التمزق في مركز تجاذب القوى

 

ضياء الشكرجي

 

الحمد لله الذي ألهمني حمده، والحمد لله الذي آنسني بحمده، والحمد لله الذي عرفني بعجزي عن بلوغ غاية حمده،

وبعد فأدون يوم الجمعة 18/9/1998 ما يلي:

كفاني تمزقا بين الإهتمامات التي تتجاذبني وتجعلني مشلولا في مركز تعادل قوى الجذب المتضادة. أريد، نعم أقول أريد - وما إرادتي إلا من وفي وبـِـ إرادة الله تعالى - أريد أن أطلق إرادتي وأحرك عزمي مستنزلا في ذلك إرادة ومشيئة الله، لتسبح إرادتي المتناهية عند حدودها في بحر إرادته اللامتناهي، ومتقويا على ضعفي بحوله وقوته، مستعينا به متوكلا عليه، ثم لأبرمج إراداتي ومشاريعي وطموحاتي، فأبدأ بأول مشروع من مشاريعي التي جاوزت الثلاثين في تعدادها، والله أحصى لها مني. أقول إني إن شاء الله  على هذا الأمر عازم، وعليه متوكل، أن أبدأ بمشروع كذا، وما أن أنتهي منه، أبدأ بالتالي، وهكذا ... حتى أنجز ما شاء الله لي أن أنجزه منها، وهو وحده منجزها بحوله ومشيئته ولطفه، وليس المهم متى أنتهي من هذا أو ذاك المشروع، وليس المهم كم منها سينجز، وكم منها لا يجد طريقه إلى ساحة الواقع، فيرحل معي برحيلي عن هذه الدار إلى ما هي خير وأبقى للذين اتقوا وعلى ربهم يتوكلون. والله أعلم بصلاح ما ينجز منها وبصلاح ما يحبس عن الإنجاز. وكوني أبدأ بمشروع محدد، ثم أتبعه بالتالي بعد الفراغ منه، لا يعني أني خلال الانشغال بمشروع بعينه، لا أواصل تأملاتي وتدوين خاطراتي المتناثرة في هذا الموضوع أو ذاك من بقية المشاريع، ولكن يعني أن يكون اهتمامي حسب حسابات الأولويات وقواعد النظم بالمشروع الذي أكون بصدد الاشتغال به. المهم أن أبدأ بمشروع محدد، بأي منها، صغيرا كان أو متوسطا أو كبيرا، سواء أكان من مشاريعي المراد كتابتها بالعربية أو بالألمانية.

من هنا وبعد التوكل عزمت المباشرة بإنجاز ملحق كتاب الـ Der 13er Kalender ثم بعد ذلك [...]، وبعدها أنظر مستعينا بالله تعالى.

 

وكنت قد كتبت في الليلة السابقة:

إن الذي يشل طاقتي أو طاقاتي هو أني أعيش التمزق بين عدد غير قليل من قوى الجذب التي تشدني كل منها إليها بنفس درجة العنف. فهناك اهتمامات كثيرة .. كل يحاول بكل قوى الجذب التي يملكها أن يشدني إليه، ولكنه يعجز عن الجذب من خلال أن الاهتمام المضاد يجذبني ويشدني بنفس درجة العنف، فأبقى بين مجموع قوى الجذب هذه مشلولا إلى نقطة المركز، مشدودا إلى مركز اللاحركة واللاإنجذاب، تكاد تكون أوصالي متقطعة بالجذب والجذب المضاد، وبذلك تتحول طاقتي، التي تصرخ وتعلن أنها تريد أن تتفجر، إلى طاقة مشلولة، فأحس أني أنجذب إلى مركز الوجود، وكأني محمل ثقل الوجود كله، مما يحدث في عمق أحاسيسي حالة نفسية من الإحباط، سرعان ما تستحيل إلى صورة قاتمة أشد ظلمة من أليل الليالي، وأحلك سوادا من أسود السوادات، ولا أنكر أن الذي يعين هذه القوة المحدثة لهذا الشلل، هي كل قوى هوى النفس، وكل قوى الضعف النفسانية، من هوى الكسل، وهوى وحدة الاهتمام، وهوى الراحة، وهوى الحرية من قيود الالتزام، وما هوى الحرية هذا إلا المرآة التي تعكس صورة ذلك الفنان المتمرد القابع في داخلي، التواق إلى التحليق بجناحي الحرية في فضاء الإبداع الجمالي، معلنا تمرده بكل عنفوانه بوجه الرسالي الملتزم، ويا ليتني أوفق من لدن ولي التوفيق اللطيف الخبير إلى الجمع بين هذا وذاك، لأجد الانسجام والوحدة في شخصيتي الداخلية، بدلا من التمزق والاثنينية، لتعثر قصيدة شخصيتي على قافيتها الضائعة، ووزنها وموسيقيتها، فأبدع إبداع الفنانين، وأعطي للحياة عطاء أصحاب الرسالات الكبيرة، "وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم"، ولا يأس من روح الله، "إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون"، أولم يكن أمره كن فيكون عندما كنت ميتا، فأحياني وجعل لي نورا أمشي به في الناس، ولم يجعلني كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها، فلم لا يكون فعل "كن فيكون" متجددا فيما أنا فيه، والله المستعان وهو تعالى أهل الثقة وحسن الظن.

18/09/1998

 

 

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::