هوية الدولة العراقية في دستورها الدائم .. جمهورية، ملكية، علمانية، إسلامية، مركزية، فيدرالية ...؟

عندما يُسأل أي طرف سياسي من القوى الوطنية عن تصوره حول طبيعة وهوية الدولة العراقية التي يطمح أن يراها بعد المرحلة الانتقلالية، يأتي الجواب – الإجمالي منه لا التفصيلي – بصيغتين. أما الجواب التفصيلي فسيأتي بلا شك بأكثر من ذلك.

 

نبدأ بالجواب الإجمالي، الذي غالبا ما نسمعه بصيغتين:

الأولى: صيغة عامة إجمالية تتلخص في أن الشعب هو الذي يقرر نظام الحكم وهوية الدولة.

الثانية: صيغة فيها نحو من التفصيل، وذلك بمقدار تحديد الملامح الأساسية لشخصية الدولة العراقية.

 

الجواب الإجمالي الأول صحيح في كل الأحوال، وهو ما ينبغي أن تقبل به كل الأطراف. ولكن هذا لا يتعارض أبدا في أن يكون الحزب السياسي المطروح عليه السؤال قد بلور من جانبه نظريته حول الدولة، مع تسليمه بأن القرار النهائي يكون للشعب، بل أرى أنه لا بد من تحديد الحزب السياسي لتصوراته حول صيغة الدولة ونظام الحكم الذي يطمح لتحقيقه ويناضل من أجله.

 

إذن لندخل قليلا، وقليلا جدا في الإجابة التفصيلية ولو بتفصيل نسبي، أي الإجابة التي تجمع بين الإجمال والتفصيل، فنفصل فقط على مستوى ذكر الملامح الأساسية للدولة. وهذه الملامح الأساسية يمكن تلخيصها في صيغة الإجابة على الأسئلة التالية:

 

  1. ملكية أم جمهورية؟

  2. ديمقراطية أم ديكتاتورية.

  3. علمانية أم إسلامية؟

  4. إسلامية أم ديمقراطية

  5. مركزية أم فيدرالية؟

 

  1. بالنسبة للسؤال الأول، فمع احترامنا لكل رأي، وقبولنا من حيث المبدأ بعرض ذلك على الشعب العراقي للاستفتاء، كي يقول فيه الكلمة الفصل، لا أجد في الواقع مبررا معقولا لطرح الملكية، وذلك للأسباب التالية:

أ‌)        النظام الملكي يعتبر بالنسبة للنظام الجمهوري خطوة إلى الوراء.

ب‌)    قاعدة الاستصحاب العقلائية تقضي بعدم التحول من الحالة القائمة إلى حالة أخرى، من دون مبرر يملك درجة مقبولة من الرجاحة.

ت‌)    مبرر الدستورية والاستقرار النسبي في العهد الملكي على فرض قبوله غير دقيق، إذ موضوع الدستورية والاستقرار ليس بالأمر المرهون بملكية أو جمهورية النظام، فليس هناك من تلازم إيجابيا كان أم سلبيا.

ث‌)    الشريحة الشعبية التي تنادي بالرجوع إلى النظام الملكي لا تمثل نسبة يعتد بها، مع احترامنا لكل أقلية ولكل رأي. وأما بالنسبة للقوى السياسية فباستثناء فصيل واحد - لسنا بصدد تقييم حجمه - تجمع على الإبقاء على النظام الجمهوري.

ج‌)     لم تكن الملكية في العراق تمثل عهدا ديمقراطيا، إلا بالمقارنة بالعهد الصدامي، والعهود الديكتاتورية الأخرى لا سيما العهود المتعاقبة منذ 1963.

ح‌)     ليس هناك أي مبرر معقول لمبدأ الوراثة المتبناة من قبل الملكية، في أن يرث إنسان ما منصب الملوكية - أو أي منصب آخر - من غير أي كفاءات ما عدى كونه أحد أبناء الملك السابق أو القريب الرحمي التالي له في حال عدم وجود الابن.

 

  1. بالنسبة للسؤال الثاني فهو غير مطروح أساسا، لإجماع كل قوى الشعب العراقي على رفض كل صيغ الديكتاتورية، مهما تزوقت بمساحيق ديمقراطية، ولذا فإن أي تحديد أو تقييد مسبق للتطبيق الديمقراطي يعتبر تنافيا مع مبدأ الديمقراطية، وبالتالي فهو ممارسة ديكتاتورية مرفوضة، باستثناء ما تفرضه الديمقراطية نفسها من قيود وحدود وشروط لاحقة برلمانية وبآليات الديمقراطية نفسها، لا بقرار خارج عنها أو سابق لها.

 

  1. وبالنسبة للسؤال الثالث، فنقول أن الدولة والدستور لا ينبغي أن يتأدلجا بقرار مسبق، بل يبقيان محايدين إيديولوجيا. فالحكومة والبرلمان المنتخبان ديمقراطيا هما وحدهما اللذان يسمح لهما أن يتخذا لونا إيديولوجيا، علمانيا كان أو إسلاميا، ولذا ففرض إسلامية أو علمانية الدولة بقرار مسبق هو خلاف الديمقراطية.

 

  1. أما بالنسبة للسؤال الرابع، فلا أجد أن هناك ثمة مقابلة بين أن تكون الدولة إسلامية، أم ديمقراطية، فالديمقراطية تمثل الجامع الوطني الذي يلتقي عليه الجميع. فنحن كإسلاميين لم نتخل بذلك عن إسلامية برنامجنا السياسي، ولكن ذلك لا يكون إلا من خلال الإقرار الحاصل من قبل الناخبين، وليس بقرار مسبق، فإسلامية أو علمانية الحكومة بقرار ديمقراطي لاحق للممارسة الديمقراطية التي تفرض احترام رأي الناخبين أو غالبيتهم أمر ممكن، أما أن يجري ذلك بقرار دستوري سابق فأمر غير مطروح وغير مقبول.

 

  1. وبالنسبة للسؤال الخامس، فطبيعة التنوع في المجتمع العراقي تفرض لامركزية نظام الحكم، فإذا كانت الديمقراطية تعني حكم الأكثرية، فإن الفيدرالية تمثل ضمانة إضافية إلى جانب الضمانات الدستورية الأخرى لحفظ حقوق الأقليات، الذي هو الآخر من لوازم الديمقراطية.

 

وهناك مجموعة أسئلة أخرى تعتبر تفصيلية، من قبيل:

-         من يقف على رأس السلطة التنفيذية؟ رئيس الدولة أم رئيس الوزراء؟

-         بتعبير آخر هل منصب الرئيس تنفيذي أم شرفي؟

-         كمو هو طول دورة الانتخابات للرئيس .. للوزارة .. للبرلمان .. لمجالس الولايات الفيدرالية

-         ما هو عدد الدورات المتتالية لكل من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء؟

 

وهذا كله يحتاج إلى تفصيل قد نتناوله في مقالة لا حقة، وفي هذه المسألة وفي غيرها من المسائل المطروحة فيما يتعلق مثلا بالفيدرالية، يمكن إجراء مقارنة على ضوء دراسة لتجارب دول العلم كـ ألمانيا، فرنسا، أمريكا، وغيرها، مع ملاحظة ما يناسب العراق وخصوصياته.

2005

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::