه مثل هذه القضايا، ليؤيد من يؤيد عن بينة، ويعارض من يعارض عن بينة، أما الهروب إلى زاوية اللاموقف فليس مقبولا من المتصدين للشأن السياسي الوطني في تقديري، مع احترامي لوجهة النظر التي ترجح الابتعاد عن الخوض في مثل هذه القضية.

وبما أن القضية كان لها من التداعيات ما جعل مجموعة قضايا وطنية وعربية وإسلامية وإنسانية تتداخل مع بعضها البعض، سأتناول تلك القضايا والمواضيع الواحدة تلو الأخرى، صغتها في البداية إلى ما هو أقرب إلى لغة رؤوس الأقلام، أو قل النقاط التي تدرج عادة في بيانات ختامية أو برنامج سياسي، منها إلى المقالة، ثم أعدت صياغتها إلى ما يقترب أكثر إلى ما هو بناء المقالة.

ابتداء لا بد من القول أني ضد ثقافة معاداة اليهود كيهود، ولا بأي درجة كانت، لأن الانتماء الديني لا يعتبر معيارا للصداقة والعداوة، بل المعايير الإنسانية والمعايير الوطنية وحدها هي التي تحدد الموقف، ثم إن قواعد العقلانية وحتى النصوص القرآنية من أمثال «ليسوا سواء» ترفض مواقف التعميم والإطلاق، إضافة إلى ما نعرفه عن معظم اليهود الإسرائيليين المنحدرين من أصول عراقية كم يحملون من الحب والحنين والوفاء تجاه العراق.

المرفوض إذن إنسانيا وعقلانيا ودينيا هو كل تطرف ديني سواء كان بصورة أرثوذوكية يهودية أو أصولية إسلامية أو صليبية مسيحية أو بأي صورة كانت، كالتطرف المذهبي أو ما نعرفه بمصطلح الطائفية، وكذلك كل تطرف إيديولوجي وفكر شمولي يرفض المصالحة والتعايش مع الفكر الآخر المغاير.

ولكن لا بد من التمييز بين الموقف المنفتح والمتسامح والمتعايش مع اليهود كأتباع دين، وبين أصل تأسيس إسرائيل عبر احتلال فلسطين وتهجير شعبها وارتكاب أشنع المجازر ضدهم، وكل ذلك على أساس أسطورة دينية مفادها الأرض الموعودة لشعب الله المختار، التي حتى مع فرض صدقها لا تكون ملزمة إلا للمؤمنين بها، ولا يمكن فرضها على العالم بأسره، لاسيما وإن العالم يتجه اتجاها علمانيا، مما يؤشر إلى ثمة ازدواجية تقع فيها الدول الغربية القائمة على أساس العلمانية القائلة بالفصل التام بين الدين والسياسة من جهة، والخضوع من جهة أخرى لمقولة دينية يمتد عمرها إلى ما يزيد على الألفين والخمسمئة من الأعوام، وبالتالي انحياز هذه الدول إلى إسرائيل، مما ينم عن ازدواجية أخلاقية وسياسية.

ومع كل هذا لا بد من جهة أخرى من إقرارنا بأن إسرائيل أصبحت بعد أكثر من نصف قرن أمرا واقعا لا بد من البحث عن سبل سلمية للتعاطي معه، فتحت خلاله أجيال هي أجيال ما بعد الاحتلال فاتحة عيونها على وطن اسمه إسرائيل بقطع النظر عن شرعية التأسيس. ومن هنا ليس لنا إلا أن نكون داعمين لعملية السلام ووجود دولتين فلسطينية وإسرائيلية ديمقراطيتين علمانيتين تنبذان التطرف اليهودي والتطرف الإسلامي وتتعايشان بسلام، لاسيما وإن عملية السلام أصبحت تمثل إرادة الشرعية الدولية والشرعية الفلسطينية والشرعية العربية على حد سواء.

نعم إني ربما لا أتفاعل مع التعامل مع قضية فلسطين كقضية إسلامية، بل أراها فلسطينية بالدرجة الأولى، وإنسانية بالدرجة الثانية، ولعلها عربية بدرجة ثالثة، ولذا لا بد من الوقوف معها بمقدار ما يتطلب الوقوف مع أي قضية إنسانية عادلة لأي شعب من الشعوب، وإن كانت الرابطة العربية قد تجعلها خاضعة لقاعدة «الأقربون أولى بالمعروف» بنسبة ما قد تتفاوت بين أحدنا والآخر.

كعلماني يحترم الأديان ويؤمن بعلمانية متصالحة مع الدين ولكن يرفض تسييس الدين، أرفض من حيث المبدأ قيام دولة على أساس ديني، سواء على أساس إسلامي (إيران مثالا) أو على أساس يهودي (إسرائيل مثالا)، لكني أرى وجوب التعامل معهما كأمر واقع وعلى أساس مبادئ علاقات حسن الجوار والسلام وعدم التدخل بالشؤون الداخلية بالاتجاهين، دون أن يعني هذا عدم التعاطف مع قضية عادلة لشعب إيراني هنا ولشعب فلسطيني هناك يتطلعان إلى الحرية والديمقراطية.

هذا ومع وجوب إدانة الاحتلال والمجازر الصهيونية، فإنا قد نجد أنفسنا ملزمين أن نكون موضوعيين فنقر بأن إسرائيل دولة ديمقراطية مدنية تحاول أن تتمظهر بمظاهر الحداثة، بما لا نجد له مثيلا في العالم العربي من حولها، وإن كانت هذه الحداثة تصطدم بحقيقة قيام إسرائيل على أساس الأسطورة الدينية التي مر ذكرها، والديمقراطية تصطدم بالمجازر وسياسة الاستيطان والتوسع، لكن مع هذا يجب أن نقر بثمة تحول تشهده السياسة الإسرائيلة وأن نفهم إن إسرائيل اليوم ليست بإسرائيل ما قبل عقدين أي ما قبل اتفاقية أوسلو لعام 1993، وإن كان من جهة أخرى من الذين يحكمون هم أنفسهم أبطال المجازر اللاإنسانية من غير مقاضاة لهم. ونتمنى كديمقراطيين علمانيين أن تكون الكفة في إسرائيل للعلمانيين في مقابل الراديكاليين الأرثوذكس ومتبني الإيديولوجية الصهيونية الشمولية، فهذا أي رجحان كفة العلمانيين الإسرائليين أدعى لتحقيق السلام من جهة، ولكون القوى الديمقراطية العلمانية الليبرالية المؤمنة والملتزمة بمبادئ حقوق الإنسان حليفة لبعضها البعض. وهذا هو ما يفسر المواقف الإنسانية المساندة لحقوق الفلسطينيين التي نتلمسها لدى الكثير من المثقفين والقوى السياسية من الوسط العلماني الليبرالي في إسرائيل.

وكذلك نتمنى للفلسطينيين أن ترجح عندهم كفة العلمانيين الديمقراطيين، الواقعيين، المؤمنين بعملية السلام، والرافضين للإرهاب، والداعين للتعايش مع الإسرائليين، ونبذ ثقافة الكراهة تجاه اليهود، كما هو الحال مع العلمانيين الإسرائيليين الذين يرفضون ثقافة الكراهة العنصرية تجاه الفلسطينيين والعرب، والكراهة الدينية تجاه المسلمين.

هذا كله في الوقت الذي لا أرى من أولويات اهتماماتنا الوطنية كعراقيين بحث ما إذا يقيم العراق أو لا يقيم علاقات ديبلوماسية مع إسرائيل، كما لا أجد مبررا في الوقت الحاضر للحماس للدعوة إلى إقامة هذه العلاقات، لكن في نفس الوقت قد لا أجد مبررا لرفض ذلك بشكل قطعي إذا ما دعا البعض إليه وأعطى مبرراته المعقولة أو القابلة للمناقشة، وإن كنت أحبذ أن يجري ذلك في ظرفه المناسب، ذلك أسوة بكل الدول العربية التي تقيم علاقات ديبلوماسية – وبعضها ودية - مع إسرائيل، دون أن يعني ذلك التسامح مع وجود نشاط للموساد في العراق إن وجد ثمة نشاط كما تؤشر إلى ذلك بعض الأوساط.

ثم لا أدري فيما إذا كنا نحتاج إلى أن نستصحب اعتبار إسرائيل عدوة لدولة العراق أو شعبه لاسيما بعدما تصالح الفلسطينيون أنفسهم معها واعترفوا بها. كما إني قد لا أجد مبررا لوجوب اعتبار إسرائيل دولة صديقة بالضرورة، رغم أننا نتطلع من منطلق إنساني إلى أن تسود الصداقة بين كل الشعوب والأمم والدول والحضارات والأديان، ذلك على قاعدة الالتزام بمبادئ حقوق الإنسان وأسس الديمقراطية والاحترام المتبادل وعدم التدخل السلبي بالشؤون الداخلية.

لكن مع موقفنا الإنساني المعاضد لحقوق الشعب الفلسطيني، ندين كعراقيين التأييد غير المفهوم وغير المبرر إنسانيا وعربيا وإسلاميا من قبل القوى الراديكالية الفلسطينية القومية منها والإسلامية والأوساط الشعبية الموالية لها، ندين تأييدهم لأعداء الشعب العراقي وقتلته، ابتداء بصدام وابنيه عدي وقصي، وانتهاء بالزرقاوي والقاعدة. كما ندين التدخل الإيراني في الشأن العراقي والشأن الفلسطيني والشأن اللبناني على حد سواء، ولا نغالي إذا قلنا ان الدور الإيراني كان الأشد تخريبا في العراق وإضرارا للشعب العراقي وتطلعاته، دون تبرئة أطراف إقليمية ودولية أخرى.

وفي مقدمة الأطراف الدولية لا بد من إدانة الأخطاء القاتلة للأمريكان في العراق، مع أني لا أؤيد اعتبار أمريكا عدوة لنا، بل إني مع علاقة صداقة تحفظ للعراق سيادته وأمنه ومشروعه الديمقراطي وتحميه من الدور التخريبي لإيران ومن قوى الإسلام السياسي المتطرفة ومن أصحاب أجندة الطائفية السياسية. أما إذا ثبت أن هناك مؤامرة أمريكية ضد تطلعات الشعب العراقي فلا بد أن يكون لنا وبكل تأكيد موقف آخر تماما، وحتى هذا الموقف الآخر المفترض يجب أن يوازن بين صلابة الموقف الوطني ومرونة الواقعية السياسية.

وعودا إلى موضوعنا، أي موضوع زيارة مثال الآلوسي الأخيرة لإسرائيل وتداعياتها البرلمانية والشعبية والإعلامية، لا بد من القول في تقديري أن الرجل استطاع وبشجاعة مشهود لها أن يقدم لا أقل في السنوات التي سلطت عليه الأضواء الإعلامية خطابا سياسيا ذا نكهة وطنية متميزة ومؤثرة، لاسيما في إدانة الإرهابيين والمتطرفين والطائفيين من السنة، وإدانة الإرهابيين والمتطرفين والطائفيين وعملاء إيران من الشيعة على حد سواء. لكن هذا لا يعني بالضرورة أننا نتفق معه في زيارته لإسرائيل، بل هو من غير شك خطأ سياسي رهيب ارتكبه من غير مبرر معقول ملموس حتى الآن على أقل تقدير. لكن هل يحق لنا أن نعتبر ذلك بمثابة خيانة للمبادئ الوطنية؟ أقول هنا لا بد من التمييز بين التخطيء والتخوين.

لكن حتى مع تخطيء من يخطئه منا له، نقول ربما تكون للرجل حساباته، التي لو اطلعنا عليها لكان لنا ربما رأي آخر، كما لا يمكن القطع في استبعاد أن تنقلب الموازين بعد حين فتتحول ردود الفعل الشعبية من سقوط سياسي راهن عليه خصومه إلى رصيد شعبي يعتد به، فتتغير المعادلة لصالحه، دون أن أدعي أن احتمالات ذلك كبيرة، لكنها غير مستبعدة. خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار حقيقة أن الذين تصدوا لهجوم على الآلوسي في البرلمان هم غير مقبولين لدى أوساط واسعة من الشعب العراقي، وهم رموز لقوى سياسية تُحَمَّل مسؤولية تكريس الطائفية السياسية وتتهم بالتعاون مع إيران بما ينعكس بأضرار على القضايا الوطنية للعراق، وهذا مما يمكن أن يجعل الكثيرين من أبناء الشعب العراقي، بما فيهم الشيعة، من الرافضين لسياسة القوى السياسية التي يمثلها هؤلاء يقفون مع الآلوسي نكاية بتلك القوى وتعبيرا عن خيبة أملها بها فيهم.

هذا أما الإجراءات والقرارات البرلمانية التي اتخذت، حتى مع فرض تعاطفنا وتضامننا معها، فواضح جدا فيها عدم دستوريتها وعدم قانونيتها. وهذا ما يجعل فرص الآلوسي ليست ضئيلة في ربح المعركة مع خصومه دستوريا عند رفعها إلى المحكمة الاتحادية، إضافة إلى ربحها المحتمل شعبيا. ثم أرى ان القوى الوطنية الديمقراطية العلمانية والليبرالية لا بد أن تعي أن القضية ليست موجهة إلى مثال الآلوسي بقدر ما هي موجهة ضد التيار الوطني الليبرالي. نعم من جهة ينبغي أن يتحمل صاحب الموقف الذي انفرد به تبعات موقفه وحده، ولا تدفع القوى الديمقراطية ضريبة موقفه، لكن من جهة أخرى يجب أن نعي أن القوى الراديكالية إذا ربحت هذه المعركة فستستفحل في الانطلاق في عمليات تسقيط سياسية أخرى متتالية ضد رموز وطنية وقوى سياسية ترى فيها منافسا خطيرا قد يسحب بساط السلطة من تحت أقدامها، إلم يكن في انتخابات 2009، ففي انتخابات 2013 بأقصى الاحتمالات، هذا علاوة على ثمة ضرورات أخلاقية.

هذا هو رأيي وتحليلي الشخصي لهذه القضية، والذي سيتفق معي من يتفق في نقاط ويختلف معي من يختلف في نقاط، ولعل البعض يتفق معي في المنطلقات، ويختلف معي في بعض النتائج، والمهم سواء أخطانا أو أصبنا ان تبقى معاييرنا:

-          العراق

-          الإنسانية

-          العقلانية

-          الديمقراطية

18/09/2008

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::