الاستبداد كظاهرة اجتماعية
لقد عانى الشعب العراقي بشكل خاص وعانى العديد من الشعوب وعانت الإنسانية على مر العصور من ظاهرة الاستبداد السياسي، فالطغاة أكثروا الفساد في الأرض، وأهلكوا الحرث والنسل، واستضعفوا الشعوب، وقتلوا الرجال وفي كثير من الأحيان النساء والأطفال معهم، وانتهكوا الأعراض وسائر الحرمات. ولكن هل الاستبداد محض ظاهرة سياسية؟ وهل الحاكم الطاغية هو وحده المستبد؟ ولا نريد الخوض في الاستبداد تأريخيا وفلسفيا، ودون أن نتناوله في الجغرافية أو التاريخ البعيدين عن واقعنا، بل نريد أن نتناول ظاهرة الاستبداد التي تلامس واقعنا المعاصر في مجتمعنا. فإننا نجد في الشرق عموما ولدى الكثير من الميادين في هذا البلد ظاهرة الاستبداد. فنجد رب الأسرة المستبد، والزوج المستبد، ورب العمل المستبد، وزعيم الحزب المستبد، ورئيس الجمعية المستبد، ومسؤول المؤسسة المستبد. لا نقول إن الاستبداد يمثل ظاهرة واسعة الانتشار في مجتمعنا العراقي بالضرورة، ولكن طالما نجد لها مصاديق هنا وهناك. والاستبداد سيء قليله ناهيك عن كثيره. ومن علامات الاستبداد، عدم التشاور، والانفراد بالرأي والقرار، والتعسف بالآخر، وعدم تحمل الرأي المخالف، والحساسية المفرطة من النقد، بل حتى من إبداء الملاحظة الصغيرة، ودعوى احتكار الحكمة والصواب والقدرة على اتخاذ القرار، كما ومن مظاهر الاستبداد احتكار الموقع واعتباره موقعا لمدى الحياة، فليس لنا رؤساء دول لمدى الحياة وحسب، بل رئيس الجمعية يريد رئاستها لمدى الحياة، وزعيم الحزب كذلك، ومدير الشركة أو رئيس مجلسها الإداري، بل حتى مؤذن المسجد أو (چايچي) الحسينية لا يسمح بالمنافسة أو التنازل لغيره، إلا إذا ترقى كل من المذكورين إلى ما هو أعلى مقاما وأشرف منصبا. بينما السيرة العقلائية والمتواتر من الروايات الشريفة تؤكد أن استشارة الرجال هي بمثابة ضم عقولهم إلى عقل المستشير، وأنه ما خاب من استشار. حتى الأب الناجح يكون أكثر نجاحا في الأسرة، وتكون إرشاداته أكثر مقبولية وتلقيا من قبل أولاده، إذا ما تعلم كيف يستأنس بآراء أفراد الأسرة من زوجة وأبناء وبنات، وعلمهم ممارسة إبداء الرأي والمشاركة في المشورة وهكذا بالنسبة لرب العمل مع موظفيه والعاملين لديه. أما ألا تلبس الزوجة إلا على ذوق زوجها، ولا يأكل الأطفال إلا وفقا لشهية والدهم توقيتا ونوعا، ولا يدور الحزب إلا في فلك زعيمه، ولا رأي إلا لإمام المسجد منفردا من غير استمزاج لجمهور المصلين، وتشاور مع القائمين على المسجد معه، فكل هذا إنما يحول الحياة إلى بؤر استبداد متعددة. فإننا إذا نريد أن نعالج الاستبداد السياسي، لا بد لنا من معالجة الاستبداد الاجتماعي، والاستبداد الثقافي، والذي هو من أخطر أنواع الاستبداد، والذي يحتاج إلى أن يفرد له عمود، بل تفرد له مقالة، بل بحث، بل كتاب، لا بل مجلدات، بل مكتبات.
ضياء الشكرجي
2003
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::