مدى علمانية أو إسلامية الدستور
ضياء الشكرجي
بعدما تشكلت اللجنة الدستورية في العاشر من أيار، يفترض أن العملية الدستورية قد انطلقت أو ستنطلق عاجلا بفاعلية، وأن الحوارات المثمرة ولكن الصعبة ستجري بسخونة وجدية وإيجابية. ولعل من أسخن ملفات الحوار الدستوري مثار الخلاف هو مدى إسلامية أو مدى علمانية الدستور. طبعا هناك ملفات قد يكون فيها هي الأخرى بعض الاختلاف، لا سيما موضوعة الفيدرالية، التي يفترض أنها حسمت من حيث المبدأ لدى الجميع باستثناء أطراف قليلة جدا، ولكن سيختلف في تفصيلاتها وتفسيراتها.
لكن الذي أريد تناوله بالبحث في هذه المقالة هو موضوعة إسلامية أو علمانية الدستور، وموقع الإسلام منه ودوره فيه. ومما يجب مناقشته هو ما إذا يمكن التوفيق بين الخيارين، فيختار من العلمانية ما لا يتعارض مع الإسلام أو ينتقص منه، ويراعى من الإسلام ما لا ينقض الديمقراطية أو ينتقص منها. مع أنه يجب القول أن ليس في الإسلام في واقع الأمر مما ينقض الديمقراطية، بقدر ما في فهم بعض الإسلاميين من ذلك، ذلك من جراء ثغرات الاستنباط السياسي الإسلامي والوقوع في أسر الثقافة الموروثة لإسلام السلطة، ومن المفرض أن التطبيق الصحيح للديمقراطية لا يتقاطع مع ثوابت الإسلام.
وقد يسأل بعض الإسلاميين، لماذا وجوب التوفيق، ولماذا وجوب مراعاة العلمانية بهذا القدر، ما زال الخط العام لتوجه الشارع العراقي فكرا وثقافة، اعتقادا وقناعة، وعاطفة وحماسا، هو إسلامي الهوية، وما زالت التيارات العلمانية لا تمثل في العراق إلا الأقلية. هنا أقول أن مشروع التأسيس الدستوري للعراق لا ينبغي أن ينظر إليه كمشروع عراقي، أو كمشروع للمقطع الزمني الذي نعيشه، بل هو مشروع إنساني عالمي، وهو مشروع المستقبل الممتد على خط الزمن، أي إنه يتجاوز أطر المكان والزمان. صحيح إن صياغة الدستور هو شأن عراقي بالدرجة الأولى، ولا بد للدستور أن تصوغه الإرادة العراقية وحدها، وليس إرادة أمريكية أو غربية، ولا إرادة الشعوب والأنظمة الإقليمية العربية منها والإسلامية، ولكن الإرادة العراقية التي ستصوغ الدستور العراقي لا بد من أن تكون إرادة واقعية عقلانية منفتحة على المحيط الإقليمي والمحيط الدولي، دون أن يعني هذا إخضاع الإرادة الوطنية لإرادة الغير، وإنما ذلك يمثل النظرة الواقعية الثاقبة التي تعي حقيقة أن العالم أصبح قرية صغيرة، وأنه لا يمكن لأي مشروع وطني لأي بلد كان أن يغفل هذه الحقيقة.
ثم إن التقسيم الثنائي بين الإسلام والعلمانية لا يجب أن ينظر إليه بمعيار الكم والثقل، بل بلحاظ النوع، أي هو تقسيم نوعي، من حيث الإقرار بواقع هذه الثنائية، بقطع النظر عن ثقل كل من عنصري الثنائية هذين. ثم يجب ألا نغفل عن حقيقة أن ليس هناك خط فاصل حاد بين العالمين، عالم الرؤية الإسلامية وعالم الرؤية العلمانية، بل هما متداخلان تداخلا يتشابك ويتمازج بل وقد يتماهى في بعض مفاصله، ويؤثر أحده بالآخر ويتأثر به. فعلى الصعيد الدولي، أصبح الإسلام يؤثر تأثيرا مباشرا في العالم الغربي سلبا وإيجابا، كما إن الغرب يمثل واقعا مؤثرا تأثيرا مباشرا في واقع العالم الإسلامي سلبا وإيجابا. أما على الصعيد المحلي فليس العلمانيون في كل الأحوال وجميعهم في حالة خصومة مع الإسلام، بل كثير من العلمانيين يحترمون هوية غالبية الشعب المتمثلة بالإسلام، بل كثير منهم ملتزمون على النحو العام بأحكام الإسلام، فيما يصطلح عليه بالتدين. كما إن الإسلاميين هم الآخرون ليسوا بالضرورة ودائما في حالة خصومة مع العلمانية، بل كثير منهم يرى مساحة مشتركة واسعة بينه وبين الرؤى العلمانية، فيما لا يتقاطع مع الإسلام، وهو بالتالي يحترم التجربة العلمانية في كثير من مفرداتها، كالعقلانية والاعتدال وقبول الآخر والمساواة في الحقوق وإلى غير ذلك.
وعلاوة على كل هذا فإن الإسلاميين المعتدلين يحتاجون إلى العلمانيين، وهؤلاء هم أيضا يحتاجون إلى أولئك، ليكوّنوا سوية حلفا على خط الاعتدال في مواجهة التطرف على الجانبين، أو على خط المرونة في مواجهة التشدد، أو على خط العقلانية في مواجهة اللاعقلانية، أو على خط الانفتاح في مواجهة الانغلاق والجمود والتعصب على الجانبين. وكثير من العلمانيين واقعيون في تشخيصهم لعدم إمكان تجاوز المد الإسلامي الشعبي، وكثير من الإسلاميين واقعيون في تشخيصهم أيضا لعدم إمكان تجاوز التوجه العلماني العالمي، ومن هنا يشخص عقلاء الطرفين حتمية الالتقاء بينهما، والتوفيق بين رؤاهما والبحث عن المشتركات، والتوافق على آليات حل إشكالية الاختلاف، مع إن الاختلاف ليس بشكل دائم وفي كل الحالات هو بين طرفي هذه الثنائية، بل أحيانا نجد اختلافا داخليا في وسط كل منهما من جهة، والتقاءً بين طيف من هذه الجانب وطيف من الآخر من جهة أخرى.
ومن التوفيقية المطلوبة خفض سقف المطالبة من كل منهما بمدى إسلامية الدولة من جهة، وبمدى علمانية الدولة من جهة أخرى. فكإسلاميين عندما نعمل على عدم رفع سقف المطالبة بدرجة إسلامية الدستور، فذلك لمجموعة أسباب، الأول هو أن رفع السقف يمثل ضربا من التطرف، والذي يدفع ثمن التضرر منه بالدرجة الأولى هو الإسلام نفسه، وذلك من جراء ما يمكن أن يسببه من نفور الكثيرين من المسلمين، وحتى المتدينين منهم من الإسلام أو من الإسلاميين والمشروع السياسي الإسلامي، والابتعاد عنه بدلا من الانجذاب إليه والاقتراب منه. والثاني لكون تصعيد السقف إذا كان فقط لغرض التفاوض من أجل ألا نتنازل إلى ما هو دون الحد الأدنى المقبول كما يرى البعض، فهو ما أرى فيه خطأ كبيرا، أولا لأن النزول عن ذلك السقف العالي المعطى ابتداءً يمثل تنازلا ورضوخا للضغوط مما لا حاجة له، ثم إن ذلك سيعطي انطباعا مجانبا للواقع عنا نحن الإسلاميين، ذلك اننا نختزن في حقيقة الأمر التطرف والتشدد، إلا أننا إنما اضطررنا للرضوخ لمنهج الاعتدال والمرونة، لما مورس من ضغط علينا، دون أن يمثل ذلك حقيقة قناعاتنا في العمق. ولذا يكون الأجدر تقديم السقف المعقول والمقبول من البداية والوقوف عنده، وعدم التنازل إلى ما دونه.
وسبب آخر هو أن رفع سقف المطالبة بمراعاة الهوية الإسلامية دستوريا لن ينفع الإسلام شيئا، إذا ما قد تخلت غالبية الشعب عن تلك الهوية ولو على سبيل الافتراض. وكذلك خفض السقف لن يضر الإسلام شيئا، إذا ما بقيت غالبية المجتمع متمسكة به. إنني على يقين من أن الإسلام ليس بحاجة أبدا إلى رفع سقف المطالبة بمستوى إسلامية الدستور، وهذا ما يدركه معظم الإسلاميين لا سيما المعتدلون منهم وهم يمثلون الأكثرية داخل معظم القوى الإسلامية المعروفة، ولكن الكثيرين منهم يعمدون إلى رفع سقف المطالبة بإسلامية الدستور إرضاءً لمشاعر الشارع الذي يظن خطأ أن المرونة تمثل تنازلا عن الهوية الإسلامية وتفريطا بمصلحة الإسلام، وهنا يكمن الخطأ عند هؤلاء بأنهم يستجيبون لعواطف الشارع، بدلا من أن يحاولوا توعيته على المتبنيات التي يرون صوابها مستندين على قواعد الاعتدال الذي هو من أسس الإسلام، ولا يؤدي إلى التفريط بثوابته كما يتوهم البعض، ثم إنهم لا يلحظون الأكثرية الصامتة التي تتفاعل أكثر مع خط الاعتدال والعقلانية.
أرجع وأقول إن الإسلام لا يحتاج إلى تشديد الشروط الدستورية، فهو قادر بقوته الذاتية وقدرته على الجذب والتأثير على شق طريقه في الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة بنجاح دون حاجته إلى استخدام آليات التشدد. ويشتبه حتما من يتوهم أن المرونة تمثل ضعفا أو تنازلا أو تفريطا. فالأساليب التوفيقية تمثل عين الحكمة، ولا علاقة لها بالالتقاطية كما يتوهمها أصحاب النظرة الساذجة والسطحية والجامدة على القوالب والأشكال والأعراض، لعجزهم عن الغور في عمق الجوهر.
البعض يتصور أننا الإسلاميين قد أعطينا تنازلات عندما تخلينا عمليا - بل وكثير منا نظريا - عن دولة ولاية الفقيه، بل حتى عن هدف الدولة الإسلامية الدينية بمعناها الضيق الأخص، ويعتبر أن ذلك يمثل تخليا عن مشروعنا الإسلامي. هنا أقول أن مشروعنا السياسي يبقى إسلاميا في الجوهر، ديمقراطيا في الأداء والآلية، وديمقراطيا فيما نراه صالحا للإسلام والوطن والمجتمع الإنساني كنظام للحكم المتبنى الآن ومستقبلا. فلا يضيرنا – كما لا يضير الإسلام - أن يطبق الإسلام بنسبة 50% أو 30% أو 90%، إذا كان المسار صحيحا، بل المهم هو أن يطبق الإسلام طوعا بأي مقدار ممكن بالحكمة والموعظة الحسنة وليس بالإكراه، وسياسيا وبالفهم المعاصر تعتبر الديمقراطية هي المساوقة لمفهوم الحكمة والموعظة الحسنة. فالديمقراطية تنسجم كليا مع جوهر الإسلام وروحه ومنهجه، ومن يتوهم خلاف ذلك، فلا ريب من خلال ثغرة فكرية في الفهم والتفسير والاستنباط. فمشروعنا الوطني الديمقراطي إسلامي في الانسجام والمبدأ والمنطلق والهدف، ومشروعنا الإسلامي السياسي هو المشروع الوطني الديمقراطي نفسه تماما.
من هنا أرى الدولة العصرية التي يجب أن يدعو إليها الإسلاميون هي دولة الثوابت والأسس الوطنية والتي هي: 1) النظام الجمهوري، 2) التعددية السياسية والديمقراطية، و3) النظام الاتحادي أي الفيدرالي، 4) احترام هوية غالبية الشعب المتمثلة بالإسلام، وعدم التقاطع مع الثوابت المجمع عليها، 5) الاستقلال والسيادة الوطنية، 6) السلام داخليا وإقليميا وعالميا، 7) وحدة الوطن أرضا وشعبا ودولة ودستورا، 8) العدالة والمساواة في حقوق المواطنة ورعاية حقوق الإنسان، 9) الفصل بين السلطات الثلاث.
على ضوء ما مر هل نقول بإسلامية الدولة، أم نقول بعلمانيتها، وأين يجب أن يكون محل الإسلام من الدستور. جوابا على السؤالين الأولين، أقول نحن لا نسمي دولتنا لا إسلامية ولا علمانية، وإن كانت تملك شيئا من ملامح الإسلامية وشيئا من ملامح العلمانية. أما كون الإسلام دين الدولة الرسمي، فهذا هو الحد الأدنى لمجتمع يمثل المسلمون 97% من تعداده، ومعظم هؤلاء هم متمسكون بإسلامهم ومعتزون به. أما بالنسبة للإسلام كمصدر تشريع قانوني، فلننظر أي من المقولات الآتية ينبغي أن نتبناها يا ترى:
1. الإسلام المصدر الوحيد للتشريع
2. الإسلام المصدر الأساسي للتشريع
3. الإسلام مصدر التشريع
4. الإسلام مصدر للتشريع
5. الإسلام مصدر من مصادر التشريع
1. الإسلام المصدر الوحيد للتشريع
هذه العبارة من حيث المبدأ للإنسان المؤمن بالإسلام تعتبر صحيحة، وهي لا تمنع من الرجوع إلى مصادر أخرى، فالرجوع إليها إنما يكون بالنتيجة برخصة من الشرع الإسلامي نفسه بعنوان أولي أو بعنوان ثانوي، وهذا ما يمكن اعتباره أيضا من قبيل الرجوع إلى الإسلام كمصدر وحيد للتشريع. فالشريعة إذن نفسها تمنح هذه المرونة، وهي ليست جامدة على قوالب محددة. ولكن العبارة قابلة لأن يساء فهمها وتأويلها واستخدامها، بأن تستخدم كمسوغ للتطرف، وانغلاق أمام استفادة المسلمين - ولا أقول استفادة الإسلام - من تجارب الأمم والشعوب والحضارات، هذه الاستفادة التي يدعو إليها الإسلام نفسه. ثم إن العبارة تبعث على المخاوف محليا وعالميا من التشدد ولعله التطرف.
2. الإسلام المصدر الأساسي للتشريع
وإن كانت هذه العبارة أخف من الأولى، فهي تسمح بضم مصادر أخرى مع تأكيد أن الإسلام يمثل المصدر الأساسي وليس الوحيد. ولكن يمكن أن يلاحظ على العبارة بنفس ما لوحظ على سابقتها إلى حد كبير، لا سيما إذا أدت غيرها الغرض إسلاميا.
3. الإسلام مصدر التشريع
وإن كانت هذه العبارة تمثل الصياغة الأكثر مقبولية عند الكثير من الإسلاميين، إلا أن صيغة التعريف تختزن إيحاءات الحصر، وكأننا قد قلنا (المصدر الوحيد)، وقد ذكرت أسباب التحفظ بهذا الخصوص.
4. الإسلام مصدر للتشريع
هذه العبارة التي تم تبنيها في قانون إدارة الدولة، وهي مناسبة جدا، ويخطئ من يتصور أنها تقلل من دور الإسلام، فالإسلاميون لا يحتاجون في الواقع إلا إلى عدم النهي الدستوري عن الرجوع إلى الإسلام كمصدر للتشريع، ويبقى الرجوع إليه وحجم هذا الرجوع مرهونا بحجم الإسلاميين في المجتمع وفي البرلمان، وعلى ضوء قواعد الحكمة، وتشخيص المصلحة بقراءة الواقع قراءة واعية وثاقبة وشاملة وبعيدة، وتشخيص تأثيرات توسيع أو تضييق دائرة التطبيقات الإسلامية في الدولة والمجتمع وطنيا وإقليميا ودوليا، وتبقى الطاقة الذاتية للفكر الإسلامي وكفاءة الإسلاميين وقبول الشارع بهم هي العناصر الكفيلة بعدم التفريط بثوابت الإسلام.
5. الإسلام مصدر من مصادر التشريع
وإن كان المعنى لا يختلف عما قبله من حيث حقيقة المضمون، ولكن فيه تأكيد على عدم حصر مصادر التشريع في الإسلام، ومن ثم فيه إيحاءات لها تأثيرها السلبي على مشاعر الأمة بتهميش دور الإسلام الذي يمثل هويتها وعقيدتها وتاريخها ومنظومتها القيمية من خلال تأكيد التبعيض الذي يقلل ولو معنويا من ثقل الإسلام، وهذا بلا ريب غير مَرضيّ، ما زالت الصيغة السابقة تحقق الغرض.
مما تقدم يكون إذن الخيار الرابع، دون الأول والثاني والثالث والخامس، هو الخيار المقبول إسلاميا ووطنيا وعالميا وعلمانيا وواقعيا وعقلائيا. أما ما هي المصادر الأخرى التي يمكن أن يقرها الدستور، فهي من غير شك الدستور نفسه، وكذلك لوائح ومواثيق حقوق الإنسان المقرة دوليا.
12/05/2005
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::