قصتي مع الدعوة منذ انتمائي حتى استقالتي
ضياء الشكرجي
لست من الذين انفصلوا عن حزب الدعوة انفصالا متشنجا متوترا، فانقلب إلى عدو شديد الحساسية، بل انفصلت عن الدعوة بعد مخاضات وتحولات لها خلفية تاريخية منذ انتمائي حتى استقالتي. وغادرت حزب الدعوة حافظا علاقة الإخوة والصداقة والمودة مع الكثير من إخواني الدعاة، وحافظا احترامي للدعوة وإحساسي بالامتنان لها لما ساهمت في صياغة شخصيتي الثقافية والسياسية والحركية والدينية.
لست هنا بصدد سرد قصة حياتي ببعدها الشخصي، بل من خلال البعد الرسالي والفكري والسياسي، الذي هو ليس ملكي بل ملك من يريد أن يجعل من هذه القصة درسا وعبرة وتجربة ومصدر إثراء. وكمقدمة سأسرد سيرتي الذاتية، وذلك أسريا ودراسيا ودينيا وسياسيا وفكريا، ليس بدافع التحدث عن شخصي، بل باعتبار ذلك يسهم في تكملة رسم ملامح الصورة.
ولدت لأبوين عراقيين عام 1944 في الكاظمية. وأقصى ما أعرفه من نسبي هو جد جدي، فإني ابن محمد تقي بن عبد الحسين بن عبد الكريم بن عبد الرحمن. ولا أدري من يسبق عبد الرحمن. يبدو إن جذورنا إيرانية، إلا أني لم أشعر يوما بانتماء إلى غير العراق، ولم تتكلم أسرتنا غير العربية باللهجة العراقية. لي أخ أكبر مني بأربع سنوات وأخت أكبر مني بسنتين وأخت أصغر مني بست سنوات. توفي والداي مبكرا نسبيا، فوالدي توفي في نهاية عام 1970 على أثر نوبة قلبية، ووالدتي صرعها السرطان بعد ثمان سنوات بالضبط. تزوجت في ألمانيا بإيرانية عام 1968 بعد أكثر من عامين فترة خطبة بعقد شرعي، ولم نرزق بأطفال بسبب عقم اكتشفه الأطباء لاحقا لدي.
ولادتي وطفولتي الأولى كانتا في مركز الكاظمية، ومنذ سن المدرسة سكنا في أطراف الكاظمية في العطيفية قرب جسر الأئمة. من عام 1963 حتى عام 1972 عشت في ألمانيا في مدينة لونبورغ، وكانت دراستي في هامبورغ. بعد عودتي إلى العراق سكنت حي الزهراء في الكاظمية قرب ساحة عبد المحسن الكاظمي لفترة غير طوية مع الوالدة والشقيقتين، ثم سكنت في دار سكن مستقلة مع زوجتي في حي الخضراء – الداوودي. وعند مغادرتي مع زوجتي عام 1980 للعراق أقمنا مع أهلها في لونبورغ، ولكن بعد أشهر انتقلنا إلى هامبورغ وبقينا فيها حتى عودتنا بعد سقوط النظام عام 2003. وحيث لم نسترجع حتى الآن أملاكنا المصادرة تنقلت منذ عودتي حتى الآن ما بين الكاظمية والداوودي والمنطقة الخضراء.
زرت الابتدائية والمتوسطة والإعدادية في الكاظمية، مدرسة العطيفية للأطفال (مختلطة)، ثم مدرسة دجلة الابتدائية للبنين، فمتوسطة الكاظمية ثم إعدادية الشعب في الكاظمية أيضا. كنت في الابتدائية تلميذا متفوقا ثم تحولت في المتوسطة بالتدريج إلى تلميذ متوسط ثم دون المتوسط، ليس غباءً بل كسلا أو انشغالا بالنشاط السياسي في السنوات الأخيرة. غادرت العراق وأنا في الصف الأخير دون تكملة الامتحانات النهائية في تلك السنة على أمل إعادة الامتحانات التي طلبت تأجيلها بسبب عدم التحضير من جراء الانشغال بالنشاط السياسي، ولكن لإصرار والدي غادرت إلى ألمانيا صيف 1963 حتى عام 1972، حيث درست الهندسة المعمارية.
بعد تخرجي عام 1971 عملت لستة أشهر كمهندس معماري في مكتب في لونبورغ الواقعة ستين كيلومترا جنوب هامبورغ. عدت بعدها بناء على رغبة العائلة عدت إلى العراق وعملت إلى جانب شقيقي في إدارة شركة العائلة التي ورثناها عن والدي وهي المعروفة في وقتها بـ «الشركة الشرقية للحلويات» والتي غيرنا اسمها لاحقا إلى «شركة أبو منير للحلويات». إلى جانب عملي في شركتنا مارست مهنتي كمهندس معماري ولو بشكل محدود. وانتهى كل ذلك بهجرتنا الاضطرارية عام 1980. ثم آخر عمل مارسته كان كعضو للجمعية الوطنية للدورة الأولى.
نشأت كطفل لا أحب النظام الملكي ولا حكومة نوري السعيد، لأننا كنا نعتبر كلا منهما عميلا للبريطانيين، ولو أن العهد الملكي كان بالإمكان تطويره إلى وضع ديمقراطي، بعيدا عن الانقلابات الدموية والتي ختمت بالحقبة الصدامية اللعينة. وكنت كطفل متمردا أرفض القيام للسلام الملكي في السينما أو الحفلات المدرسية التي يحضرها وزير المعارف في حينه. لذا ابتهجت أيما ابتهاج مع المبتهجين وأنا لم أبلغ تمام الرابعة عشر من عمري بسقوط الملكية عام 1958. ملت ابتداءً إلى المرحوم عبد الكريم قاسم وإلى ما سمي وقتها بالتيار الوطني والذي كان يتزعمه الحزب الشيوعي، وهذا الميل كان في الواقع الأقرب إلى فطرتي. لكن بسبب ما راج عن إلحاد الحزب الشيوعي تحولت إلى التيار القومي، هذا التحول الذي يمثل ابتعادا عن فطرتي، ثم فوتحت من قبل صديق وزميل مدرسة بالانتماء إلى حزب البعث عام 1960، فتلوثت بالبعث لثلاث سنوات من عام 1960 حتى عام 1963 حيث غادرت إلى ألمانيا. ولا أدري كيف أصبحت بعثيا، بل حتى كيف أصبحت قوميا، وكيف عاديت المرحوم عبد الكريم قاسم. بعد انقلاب عبد السلام عارف على البعثيين هرب مسؤولنا الحزبي ع أ في الكاظمية إلى سوريا وراسلني من هناك محاولا إعادة ارتباطي بالحزب، إلا أني رفضت، كون هذا المسؤول كان أحد من عرفنا عنه لاحقا أنه كان ممن يعذب الشيوعيين ويغتصب الشيوعيات. وسرعان ما اطلعت أكثر على ما خفي علي من جرائم البعثيين، فعاديتهم وندمت أيما ندم على انخداعي وتلوثي بالبعث لثلاث سنوات من سن الخامسة عشر حتى السابعة عشر. وفي السنوات الثلاث التي تبعثت فيها، سرعان ما أصبحت فور انتمائي مسؤول شعبتي في الصف الثالث، ثم مسؤول شعب الصف الرابع في الإعدادية، ومسؤول شعب الصف الخامس ومعاون مسؤول الإعدادية س ب. بعدها بقيت لما يقارب العقدين بعيدا عن النشاط السياسي، ولكن لم أكن بعيدا عن الاهتمام السياسي. عندما عدت إلى العراق عام 1972 بقيت معاديا غير فاعل للنظام، حتى تحولي إلى الإيمان ثانية عام 1977، واتخاذي منحى سياسيا إسلاميا، ولكن من غير انتماء حزبي، بل من خلال زياراتي المتكررة للشهيد محمد باقر الصدر وتأثري به. وفي هذه الفترة لم أكن حتى أعلم بوجود حزب إسلامي، بل قلت مرة لصديق لي أني أتمنى لو يستطيع المرء تأسيس حزب إسلامي باسم «حزب اليسار الإسلامي»؛ «اليسار» لأني كنت دائما أميل إلى اليسار مني إلى اليمين، كون اليسار كان يمثل بالنسبة لي الحالة الوطنية والثورية مقابل التيارات المحافظة والمرتبطة بالأجنبي، وكذلك بسبب البعد الإنساني في اليسار السياسي أكثر مما يتجسد في اليمين، من خلال تبني نصرة الطبقات المحرومة والدعوة إلى العدالة الاجتماعية باعتماد الاشتراكية. حتى في السنوات الثلاث التي تلوثت فيها بالبعث، كان شيوعيو المنطقة يقولون عني كما نقل لي «ضياء خوش ولد بس حيف بعثي»، وحقا قالوا «حيف بعثي». عندما خرجت من العراق عام 1980 تعرفت على عدد محدود من عراقيين آخرين ذوي توجه إسلامي مثلي، كان بعضهم يعيش في العراق في أجواء الدعاة، وبدأنا نفتش عن حزب الدعوة للاتصال به، ثم تحقق ارتباطنا بالحزب من خلال لندن، حيث تولى الإشراف على عملنا (م ر) و(ح ع)، وفي إيران كنا نتواصل مع (ح ش)، حتى ربطنا بـ (إ ج) من أواسط الثمانينات ولغاية العودة إلى العراق. وكنت منذ البداية فيما يسمى بالحلقة الرأسية لحزب الدعوة في ألمانيا، وقمت لقترة بالإشراف الحزبي على مناطق أخرى في أوربا. وبالرغم من ولائي الكامل في الثمانينات للثورة الإسلامية وللإمام الخميني وإيماني بنظرية ولاية الفقيه، بدأت مبكرا مع كثير من الدعاة في نقد التجربة الإيرانية في كثير من تفاصيل الأداء. ومنذ مطلع التسعينات بدأت أعيد النظر في مبدأ ولاية الفقيه، وفي مشروعية الديمقراطية، حتى تحولت في الآخر عن الإيمان بجدوى إقامة دولة إسلامية إلى داعية للديمقراطية، ومناديا بإقامة دولة تعددية ديمقراطية، تتنافس فيها الأحزاب الإسلامية ديمقراطيا مع سائر الأحزاب السياسية الأخرى، وترضى بكل نتائج العملية السياسية الديمقراطية. ثم قمت قبل وبعد سقوط الديكتاتورية بعدة محاولات لإجراء عملية إصلاح فكري وسياسي لحزب الدعوة، وأسست قبل السقوط «المنتدى الإسلامي الديمقراطي العراقي»، وفي العمق كنت أعيش هاجس أن يكون المنتدى نواة لتأسيس «الحزب الإسلامي الديمقراطي العراقي» مستقبلا. ثم بدأت بعد حين في نقد عموم التيار الإسلامي، والذي شمل بالنتيجة حزب الدعوة نفسه، مما آل إلى حسم علاقتي بفك ارتباطي التنظيمي بالدعوة، والذي سبقه تأسيس «تجمع الديمقراطيين الإسلاميين». وكنت في الدورة الأولى عضوا في الجمعية الوطنية الانتقالية وعضوا وبجدارة وفاعلية في اللجنة الدستورية. وكنت قد شاركت في المهجر في مؤتمرات المعارضة التي شارك فيها حزب الدعوة، كمؤتمر بيروت عام 1991 ومؤتمر صلاح الدين عام 1992، كما شاركت من قبل بفاعلية في مؤتمرات أقيمت في إيران، كمؤتمر جرائم صدام عام 1983، ومؤتمر الكوادر الإسلامية عام 1984 للمعارضة الإسلامية، ومؤتمر نصرة الشعب العراقي عام 1985 لعموم المعارضة العراقية. وأخيرا وبكل ثقة أقول أني لو كنت أبحث عن مواقع، لداهنت وساومت وصبرت قليلا حتى انعقاد المؤتمر العام المقبل لحزب الدعوة، حيث أني على يقين تام بأني كنت أملكا فرصة كبيرة جدا للحصول على أصوات كافية من المؤتمرين لأكون احد أعضاء القيادة الجديدة للحزب، ولكني على يقين بأن تبوئي لمثل هذا الموقع لن يزيد من فرص النجاح في إصلاح الدعوة الإسلامية الذي أطمح له، لذا اخترت ما اخترته من موقف.
وتحولاتي في هذا الميدان ذات علاقة بتحولاتي السياسية. نشأت في أسرة كان ربها ملتزما التزاما عاديا من غير ثقافة إسلامية معمقة، ولكنه كان يجسد بشكل رائع رغم محدودية ثقافته البعد الإنساني من التدين. ومع هذا فتحت عيني على دين هو أقرب إلى الخرافة، فكنت أرى في الكاظمية التشابيه والقامات والزناجيل، وكان الدين عندنا عبارة عن خيط أخضر يربط في شباك ضريح الإمام، ومنقلة وحرمل ودعاء يؤتى به من الملة، والتزام مبالغ فيه بأحكام النجاسة وطهارة، ولكن على ضوء الفقه الشعبي، لا الفقه الشرعي. مع هذا كنت أميل فطريا إلى التدين، حيث بدأت وأنا في الصف الرابع الابتدائي طوعا بالصلاة، عندما علمتنا معلمة درس الدين الصلاة. وامتنعت بشدة في بداية شبابي عن شرب الخمر رغم محاولات أقراني في التغرير بي، ثم مارست بعدها ازدواجية التدين بشرب الخمر من جهة مع أصدقاء لي كان بعضهم يصلي ويصوم مثلي، والمحافظة على الصلاة من جهة أخرى. وفي عام 1962 وأنا ما بين الخامسة عشر والسادسة عشر من عمري، انتابني الشك في الدين بل وفي أصل وجود الله تعالى، وعشت سنة كاملة في عذاب الشك، حتى قررت الانفصال عن الدين بكل أبعاده في صيف 1963، عندما خاطبت الله بهذه العبارات «اللهم إني أسألك أن تهديني إلى الحقيقة، فإن كانت الحقيقة هي أنت وكنت أنت الحقيقة، فأسألك أن إليك تهديني، وإلا فلست ربي ولا خالقي، بل لست بكائن، فأكون عندئذ رب نفسي وإله ذاتي». وحيث لم تنزل المعجزة التي توقعتها بسذاجة من السماء كجواب، تحولت إلى الإلحاد وبقيت على هذا الحال لخمسة عشر عاما. طوال فترة وجودي في ألمانيا من عام 1963 حتى عام 1972 وحتى بعد عودتي إلى العراق بقيت على رفضي للدين وعلى الإلحاد بالله تعالى، حتى قرأت صدفة في شباط 1977 كتابا لمصطفى محمود المصري موسوما بـ «القرآن .. محاولة لفهم عصري»، تحولت من خلاله إلى الإيمان، وجرى على ضوء ذلك تحول كلي في حياتي، ونشأت لدي علاقة روحانية رائعة مع الله سبحانه تجسدت بعبادة كنت أستمتع بها أيما استمتاع. وللقصة تفاصيل من حيث مقدمات هذا التحول، وما استتبع التحول من تعرف على الشهيد الصدر، هذه الشخصية الرائعة، وزياراتي المستمرة له، حيث كان يهتم بي فيها اهتماما خاصا، من حيث تخصيصه وقتا لي في مكتبته الشخصية في الطابق الأعلى. وفي التسعينات بدأت مسيرتي الإيمانية تنحى أكثر فأكثر منحى عقليا في فهم العقيدة ومنحى عقلانيا في التعاطي مع كل مفردات الحياة، وظهرت لدي روح النقد والمراجعة لنتاج الكثير من الفقهاء والمفسرين وعلماء الكلام والمفكرين، وبدأ فهمي للإسلام يتخذ ملامح خاصة بي أتميز بها، أهمها تأكيد مرجعية العقل في العقيدة، والتأكيد على جوهر الإسلام وجوهر التدين، الذي حل مكانه على الأعم الأغلب لدى المسلمين شكل الإسلام وشكل التدين، وكذلك تأكيد البعد الإنساني والبعد الأخلاقي والبعد العقلاني للإسلام.
تزودت بالثقافة الإسلامية الشرعية من فقه وأصول ومنطق وتفسير وغيرها ذاتيا، وساعدتني ملكة التأمل على أن أكوّن لنفسي منهجا خاصا بي. وفي أواخر التسعينات وبعد التنسيق مع بعض المراجع والعلماء وبتشجيع منهم كنت أتردد على حوزة المرتضى في دمشق، لأتناول دروسا مركزة على أيدي أساتذة مرموقين، ودرّست خلال ذلك العقائد للصف الثاني وبعدها للصف الرابع من حوزة النساء، وكانت الطالبات يتفاعلن بشكل كبير مع طريقتي في طرح موضوعات العقائد. وفي ألمانيا واصلت التدريس في معهدين وباللغة الألمانية لكل من مادة العقائد والأصول والمنطق واللغة العربية وعلوم القرآن والتفسير.
17/05/2006
ارتأيت أن ألحق رسالتي الموجهة إلى إخوتي الدعاة التي ستتضمنها الحلقة السابعة والأخيرة من هذه السلسلة، بأوراق مشاريع الإصلاح التي قدمتها قبل وبعد السقوط، لتكتمل الصورة، من خلال ربط هذه الرسالة بتلك الأوراق وكذلك برسالة استقالتي من الدعوة، لتتضح الخلفية التاريخية لرسالتي هذه بربط كل حلقات التحول مع بعضها البعض. والملاحق خمسة وهي:
1. ورقة كتلة التأهيل السياسي لمرحلة الدخول في 15/03/2003 (قدمت في آخر مؤتمر عام عقدته الدعوة والذي كان قبيل السقوط).
2. ورقة تيار الوحدة والتجديد أرسلت إلى دعاة مختارين في 21/03/2003.
3. ورقة التيار الإصلاحي في حزب الدعوة الإسلامية (نشرت على موقع كتابات) بتاريخ لاحق.
4. رسالة الإبلاغ بإطلاق مشروع تجمع الديمقراطيين الإسلاميين في 31/08/2005.
5. رسالة فك الارتباط التنظيمي (الاستقالة) في 03/05/2006.
ومن المهم ملاحظة تاريخ كل من الأوراق أعلاه. وسأدرج بعض الإيضاحات، وأميز الإضافات المدرجة بوضعها بين قوسين مضلعين [النص المضاف]، أما ما أرى حذفه لسبب أو آخر، فسأبين مكان الحذف باستبدال النص المحذوف بثلاث نقاط بين قوسين مضلعين أيضا [...].
بسم الله الرحمن الرحيم
«ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون
ولا تكونوا كالذين افترقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم»
هذه مسودة مشروع ودعوة لتشكيل كتلة من الدعاة الذين يمثلون الآن بالفعل تيارا واسعا داخل جسم الدعوة، تعمل على تركيز ثوابتها ضمن النقاط التسع أدناه، كثوابت ترى الكتلة ضرورة تبنيها لهذه المرحلة الخطيرة من تأريخ الدعوة وتأريخ العراق على حد سواء، وكملامح أساسية لـ «لكتلة التأهيل السياسي لمرحلة الدخول»، وتعمل على تحويلها إلى برنامج عمل لعموم الدعوة:
1. الحضور السياسي كأصل ثابت في أداء الدعوة. [حيث كان هناك اتجاهان داخل الحزب، أحدهما يؤكد ضرورة الحضور السياسي بما في ذلك المشاركة في المشاريع السياسية ومؤتمرات المعارضة، والثاني متمثلا بأكثرية أعضاء القيادة ومن يؤيدهم في ذلك كان متحفظا وقرر عدم المشاركة).
2. تأكيد عراقية كل من قرار وقيادة وخطاب الدعوة.
3. حسم فك الالتزام بولاية الفقيه، ورفع المادة ذات العلاقة من النظام الداخلي.
4. الانفكاك كليا عن تأثير التدخل الإيراني في عمل وقرار الدعوة.
5. ضرورة انتخاب أمين عام بصلاحيات قيادية واسعة وفق ضوابط يتفق عليها. [كان أكثر المطالبين بذلك من مريدي الجعفري، ويرون فيه المؤهل لهذا الموقع، ومنهم من كان يرى فيه رمزا للتيار المنفتح والمعتدل والمستقل، في مقابل التيار المحافظ والمتشدد والمتأثر ببعض الأجواء الإقليمية، ثم انقسم مريدو الجعفري أنفسهم بعد السقوط في موقفهم منه إلى مؤيد من جهة، ومتحفظ أو ناقد أو معارض من جهة أخرى. وبعض المطالبين بتثبيت مبدأ الأمين العام كانوا مقتنعين بأصل الفكرة، دون قصد تطبيقها بالضرورة على مصداق محدد. والمعترضون على الفكرة كان أكثرهم من المعترضين على الجعفري، وممن يرى في قبولها خطر انطباقها عليه تحديدا، ومن ثم تكريس موقعه، مما يهدد مبدأ القيادة الجماعية التي اعتمدها الحزب، وهم ما زالوا يختزنون في ذاكرتهم سلبيات التركيز على شخص محدد، كما حصل للدعوة مع كل من الحائري والآصفي من قبل.]
6. تقنين التنوع داخل الدعوة، كضمانة لحفظ وحدتها، وتجنيبها المزيد من الانشراخات.
7. التعجيل بإعادة صياغة البرنامج السياسي والنظام الداخلي المعلن.
8. تثبيت الديمقراطية في برنامج الدعوة السياسي الموسوم بـ «برنامجنا» وتبني التأصيل لها إسلاميا، والتثقيف على مفاهيم هذا التأصيل وتسويقه بالتدريج جماهيريا.
9. وضع برنامج عاجل للدخول.
حيث أن المرحلة مرحلة عمل، وليست مرحلة تنظير إلا بمقدار الضرورة القصوى، رأينا ألا نسهب في المقدمة، ولذا كان لا بد من ضغط العبارة. ومن هنا نثبت ما نريد على شكل رؤوس أقلام وبلغة البرقيات ما أمكن، مع تفصيل نسبي حسب الضرورة التي يتطلبها التوضيح، وذلك كالتالي:
- طبيعة المرحلة الراهنة وخطورتها ومصيريتها، وما نحن مقبلون عليه، يحتم علينا استنفار كل طاقاتنا بلا استثناء.
- الفترة السابقة أظهرت واقع وجود - لعله أكثر من تيار، ولكن إجمالا - تيارين متفاوتين - بقدر لا يمكن الإغماض عنه - في رؤيتيهما للأحداث وطبيعة التعاطي معها، وبالتالي أفرزت – فيما أفرزت - شريحة واسعة جدا في جسم الدعوة، تؤمن بضرورة تركيز النقاط أعلاه، والتي نتناولها لاحقا بشيء أكثر من التفصيل.
- تنوع الرؤى داخل جسم الدعوة لا يجب أن ينظر إليه كظاهرة سلبية، بل لا بد من إبراز إيجابيات هذه الظاهرة، وتسخير هذه الإيجابيات لتفعيل دور الدعوة في الأمة وفي الساحة السياسية في هذه المرحلة نحو أهدافها.
- إذا لم تعالج ظاهرة التنوع بآليات جديدة علينا أن نبتكرها، سيبقى خطر حصول الانشراخات والتشرذم في جسم الدعوة يظلل مسيرتها ويهدد مستقبلها.
من هنا تخاطب هذه المذكرة الدعاة الذين يرون أنفسهم منسجمين مع توجهات المذكرة إلى تشكيل هذه الكتلة داخل الدعوة، والعمل على إقناع الدعوة لتبني آلية جديدة لتقنين التنوع في إطار الوحدة، بصيغة تشبه إلى حد ما الكتل البرلمانية داخل البرلمان، بحيث تكون لكل كتلة ملامحها ورموزها وقائمتها الانتخابية، كما تخاطب المذكرة الدعوة، ولاسيما الشخصيات القيادية فيها أو المرشحة لتقوم بدور قيادي في المرحلة الراهنة والمقبلة، لدراسة نقاط المذكرة والتأمل فيها جيدا.
والآن نتناول النقاط التي ذكرت في مطلع المذكرة، لتوضيح المراد منها بشيء قليل من التفصيل:
لا بد من رفع اللبس في أن هذه النقطة لا تريد أن تتناول مصاديق هذا الحضور، ومناقشة صواب أو عدم صواب قرار المقاطعة لكل من مؤتمري لندن وصلاح الدين، بل تريد تثبيت أن الحضور السياسي وعدم الغياب عن الساحة السياسية والمشاريع السياسية والفعل السياسي والتحاور مع كل الأطراف وطنيا ودوليا وإقليميا يمثل الأصل الثابت في عمل الدعوة في هذه المرحلة أكثر بكثير مما هو حاصل حتى الآن، مع أن كل قضية كمصداق لهذا الحضور خاضعة للدرس في وقتها، ولكل قاعدة استثناءاتها.
وهنا لا بد من الحذر أشد الحذر من الوقوع في خطأ إيجاد نـَفـَس عنصري داخل الدعوة، بل المقصود هنا أن الدعوة يجب أن تكون عراقية الاهتمام والهم والقرار والقيادة ولغة الخطاب. ويجب إبعاد كل ما من شأنه أن يضعف من عراقية الدعوة، ويدخل التأثير الخارجي كعنصر في جسم الدعوة ومسيرتها.
وهنا نريد أن نخلص الدعوة من الازدواجية، في جعل مواد النظام الداخلي منسجمة مع واقع الدعوة في خطها العام وتوجهات دعاتها. ففي الوقت الذي فكت الدعوة ارتباطها من الناحية العملية من مبدأ ولاية الفقيه مفهوما ومصداقا، نجد أن المادة التي تنص على تبني هذا المبدأ ما زالت مدرجة في النظام الداخلي، ولذا يجب - كضرورة ملحة جدا من ضرورات المرحلة - أن ترفع هذه المادة بشكل حاسم ويعلن عن ذلك، واستبدالها بما يضمن التزام الدعوة بالضوابط الشرعية، دون تحديد آليات ومصاديق تلك الضوابط.
ومن الناحية العملية لا بد من التوضيح بكل شجاعة لإخواننا الإيرانيين وجوب الكف كليا عن حشر أنفسهم في شأن الدعوة وعن مواصلة محاولات التأثير على سيرها وقراراتها. فمن خلال تجربة أكثر من عقدين ثبت لنا باليقين القاطع، أن تدخل إخواننا الإيرانيين لم يكن في منفعة الدعوة وأهدافها أبدا، ولا بمنفعة القضية العراقية عموما، بل بالعكس كان في أغلب الحالات مسببا للأضرار الفادحة بالدعوة والانشقاقات داخل جسمها، وإرباك وضعها، وتلكؤ قراراتها، وعرقلة مسيرتها. لذا لا بد من الأخذ بنظر الاعتبار أن نعمل ما بوسعنا على إبعاد كل ما يمكن أن يجعل للتدخل الإيراني في الدعوة أي أثر من الآن فصاعدا.
من عناصر قوة أي تنظيم سياسي وجود شخصية قيادية على رأس هرم التنظيم، تجمع بين الرمزية والناطقية وقدر معقول من الصلاحيات، وذلك بدون إلغاء الصيغة الجماعية للقيادة والقرارات كليا، بل من خلال ضوابط - تتم مناقشتها وإقرارها - تضبط حركة الرمز القيادي الذي نريد أن نسميه بـ «أمين عام حزب الدعوة الإسلامية».
وقد قدمنا لذلك من خلال بيان أن التنوع في الرؤى لاسيما في القضايا المهمة أصبح ظاهرة واضحة لا يمكن إغماض الأعين عنها، وكواقع أصبح يطبع ملامح الدعوة بقوة أكثر من ذي قبل. وإذا لم نعالج ظاهرة واقع التنوع هذه ونقننها، سيكون ذلك بمثابة بؤرة خطر جديد تتعرض له الدعوة، يهدد بتكرر حالات الانشراخ والتشرذم. من هنا ندعو إلى تبني صيغة الكتل البرلمانية داخل البرلمان - أي داخل (الدعوة) - الذي يضم كل هذه الكتل، أو صيغة الفيدراليات داخل جسم الدولة الاتحادية الموحدة اللامركزية (الدعوة). نعتقد أن تبني هذه الصيغة أصبح يمثل ضرورة قصوى، وإن إرجاء البت فيها يعني القبول بتكريس الأخطار الفادحة على جسم الدعوة، الذي يحتاج إلى الوحدة أكثر من أي وقت آخر، والوحدة لا تكون بالتغاضي عن ظاهرة التنوع، بل بتقنينها.
عندما تنتقل الدعوة إلى الداخل يجب أن يكون لديها شيئان جاهزان، البرنامج السياسي (برنامجنا)، والنظام الداخلي المعلن. وكلاهما يجب أن تعاد صياغتاهما بشكل عاجل جدا. وإذا كان النظام الداخلي يتحمل قليلا من التأجيل، فإن البرنامج السياسي لا يتحمل التأجيل أبدا، لأنه يجب أن يكون الآن جاهزا لتوزيعه على الجماهير داخل العراق. ويجب أن يصاغ البرنامج بالتمييز فيه بوضوح بين الفقرات التي تمثل للدعوة مشتركا وطنيا مع كل الأطراف وثوابت الحد الأدنى لهذا المشترك، وبين ما يمثل البرنامج السياسي الخاص للدعوة حال تسنمها لمهام المسؤولية، مع بيان آليات الائتلاف الحكومي الممكن وثوابته مع أطراف إسلامية الأخرى، أو مع أطراف علمانية. ولعدم توفر سعة كافية من الوقت، يجري تبني (برنامجنا) [الصدر عام 1992 في لندن] مع إضفاء التعديلات والإضافات اللازمة، وإدراج مقدمة للطبعة الثانية المعدلة.
إنه من الضرورة بمكان أن تحسم الدعوة في هذه المرحلة موقفها بكل وضوح من الديمقراطية، وتؤصل لها إسلاميا، وتثبتها في برنامجها السياسي، وذلك بلغة خطاب توفق فيه بين رفع الهواجس لدى الأطراف السياسية الوطنية العلمانية والأطراف الدولية ذات التأثير على المسار السياسي في العراق في المرحلة المقبلة، بتوضيح موقفنا من الديمقراطية من غير أي تردد أو تلكؤ، وبين مراعاة مشاعر الجماهير الموالية في الداخل. [فالدعوة كانت حالها حال بقية القوى الإسلامية تتجنب حتى استخدام مصطلح الديمقراطية في أدبياتها، مع إن كاتب هذه السطور قد بدأ منذ مطلع التسعينات يحاول معالجة هذه المشكلة، وإن لطروحاته المعروفة – كما ولطروحات أقلام أخرى من داخل الحزب - جوا واسعا جدا من المؤيدين في أوساط الدعاة.]
وهنا يترك هذا العنوان من غير تفصيل، تاركين تفصيله للإخوة أصحاب الخبرة الميدانية، ولكن على النحو العام لا بد من وضع خطة للدخول وكيفية إزالة عقباته المحتملة، ولكيفية التواصل والتنسيق في الداخل، وقبلها لا بد من القيام بجرد للدعاة الذين ينوون الدخول عاجلا، أو الذين يدخلون بعد حين، مع دراسة كل متعلقات وتبعات الدخول.
وأخيرا ندعو الإخوة الدعاة الذين يرون أنفسهم منسجمين مع الخطوط العريضة لتوجهات الكتلة التي ندعو لتشكيلها، مع إمكان إحداث بعض التعديل على صياغة مذكرة الكتلة هذه، وترشيح من يرون إيصال المذكرة إليه في كل منطقة من مناطق عمل الدعوة وانعقاد مؤتمرها العام. كما ندعو القيادة الحالية والقيادة المنتخبة أن تتعاطى مع هذه الورقة، ومع إخوانهم في الكتلة – إذا تشكلت – ومع أصحاب المبادرة بروحية عالية من المسؤولية وسعة الصدر والموضوعية والجدية مما ينسجم مع موقعهم القيادي.
15/03/2003
بسم الله الرحمن الرحيم
التاريخ: 21/03/2003
الموضوع: استبدال مبادرة «كتلة التأهيل السياسي لمرحلة الدخول» في «حزب الدعوة
الإسلامية» بـ مبادرة «تيار الوحدة والتجديد».
درجة الأهمية: قصوى ومستعجلة وذات طبيعة مصيرية
المحرر: ضياء الشكرجي
أخي العزيز
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إني اخترتكم واحدا من عدد محدود جدا من الدعاة لمخاطبته بهذا الشأن الهام والخطير الذي يتعلق بمستقبل الدعوة.
أعلم جيدا أن بدء الحرب والكثير مما يترتب على ذلك هو الأمر الذي يتخذ موقع الصدارة في أولويات اهتماماتنا في الوقت الراهن. مع هذا أدعي أن الموضوع الذي أطرحه هنا بالفعل ذو طبيعة مصيرية بالنسبة لـ
1. حزب الدعوة الإسلامية
2. الحالة الإسلامية في العراق
3. التشيع في العراق
4. عموم القضية الوطنية العراقية
هذه الورقة تشبه من حيث المضامين والدوافع ورقتي التي قدمتها قبيل وأثناء انعقاد مؤتمر الوحدة الأخير - حال اطلاعكم عليه - والموسومة بـ «ورقة كتلة التأهيل السياسي لمرحلة الدخول».
وحيث أن الورقة لم تشق طريقها إلى المناقشة لأسباب عديدة، ولكنها لاقت صدى إيجابيا جدا لدى الكثير من المؤتمرين، عملت على إعادة صياغة المضامين ليس فقط بتغيير شكلي لبعض المسميات، باستبدال مفردة «كتلة» بمفردة «تيار»، وتسمية «التأهيل السياسي لمرحلة الدخول» بـ «الوحدة والتجديد»، بل كذلك بإعادة النظر بالمحتوى، لاسيما أن عدم مناقشة الورقة في المؤتمر كان سببا مهما في إعادة الصياغة هذه، لأنه كان مأخوذا بنظر الاعتبار في الصياغة كون الورقة يمكن أن تناقش في المؤتمر.
والمبادرة تقوم أساسا على مجموعة ركائز هي:
1. حقيقة وجود التيار الذي تتحدث عنه المبادرة.
2. كون الإبقاء على صوت هذا التيار مكبوتا يشكل بؤرة خطورة بانشراخ جديد، لأن أغلب أفراد التيار تتفاعل في داخلهم أفكار يرونها كحلول يعالجون فيها أزمة المفارقة التي يعيشونها من فترة غير قصيرة بين قناعاتهم العميقة والمسار العام للدعوة. وهذه الحلول أو المواقف التي يفكرون بها هي أحد الثلاثة أدناه:
أ) ترك التنظيم.
ب) الانقسام وبالتالي شرخ الدعوة.
ت) تأسيس تنظيم جديد يلبي تصوراتهم.
3. الفائدة الكبيرة جدا للدعوة والتيار الإسلامي والتشيع والقضية الوطنية في جعل صوت هذا التيار مسموعا ومعلنا عنه. [مع إني أؤمن الآن ببلورة مشروع سياسي ديمقراطي وطني، أكثر مما يكون إسلاميا أو شيعيا بوجه خاص.]
4. اعتبار أن تقنين ظاهرة التنوع كفيل بحفظ الدعوة من الانشراخ، وبإثراء الفكر السياسي بها، ويمثل سابقة حزبية حضارية.
من هنا أرجو منكم ما يلي:
1. قراءة ورقة «تيار الوحدة والتجديد» قراءة متأنية والتأمل بدقة واهتمام بمضامينها.
2. بيان وجهة نظركم فيها من خلال إثراء الورقة بإجراء التعديلات اللازمة أو نقدها أو تثمينها.
3. ترشيح من ترون التحرك عليه في عموم مناطق تواجد الدعاة.
شخصيا أرى ضرورة الإعلان عن الورقة الآن وقبل دخول العراق، أو إذا ما تسارعت الأحداث، ففي المراحل الأولى للدخول. وإني مدرك جدا بحساسية المرحلة مما قد يجعل البعض رغم تفاعله مع أفكار الورقة متحفظا من طرحها الآن، ولكن أرجو التفكير جيدا، أن لو لم يكن ذلك الآن فمتى إذن؟ مع العلم إني مستعد أن أستقبل كل ملاحظة من إخواني، من أجل الوصول إلى تصور جامع بأصل التحرك بالفكرة أو إلغائها، ثم ببحث التفاصيل في حال قبولها من حيث المبدأ.
وفقكم الله لما فيه مصلحة الدعوة الإسلامية، والقضية الإسلامية، والقضية الوطنية للعراق، وقضية التشيع.
أخوكم: ضياء الشكرجي
21/03/2003
بسم الله الرحمن الرحيم
مسودة
ورقة التيار الإصلاحي
في حزب الدعوة الإسلامية
«قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين»
لا يخفى على أحد من الدعاة والمطلعين وجود ظاهرة تنوع الرؤى داخل الدعوة، اتخذت في السنين الأخيرة، ولعله في الأشهر الأخيرة ملامح أكثر وضوحا من أي وقت مضى. وهذه الظاهرة يمكن أن تحمل في داخلها بذور خطر انشراخ وتمزق جديد في جسم الدعوة لا سمح الله، إذا لم ينظر إليها كحالة صحية تنم عن ديناميكية الاجتهاد الفكري والسياسي عند الدعاة، بحيث تعتبر ظاهرة التنوع هذه بالتالي ظاهرة قوة وصحة وإثراء، لا ظاهرة ضعف وسقم في جسم الدعوة، من خلال الاعتراف بها والتعاطي معها بروح الواقعية والموضوعية والمسؤولية، وبالتالي تقنينها.
ولكن الخطر الذي تواجهه الدعوة أمام هذه الظاهرة لا يكمن فيها، بقدر ما يكمن في ما إذا حاول الصوت الذي مكنته مجموعة ظروف أن يفرض نفسه على التوجه الرسمي المعلن للدعوة أن يكبت الصوت الآخر، أي صوت أصحاب التيار الإصلاحي في الدعوة. لكننا نتوقع من قيادة الدعوة والمتصدين في المواقع المتقدمة والمؤثرين على مسارها الفكري والسياسي أن يكونوا أوعى من أن يكبتوا صوت إخوانهم أصحاب هذا التيار. ومن خلال القناعة العميقة بالأضرار التي ستصيب «حزب الدعوة الإسلامية» إذا ما بقي صوت هذا تيار غير مسموع وبعد طول تأمل وبعد التوكل على الله، رأى صاحب المبادرة للإفصاح بشكل واضح عن حقيقة وجود هذا التيار وضرورة أن يخرج هذا الصوت إلى كل المعنيين في القيادة وأعضاء المؤتمر وبقية الدعاة ذوي الاهتمام مسموعا بشكل واضح لا لبس فيه.
وبالرغم من أن هذه الورقة كتبت من قبل صاحب المبادرة، فإنه اختار أن يتحدث بلغة الجمع، لأن البيان يعبر عن توجهات شريحة واسعة جدا من الدعاة تمثل الملامح المشتركة لنظرتهم لمجمل المسائل الفكرية والسياسية المطروحة في هذا البيان، وذلك لا من موقع التخمين والادعاء، بل من موقع القطع واليقين بحقيقة وواقع لا غبار عليهما أبدا، بحيث يمكن القول بلا أي تردد أن هذه الشريحة من الدعاة تمثل تيارا يملك كل مقومات التشكيل.
أما انفراد صاحب المبادرة بكتابة هذه الورقة دون مراجعة إخوانه من الذين يشاركونه في الخطوط العريضة التي سيرد ذكرها، فلكون المرحلة لا تتحمل الانتظار أبدا، بل كان لا بد من كتابة هذه الورقة الآن وليس بعد حين. ولذا فإن الورقة قد لا تعتبر نهائية، بل هي قابلة للتنضيج والترشيد.
أما الملامح الأساسية لهذا التيار فهي النقاط السبع من مجموع تسع نقاط كانت قد أعدت كورقة تضمنت لتناقش داخل مؤتمر الوحدة الأخير، ولكن لم تتوفر الفرصة لذلك، كما لم تتوفر لمناقشة كل القضايا الخطيرة والحساسة والعاجلة التي كان يجب أن تناقش في سعة من الوقت، بحيث يستوعب المؤتمر ما لا يقل عن يومين، بكم حساسية المرحلة التي ربما تمثل منعطفا حادا وتاريخيا لكل من القضية العراقية والقضية الإسلامية والقضية الشيعية على حد سواء. والنقطتان الإضافيتان كانتا إضافة إلى النقاط أدناه ضرورة انتخاب أمين عام بصلاحيات قيادية واسعة وفق ضوابط يتفق عليها، ووضع برنامج عاجل للدخول، قد حذفتا باعتبار أن الأولى لم يـُتمكن من حسمها الآن، وهي وإن كانت تمثل حاجة ملحة حسب قناعة الكثيرين منا، إلا أنه قد لا يصدق عليها عنوان الملامح الأساسية للتيار، وربما لا تحضى بإجماع لدى كل أفراده، وأما الثانية فتمثل حاجة آنية. لذا تم الاكتفاء بذكر النقاط الست أدناه، التي تعتبر بمثابة الملامح الأساسية لهذا التيار:
1. الحضور السياسي كأصل ثابت في أداء الدعوة.
2. تأكيد عراقية كل من قرار وقيادة وخطاب الدعوة.
3. حسم فك الالتزام بولاية الفقيه، ورفع المادة ذات العلاقة من النظام الداخلي.
4. الانفكاك كليا عن تأثير التدخل الإقليمي لاسيما الإيراني في عمل وقرار الدعوة.
5. تقنين التنوع داخل الدعوة، كضمانة لحفظ وحدتها، وتجنيبها المزيد من الانشراخات.
6. تثيبت الديمقراطية في برنامج الدعوة السياسي الموسوم بـ «برنامجنا» وتبني التأصيل لها إسلاميا، والتثقيف على مفاهيم هذا التأصيل وتسويقه بالتدريج جماهيريا.
ولا بد من إزالة اللبس في أن تثبيت النقاط أعلاه واعتبارها ثوابت وملامح أساسية لهذا التيار لا يعني دعوى أن «حزب الدعوة الإسلامية» يتقاطع كليا مع هذه الثوابت، وإلا فلو كان هناك ثمة تقاطع بين الدعوة وقناعات أفراد التيار من الدعاة، لما بقي مبرر لهم أن يبقوا في حزب يرون ثمة تقاطع بين ثوابتهم التي يحملون قناعات عميقة بها وتوجهات الدعوة. مع هذا هناك مبررات للإفصاح عن هذا التيار وذلك للأسباب التالية:
1. بعض هذه النقاط غير محسومة بشكل نهائي من قبل «حزب الدعوة الإسلامية» رغم عدم تقاطعه معها، بل رغم انسجامه مع بعضها، ولقناعة أفراد التيار بضرورة الحسم جاءت فكرة الإعلان عن التيار ونشر بيانه.
2. بعض هذه النقاط قد تكون متبناة ولكن ليس بالقدر الكافي من الوضوح بحيث تتحول إلى ملامح أساسية لـ «حزب الدعوة الإسلامية» وقرارته ومواقفه وأدائه على النحو الرسمي، وإن كان ذلك يمثل تيارا واسعا في صفوف الدعاة.
3. بعضها قد يكون متبنى ولو ضمنا، ولكن لم يتحول إلى موقف رسمي معلن.
4. بعض هذه الملامح في طور النمو والتكامل ولكن هذا النمو والتكامل ما زال بطيئا نسبة إلى ضرورات المرحلة التي يشخصها التيار.
إن لقناعة الدعاة في هذا التيار بوجوب الحسم أولا، والوضوح ثانيا، والإعلان ثالثا، والإسراع رابعا، رأى ضرورة الإعلان للقيادة والدعاة المعنيين عن هذه الثوابت بشكل حاسم وواضح ومعلن والآن لا غدا، من أجل أن يتدارك ما يتصور أن عدم التدارك فيه قد يشكل ضررا كبيرا، ولحرصه في عدم الانفصال عن جسم الدعوة وتعريضه لها إلى انشراخ وتمزق جديدين.
من هنا اختار صاحب المبادرة للتيار اسم «الوحدة والتجديد»، وذلك من خلال الإيمان أن إظهار صوت هذا التيار يجنب الدعوة أخطار التصدع ويحافظ بالتالي على وحدتها ولذا «الوحدة»، ومن خلال الإيمان أن هذه الملامح تمثل تجديدا ضروريا في جسم الدعوة، من أجل تجنيبها الشيخوخة ولذا «التجديد»، ومن ثم إيمانا منا بان ظاهرة التنوع في الجسم التنظيمي الواحد تمثل ظاهرة حضارية وعنصر قوة وإثراء لذلك الجسم. فلم نختر ما اختاره غيرنا من قرار الانفصال عن الجسم الأم، لمجرد الاختلاف في بعض التفاصيل، ولم نتخذ قرار التأسيس لإطار تنظيمي جديد، إيمانا منا بأن تقوية هذا الوجود المتمثل بـ «حزب الدعوة الإسلامية» بفكره وتأريخه وأمل الأمة فيه أجدر من تمزيقه وتصديعه. فنحن دعاة «وحدة» و«تجديد»، فلا التجديد يجوز أن يكون مبررا للتفريط بوحدة الدعوة، ولا الوحدة يجوز لها أن تكون مبررا للجمود وعدم التجديد، وتفويت فرص طرح ملامح هذا التيار الآن. [لم يعد الإبقاء على وحدة حزب الدعوة قضية مصيرية لا للإسلام ولا للقضية الوطنية العراقية، لأن أصل الأسس التي قامت عليها الدعوة ومعظم الأحزاب الإسلامية أصبح من الواجب إعادة النظر فيه جذريا، بما في ذلك ما سمي بمشروع أسلمة المجتمع أو أسمة الحياة أو الدعوة الإسلامية، التي هي ليست من مهام حزب سياسي. ثم لا يجوز إغفال حقيقة أن تلكؤ وتعثر وتأخر العملية السياسية كان بدرجة أساسية بسبب التيارات الإسلامية وأدائها السياسي، بما في ذلك منهج تسييس الدين وتسييس المذهب وتسييس الرموز الدينية، هذا كله الذي أضر بالمسيرة السياسية بل وبالإسلام حتى الآن أكثر مما نفعهما.]
ولا بد من بيان المراد من كل نقطة من النقاط بشرح موجز.
لا بد من رفع اللبس في أن هذه النقطة لا تريد أن تتناول مصاديق هذا الحضور، ومناقشة صواب أو عدم صواب قرار المقاطعة لكل من مؤتمري لندن وصلاح الدين، بل تريد تثبيت أن الحضور السياسي وعدم الغياب عن الساحة السياسية والمشاريع السياسية والفعل السياسي والتحاور مع كل الأطراف وطنيا ودوليا وإقليميا يمثل الأصل الثابت في عمل الدعوة في هذه المرحلة أكثر بكثير مما هو حاصل حتى الآن، مع أن كل قضية كمصداق لهذا الحضور خاضعة للدرس في وقتها، ولكل قاعدة استثناءاتها. كما إن هذه النقطة لا تعني دعوى غياب الدعوة سياسيا، بل لأن الدعاة في التيار يجدون أن الحضور السياسي لم يكن بالمستوى المطلوب، إلا من قبل بعض الحاضرين بقوة، ولكن المواجهين في نفس الوقت للكثير من العقبات والإعاقات والتحديات.
وهنا لا بد من الحذر أشد الحذر من الوقوع في خطأ إيجاد نزعة عنصرية داخل الدعوة، بل المقصود هنا أن الدعوة يجب أن تكون عراقية الاهتمام والهم والقرار والقيادة ولغة الخطاب. ويجب إبعاد كل ما من شأنه أن يضعف من عراقية الدعوة، ويدخل التأثير الخارجي كعنصر في جسم الدعوة ومسيرتها، مع الحفاظ على البعد الإنساني وسعة الهم الإسلامي العام في فكر الدعوة وبرنامجها الثقافي والتربوي، ولكن لا بد في ذلك من تحديد الأولويات والالتزام بضوابط الحكمة في الأداء السياسي والاستفادة من تجربة سلبيات تأثير العنصر غير العراقي في المسيرة السابقة. [وإنصافا لا بد من تثبيت حقيقة أن حزب الدعوة قد دفع لعقود من الزمن أكثر من أي من الأحزاب الإسلامية المؤثرة الأخرى ضريبة منهجه المستقل، ولكن كان دائما هناك بعض المنسقين من القياديين مع إيران بدرجة لا يرتاح لها أكثر الدعاة، بل يرون في ذلك الخطر على الدعوة وعلى شيعة العراق وعلى عموم القضية الوطنية العراقية.]
وهنا نريد أن نخلص الدعوة من الازدواجية، في جعل مواد النظام الداخلي منسجمة مع واقع الدعوة في خطها العام وتوجهات دعاتها. ففي الوقت الذي فكت الدعوة ارتباطها من الناحية العملية من مبدأ ولاية الفقيه مفهوما ومصداقا، نجد أن المادة التي تنص على تبني هذا المبدأ ما زالت مدرجة في النظام الداخلي، ولذا يجب - كضرورة ملحة جدا من ضرورات المرحلة - أن ترفع هذه المادة بشكل حاسم ويعلن عن ذلك، واستبدالها بما يضمن التزام الدعوة بالضوابط الشرعية، دون تحديد آليات ومصاديق تلك الضوابط. وإن الدعاة في تيار الوحدة والتجديد يدركون مع ذلك حساسية القضية بلحاظ بعض الجوانب المؤثرة فيها، لكنهم يرون ضرر التغاضي عن هذه القضية أكبر من مواجهة إشكالات إجراء الرفع، لا سيما إذا لم يقتصر تعديل أو إعادة كتابة النظام الداخلي على مفردة الرفع هذه، بل كان إجراءً شاملا.
وهنا نحذر من ظاهرة الحساسية المفرطة عند البعض من إيران والإيرانيين، مما قد يقترب من مساحات النزعة العنصرية التي نرفضها تماما، ولكن نذكر الجميع بالإجماع بتشخيص الأضرار التي لا يستهان بها من جراء التدخل الإيراني في شأن الدعوة حتى الآن. ومن الناحية العملية لا بد من التوضيح بكل شجاعة لإخواننا الإيرانيين وجوب الكف كليا عن حشر أنفسهم في شأن الدعوة وعن مواصلة محاولات التأثير على سيرها وقراراتها، مع حرصنا على الحفاظ على علاقات الأخوة الإسلامية التي لا يفسدها الموقف الناقد للتجربة الإيرانية وموقف العتاب في مقابل طريقة التعاطي الإيراني مع عموم القضية العراقية ومع حزب الدعوة الإسلامية خصوصا. فمن خلال تجربة أكثر من عقدين ثبت لنا باليقين القاطع، أن تدخل إخواننا الإيرانيين لم يكن في منفعة الدعوة وأهدافها أبدا، ولا بمنفعة القضية العراقية عموما، بل بالعكس كان في أغلب الحالات سببا للأضرار الفادحة بالدعوة والانشقاقات داخل جسمها، وإرباك وضعها، وتلكؤ قراراتها، وعرقلة مسيرتها، وتكريس شبهة تبعيتها الإيرانية. لذا لا بد من الأخذ بنظر الاعتبار أن نعمل ما بوسعنا على إبعاد كل ما يمكن أن يجعل للتدخل الإيراني في الدعوة أي أثر من الآن فصاعدا.
وقد قدمنا لذلك من خلال بيان أن التنوع في الرؤى لاسيما في القضايا المهمة أصبح ظاهرة واضحة لا يمكن إغماض الأعين عنها، وكواقع أصبح يطبع ملامح الدعوة بقوة أكثر من ذي قبل. وإذا لم نعالج ظاهرة واقع التنوع هذه ونقننها، سيكون ذلك بمثابة بؤرة خطر جديد تتعرض له الدعوة، يهدد بتكرر حالات الانشراخ والتشرذم. من هنا ندعو إلى تبني صيغة الكتل البرلمانية داخل البرلمان - أي داخل «حزب الدعوة الإسلامية» - الذي يضم كل هذه الكتل، أو صيغة الفيدراليات داخل جسم الدولة الاتحادية الموحدة اللامركزية «حزب الدعوة الإسلامية». نعتقد أن تبني هذه الصيغة أصبح يمثل ضرورة قصوى، وإن إرجاء البت فيها يعني القبول بتكريس الأخطار الفادحة على جسم الدعوة، الذي يحتاج الآن إلى الوحدة أكثر من أي وقت مضى، والوحدة لا تكون بالتغاضي عن ظاهرة التنوع، بل بتقنينها.
عندما تنتقل الدعوة إلى الداخل يجب أن يكون لديها شيئان جاهزان، البرنامج السياسي «برنامجنا»، والنظام الداخلي المعلن. وكلاهما يجب أن تعاد صياغتاهما بشكل عاجل جدا. وإذا كان النظام الداخلي يتحمل قليلا من التأجيل، فإن البرنامج السياسي لا يتحمل التأجيل أبدا، لأنه يجب أن يكون الآن جاهزا لتوزيعه على الجماهير داخل العراق. ويجب أن يصاغ البرنامج بالتمييز فيه بوضوح بين الفقرات التي تمثل للدعوة مشتركا وطنيا مع كل الأطراف وثوابت الحد الأدنى لهذا المشترك، وبين ما يمثل البرنامج السياسي الخاص للدعوة حال تسنمها لمهام المسؤولية من خلال انتخاب الجماهير لها، مع بيان آليات الائتلاف الحكومي الممكن وثوابته مع أطراف إسلامية الأخرى، أو مع أطراف علمانية. وهنا يمكن تبني «برنامجنا» الصادر عام 1992 مع إضفاء التعديلات والإضافات اللازمة، وإدراج مقدمة للطبعة الثانية المعدلة والمزيدة.
إنه من الضرورة بمكان أن تحسم الدعوة في هذه المرحلة موقفها بكل وضوح من الديمقراطية، وتؤصل لها إسلاميا، وتثبتها في برنامجها السياسي، وذلك بلغة خطاب توفق فيه بين رفع الهواجس لدى الأطراف السياسية الوطنية العلمانية والأطراف الدولية ذات التأثير على المسار السياسي في العراق في المرحلة المقبلة، بتوضيح موقفنا من الديمقراطية من غير أي تردد أو تلكؤ، وبين مراعاة مشاعر الجماهير الموالية في الداخل. فبالرغم من صدق «حزب الدعوة الإسلامية» لعله أكثر من كثير غيره من فصائل المعارضة الوطنية العراقية، وتعاطي غالبية الدعاة بقناعة عميقة مع مفردة الديمقراطية، يمثل عدم حسم الموضوع بشكل واضح تكريسا للهواجس لدى الأطراف الأخرى، والتي لا تخلو من أضرار، باعتبار أن بناء الثقة المتبادلة شرط من الشروط الأساسية لإنجاح المشروع الديمقراطي في العراق. وبما أن عدم تجذير وتوسيع الثقافة الديمقراطية من منظور إسلامي في أوساط الجماهير المتعاطفة مع التيار الإسلامي عموما ومع الدعوة خصوصا بالدرجة المطلوبة حتى الآن يمثل عقبة في إنزال هذه الأفكار بشكل مفاجئ من غير ممارسة توعية جماهيرية على المواءمة بين الإسلام والديمقراطية، لا بد من اختيار لغة خطاب مناسبة تراعي الإشكاليتين المذكوتين، وتوفق بين ضرورة الإسراع الذي لا يتحمل الإرجاء في إنزال هذه الثقافة من جانب، وبين ضرورة التزام التدرج فيها من جانب آخر.
بالرغم من أن هذا البيان لم يدرج هذه النقطة ضمن الملامح الأساسية للتيار، إلا أنه لا بأس من بيان الرأي فيها. إن من عناصر قوة أي تنظيم سياسي وجود شخصية قيادية على رأس هرم التنظيم، تجمع بين الرمزية والناطقية وقدر معقول من الصلاحيات، وذلك بدون إلغاء الصيغة الجماعية للقيادة والقرارات كليا، بل من خلال ضوابط - تتم مناقشتها وإقرارها - تضبط حركة الرمز القيادي الذي نريد أن نسميه بـ «أمين عام حزب الدعوة الإسلامية». وهنا لا بد من الاستفادة من إيجابيات التجربة الرائدة لـ «حزب الدعوة الإسلامية في العقود السابقة في تبني الصيغة الجماعية لقيادة الحزب، إضافة إلى سلبيات تجربة تصعيد بعض الرموز إلى مواقع في هرم الحزب كموقع الناطق الرسمي أو فقيه الحزب، هذا من جانب، كما لا بد من الاستفادة من إيجابيات تجارب الأحزاب والتيارات الإسلامية والعلمانية المحلية والعالـَمـِسلامية والعالمية في وجود رمز قيادي على رأس الحزب، وذلك من أجل إيجاد صيغة جديدة خاصة بـ «حزب الدعوة الإسلامية» ترعى خصوصياته وخصوصيات تجربته الذاتية، توفق بين الاستفادة من الإيجابيات المشار إليها، وبين تجنب مخاطر السلبيات المحتملة من جراء ذلك، والمختزنة في فكرة الأمين العام هذه.
أخيرا لا بد من التفات القيادة الموقرة إلى الحقائق التالية وترتيب الأثر اللازم عليها:
1. إن هذا التيار يمثل وجودا واسعا في جسم الدعوة لا يجوز التغافل عنه وإنه يملك كل مقومات التشكيل لتنظيم جديد.
2. ينقسم أفراد هذا التيار في تعاطيهم مع إحساسهم بازدواجية قناعاتهم الشخصية العميقة ومسار الدعوة العام الذي يبتعد بدرجة يرونها ليست بغير ذات بال عن هذه القناعات إلى المواقف التالية:
أ) كثير منهم يعيش ومنذ أمد غير قريب بهاجس ترك التنظيم إذا ما وصل إلى نقطة اليأس من الإصلاح.
ب) كثير منهم يفكر بتأسيس تنظيم جديد ينسجم مع متبنياته بدرجة أكبر مما هو الحال عليه في وجوده داخل جسم الدعوة.
ت) كثير منهم سيبقى إلى إشعار آخر ولكن بحالة من عدم الانسجام مع جسم الدعوة ما زالت باقية على هذا النحو من مسارها وتعاطيها لاسيما مع القضايا السياسية.
لكل ما مر ندعو القيادة الجديدة أن تتعاطى مع هذه البيان ومع إخوانهم في التيار وأصحاب مبادرة تحرير هذه الورقة بروحية عالية من المسؤولية وسعة الصدر والموضوعية والجدية مما ينسجم مع موقعهم القيادي ومع خطورة المرحلة، فإننا في الوقت الذي ندعم موقعهم كقيادة منحناها ثقتنا بانتخابنا إياها، ونكون رهن إشارتهم، نطالبهم باستيعاب هذا التيار الواسع جدا في جسم الوحدة حفاظا على وحدة الدعوة الإسلامية أمانة الأجيال وأمانة الشهداء وأمانة الشهيد الصدر وأمانة العراق وأمانة الإسلام في أعناقنا جميعا، لنسير بها من خلال استيعاب ظاهرة التنوع في جسم الدعوة الواحد المتحد، لنحقق آمال أمتنا في هذا الإرث العظيم، «ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين»، «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون»، «واعتصموا بالله جميعا ولا تفرقوا»، «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، واصبروا إن الله مع الصابرين».
ضياء الشكرجي
بعد سقوط النظام - التاريخ غير مدون
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى حزب الدعوة الإسلامية
م/ تأسيس إطار «تجمع الديمقراطيـيـن الإسلاميـيـن»
مع ملحق في المقدمة في 02/09/2005
الملحق:
- تحمل الرسالة في صيغتها الأولى تاريخين هما 14 و31/08/2005. في 14/08 حررتها، ثم كنت أنتظر لسنوح الفرصة وحلول الوقت المناسبين، وفي أثناء ذلك جرى أكثر من تعديل عليها. وفي 31/08/2005 اكتسبت صيغتها النهائية.
- عنونت الرسالة بعنوانين خاطبتهما بها؛ العنوان العام أعلاه إلى الحزب، وعناوين خاصة خاطبت بها أربعة من أعضاء القيادة [الجعفري، الأديب، المالكي، العبادي أو السنيد]. هذا التخصيص لم يكن من قبيل المفاضلة، بل لأن الإخوة الأربعة هم الذين يمثلون الحضور الواضح في الساحة السياسية.
- أعتذر مع هذا من بقية الإخوة، وأتدارك اليوم في توجيه الرسالة إليهم، آملا إيصالها غدا إلى مكتب الدعوة في المثنى ليجري تحويلها إلى إخوتي الأفاضل.
- سأنتظر الجواب لغاية الجمعة القادمة 09/09/2005، ثم أباشر بطبع الكراس الخاص بطرح المشروع، لغرض توزيعه، وربما نشره على مواقع للإنترنت ولعله إحدى الصحف، وانتظار ردود الفعل، ثم المباشرة بالخطوات العملية للتأسيس، بعد توفر الحد الأدنى المطلوب من الراغبين في المساهمة في التأسيس.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
التـزاما بالعهد الشرعي، وحرصا على مصلحة حزب الدعوة الإسلامية، أحب هنا أن أضعكم بالصورة، قبل طرحي لمبادرة تأسيس إطار تـنظيمي، يتخذ موقعا متوسطا بين المنـتدى الثـقافي والحزب السياسي. [تحول من بعد ذلك إلى كيان سياسي، ولعل من الأسباب هو عدم استجابة الدعوة لطلبات التنسيق المتكررة.]
منذ أواسط التسعينات وأنا أعيش قـلق تأسيس مثـل هذا الإطار، لكني كنت أأمل أن حزب الدعوة الإسلامية يتجه باتجاه أن يلبي في مستـقبل منظور الطموح لتـشخيصي للحاجة لوجود إطار تـنظيمي إسلامي يتبنى الديمقراطية بشكل شفاف وواضح ومن غير تردد ولا تلكؤ، وذلك ليس فـقط على مستوى الأداء، بل على مستوى التبني لنظرية شرعية واضحة، وبدت بعض المؤشرات بعد دخول العراق التي أكدت هذا الإمكان والأمل في تحقق هذا التطلع، لكني مع الوقت وصلت إلى قـناعة بمستوى القطع، بأن هذا لا يمكن أن يتحقق، على أقل تقدير في مستقبل منظور، إما لتعـقـيدات المرحلة، أو لأن الكثيريـن من الدعاة بما في ذلك بعض الشخصيات البارزة، ما زالوا إما أسرى تراكمات الثـقافة الموروثة، وإما هم واقعـون تحت ضغط حماس الشارع الإسلامي العاطفي، ومحكومون بتعـقـيدات الساحة، والتي أي هذه التعقيدات ومدى حساسية المرحلة؛ كل ذلك يحول دون التـفكير بإجراء خطوات باتجاه إصلاح واضح المعالم على مستوى الفكر والأداء.
من هنا وفي الوقت الذي أتـفهم فيه تماما لوجوب مراعاة حزب الدعوة الإسلامية للأجواء المعـقدة والمتخلفة أحيانا، وللمزايدات السياسية في الساحة الإسلامية في العراق، أجد أنه لم يـبق لي ما يـبرر تأجيـل هذا المشروع، الذي يجب أن يشق طريقه بشكل مواز لمسيرة الدعوة، وبمعزل عنها، أو بثمة تـنسيق وإياها، وبحيث لا يكون بعيدا عن خدمة أهدافها الاستراتيجية، ولو جرى ثمة افتراق في الآليات والتكتيك.
ومما يزيد من قـناعتي في ضرورة الإعلان عن هذا الإطار ومحاولة المضي به مع من سيشاركني في ذلك من دعاة أو مستـقـليـن، هو حالة الإقصاء لي من قبل الدعوة عن أمور وحوارات أرى أن حضوري فيها كان يمثـل أمرا طبيعيا ومفيدا ولعله ضروريا، بل لعله كان أجدر وأنفع من حضور غيـري فيها، مما يفوت علي الكثير من الفرص باتجاه خدمة المشروع الثـقافي والسياسي الذي أحمله كرسالة، بل وحتى باتجاه خدمة الدعوة؛ هذا كله وغيره يجعلني لا أستطيع الانتظار أكثر مما انـتـظرت.
ولا أتصوركم في حاجة إلى تأكيد أني لا أبحث عن مكاسب شخصية من وراء هذا المشروع، ولعلي لا أتوقع للمشروع أن يعطي ثمراته بسرعة، بل قد تكون له بعض المردودات السلبـية على شخص المتصدي له، ومن هنا لا يكون المشروع مما يستطيع حزب ميداني كحزب الدعوة أن يتصدى له، بل لا بد أن يجري بمعزل عنه، ولكن بدون أن يتـقاطع معه، بل يتكامل ويتعاون وينسق معه.
إلى جانب ومع كل ما ذكر آنفا، أجد أن هناك مساحة واسعة يمكن استيعابها من خلال هذا المشروع الضروري والحيوي بحسب تـقديراتي، وأتوقع له آفاقا مستـقبلية كبيرة، إذا ما تـقيض له من يدفعه قدما نحو تـلك الآفاق، مع توفر المستـلزمات المادية، ولم يـبق مقصورا على شخص المؤسس.
وعلاوة على ذلك أتوقع أن تستطيع الدعوة الاستـفادة من هذا المشروع، إذا أحسنت توظيفه في خدمة أهدافها الاستراتيجية، بشرط أن يـبقى مستـقلا.
إني بإشعاري إياكم بنية الإعلان عن المبادرة قريـبا، وبصراحة، لست بصدد الاستـئذان، بل أنا ماض إن شاء الله في الإعلان عن المشروع، فإذا رأت الدعوة أن تـنسق - وهذا ما أتمناه - فإني أتـشرف أن أكون في خدمتها لما يخدم قضايانا الكبيرة إن شاء الله. أما إذا لم تصل الدعوة إلى مثـل هذه القـناعة، فإني لا أريد أن أسبب أي ضرر ولا حتى أي حرج لحزب الدعوة الإسلامية، إذا جرى تـشخيص احتمالات الضرر أو الحرج عبر تصدي داعية معروف مثـلي لهذا المشروع.
لذا أطرح عليكم في مثـل هذه الحال البدائل التالية، راجيا تحديد الموقـف وإعلامي بذلك.
1. إذا رأت الدعوة أن المشروع يتـقاطع مع مصالحها في هذه المرحلة، ولا أريد أن أقول مع ثوابتها، ولا تستطيع أن تـتحمل مسؤولية وتبعات أن يتصدى للمشروع داعية معروف مثـلي، فهنا يمكن أن أعلن استـقالتي من الدعوة ظاهرا، وأبقى مرتبطا بآلية غير معلنة تحددونها معي، من أجل التـنسيـق، ومن أجل أن يحقـق المشروع إضافة إلى أهدافه المعلنة ثمة خدمة للدعوة ومشاريعها، كلما كان ذلك ممكنا. [هذا الخيار طرحته فقط لإلقاء الحجة في تعديد البدائل، وإلا فإني أمقت أي عمل باطني، بل أؤمن بالوضوح والشفافية ووجوب الإفصاح في العمل السياسي.]
2. إذا رأت الدعوة أن هذا يمثـل خطا أحمر، وتريد أن تحسم علاقـتي بها، فيجري إخباري بذلك، لأعلن استـقالتي قبل الإعلان عن المشروع.
3. إذا رأت الدعوة ما أرى أن لا ضرر من الجمع بين بقائي في الدعوة والتصدي لهذا المشروع، ربما وبشرط عدم التصدي لمواقع متـقدمة في تـشكيلاتها، بل وشخصت أنه قد تكون الفائدة كل الفائدة من ذلك، وتريد أن يجري التأسيس والإعلان من خلال ثمة تـنسيـق، نتـفاهم عندها على آليات وتفاصيل هذا التـنسيـق، قد يكون مثال [...] والمتصدين له هو الأقرب لطبيعة العلاقة.
4. إذا اقـتـنعت الدعوة بالمشروع وجدواه وأرادت واستطاعت أن تخطو خطوة متـقدمة في دعم المشروع، يكون ذلك هو ما أتمناه، وعندها نبحث في التـفاصيل، وذلك مع أحد الخياريـن؛ خيار بقائي المعلن في الدعوة، أو خيار استـقالتي أو تجميد عضويتي ظاهرا، والبقاء غير المعـلن بآلية يجري تحديدها.
وقبل أن تبت الدعوة بقرارها النهائي من جهة، وقبل أن أبت أنا من جانبي من جهة أخرى عن أي القرارات هو الأصلح، لا بد من استحضار أن لكل من الخيارات؛ بقائي في الدعوة، أو استـقالتي ظاهرا وبقائي مرتبطا بها بآلية ما، وفـك ارتباطي بها، ثمة فوائد وثمة مضار، للدعوة من جهة، وللمشروع الذي أنا بصدد تأسيسه من جهة أخرى. هذا قد يحتاج إلى دراسة مستـفيضة، ويا ليتـني أستطيع دراسة الموضوع معكم، ولا سيما إخوتي الأفاضل الأساتـذة الجعفري والأديب والمالكي والسنيد [كان من المفيد أن أضيف العبادي والزهيري]. وهناك ثمة ضرر أو تـفويت فائدة للدعوة في إعلان استـقالتي منها، وذلك أن الأفكار التي أطرحها لها أجواء واسعة تستـقبلها استـقبالا إيجابيا، وغدا لها رواج وحسن تـلق وشعبـية لا يستهان بها، وهذا من زاوية ما يشكل رصيدا إيجابـيا للدعوة نفسها، وربما يكون انفكاكي عنها يؤكد بعض الشبهات، التي غالبا ما تصل إلى أسماعي، بأن الدعوة في حقيقـتها ما زالت تختـزن التـشدد في فكرها الإسلامي، وما زالت تـنـتمي إلى المدرسة التـقـليدية المحافظة، بحيث يقول الكثيرون من المعجبين بطرحي من إسلاميـين وعلمانيـين بأن هذه الطروحات لا تمثـل توجه الدعوة، بل إني أنفرد بها؛ وعندما يعلن شخص مثـلي عرف بأفكاره بما عرف انفكاكه عن الدعوة سيكون ذلك بمثابة تأكيد لهذه الشبهة. فالحل المفضل لعله يكون في بقائي مع عدم التصدي لمواقع مسؤولية بارزة وتجنب طرح نفسي في الإعلام بصفتي الحزبـية، أو يمكن أن يصار إلى الاستـقلال الظاهري، مع إظهار مواصلة التواصل مع الدعوة بوضوح وتأكيد مواصلة انتمائي الفكري والثـقافي والسياسي للدعوة.
في كل الأحوال أتمنى ألا تخسرني الدعوة ولا أخسرها، وأن يصار إلى ثمة تـنسيـق بل ودعم. أما أصل المشروع، فإنه محسوم عندي ولا رجعة عنه، إلا إذا كانت ثمة نصائح وتوجيـهات غفلت عنها، تريد الدعوة، أو يريد هذا أو ذاك الأخ الداعية القيادي أن يمد المشروع بها لإثرائه وتـقويمه وتسديده، فأكون له ولها من الشاكرين.
وإني أعلن بأني سأكون في خدمة الدعوة، إذا ما استطعت أن أساهم في انتـشالها مما هي فيه من أوضاع معقدة ومشاكل صعبة ذاتية وموضوعية، بما يتعلق بانعقاد مؤتمرها العام المزمع عقده، أو التحضير للانتخابات القادمة، أو أي أمر أستطيع أن أقدم فيه إمكاناتي المتواضعة لخدمة هذا الإرث العظيم، وفاءً لشهدائنا، وخدمة لديننا، ومذهبنا، ووطننا، وتجذيرا للعقلانية، والاعتدال، والأصالة، ومُثــُـل الإسلام، وقيم الإنسانية.
مع تحياتي ومحبتي وتـقديري ودعائي.
أخوكم: ضياء الشكرجي
14- 31/08/2005
02/09/2005
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى إخوتي أعضاء قيادة حزب الدعوة الإسلامية المحترمين
م: فك الارتباط التنظيمي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ليس بالأمر الهين عليّ أن أكتب لكم قرار استقالتي من حزب الدعوة الإسلامية، أو فك ارتباطي التنظيمي به من الناحية الرسمية، باعتباره حاصلا من الناحية العملية ومن الجهتين؛ هذا الحزب الذي كان بالنسبة لي المنهل الأول الذي نهلت منه الكثير من الوعي الإسلامي والثـقافي والسياسي والتربوي، والذي سأبقى مدينا له لما ساهم في تكوين جزء كبير من الرصيد الذي أملكه اليوم، والذي كان يمثـل أسرتي لربع قرن من عمري.
وهناك بلا شك أسبابي التي دفعتـني لاتخاذ هذا القرار، أستغني عن سردها كلها تفصيليا، منها متعلقة بالدعوة، ومنها متعلق بي شخصيا وبخطابي ومشاريعي الثقافية والسياسية، منها فكرية، ومنها ما هو ذو صلة بالأداء والمواقف، للدعوة من جهة، ولي من جهة أخرى. ولكن لا بأس من سرد بعض دوافع الاستـقالة بإيجاز:
- التحول الفكري الذي طرأ عندي مما يجعل انسجامي ضعيفا مع الجو الثقافي والسياسي العام للدعوة.
- وصولي إلى قناعة بأن الفرص لم تعد متاحة - كما كنت أتطلع لسنوات - لإجراء عملية إصلاح فكرية وتنظيمية في الدعوة.
- غياب التواصل الحاصل من الناحية الفعلية منذ فترة غير قصيرة.
- عدم استجابة الدعوة لطلبي المتكرر في التواصل والحوار وربما التـنسيق.
- حرصي على عدم إحراج الدعوة بسبب تباين خطابي ومواقفي السياسية التي أخذت تتـقاطع أحيانا مع المتبنى رسميا من قبل الدعوة من خطاب ومواقف، بدرجة يعتد بها مما يفضل معه الحسم.
- عدم قناعتي بالخطاب السياسي وبالتحالفات السياسية التي اعتمدتها الدعوة بشكل خاص في الآونة الأخيرة.
- تقديري بأن الدعوة تتحمل نسبة كبيرة من مسؤولية الإضرار بالعملية السياسية - التي يتحمل مسؤوليتها الائتلاف عموما - من خلال اعتمادها منحى دينيا متشددا بشكل عام، وتأخيرها لعملية تشكيل الحكومة بشكل خاص.
- تحفظي الشديد على أداء قيادات الدعوة حزبيا وسياسيا وذلك بشقيها، شق الأخ الجعفري من جهة، وشق عموم القيادة من جهة ثانية.
- إيماني بأن الدولة ذات النظام الديمقراطي، غير المؤدلجة دينيا، وغير الممارس فيها عملية تسييس للدين وللمذهب وللرموز الدينية من مرجعيات وعتبات مقدسة وشعائر دينية، هي الأصلح للعراق وطنا، وللإسلام رسالة للحياة، وللشيعة طائفة.
- اطلاعي مؤخرا على قرار عدم سماح الدعوة من جهتها للدعاة بانتمائهم للتجمع الذي تأسس بمبادرة مني «تجمع الديمقراطيين الإسلاميين».
- عدم دعوتي لجلسات الشورى التي كنت أدعى إليها عادة مما يشكل مؤشرا آخر على اتخاذ الدعوة قرار التعامل معي على أني لم أعد محسوبا عليها.
- اتخاذ الجمعية العامة لـ «تجمع الديمقراطيين الإسلاميين» مؤخرا قرارا بإجراء تعديل لنظامنا الداخلي يقضي بعدم جواز انتماء الأمين العام وأعضاء الأمانة العامة لكيان سياسي آخر، وكوني مؤسس التجمع والأمين العام المنتخب من جمعيته العامة.
- قناعتي بأن رسالتي ووجودي الطبيعي أصبح في «تجمع الديمقراطيين الإسلاميين» وليس في «حزب الدعوة الإسلامية».
كل ذلك وغيره مما لا داعي لذكره تفصيلا أدى إلى اتخاذي هذا القرار. مع العلم أن الاستقالة كنت قد كتبتها منذ منتصف شهر آذار من هذه السنة منتظرا الظرف المناسب لتقديمها، فاخترت أن أقدمها الآن بعد إجراء بعض التعديل عليها. وجدير بالذكر أني عندما أتحدث عن قناعات فكرية وسياسية وتنظيمية، أراها تتفاوت بدرجة يعتد بها بيني وبين الدعوة، لا أدعي لنفسي الصواب المطلق، ولا أجعل قناعاتي معيارا عاما، بل كل ما في الموضوع تمثل المعيار النسبي لي شخصيا، وبالتالي تكون حجة علي تلزمني لوجوب انسجام المرء مع قناعاته عقلائيا و- لا يبعد - شرعيا.
إذا ما وجدت القيادة ثمة جدوى من أن يصار إلى ثمة آلية للتواصل بيني وبين الدعوة، كصديق لها وأحد أبنائها السابقين، مما قد يسهم في تجنب الإضرار بها، والذي قد يحصل من غير قصد من خلال دوري كأمين عام لـ «تجمع الديمقراطيين الإسلاميين»، بسبب غياب التواصل، وربما التباعد، فأرحب من جهتي بمثل هذا التواصل، بما لا يؤثر على استقلال التجمع وعلى ثوابت قناعاتي.
أسأل المولى العلي القدير أن يأخذ بيد إخوتي إلى ما هو أصلح لهذا الحزب المجاهد العريق، الذي عرف بنهجه الإصلاحي، وما هو أصلح لدينه ولعباده، ولنهج أهل بيت نبيه عليه وعليهم الصلاة والسلام، الذي هو نهج الوسطية والاعتدال، وما هو أصلح للعراق ولشيعته وعموم أهله، ولعموم الإنسانية، ولقيم السلام والديمقراطية.
أخوكم: ضياء الشكرجي
03/05/2006
طوال ربع قرن كنت في حزب الدعوة، وهي فترة غير قصيرة، وإن كان هناك من له أربعة عقود أو يزيد من الزمن فيها، ولكن الربع قرن يكفي كي أفهم اعتزاز أفراد حزب الدعوة بحزبهم. ولست بصدد الدعوة إلى حل الحزب، ولكنها دعوة مخلصة لإعادة النظر في كثير من الموروث والمألوف من المسلمات، أو ما يعتقد أنها مسلمات حركية أو دعوية، وذلك بمحاولة انتزاع الذات من داخل التجربة، والتأمل فيها بموضوعية وتجرد من خارجها.
ما من مقدس من نتاج الإنسان إلا وقدسيته نسبية، وليس من مطلق إلا الله وبعض الحقائق من ضرورات العقل. صحيح إن الاسم من وضع المؤسس المفكر الكبير الشهيد الصدر، وصحيح أن الاسم يتحول مع الوقت إلى ركن أساسي من شخصية المسمى، وصحيح إن اسم حزب الدعوة الإسلامية يمثل تأريخا ممتدا لخمسة عقود حافلا بالشهادة والنضال والعطاء والتضحيات والفكر، إلا أننا إذا ما وجدنا المبررات الكافية، يمكن أن يغير أحدنا حتى اسمه الشخصي ولقب عائلته. واسم الدعوة الإسلامية إذا أمعنا النظر فيه بتجرد وفي لحظة نحاول أن نمحو فيها ذاكرتنا، ونتعامل مع الاسم، وكأننا نسمعه لأول مرة كمقترح مقدم لتسمية حزب سياسي، يريد اليوم أن يؤسسه أشخاص مؤمنون بالإسلام وملتزمون بأحكامه. عندها سيكون الخيار بالتأكيد غير هذا الخيار، وسيقال لمقترح اسم الدعوة، مع كل احترامنا لوجهة نظرك، وكل اعتزازنا بهذا المصطلح القرآني، إلا أن هذا لا يمثل الخيار المناسب. وهكذا هو الحال مع كثير من أسماء الأحزاب الإسلامية الكبيرة منها والصغيرة، كالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، وجند الإمام، وحركة حزب الله، ومنظمة العمل الإسلامي، وحركة الدعوة الإسلامية. وفي بحث الفصل بين السياسي والدعوي أدناه ستتضح أكثر المبررات لضرورة إعادة النظر في الاسم.
تأسس حزب الدعوة كحزب إسلامي صاحب مشروع تغييري، أي إنه وضع لنفسه مهمة تغيير الأمة على أساس الإسلام ضمن مراحل العملية التغييرية، أو ما سمي لاحقا بعملية أسلمة الواقع، التي تبدأ بالعملية التغييرية الفكرية، فالسياسية، فالثورية أو الجهادية، فالحكمية أو التطبيقية. وكان همّ الدعاة أن يدعوا الأمة إلى الإسلام، ويقربوها منه بعدما ابتعدت عنه فكرا ومفاهيم وممارسة وأخلاقا وسلوكا وسياسة وتربية وعلى جميع الصعد. وكان ذلك بدافعين، أولا كردة فعل على الشعور بابتعاد الأمة عن هويتها الإسلامية، فأراد الدعاة أن يحولوا المسلم بالهوية إلى مسلم مقتنع بالإسلام في العمق، والمسلم غير الملتزم إلى مسلم ملتزم، والملتزم غير الواعي إلى ملتزم واع، والواعي غير العامل إلى واع عامل، وهكذا. وهذه المهمة كما هو واضح هي مهمة دعوية أو وعظية أو دينية تربوية وتثقيفية. ومثل هذه المهام هي في الواقع ليست من مهام حزب سياسي، بل من مهام مؤسسة مجتمع مدني دينية دعوية أو وعظية أو تثقيفية تربوية، ولكون مثل هكذا مؤسسة ما كان لها أن تؤسس في عهود الديكتاتورية، كان لا بد من تنظيم سري يضطلع بهذه المهمة. أما في أجواء الحرية والتأسيس للديمقراطية وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني التربوية والثقافية والوعظية والخيرية، فلا معنى لأن يضطلع حزب سياسي بمثل هذه المهام. من هنا لا بد من أن يتحول حزب الدعوة إلى حزب سياسي محض، وتتأسس إلى جانبه مؤسسة مجتمع مدني دينية تعنى بالتربية والتثقيف الدينيين، وليكن اسمها رابطة أو مؤسسة أو جمعية الدعوة الإسلامية أو ما شابه. وهنا سينقسم كوادر الحزب إلى ثلاثة أقسام، منهم من يتفرغ للعمل السياسي، فينتمي إلى الحزب السياسي ذي الاسم الجديد، ومنهم من يتفرغ للنشاط الوعظي، فينتسب إلى مؤسسة الدعوة، ومنهم من يجمع بين الاثنين، كأي حزبي له نشاط اجتماعي، أو ثقافي، أو خيري إنساني، أو علمي أكاديمي آخر، ولكن يبقى لكل منهما أساليبه في العمل التي يتميز بها عنها في الثاني، ويكون صاحب الانتماءين سياسيا في الحزب، وداعية في المؤسسة، وهذا له بعض المصاديق في التجارب الديمقراطية، فهناك قسّ قد يضطلع بنشاط سياسي، فلا يخلط بين دوره الكنسي ودوره الحزبي، بل لكل مجاله.
منذ عقدين وأعضاء المؤتمر العام من الدعاة يُشـْكلون على الكثير من أفراد قيادة الدعوة، وفي كل مرة يذهبون إلى المؤتمر العام، ليضع أكثرهم في قسيمة الانتخاب نفس الأسماء ذات البريق والشهرة، دون التأمل جيدا ما قدم (ألف) من القياديين، وكم لـ (باء) من ذات ونرجسية، وكم تصدق شبهة الارتباط مع الاطلاعات الإيرانية لـ (جيم)، وكم أساء الأداء وقصر (دال) منهم، لا بل يصعد بين الحين والحين اسم جديد هو أقل حظا من الباقين في ما يملك من مؤهلات، مع إن حزب الدعوة محسود لكثرة كوادره المثقفة والكفوءة، فمتى يتحقق الوعي الانتخابي المعمق والمسؤولية الانتخابية لدى أعضاء المؤتمر العام، ليعرفوا كيف يُشكـّلون قيادة ذات كفاءة وإخلاص للعراق، وللمثل التي يؤمنون بها؟ وهنا جدير بالإشارة أن القيادة منذ سقوط الديكتاتورية تتعذر باستمرار من عقد المؤتمر العام، وتتهرب منه، والدعاة يتذمرون، ولكن لا يفعلون شيئا، ولا يحركون ساكنا، إما قصورا وعجزا، أو تقصيرا وإهمالا، لهذه القضية الحساسة. فكيف يريد أن يؤسس للديمقراطية لكل الوطن من يهمل آلية أساسية من آليات الديمقراطية داخل الحزب، ويخشى الانتخابات في إطار حزبه على وجه الخصوص، في الوقت الذي كان حزب الدعوة صاحب السبق من بين كل الأحزاب الإسلامية في اعتماد آلية الانتخاب؟
لا نريد أن نثير الحساسيات بتقييم الأطراف الإسلامية التي دخلت الدعوة في تحالفات وائتلافات معها، ولكن من الضروري جدا أن تبلور الدعوة نظرية واضحة في التحالف وأسس ومعايير التحالف، بحيث تتعدد المعايير وتتنوع المساحات المشتركة، فأحادية المعيار يمثل ضيق أفق لا يليق بالدعوة وتراثها صاحب منهج الوعي والابتعاد عن المناهج المحافظة والتقليدية. فتحالفات الدعوة التي دخلت فيها يمكن أن تحقق كسبا سياسيا عاجلا، ولكنها تمثل خسارة على مدى المستقبل في خطه الطويل، ولطالما كتب صاحب هذه السطور بهذا المعنى في صحيفة البيان ووضع نظرية للتحالفات، كما قدم مسودات كراسات أهملت رغم شهادة الكثير ممن اطلع عليها من الدعاة بأهميتها، حيث بقيت القيادة للأسف الشديد عاجزة عن استحضار وعي تحالفي معمق وبعيد الأمد في حساباته، فهي ذات قدرة على التكتيك قصير الأمد ولكنها عاجزة عن وضع استراتيجية بعيدة الأمد، وقيادة كهذه لا تصلح لحزب بهذا التاريخ وهذا الرصيد، وهذا التأثير، الذي سيفقده بالتدريج عاجلا أو آجلا وبكل تأكيد، إذا ما بقي على هذا النهج.
ركض الدعوة لاهثة وراء كسب دعم ومباركة المرجعية، ولو على حساب القضايا الكبرى والأهداف بعيدة الأمد، وخضوعها للابتزاز الذي مارسه المتاجرون بالمرجعية يعيد إلى الذاكرة كيف سلط على الدعوة بالأمس في إيران سيف ولاية الفقيه، فبنفس الطريقة سلط عليها اليوم في العراق سيف وصاية المرجعية. مع كل احترامنا للمرجعية الحالية للنجف كمصداق، ولكنه لمعيب على حزب كحزب الدعوة أن يلهث مستميتا وراء هذه الأجواء العاطفية والصاخبة. إنه كما يعلم كل الدعاة ولكن لا يجرؤون على الإفصاح به تأسيس لولاية فقيه غير معلنة، ومصادرة لتاريخ ونضال ووعي الأحزاب الإسلامية، ومصادرة لإرادة الأمة ولمشروع التحول الديمقراطي، وهي من جهة أخرى متاجرة غير صادقة من قبل الأطراف المنافسة للدعوة بالمرجعية استثمارا للعواطف الطيبة والبريئة، ولكن غير المقترنة بالوعي المعمق، للجماهير.
ما يسمى بثقافة الدعوة المكتوبة في الستينات والسبعينات والثمانينات أصبح بنسبته العظمى ثقافة لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتمادها، فثقافة الستينات والسبعينات واضحة التأثر بالأحزاب الإسلامية الأصولية السنية كإخوان المسلمين وغيرها، أما ثقافة الثمانينات فهي متأثرة بشكل جلي بثقافة التجربة الإيرانية ونظرية ولاية الفقيه. هذا في الجانب الفكري من ثقافة الدعوة، أما في جانبها التنظيمي فهي ثقافة السراديب وثقافة ما عرف بفترات النضال السلبي، حسب مصطلح الأحزاب اليسارية الثورية، والتي فرضتها ظروف القمع، وبالتالي لا بد من التخلي عنها. فكثير من المفردات كالسرية والمرحلية والمصطلح السياسي والحلقة الحزبية وغيرها، يجب إعادة النظر بشكل جذري فيه. أما محاولات الترقيع التي قام بعض القياديين عند دخول العراق، فلا يمكن عرضها على الواقع الراهن، ولولا أننا سارعنا إلى إضفاء بعض التعديلات الضرورية، لكان بعض ما طرح مما يعتبر كارثة ثقافية وسياسية، فللأسف لم يعد هناك من ينظـّر للدعوة، وبقيت الدعوة تجترّ نتاج الماضين جزاهم الله خيرا على ما قدموا، إلا أنهم كانوا رجال زمانهم، ولا بد أن يكون لهذا الزمان رجاله وأقلامه، وعندما حاولنا أن نقدم بديلا ثقافيا، لم نجد من يملك الوقت من القياديين حتى يقره، وبقيت حلقات درس الدعوة تدرّس الغث والسمين دون تمييز. إذن لا بد من التحرر من تقديس التراث الثقافي، فموروثاتنا الثقافية تمثل مرحلة متأخرة من الرشد الفكري الحركي، تجاوزها الزمن وتجاوزتها سُنـّة الترشـّد والنمو الثقافي.
لم تفرز الدعوة إلا أربع شخصيات سياسية هي الجعفري والمالكي والعبادي والأديب. ومع احترامي واعتزازي ومودتي لإخوتي المذكورين جميعهم، ففي الواقع لم نجد منهم ولا من غيرهم أداءً سياسيا بما يتناسب وحجم وتاريخ الدعوة. فمنهم المتشدد في خطابه السياسي، ومنهم المستغرق في نظرية المؤامرة، ومنهم من لا يؤمن أصلا بشرعية الديمقراطية، وإن كان قد تعاطى معها، ومنهم من يعيش الازدواجية بين رغبة الانفتاح الثقافي والسياسي وعدم القدرة على التحرر من الفهم المحافظ التقليدي، ومنهم من يمارس الخطاب التبريري الذي لا يؤمن هو به، ومنهم من بقي متأثرا بأجواء البلد المضيف الذي عاش فيه، ومنهم صاحب النرجسية المفرطة، ومنهم المبتعد أصلا عن الحدث السياسي. نعم لهؤلاء ولغيرهم نقاط قوة بلا شك، فهم من جهة أخرى لا يخلون من نظرة واقعية، وبعضهم عملي وميداني، وبعضهم يجمع بين ذا وذاك من نقاط القوة، وبعضهم يتمتع بقسط لا بأس به من احترام الأوساط السياسية، ولأكثرهم رصيد ثقافي محترم. ولكن كمحصلة لا تملك الدعوة شخصيات سياسية تليق بحزب يريد أن يتبوأ موقع الريادة والصدارة في العملية السياسية.
بالرغم من أن حزب الدعوة بقي أبعد من غيره من الأحزاب الإسلامية الشيعية عن الخطاب المذهبي، ولكنه انجر مع تيار تسييس الانتماء المذهبي وكل ما يرتبط بذلك من مرجعية وغيرها، وتيار مذهبة المشهد السياسي. فأصبحت الدعوة متهالكة في إثبات ولائها للمرجعية، بل ومزايدة بها مع المزايدين، فيقرن إعلان تسمية الدعوة لمرشحها لرئاسة الوزراء بحظوة المرشح بدعم المرجعية له، بل وتبذل الجهود فوق العادة في خضم صعود وتيرة التنافس ومواجهة الرفض الواسع لمرشحها للحصول على مباركة المرجعية. نحن مع كل احترامنا للمرجعية، فالشريحة الواسعة الواعية من الدعاة لا تؤمن بصحة إقحام المرجعية في تفاصيل العملية السياسية وإناطة القرارات المفصلية والمصيرية للمرجع الأعلى، الذي ما هو إلا تأسيس غير صريح لدولة ولاية الفقيه، مما لا يعتبره جل الدعاة مما يخدم قضايا الوطن، ولا قضايا الإسلام، ولا قضايا الشيعة، ولا مصالح حزب الدعوة. فإذا صح اليوم التعويل على المصداق الراهن لموقع المرجعية فلا يصح أكيدا التأسيس لمنهج لا نضمن التوقي من أضراره مستقبلا في حال تصدي مصاديق آخرين قد يربكون كل العملية السياسية في مبالغتهم في التدخل في تفصيلاتها وقراراتها المهمة والكبيرة. ثم حتى الفعل الطائفي من بعض أوساط الطائفة الثانية لا يكفي كمبرر لنجعل خطابنا وتحالفاتنا وجل حركتنا السياسية مبنية على أساس الانتماء المذهبي.
لنكن من الشجاعة والجرأة لنطرح السؤال حول جدوى ومبررات نعت أنفسنا بأننا إسلاميون كسياسيين. صحيح أننا كمتدينين – ولا يزكي الأنفس إلا الله - وكمؤمنين واعين وبعمق بالإسلام، يمكن القول عن أنفسنا بأنا إسلاميو القاعدة الفكرية. ولكن في الشأن السياسي هناك ما هو أقل من 10% مما يرجع به المرء إلى قاعدته الفلسفية كموحد، أو إلى أحكامه الشرعية كمتشرع، فـ 90% من الشؤون السياسية يرجع بها إلى عموم التجربة الإنسانية. نعم سمينا أنفسنا في وقتها إسلاميين، لأننا كنا نملك مشروعا إسلاميا للدولة، ولكن بعدما تبين لنا أن الدولة غير المؤدلجة سواء بإيديولوجية دينية أو بإيديولوجية إنسانية، هي الحاضنة الأصلح لواقع التنوع والتعددية الذي لا بد لنا من الإقرار به وترتيب الأثر على هذا الإقرار، وهي الأصلح للإسلام ورسالته ودعوته، لا بد من إعادة النظر في هذه المسألة. ثم بينت في سؤال الفصل بين السياسي والدعوي، أن من يريد أن يعمل في إطار الدعوة للإسلام، فلهذا الأمر مجاله الخاص، من حوزة ومرجعيات – ولو أنهما بحاجة إلى عملية إصلاح جذرية وشاملة -، ومؤسسات خيرية، أو وعظية، أو دعوية، أو ثقافية، أو تربوية، وليس مجالها الأحزاب السياسية. فإذا ما أقررنا هذا الفصل، لن يكون لنا بعدها من مبرر لنعت أنفسنا سياسيا بالإسلاميين.
لخروجي شخصيا من حزب الدعوة الإسلامية حساباته ومبرراته، ولكن هذا لا يعني أن إصلاح حزب الدعوة الإسلامية غدا أمرا ميؤوسا منه، بل إن دعوتي الصادقة إلى بقية إخواني الدعاة الذين ما زالوا يواصلون الدرب في صفوف الدعوة هي أن يواصلوا الطريق من أجل التجديد والإصلاح والتصحيح لحزب الدعوة الإسلامية، فما زال فيه الأمل الكبير، لأنه أكثر الأحزاب الإسلامية الكبيرة والمؤثرة اعتدالا وعقلانية ومعاصرة وحضارية وأصالة وحداثة وثقافة واستقلالية ووطنية وانفتاحا وصدقا. وإذا قيل لي لم غادرت صفوفه إذن، فقد بينت أني وجدت رسالتي في مشروع «تجمع الديمقراطيين الإسلاميين» أكثر مما هي في «حزب الدعوة الإسلامية»، ولأن المواصفات الإيجابية لحزب الدعوة التي ذكرتها إنما هي نسبية، أي قياسا ببقية الأحزاب الإسلامية ذات النهج الأصولي المتشدد، أو الأشد تشددا من حزب الدعوة، ولكنها أي هذه الصفات الإيجابية للدعوة بالنسبة لقناعتي وتقديري ليست بالمستوى الذي يسمح لي مواصلة العمل الحزبي في صفوفه من موقع القناعة العميقة.
لم أوجه هذه الرسالة إلى قيادة الدعوة، لأن القيادة على الأعم الأغلب مع احترامي لشخوصها لا تقرأ، أما لأنها لا تملك الوقت كي تقرأ، وأما لأنها لا تعي أهمية مشاريع الإصلاح كي تقرأ ما له علاقة بذلك. لذا وجهت رسالتي لكوادر حزب الدعوة، ولا يضر أن يشمل ذلك بعض القياديين، لإيماني من وجود مساحة واسعة جدا من كوادر حزب الدعوة، ممن وصل إلى مثل قناعاتي وتشخيصاتي، إلم يكن 100% فبعضهم بنسبة 70 وآخرون بنسبة 90%، ولكن هؤلاء ينقسمون إلى عدة أقسام، فمنهم من وصل إلى نقطة اليأس، وترك العمل الدعوي والحزبي والسياسي، ومنهم من يخشى على هذا التراث أن ينشرخ أو أن ينتهي، فهو متمسك به كثراث واسم وتاريخ وقوافل شهداء وارتباط بمفكر كبير كمؤسس وكأسرة، ولا يستطيع بالتالي تصور الحياة بلا حزب دعوة، فإذا كان لا بد من اختيار أحد الأمرين، دعوة عاجزة عن إصلاح نفسها، أو لا دعوة أصلا، فإنه يختار الخيار الأول، إما من باب الوفاء، أو من باب الاعتياد والألفة، بحيث يمثل لديه الغياب خللا كبيرا لا يتحمله. ولكن علينا أن نفكر لا بأفق الألفة والاعتياد والانتماء العاطفي، بل بأفق الإسلام، وبأفق التجربة الإنسانية الغنية، وبأفق الوطن، وبأفق المستقبل. هذه شقشقتي، شقشقة حرص ومحبة، ومحاولة تجرد، ومحاولة توخ لنظرة موضوعية، وإذا اشتملت على أخطاء، وهي لا تخلو منها حتما، فهي من جهة أخرى لا تخلو حتما من مواطن الصواب كذلك، فاتركوا مواطن خطئها، وتأملوا في مواطن صوابها.
الداعية سابقا وأخوكم دائما: ضياء الشكرجي
17/04/2006
ربما أكون قد خيبت ظن وتوقعات أكثر من طرف، طرف حريص على الدعوة، وطرف شامت بها، وثالث يبحث عن تفصيلات أكثر لحقائق ووقائع تاريخية. الأول كانت توقعاته عبارة عن هواجس ومخاوف، والثاني كانت توقعاته تطلعات وتمنيات، والثالث توقع سردا تاريخيا فيه الكثير من التفصيلات لمسيرة الدعوة، على أقل تقدير بمقدار مواكبتي المحدودة لها من 1981 حتى 2006. صحيح هناك أشياء كثيرة يمكن أن تسرد، لكني لم أرد من قصتي مع الدعوة أن أؤرخ لها، ولا أردت لا تشهيرا بها أو لبعض رموزها أو تسقيطا لها أو لهم، ولا تسوية حسابات مع أحد، لأني لم أنفصل من موقع العقدة أو المعاداة، بل موقع تحول في القناعات لدي وصلت إلى درجة لا يمكن لي أن أبقى معها في الدعوة مع بقائي منسجما مع نفسي ومن غير أن أقع في حالة من الازدواجية، وكذلك من موقع المراجعة الناقدة لتجربة عموم التيارات السياسية الإسلامية، ولتجربة حزب الدعوة على وجه الخصوص، مع احتفاظي باحترام كبير للدعوة والدعاة وتاريخ هذا الحزب المجاهد التغييري النخبوي. مع هذا أحببت في هذه الحلقة أن ألبي تطلع البعض في سرد بعض ملاحظاتي حول الدعوة، فيما يسجل لها وما يسجل عليها، فكرا وتجربة حزبية وأداءً سياسيا، ولأسلط الضوء على أهم الأخطاء التي وقع فيها الحزب، كما أحببت أن أضيف بعض الملاحظات التي قد تكون مهمة.
- عدم ممارسة الصنمية تجاه قائد أو مرجع.
- عدم انجرارها نحو نـَفـَس التسقيط حتى لبعض المراجع الذين لم تكن منسجمة مع موقفهم.
- عدم ابتلائها بالحزبية المقيتة بالدرجة التي وقعت فيها أحزاب أخرى، وعدم التعامل مع الحزب بشكل صنمي.
- الاحتفاظ على خط من التوازن في التعامل مع الجمهورية الإسلامية في مرحلة الإيمان بها كمشروع إسلامي، فلم تعادها رغم معاناتها من طريقة التعامل الإيراني بالخصوص مع الدعوة وعموما مع القضية العراقية، كما ولم تغال بها حتى في مراحل الولاء والتأييد التامين من موقع الإيمان والقناعة كما فعلت حركات إسلامية أخرى عراقية وغير عراقية، إما من موقع القناعة أو من موقع المزايدة.
- عدم قبولها للضغوط التي مورست عليها لتعطي استقلاليتها ثمنا لصك غفران الولاء لإيران دولة الحجة المدعاة.
- عدم تبني تقليد مرجع محدد بل ترك الدعاة يقلدون من يشاءون، فقلد منهم محسن الحكيم، ومنهم محمد باقر الصدر، وأبو القاسم الخوئي، وروح الله الخميني، وعلي السيستاني، ومحمد حسين فضل الله). لكن لم يقلد أحد منهم محمد مهدي الشيرازي أو جواد التبريزي أو علي خامنئي، لعدم انسجام فكري، وليس بسبب توجيه حزبي.
- اعتماد القيادة الجماعية.
- اعتماد آلية الانتخاب في وقت مبكر.
- الاعتدال في الشعائر الحسينية حيث نجد الدعاة عموما من المعترضين على التطبير (القامات)، بل ليس منهم من يتفاعل مع ضرب السلاسل (الزناجيل)، ولا حتى مع ما يسمى بالتشابيه، وإن كانوا يحذرون من التعرض لهذه الأمور.
- الاعتدال في عقيدة الإمامة، فلا نجد منهم من يقول بالولاية التكوينية التي تجعل من المعصوم ما يقترب من كونه إلها من حيث العلم المطلق والقدرة المطلقة، ولكن كل ما في الموضوع بإرادة الله وليس بإرادة مستقلة عن الله.
- التخلص من ورطتي فقيه الدعوة الحائري وناطقها الرسمي الآصفي المعروفين بفكرهما الأصولي المتشدد والمبالغة في تبني مبدأ ولاية الفقيه والمبالغة في الولاء لإيران.
- اندفاعها في البداية بشكل شبه مطلق للثورة الإسلامية في إيران.
- اندفاعها بتبني نظرية ولاية الفقيه وتأسيس ثقافتها الثمانينية كلها، السياسية والحزبية منها، على ضوء ذلك، وإن كانت لم تقع في الغلو المفرط كما فعل غيرها.
- استمرار الاستماتة في الدفاع عن التجربة الإيرانية، حتى بعد أن أصبحت شوائب التجربة مما لا يغض الطرف عنه، وحتى بعد أن عانت الدعوة بالذات من مؤامرات الإيرانيين عليها وإقصائهم أو تحجيمهم لها وتسييد وتأسيد آخرين عليها.
- الخضوع تحت الضغوطات وإدراج مبدأ ولاية الفقيه في النظام الداخلي، رغم عدم قناعة 90% من الدعاة بهذه المادة، ربما لتبرير التخلص من الحائري الذي كان يزايد عليها بولاية الفقيه، ويرى تطبيق هذا المبدأ في الحزب من خلال إضفاء الولاية المطلقة له شخصيا على الحزب، دون كفاءة سياسية يملكها، فتخلصت الدعوة من هذا المأزق بتبني ولاية ولي الأمة (الخميني) على الحزب باعتبارها جزءً من الأمة، فتخلصت من مأزق لتدخل نفسها في مأزق آخر.
- التورط في اعتماد فكرة فقيه الدعوة والتورط بالذات بشخص الحائري كما مر آنفا، ثم محاولتها البائسة في إيجاد حل بديل باستحداث مجلس علماء الدعوة، وكأنها كانت تحاول درء تهمة التشكيك بشرعية عملها، وكأن الشرعية لا تستمد إلا من عمة وجبة وحوزة.
- التورط بشخص الآصفي كناطق رسمي، والذي كان ابتداءً غير متفاعل مع ولاية الخميني للأمة، ثم تحول إلى المغالاة الرهيبة في المصداق الوريث لولاية الفقيه، ألا هو الخامنئي، الذي كان يتحمل مسؤولية كل المؤامرات ضد الدعوة.
- عدم الانفتاح السياسي في وقت مبكر، وشدة التلكؤ والتردد الذي سبق مرحلة سقوط النظام.
- عدم بلورة نظرية واضحة في الديمقراطية، وإن كان حزب الدعوة قد ثبت تقريبا كل تبعات الديمقراطية في برنامجه السياسي الموسوم بـ "برنامجنا" الصادر في مطلع التسعينات في لندن، ولكن مع التخوف من استخدام لفظ الديمقراطية، الذي كان بعض قياديي الدعوة ينظرون لحرمة استخدام المصطلح من قبل الدعاة وعموم الإسلاميين. وفي الوقت الذي صدر فيه "برنامجنا: في لندن، صدر "منهاجنا" في طهران، والذي كان ما زال مستغرقا بالثقافة التقليدية نسبة للخطاب المنفتح في "برنامجنا" اللندني. نعم حصل تحول بعد ذلك، ودعمت القيادة مشروعي الذي قدمته عام 2002 بعنوان "المنتدى الإسلامي الديمقراطي العراقي"، ولكن ليس بشكل رسمي.
- وجود عناصر غير قليلة في القيادة لا تتمتع بعقلية أو كفاءة تؤهلها للدور القيادي.
- رغم استقلاليتها النسبية، عدم قدرتها على حسم فك الارتباط كليا بإيران في وقت مبكر وبشكل واضح وحاسم، مع ما أضرت به إيران بالإسلام وبالتشيع وبالعراق والعراقيين وبشيعة العراق وبحزب الدعوة بالذات، الذي حاربه الإيرانيون بشتى الأساليب البعيدة كل البعد عن الدين والضمير والإنسانية والعقلانية.
- عجزها عن المراجعة النقدية لتجربتها.
- عجزها عن إعادة النظر فيما يسمى بثقافة الدعوة، المتكونة بجزء كبير منها من ثقافة الإخوان المسلمين، وبجزء كبير آخر منها بثقافة الثورة الإسلامية في إيران، رغم احتفاظها بنكهة دعوية خاصة.
- عجزها عن إنتاج شخصيات سياسية قيادية ذات وزن ثقيل، رغم أنها في هذا الجانب متفوقة على سائر الأحزاب الإسلامية الأخرى، وكذلك عجزها عن إنتاج شخصيات فكرية، أو شخصيات علمائية إلا بشكل محدود جدا.
- عجزها عن تقديم أي شيء لأسر عموم شهداء العراق ولأسر خصوص شهدائها هي.
- وقوع عدد غير قليل من كادرها في مرض الفساد الإداري.
- وقوع بعض قيادييها في مرض الاستعلاء.
- وقوع بعض قيادييها في ازدواجية الخطاب السياسي.
- انجرارها مع التيارات الإسلامية المتطرفة أو المتشددة ودخولها قائمة صارخة في هويتها الشيعية وصارخة في هويتها الإسلامية الأصولية، وتحالفاتها السياسية مع الدعوة تنظيم العراق والتيار الصدري والمجلس الأعلى وحزب الفضيلة، وعدم دراسة خيارات أخرى.
- خوفها المفرط من تهمة عدم الاندكاك المطلق في الولاء المرجعي، ولهاثها المستميت وراء إثبات هذا الولاء، تكرارا للخطأ الذي وقعت فيه في إيران عندما كانت لاهثة وراء إثبات الولاء لولاية الفقيه مفهوما ومصداقا.
- الازدواجية بين موقف معظم الدعاة وقرار القيادة في معظم حلقات مسيرة الدعوة في إيران والعراق، فالقيادة غالبا في واد والدعاة في واد آخر.
- عدم القدرة على إعادة النظر في التفكيك بين المهمتين الدعوية والسياسية.
- إصابتها بالعقم الثقافي وعدم القدرة على توليد نتاج ثقافي وفكري معاصر.
- عدم الانسجام بين رموزها القيادية الأساسية إلى حد لا يستهان به.
وهذه الأمراض هي طبعا ليست من خصوصيات حزب الدعوة، بل قد يكون هذا الحزب أقل ابتلاءً بها من غيره من الأحزاب.
25/05/2006
وردود الفعل على ما نشرت جاءت أيضا متفاوتة، فمع ردود الفعل الإيجابية الكثيرة، التي رأت في صراحتي وموضوعيتي ومنهجي في النقد والمراجعة، وتوازن لغة الخطاب المستخدمة من قبلي، ونأيي عن منهج تصفية الحسابات، وتجردي عن البعد الشخصي في موقفي أمرا إيجابيا ثمنه هذا الفريق من خلال رسائل ألكترونية واتصالات هاتفية، ومن خلال ما انتهى إلى سمعي من حوارات جرت بهذا الخصوص في كثير من الأوساط. لكن هناك طبعا طرفا ناقدا لطرحي، إذ رأى سوء تقدير في التوقيت، بسبب حاجة الدعوة في هذا الظرف إلى الدعم بسبب حداثة تشكيل الحكومة وحساسية المرحلة، كما رأوا عكس الفريق الأول حدة في النقد، وصراحة أكثر مما يمكن أن تتحمله الأجواء العامة في العراق، مما قد سيسيء إلى تلك الأجواء وإلى شخصي، بسبب المبالغة في الصراحة – حسب تقديرهم - بما قد يحدث ردة فعل سلبية عند أوساط كنت أحظى لحد الآن باحترامها وحبها، لاسيما تحدثي في غاية الصراحة عن تاريخي السياسي وتاريخي الإيماني، فكيف يمكن أن يكون مثلي قد تلوث بلوثة الانتماء إلى حزب البعث، حتى لو كان سنه يوم انتمى لهذا الحزب المقيت لم يبلغ تمام الخامسة عشر، وحتى لو كان ذلك يوم كان البعثيون لمّا يستولوا على سدة الحكم. ثم أن يتحدث رجل كان لغاية الأمس معمما ووكيلا لواحد من أعلام المراجع وإماما لمسجد للجالية العراقية في هامبورڠ عن فترة ردته عن الإسلام، كل هذا مما لا يستسيغه البعض، أو يعتبره خلاف الحكمة، لعدم تحمل مجتمعنا لهذا النوع من الصراحة غير المألوفة. ولست بصدد مناقشة الموقفين الإيجابي والمثمن، أو السلبي والناقد، ولكني أقول بالنسبة للتوقيت، فكانت له مبرراته، ولا علاقة لذلك بتشكيل الحكومة، وما سواه، بل قد لا يخلو التوقيت من إيجابية من حيث أنه لا يمكن القول، بأن موقفي متأت من جراء عدم حصولي على موقع، فكان من الممكن أن أسعى قبل ذلك للحصول على موقع وكالة لوزارة الثقافة مثلا أو غيرها، ومع هذا رأيت أن أعلن موقفي، فإن كانت هناك قناعة بالاستفادة مني في أي موقع أستطيع أن أخدم من خلاله دون النظر إلى موقفي من انتمائي الحزبي، من أجل إعطاء نموذج رائد للتعامل مع مثل هذه الحالات، فإني سأكون إيجابيا، إذا ما شعرت أني سأستطيع فعلا أن أكون نافعا من غير أن يستهلكني الموقع. وإني أحمد الله إذ لم أقع فيما وقع الكثيرون فيه من حسابات الربح السياسي الشخصي دون امتلاك أي ثوابت، حتى أن الكثيرين كانوا يطرحون آراءهم في اللجنة الدستورية على ضوء حسابات الربح السياسي الشخصي، وفي أحسن الأحوال الحزبي.
وفي كل الأحوال أثبت الدعاة لحد هذه اللحظة أنهم أكثر عقلانية وتوازنا من كثير غيرهم، فلم يردني أي رد فعل سلبي من أي منهم حتى الآن، رغم أن أكثرهم من المتابعين حسب تقديري. فكثير منهم قد وصلوا إلى الكثير مما وصلت إليه من تشخيصات ومراجعة ونقد، وإن كان لا يتفق أكثرهم معي فيما رتبت من آثار على تلك التشخيصات. ولكن حتى الذين يختلفون معي بشكل أكثر حدة، حافظوا على توازنهم بالموقف، وستبقى تربطني بهم علاقة الإخوة والمودة والاحترام المتبادل، وإن كنت ناقدا لأداء الكثير منهم، وبعضهم قد خيب ظني بشكل أكثر بكثير من أن يقال أن الموقف تجاهه مجرد موقف ناقد.
ثم موقفي في الانفكاك عن الدعوة لا يعني بكل تأكيد شطبي عليها كليا، كيف وأنا كنت حتى الأمس القريب عضوا فيها، ومع هذا رأيت على ضوء ما بينته من أسباب ألا بد من الحسم الذي جاء بعد مخاضات دامت أكثر من عقد من الزمن. ولهذا لا تعارض بين هذا الموقف وبين إيجابية موقفي بنسبة ما تجاه تصدي الأخ المالكي لرئاسة الوزراء، لما أرى فيه الكثير من المؤهلات والجدية والوضوح والواقعية، والتحسس لعله أكثر من غيره من التدخل الإقليمي ومن تيارات التطرف الإسلامي، وإن كان محسوبا على الفريق الأكثر تشددا في الدعوة؛ هذا كله مما يعطي أملا في تحقيق ثمة نجاح في مهمته، الذي سيكون بالنتيجة نجاحا للعراق والعراقيين، وهذا ما أتمناه له. ومع هذا حتى لو تحقق نجاح كبير، مما سيفرح كل المخلصين، فلا تلازم بين النجاح وبين القناعة بهذا الحزب أو ذاك ممن يمكن أن يكون له دور في نجاح العملية السياسية، من حيث الفكر والتوجه السياسي. فإني أرى أن أفضل الأحزاب والتيارات السياسية للعراق هي تلك التي تنتهج الوسطية والاعتدال، وتؤمن في العمق وبكل صدق وبلا أدنى ازدواجية بالديمقراطية، وتضع الوطنية والمواطنة فعلا وحقا فوق كل اعتبار، وترفض تسييس الهوية الدينية والمذهبية، ولا تتبنى إقحام المؤسسة الدينية في العملية السياسية بأكثر مما تسمح به المبادئ الديمقراطية، وتقطع دابر التدخلات الإقليمية، وبعد كل هذه الأولويات لتكن إسلامية، أو علمانية ليبرالية أو يسارية. من هنا كان مشروعي «تجمع الديمقراطيين الإسلاميين» تجسيدا لهذه الرؤى التي آمنت بها منذ أمد غير قريب، وتتويجا لكل محاولاتي الإصلاحية داخل الدعوة.
وختاما أحببت أن أسجل شكري لكل من أرسل لي الرسائل معبرا عن إعجابه بما طرحت، أو من اتصل بي لهذا الغرض، وممن أرسل لي رسائل ألكترونية بهذا الخصوص كل من الأساتذة 1) جمال الظاهر، 2) عماد الياسين، 3) منذر الفضل، 4) د. طاهر البكاء، 5) د. سلام سميسم، 6) أبو كمال الزاملي، 7) كمال عبود، 8) أحمد الناصري، 9) أبو محمد الشمري، 10) سمير عبيد، 11) سعد الأسدي، 12) أمجد حامد، 13) سليمان الفهد، 14) محمد حيدر الخفاجي، 15) أبو محمد الشمري، 16) د. حاچم الحسني، 17) خضير طاهر، 18) صالح مجيد، 19) عادل البهادلي، 20) د. عبد الستار، 21) هدى الصفواني، 22) د. زين الإمارة، 23) سعد البغدادي، 24) سامي الموسوي، 25) ثامر، 26) محمد كاظم الشهابي، 27) أحمد الكاتب، 28) حسنين الأسدي، 29) من ألمانيا لم يرد ذكر اسمه، 30) آخر من ألمانيا لم يرد ذكر اسمه، 31) سالم حسن، 32) علاء الزيدي، 33) حسين علي شرف، 34) أبو جعفر السامرائي، 35) حميد الكفائي، 36) رسالة غير متضمنة لاسم صاحبها. وقد ذكرتهم بحسب الترتيب الزمني لوصول رسائلهم لي، مع احتمال حصول خطأ طفيف غير مقصود في الترتيب. كما كانت هناك رسالتان من غير أن يذكر صاحباها اسميهما ولم يتبين اسماهما حتى من عنوانيهما الألكترونيين، قد كالا لي من الشتائم ما عبرا به عن وجهتي نظرهما، ونفـّسا به عن احتقانات قد يكون لهما فيها أو يكون لهما في بعضها شيء ما من المبررات المشروعة، مما يمثل أي التعبير عن وجهة النظر حقا طبيعيا لكل إنسان، ولا يسعني بدوري إلا أن أشكرهما على إيصال هذا اللون من رد الفعل، كي لا تكون رؤيتي أحادية من خلال إجماع الباقين على الإطراء والثناء، ولكي أحفظ توازني، فأكرر شكري لهما على هديتيهما، كي أعرف أن لي معارضين ومبغضين، كما لي مؤيدين ومعجبين ومحبين. ثم لا ينبغي لي أن أنسى أن أسجل شكري لأخي وصديقي الأستاذ توفيق التميمي وكذلك للأستاذ العزيز محمد كاظم الشهابي لمقالتيهما الرائعتين وعلى ما غمراني به من لطف في التفاتاتهما الجميلة التي سجلاها في مقالتيهما التي نشرها في الصباح العراقية وأخبار الخليج البحرينية.
مع تكرار شكري لجميع من كتب لي أو اتصل بي، ومع اعتذاري ممن لم يتسن لي أن أجيب على رسالته بشكل شخصي، أو من أجبته باختصار على أمل سنوح الفرصة لإلحاق ذلك بإجابة أكثر تفصيلا. وأشكر «كتابات» ورئيس تحريرها صديقي العزيز السيد أياد الزاملي، كما أشكر «عراق الغد» وصديقي العزيز د. رياض الأمير.
يمكن أن يفكر البعض أن الرجل قد استهواه المديح والإطراء وها هو ينشر من موقع الزهو ما ورده من كلمات الإطراء. فأقول من الطبيعي أن ينتابني الشعور بالارتياح كأي إنسان عندما تردني كلمات فيها معاني الحب والاحترام والثناء على ما صدر مني، ولكني أحاول ألا يكون فرحي بذلك فرح الزهو والعجب والاعتداد بالنفس بقدر ما يكون فرح الشكر بنعم الله علي بذلك والفرح بانتصار الفكرة والمشروع اللذين أحملهما، وليس انتصار الذات أعاذني الله من ذلك. ثم إني هنا أنشر الهجوم العنيف على شخصي والاتهام لي والاستهانة بي، وأنشر الاستفسار والاستغراب، كما أنشر الإطراء والثناء والتأييد على حد سواء، وإذا قيل أني لم أنشر إلا رسالة هجومية واحدة، ورسالة استغراب سرعان ما تحول صاحبها إلى الدعم والتأييد، فأقول هذا ما وصلني، ولو وصلني قدر أكثر من الشتائم والاتهام لنشرته كذلك. ولاحقا مقاطع من الرسائل التي وصلتني، ولا يفوتني تسجيل شكري ثانية لكل من كتب لي أو اتصل بي أو أوصل تقييمه بأي وسيلة أخرى. كما لا يفوتني تسجيل شكري الجميل للأخ الأستاذ توفيق التميمي على مقالته الجميلة في عدد الصباح ليوم الخميس 25/05/2006 والموسومة بـ «الصراحة التي نريدها .. مع ضياء الشكرجي في مواجهته للذات والحزب». وقد سمعت من كثيرين عن ردود فعل إيجابية واسعة، وسمعت من آخرين ردود فعل من نوع آخر، منها ما اتسم بالاستغراب والاندهاش وعدم الفهم وعدم القدرة على تفسير الموقف، ومنها ما كان على نحو الاستنكار، بل حتى ما يصل إلى مستوى الغضب الشديد، وغير الخالي في بعض الأحيان من توجيه الاتهامات، أو حتى عبارات الوعيد والتهديد. وإني لا أظن أن مثل هذه المواقف القاسية والمتطرفة (الاتهام والتهديد) مما يمكن أن يصدر من إخواني الدعاة، بل ربما من أطراف أخرى، حتى لو حسب بعضها نفسه على الدعوة، ولكن عهدي بالدعاة أنهم – إلم أقل كلهم فجلهم - سيحفظون توازنهم وعقلانيتهم في التعاطي مع هذا الموضوع، كما فعلوا مع حالات سابقة.
ملاحظة فنية: النص الموجود داخل قوسين مضلعين [النص]، فهو مضاف مني لتقديري أن كلمة قد سقطت من الكاتب، مما جعل الجملة مبتورة، فاضطررت أن أكملها دون التصرف بالمضمون. أما ورود ثلاث نقاط داخل القوسين المضلعين [...] فيعني حذف نص من الرسالة، بسبب إما أن يكون أمرا شخصيا، أو مما لا علاقة له بالموضوع، أو ما أقدر أن صاحبه لم يكتبه للنشر. مع العلم أني استأذنت من أصحاب الرسائل بالنشر، فمنهم من أجاب بالإيجاب، ومنهم من لم يجب بالسلب.
بسـم الله الرحمن الرحيم .. أخي ال