نصائح في الحوار وأدب الاختلاف .. لي شخصيا أولا ثم للجميع بلا استثناء

ضياء الشكرجي

 إننا غالبا ما نقع في أخطاء فضيعة في أسلوب محاورة الآخر المختلف في الرأي قليلا أو كثيرا، فنجانب أدب الحوار. ليس هذا بالموضوع الترفي، ولا هو بموعظة أخلاقية تحلق في آفاق المثال واجواء الطوبائية، بل هو حاجة ثقافية، وسياسية، ووطنية، وأخلاقية ضرورية غاية الضرورة.

 

من غير أدنى شك إني معني بهذه التعاليم في أدب الحوار وأدب الاختلاف، وسأحاول أن أضعها أمامي كلما باشرت بمحاورة شخص أختلف معه قليلا أو كثيرا. ولا أريد ان أجعل من نفسي معلما أو مربيا، بل هي نقاط، يتفق فيها معي الكثيرون، وقد يستحضرها الكثيرون، وربما يطبق الكثيرون بعضها أو جلها، ولكنها تحتاج إلى جمع وتدوين، لتكون بمثابة لائحة قانونية أو وثيقة أخلاقية وثقافية وعقلائية للحوار.

 

-         لا تستعدِ من تختلف معه، ولا تؤزم العلاقة ولا تعكر الأجواء بينكما، لأن أجواء العداوة لا يجعله يستمع إليك بهدوء، فيفهمك من خلالك أنت، لا من خلال أحكامه المسبقة التي ستكرسها أجواء العداوة وتصعيد الأزمة بينكما، وتقطيع جسور التواصل النفسي، التي يستتبعها تقطيع لجسور التواصل الثقافي.

-         لا تفترض نوايا ودوافع وأهدافا ومقاصد تكونها في ذهنك عن الآخر، دون أن يكون هو المصرح بها، أو تكون هناك أدلة قطعية لا ظنية، أو على أقل تقدير ظنية راجحة رجحانا يجعلها تقارب القطع واليقين.

-         ابتعد عن شخصنة الحوار والنزاع، وحاور الفكرة كفكرة، وجردها قدر الإمكان من شخوصها.

-         لا تمارس التعميم والإطلاق، والانطلاق من الأحكام المسبقة المتكونة في ذهنك.

-         لا تجعل الانتماء إلى حزب أو جماعة أو تيار أو أي شيء آخر سببا وحيدا لتقييم طرف الحوار، فإن أية جماعة لا يمكن أن يكون أفرادها كلهم وبلا استثناء على نمط واحد في التفكير والأخلاقية والممارسة.

-         لا تتوقف عند كل جزئية خلافية، بل ركز على النقاط المهمة، لأن الجزئيات تستنزف طاقتك وطاقة المحاور الآخر.

-         لا يكن في ذهنك فقط وفقط الانتصار على الآخر، بل كن موضوعيا واعترف له بروح رياضية بالأشواط التي ينتصر فيها عليك بالفكرة والحجة والدليل أو حتى بالأسلوب الأخلاقي والموضوعية، حتى لو لم تكن متفقا معه على النتائج.

-         لا تسلط الأضواء فقط وفقط على ما تراه من نقاط سلبية في فكر وطرح الآخر، بل ابحث عن النقاط الإيجابية فيه، وأقرها بشجاعة وموضوعية وتجرد.

-         لا تحاور بعقل جمعي، حزبيا كان أو طائفيا، أو من أي نوع آخر، بل حاور بعقلك أنت، وكن مستقلا في تفكيرك، مهما كان انتماؤك، فمن الجميل أن يجمع المنتمي بين التزامات الانتماء، إذا كان عن قناعة لا عن تقليد، وبين حرية واستقلالية الفكر الذي يتحرك فيه في محاورة وفهم الأفكار، وهذا ما أعبر عنه بوصف نفسي بـ (المنتمي المستقل)، وبأني سأطـّـلق أي انتماء، لحظة اكتشافي أنه يريد أن يحجر على عقلي، ويلغي فكري المستقل، لأني إنما انتميت لسعة المساحة المشتركة بين قناعاتي ومتبنيات الجهة المنتمى إليها، دون أن يكون بالضرورة هناك تطابق كلي في كل الجزئيات.

-         لايكن هدف الحوار في كل الحالات إقناع الآخر بصواب ما تتبنى، بل لتكن للحوار أهداف أخرى، مثل:

-       التعارف بين أصحاب الرؤى المختلفة، أي تعرف الواحد على فكر الآخر منه مباشرة، وبلا واسطة، أي ليس من طرف ثالث.

-       تقريب وجهات النظر.

-       اكتشاف المساحات المشتركة بين الطرفين.

-       تقليل الفجوة بينهما وتصفية ما تكدر من مناخ العلاقة.

-       التفاهم.

-       إثراء ثقافتي من خلال عطاءات ثقافة الآخر.

-         إذا شعرت أن طرح الآخر قد استفزك وأثارك، وأزم مشاعرك تجاهه بالاتجاه السلبي، فلا تخضع لردود الفعل الانفعالية، بل أرجئ الرد عليه لساعات أو ليوم أو أكثر، حتى تشعر أن تأزمك النفسي تجاهه قد زال أو خف كثيرا، وأصبحت في حالة من الهدوء والصفاء، تمكنك من محاورة الفكرة كفكرة، مستبعدا عن ذهنك كل ما سبب لك من استفزاز بكلمة قاسية منه، أو نقاش غير موضوعي، أو مس لشخصك، ليكون حوارك موضوعيا وهادئا، لا شخصانيا ومتأزما.

-         كن شجاعا واعتذر عندما تشعر أنك قد أسأت إلى الآخر بالحوار.

-         اقبل عذر المحاور إذا كان قد أساء هو إليك، والأفضل أن تتجاوز عن تلك الإساءة حتى قبل أن يقدم لك اعتذاره، إلا إذا كنت تيقنت أن هناك مصلحة موضوعية حقيقية، لا شخصية انفعالية لاتخاذ الموقف الحاد القوي.

-         ضع في ذهنك أنك لا تحاور ذلك الإنسان وحده، فحتى لو لم يكن – حسب ما وصلت إليه من قناعة – يستحق الأساليب الأخلاقية والحضارية والعقلانية الهادئة في الحوار، فمارس تلك الأخلاق، من خلال أنك أنت أهل لأن تتخلق بها، وباعتبار أنها تخدم فكرتك التي تؤمن بها، أكثر من الأساليب المتشنجة، وباعتبار تأثيرها الإيجابي في الآخرين، لكون التثقيف على ثقافة وأدب الحوار الحضاري تستحق منك تلك المجاهدة للانفعالات.

-         مارس الحوار المبتسم – على حد تعبير الأستاذ جاسم المطير – لا الحوار المغندب المقطب المعبس.

-         لا تتهم أحدا في شيء لمجرد اختلافك معه، دون أن يكون لك دليل على تلك التهمة.

-         بالنسبة للمواقف والأفكار السياسية بالذات يجب أن نفرق بين الفكرة والموقف، وبين الموقف والدوافع. فالموقف الخاطئ – حسب معاييرك الشخصية -، إذا كان منطلقا من أسس فكرية صحيحة، وإذا لم يكن لك دليل على سوء النوايا فيه، يجب أن تحترمه رغم اختلافك مع صاحبه فيه، ولا يجوز أن تكون تهمة التخوين، أو الانحراف الديني أو الفكري أو السياسي، أو تهمة السذاجة وعدم الفهم والوعي السياسي حاضرة، لمجرد أني لا أتفق مع صاحب الموقف. مثال ذلك: الذي ينسق مع أمريكا انطلاقا من فهمه هو للواقعية، ومن اعتقاده أن ذلك سيخدم القضية الوطنية على مدى المستقبل، لا يجب أن يجعل منه عميلا وخائنا، إذا كنت لا ترى ما يرى. ورفض التعاون مع الأمريكان، إذا كان منطلقا من اعتقاد صاحب الموقف أنه لا يملك مبررا للثقة بهم، بل يملك أكثر من مبرر معقول وموضوعي، لا انفعالي وتخميني، بأن التعويل على الأمريكان سيضر بالقضية الوطنية ضررا كبيرا، لا يجب أن يجعل صاحب الموقف بالضرورة راديكاليا وغير واع سياسيا. فالموقف الأول غير الموقف المتميع المفرط بكل المصالح الوطنية لتأمرك صاحبه، أو لطمعه في مصلحة شخصية او فئوية، والثاني هو غير موقف التطرف الذي لا يكون مبنيا على أسس موضوعية، بل على شعارات وعلى حالة انفلات للمشاعر الملتهبة والحماس اللاعقلاني.

 

2003

 

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::