لقائي ونفسي
عندما تـُنبهني الصدفة عن ذهولي وغفلتي عن نفسي، لألتـفت إليها، وأعي حضورها، فألتـفتُ إليها وتلتفت إلي، فتحدثـني وأحدثها، بعدما نكون سرعان ما نتعرف على بعضينا، بمجرد التفات كل منا إلى الآخر، ثم وعيه، بأنه ليس آخر بل هو الذات، فتكتشف نفسي أني لست إلا هي ذاتها، وأكتشف أنا أنها ليست إلا أنا ذاتي، فتكونني وأكونها، لا أجدها إلاي، ولا تجدني إلاها، وتغيب الاثـنينية، لتحضر الواحدية، عندما ننصهر في بعضينا، بعدما نكون قد انتزعنا أنا وإياها نفسينا من المحيط الخارجي، الذي يمثـل عالم غفلتنا عن بعضينا، أي ذاتينا التي هي ذات واحدة، فنغور في داخلينا الذي هو داخل واحد، في خلوة أختـلي فيها خلسة من الواقع بنفسي، وتختـلي نفسي في تلك الخلوة خلسة بي، ثم نتحاور، ونتساءل، فأسألها وتسألني؛ أسألها عنها وعني، وتسألني عني وعنها. ثم نقف كلانا نحن الواحد الثـنائي أو الثنائة الواحدة، عند سؤال لا أدري أأنا الذي طرحته عليها، أم هي التي طرحته علي، أم هو الذي طرح نفسه علينا الواحدين، ألا هو لو دُوِّرت عجلة الزمن إلى ما قبل الآن، وقبل أن يكون شيء اسمه خلف أو أمام زمني، حيث يكون الآن المعيش فعلا لمّا يكن بعد، بحيث تكون الفرصة ما زالت أن نصنعه قبل أن يصنعنا، أو يصنع نفسه، أو تصنعه الصدفة، فنملك أن نصنعه، أن نصوغه من جديد، قبل أن تصوغه الصدفة، أو يصوغه الزمن، أو يصوغ هو نفسه، ونحن الاثـنين الواحدين غافلان عن صيرورته، فما الذي سنخطط عندها له؟ وما الذي كنا سنـُجري عليه من تبدّل أو تحوّل أو تغيّر سابق لصيرورته، كي يكون كما نحب أن يكون، لا كما كان. وإذا ما سألتـُني عندئذ: كيف كنتُ لو خيرتُ سأصوغ كينونتي، لكان على الفور وبمحض التـلقائية جوابي: كنت سأصنع من نفسي وأصوغ من ذاتي ثلاث كينونات لم أكنهن، ولكن من كل منهن شيء ما فيّ في العمق؛ كنت سأكون فيلسوفا، وشاعرا، وفقيها. كنت سأصنع مني كينونة الفيلسوف، لأن الفيلسوف هو الكائن الكامن الدفين في أعماق دواخل ذاتي، والذي لم أكتشفه، إلا بعدما اكتشفني في وقت متأخر شاخت فيه ملكات الذكاء والإبداع والصناعة الفلسفية، ولذا بقي الفيلسوف فيّ يحبو، بل هو دون سن الحبو؛ إنما هو لمّا يزل يرضع من ثدي الفلسفة المحجوبة عن الوعي في عمق كوامن اللاوعي، يرضع لبنها، ولما يُفطـَم، ليتذوّق النكهات المتـنوعة لصيروراتها وتماهياتها وتلاوينها. وكنت سأكون شاعرا، لأن الشاعر هو الآخر كامن في كوامني ودواخلي وخوالجي، ولأن الشعر هو ذلك الكؤون الذي يختزن في مكنونه ماهية الإنسان في بعديه الداخليـين؛ إذ الشعر يختـزن الفكرة في تأملاتها، كما يختزن الخلجة العاطفية في اعتمالاتها؛ يختـزن الفكرة ويختزلها في صياغة لغوية بديعة امتزجت فيها الحكمة بالجمال، امتزجت الأفكار نتاجات العقل، بالجماليات الجذابة المرسومة بريشة النفس الشاعرية، بكل آيات الدفء للإحساس الإنساني، بكل حالات سكينة الهيجان العاطفي، وعنفوان الهدوء والسكون النفسي، لأن الشعر ما هو إلا قلب نابض بالفكرة، وعقل معتمل بالعاطفة، فتكون العاطفة هي العقل المفكر، وتكون الفكرة هي القلب النابض بدفء العواطف الجياشة. نعم في الشعر يتمازج القلب مع العقل، والفكر مع العاطفة، حتى لا يدري العقل أهو القلب النابض دفءً عاطفيا، أم العقل المبدع أفكارا وعبرا حكيمة، كما لا يدري القلب أهو الغائر في عمق تأملات الأفكار، أم هو المتدفق بدماء الإحساس في عروق وشرايـين الوجدان العاطفي. وكنت سأكون فقيها، لأحرر الفقه من سجن الموروثات، وأفكـَّه من أغلال المألوفات، وأطلق سراحه من زنزانة المشهورات، ولأشرعن تمردي المشروع على الخرافة والغلو والتطرف والخدر والتسطيح والقوالبيات المدمرة للدين والإنسان والمعاني القدسية المتسامية والسلام، ولأعيد صياغة الفقه في بوتقة روح القرآن والعقل وقيم الله رب الخير والجمال.
ثم لو استدارت عجلة العمر بعكس اتجاه سيرها، لتحط رحالها عند بدايات طفولتي، لقلت لطفولتي، ثم لصباي، فمراهقتي فبدايات شبابي، ألزموا مكانكم الزمني، حتى أعجل بسرعة لمحة من لمحات البصر، أو ومضة من ومضات النور إلى المستقبل الذي هو حاضر هذه الكلمات، لأقطف سريعا ثمار رشد الشيخوخة، وفي طريق رحلتي الخاطفة عبر الزمن أقطف من كل ثمرة من ثمرات كل الراشدين قبلي وبعدي، ثم ها أنا ذا عائد التو إليكم من فوري هذا معلما ومربيا لنفسي، فأكون أنا المعلـِّم والمتعلـِّم المعلـَّم على يدي معلـِّمه، وأنا المربي والمتربي المربَّى على يدي مربيه، اللذين كل منهما هو هو، أي أناي أنا، لأن ليس من له أن يعلمني ويربيني من بعد الله ربي إلاي، لأني وحدي أعرف نفسي ودواخلها، بعقدها وأمراضها وعناصر ضعفها وانحدارها، وبعناصر قوتها وألقها وملكاتها. وليس من معلم ومرب خير من معلم ومرب يعلم قوة وضعف معلـَّمِه ومُربّاه أو متعلـِّمِه ومتربيه. إذن لو كانت طفولتي اليوم شاخصة أمامي، أو كنت شاخصا أمامها بحضور أمسي في لحظة آني، أو حضور يومي ولحظة آني في أمسي، وهكذا لو شخـَصتْ أمامي مراهقتي أو شخصتُ أمامها، وكذا مطلع شبابي، لربّيتـُني على غير ما رُبّيت، وعلـَّمتـُني على غير ما عُـلـِّمت وتعلمت، ووجهتـُني في بعض ما وُجِّهت وتوجهت لغير الوجهة التي توجهت، ولاكتـشفت عناصر قوتي لأوظفها حيث ينبغي لها أن تـُوظـَّف، ولسيرتها في المسار الذي ينبغي لها، ولتعرفت على عناصر ضعفي، فعالجتها وجبرتها، إلم يكن على نحو المعالجة والجبر الكليين، فبمقدار أقصى الميسور والممكن والمتاح، وبقدر ما تـقدر عليه ملكاتي التي وهبها لي الله خالقي وفاطري وربي وهادِيَ ومربِّيَ ومعلمي.
ولكن مات الفيلسوف فيّ، ومات الشاعر والفقيه، ولم يـبق من كل منهم إلا صورة الفيلسوف، وظل الشاعر، وشبح الفقيه. نعم بقي من الفيلسوف بعض من تأملات العقل الغائر تارة، والمحلق أخرى، والقاصر العاجز ثالثة، والمعزّي نفسه بوعيه بقصوره وعجزه. وبقي من الفقيه بعض من ملكات الاستـنباط الفاقدة للكثير من ركائز القاعدة، وقـلق المعرفة عن أسرار اللامفهومات، وبقي من الشاعر، أو لعلي أقول الفنان روحه وبعض من شفافيته وعشقه لكل معاني وتجليات الجمال، وبقي لي من ذا وذا ازدواجيتي أو لعلي أقول ثـنائيتي، من خلال روح الحرية المسؤولة الكامنة في دواخلي والطافحة أحيانا نفحات إلى خارجي، حيث تريدني حرية الشاعر والفنان أن أحلق وأحلق في فضاءات الانعتاق اللامحدود، وتـشدني مسؤولية الملتزم الرسالي العقلاني إلى الأرض، إلى الواقع فتكبلني بل أكبلني نفسي بنفسي بقيود المسؤولية وقيود الأخلاق وقيود العقل، وأحيانا قليلة بقيود الورع والتـقوى. فكيف أجمع بين التوق للطيران محلقا في أعالي الآفاق والفضاءات المفتوحة أبدا إلى أعلى بلا حدود، وبين الانشداد إلى أنواع الالتزامات في واقع الإنسان الذي لا أملك أن أنفصل عنه، لأني سأفقد إنسانيتي وأضيع وجودي، إذا ما انفصلت عنه، وعن دموعه وجراحاته وتساؤلاته اللامجاب عليها إلا بمحاولات إجابة تائهة بين تأملات العقل ونفحات الروح التي نفخ الخالق فينا منها بعد أن سوانا طينا ناطقا سائلا شاعرا عاقلا، لطالما غفل عن نفحة الروح، فكان ظلوما، وعن تأملة العقل فكان جهولا. إنها الازدواجية أو لا أدري لعلها الزوجية أو الثـنائية، بين قيد المسؤولية قاتل الإبداع، وتحليق الشاعرية والفنانية قاتل مسؤولية وتبعات الرسالة والأمانة.
ولكن حيث لا زمن يعود، ولا فرصة إلا ما بقي من مجهول الفرصة، ولا حلم ولا خيال ولا مثال في الواقع، ولا إمكانية انفصال عن هذا الواقع، إلا بلحظة الأجل المحتوم، ولا جمع بين لابدية التحليق وحتمية الانشداد إلى واقع حياة الناس، كما لا تفكيك بينهما، وحيث الضعف والعجز والقصور، الأبدي إلا أن يشاء رب القوة والقدرة والإبداع سبحانه من جميل مبدع للجمال؛ حيث كل هذا لا حل له إذن إلا باستحضار الحاضر الذي لا يغيب، ليسكن القلب أبدا وليملأه وحده. ولكن هل لي إلى تحقيق ذلك من سبيل؟ إن كان الجواب لا، وهي لا بلا شك، فما هي بـ "لا" مطلقة، إذن علي إلى ذلك ما استطعت، وما توفيقي إلا بمن كنت ميتا فأحياني وجعل لي نورا أمشي به في الناس، ولم يدعني كمن هو غارق في الظلمات ليس بخارج منها، إلا من بقايا ظلمات النفس الأمارة بالسوء، والتي لا تـتبدد إلا بالرجاء، وما الرجاء إلا هو، وبه، ومنه، وإليه، وفيه، ومعه، سبحانه من جليل جميل ألق علي سمي.
18/12/2004
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::