تشكيلات الحرف على لوحة الوجود

 

خاطرتان في الحرف والكلمة

 

ضياء الشكرجي

 

الخاطرة الأولى:

حرف .. حرف آخر .. حروف تلتقي لتكّون كلمة .. كلمة .. كلمة أخرى .. كلمات تلتقي لتكّون جملة .. جمل تجتمع لتشكّل كلاما .. كلام وكلام يترابط ليصنع فكرا .. فكرة ثم فكرة فأفكار تتظافر لتكّون مدرسة .. مدارس تلتقي .. تتقاطع .. تتواصل .. تتخاصم .. تتصالح .. تتحاور .. لتكّون الحياة بكل تلوّناتها وتشكّلاتها .. حَيَوات تتلاقى وتتكامل لتكّون الوجود .. وجودات تلتقي .. تجتمع .. تتكامل .. تتوحّد بتعدّديّاتها في وحدة وجودية تذوب في واجب الوجود .. في الأبد الأزلي .. فيفنى المحدود في اللامحدود .. ويذوب النسبي في المطلق .. ويسبح الممكن في محيط الواجب اللامتناهي .. لكنه ليس ذوبانا ولا فناءً يحيل الوجود إلى عدم .. بل هو الفناء الذي به إنما تتحقَق حقيقة الوجود .. لأنه ذوبان المعلولِ بعلَّتِه .. ذوبان المسبَّبِ بمسبِّبِه .. ذوبان الموجَدِ بمُوجِده .. ذوبان المُكانِ بمُكِينِه. فأصل الوجود الممكن ليس المادة أو الطاقة .. بل هو الكلمة .. كلمة "كن" .. وهكذا تفاعل وتكامل الوجود بالحرف .. بالكلمة .. بالجملة .. بالفكر .. لكنه فكره متدفّئ بدفء العاطفة الإنسانية المستمدَّة من الرحمة الربانية .. من النفحة الإلهية .. من الروح التي نفخها الخالق في الطين بعد أن صوّره إنسانا واستخلفه في الأرض ليتمثّل مستخلِفَه في السماء .. فيتفنّن في تصويرات وتشكيلات وتلوينات جديدة من وحي الدرس الأول الذي علمه أستاذه وخالقه وربه يوم صوره ونفخ فيه من روحه .. ثم علمه ما لم يعلم .. علمه البيان .. علمه الكلمة المنطوقة المسموعة .. ثم الكلمة المكتوبة المقروءة .. علمه الفكر .. علمه فن التكوين ليرسم لوحات مقلدا بها لوحات رب الفنانين .. الذي علمه كيف يستذوق الجمال .. فيخلق جمالا مثله .. وكيف يجمع بين جمال الشكل الذي يطرب له القلب وترتاح إليه النفس مع جمال المضمون الذي يتأنسن به العقل .. فيستحيل العقل قلبا ينبض .. ويستحيل القلب عقلا يفكر .. فتتلاشى الحدود بين الفكر والعاطفة .. لتمتزج .. فتصنع من مشروع الإنسان إنسانا .. يتحرر في صيرورة مستديمة من جهوليته بالعلم والتعلم .. ومن ظلوميته بالزكاة والتزكية .. فتتواصل مسيرة صناعة الإنسان التي تستغرق الزمن على امتداده .. لأنه محتاج إلى الزمن كي يصنع كماله اللاموصول إليه .. وهنا تتجلى معاني تكامل الممكن النسبي كدحا إلى كمال الواجب المطلق. ومن هنا تتعانق جيم الجمال مع كاف الكمال في تعانق وتشابك سرمدي .. في مسيرة تجامل وتكامل لا تتوقف سباحته الكدحية حتى يصل إلى ساحل المطلق.

 

 

الخاطرة الثانية:

ثلاثة هن متشابكات عليك .. المؤشرة، ولا أقول السبابة، إذ نأت بنفسها عن السباب منذ امتثلت لموعظة أميرها أمير الإنسانية إذ قال "لا أحب لكم أن تكونوا سبابين"، المؤشرة متوسطة الإبهام والوسطى لتشكّل معهن ثلاثية تتشابك أفرادها حولك ويمسكن بك .. بقوة .. لكن برفق .. ويحركنك أيها المكتوب به على صفحة المكتوب عليه .. لتتشكّل بسوادك على بياضه تشكيلات المكتوب. فتتضمن مكتوباتك تارة مضامين .. وتخلو تارة أخرى منها .. وإن كان ليس هناك من خلوّ .. فحتى الخلوّ فهو تضمُّن حتى لو كان لمضامين اللامضامين .. وحتى عندما تحرّك الأنامل الثلاثة اليراع لتخطّ به مجرد تجريدات حرفية، أي حروفا تحلّق في سماء التجريد.

 

قلم .. قرطاس .. حرف .. حروف .. كلمة .. كلمات .. سطر .. سطور .. صفحة .. صفحات .. كتاب .. كتب .. أشياء منطوقة فمسموعة .. مكتوبة فمقروءة .. ذات معنى .. ليست بذات معنى .. مفهومة .. غير مفهومة .. سهلة الفهم .. صعبة الفهم .. هادفة .. عابثة .. نافعة .. ضارّة .. هدّامة .. بنّاءة .. طيّبة .. خبيثة .. أصلها ثابت .. مجتثّة من فوق الأرض ما لها من قرار .. فرعها متألق في السماء متشابك مع قيمها في أعلى التألّق .. فرعها متهاوٍ إلى أسفل درك من حضيض أسفل التسافل .. أشياء تنفع الناس فتمكث في الأرض .. وأخرى كزبد يذهب جفاء .. كلمة نبي .. كلمة شيطان .. كلمة حب .. كلمة بغض .. كلمة أمن .. كلمة رعب .. كلمة رفق .. كلمة عنف .. مستقيمة .. منحرفة .. نظيفة .. ملوَّثة .. معتدلة .. متطرفة .. عادلة .. ظالمة .. ذكية .. غبية .. تُدخل السرور إلى القلوب .. تُدخل الكآبة إلى النفوس .. معروفة .. منكَرة .. غائرة في العمق .. طافحة على السطح .. عاقلة .. غارقة في الخرافة واللاعقلانية.. جامدة ساكنة .. مرنة متحركة .. ميتة .. حية .. وقِرة .. صاخبة .. إيجابية .. سلبية.

 

نعم الحرف .. الكلمة يصنعان صنيعا لا يصنعه غيرهما .. والكلمة، إذا أريد لها أن تكون حياة ولا تكون موتا، لا بد لها من أن تكون كلمة حرة، فالحرية هي الحياة والعبودية هي الموت، إلا العبودية لمن لا عبودية إلا له وحده لا شريك له، لأنها المسؤولية، والكلمة البناءة الطيبة لا تكون حرة فحسب، بل هي حرة ومسؤولة، حتى لو اختلف القارئون قراءة المسؤولية وكذلك قراءة الحرية فاستوحى كل منهم كلماته، فالمهم سلامة المنطلق، وليس بالضرورة السداد في الإصابة، وإن السداد مسؤولية التقوى "اتقوا الله وقولوا قولا سديدا" وما التقوى إلا التأنسن، أي تحقيق الإنسان لذاته الإنسانية، أي تجسّد المطلق في النسبي بنسبة النسبي، واللامحدود في المحدود بحدود المحدود، والواجب في الممكن بإمكانات الممكن الموهوبة له من الواجب، .. فبالحرية والمسؤولية معا تكون الكلمة كلمة طيبة "كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها".

 

كتبت في 17/06/2004 في دمشق قدوما من بغداد، وروجعت في 23/06/2004 في هامبورغ

 

 

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::