دعونا نتعلم نختلف
ليس فنـّا أن تتوحد وتتآخى وتتحابب مع من تتفق معه في الفكر والولاء والذوق والمزاج والمشاعر، بل قيمة التوحّد والتآخي إنما تكون عندما نكون مختلفين بدرجة أو أخرى. ولذا فمن شروط الوحدة أن نتعلم الاختلاف، فعندما نتعلم كيف نعطي لاختلافنا نفحة من الإنسانية، ونسمة من الروحانية، وشحنة من العقلانية، سنستطيع أن نوظف الاختلاف الذي يعد ربما ابتداءً ظاهرة سلبية توظيفا إيجابيا، بحيث نجعل من الاختلاف رحمة للمختلفين وليس نقمة عليهم. من هنا وبقطع النظر عن تصحيح أو عدم تصحيح سند الحديث المروي عن النبي (ص) "اختلاف أمتي رحمة"، وبقطع النظر عمن ذهب إلى تفسيره بمعنى آخر، هو لا أن يختلف بعضهم مع بعض، بل أن يختلف بعضهم إلى بعض، أي أن يتزاورا وبالتالي يتحابّوا ويتراشدوا ويتناصحوا، أقول بقطع النظر عن مدى تصحيح سند الحديث وعن تفسيره، يمكن أن نكتشف مواطن الرحمة فعلا في ظاهرة الاختلاف. فالاختلاف إثراء للفكر الإنساني، وهو ترشيد للتجربة الإنسانية، وحافز للبحث عما هو أصوب، ودافع لتعلم الإنسان الاستدلال المنطقي والتحاور الحضاري، وهو حجة على من يكون مخطئا لوجود الصواب أو لوجود ما هو أصوب ولو على نحو الاحتمال، وهو اختبارا للإنسان كيف يحكـّم عقله وعقلانيته ويحكـّم إنسانيته وقيمه الأخلاقية في الاختلاف، ليتعلم أخلاقية الاختلاف. من هنا من اللازم علينا أن نموضع خلافاتنا ولا نشخصنها، أي أن نكون موضوعيين نتناول الفكرة بالحوار، وليس شخصانيين نتناول الشخص بالتجريح والاتهام، ونوجه إليه السهام، فنتعلم كيف نقول للآخر الذي لا يقنعنا بصواب فكرته أو موقفه: "أنت مخطئ يا أخي"، ولا نقول "أنت خائن يا عميل"، أو "أنت كافر يا مرتد". لنتعلم كيف نتحمل ظاهرة الاختلاف، وكيف نوظف الاختلاف إيجابيا ونجعل منه رحمة، بحيث نتحمل الآخر المختلف معنا، ثم في خطوة قادمة نتقبله، وفي خطوة تالية نحترمه، ثم نجد أنفسنا أننا نوده رغم اختلافنا معه، لا سيما إذا احتملنا أنه قد صلحت النوايا والدوافع والمنطلقات، وإن اختلفت النتائج. وهنا لا بد من التأكيد على البحث عن المشتركات في المنطلقات والأهداف عندما تتفاوت الرؤى والأساليب على الطريق ما بين المنطلق والهدف، فإذا تعلمنا البحث عن هذه المشتركات لن نجد أنفسنا نتعقد من الاختلاف في الرؤى التفصيلية والأساليب.
ضياء الشكرجي
10/06/2004
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::