كيف نؤيد وكيف نعارض .. كيف ننتمي وكيف نكون مستقلين
التوازن والاعتدال مطلب على جميع المستويات، أقول "مطلب"، لأن العقل يطالب به، ولأن الشرع يطالب به، ولأن الوطن يطالب به ويحتاج إليه. من حقنا أن نفكر، بل من ضرورات وجودنا الإنساني أن نفكر، وحيث أن ليس منا من تحول إلى عقل مطلق حتى لا يخطئ في نتائج تفكيره، يكون مسموحا لنا، بل من حقنا أن نختلف، ومن الطبيعي أن الاختلاف لن يقتصر على الأفكار والقناعات، بل ستترتب على ذلك مواقف تجاه الأشخاص والمجموعات وتتكون تيارات، فيكون الاختلاف في التأييد والمعارضة، في الولاء والعداء، في التواصل والتقاطع، في الانجذاب والنفور وهكذا. ومن هنا تبلور مصطلح التعددية، والتي تعني التعايش عقلانيا وإنسانيا وحضاريا مع واقع الاختلاف وتعدد الرؤى والولاءات، كي لا يتحول الاختلاف إلى احتراب على مستوى الكلمة التي إذا ما صُعِّدت وتيرتها إلى أكثر مما تتحمله الأوضاع، تنقل الاحتراب إلى نزف للدماء، وزهق للأرواح، وتكريس للبغضاء، وسماح لروح الشر والعدوانية لتتفشى، وإفساد للحرث والنسل، وهدم للبناء الحضاري. لذا جاءت رسالات السماء لتحث على الاعتدال والتآخي، وجاءت مدارس الأخلاق لتجذر هذه المفاهيم وتدعو إليها، وجاءت الرؤى والنظريات العقلانية لتؤكد هذا المعنى، ولتفرز مفاهيم ونظريات في السياسة والاجتماع ومنها الديمقراطية والتعددية.
من حقك أن تكون كما ومن حقي ومن حق كل عراقي وكل إنسان، مؤيدا ومواليا لمن يشاء، ولكن كن مؤيدا ناقدا "اعدلوا ولو كان ذا قربى"، فالذي تؤيده لا يمكن أن يكون على صواب وعلى حق في كل الجزئيات والتفاصيل وبنسبة مئة بالمئة في كل الأحوال، لذا تعلم أن تكون ناقدا لمن تؤيده وتواليه شخصا كان أو حزبا أو تيارا أو مرجعية، مع حفظ حدود الاحترام اللازمة وحدود ما قد يترتب على النقد ودرجة التصريح به من مفسدة أو مصلحة حسب الدائرة التي تمارس فيها النقد واللغة التي تستخدمها. وكذلك من حقك أن تكون معارضا، ولكن كن معارضا منصفا، تنصف من تعارضه، فلا تحوله إلى خطأ مطلق وتشطب على كل إيجابياته "ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى". ولك أن تختار أن تكون منتميا إلى أي حزب أو تيار تقتنع به إضافة إلى القناعة بنفس فكرة الانتماء، ولكن كن منتميا مستقلا، منتميا من خلال قناعتك بجدوائية العمل الجماعي المنظم أكثر من جدوائية العمل الفردي، وملتزما بتبعات الانتماء، ولكن ابق مستقلا بعقلك، فلا تخضع عقلك كليا للانتماء، بل أعط لعقلك فرصة أن يحلق في فسحة من حرية التأمل المتجرد في الأشياء والأفكار والمواقف. كما من حقك أن تختار اللاإنتماء، فتبقى مستقلا إذا رجحت لنفسك ذلك، ولكن لا تتحول استقلاليتك ولاحزبيتك إلى تحزب يتعصب لفكرة اللاحزبية أو يتعصب ضد هذا أو ذاك، فالتعصب قد يكون ظاهرة ملازمة للانتماء والتحزب، وقد يكون ملازما للاإنتماء والاستقلالية من حيث الانتماء بالمعنى الخاص، لأن التعصب لا يكون فقط تعصبا (لِـ) شيء حتى يقتصر على الانتماء، بل هو هو في كثير من الأحيان تعصب (ضدَّ) شيء أو شخص أو جماعة أو فكرة، يبتلى بها المنتمي واللامتمني الذي هو في الواقع منتم إلى نوع من حزب لم تتحدد أطره في الواقع الخارجي، بل في النفوس والممارسة ألا هو الانتماء إلى فكرة اللاإنتماء.
ضياء الشكرجي
10/06/2004
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::