عشت اليوم تجربة
ليست كأي من تجربات حياتي
عشت خارج الزمن
خارج الإحساس
حيث يملأ الإحساس
كل ذرات وجودي
بل ويملأ كل ذرات عدمي
إذ تلاشت الحدود بين الوجود والعدم
فغدا العدم وجودا محسوسا
والوجود عدما خارج موطن الإحساس
رأت عيناي اليوم لونا
ليس كالألوان
فلا هو من الألوان الأساسية
ولا هو نتاج لمزيج لوني
لكنْ عيناي ألفتاه
وكأنه كان منذ أن التقت عيناي بعالم الضوء
منذ تعرفت على اللون الأول الذي التقته
بل هو لون كأنه رغم غرابته
وجدته كان مألوفا لعينيّ
مألوفا لهما قبل أن تنفتحا على دنيا الضوء
إنه لون يمتد إلى ما قبل ولادة الضوء
إلى ما قبل بداية الزمن
ورغم غرابته عشت ألفته
لكنه من النوع الذي لا يوصف
سمعت أذناي اليوم صوتا
ليس هو من نوع الأصوات
فهو المسموع اللامسموع
عشت اليوم إدراكا
ليس كالإدراك
لأنه ليس من النوع الذي يدركه العقل
ولا حتى ما وراء العقل
لا أبدا
أرجوكم
لا تسألوني عن هذه التجربة
فإني لا أملك الجواب رغم حضور الجواب
فهو حاضر
لكن لا أدري أفي الوعي
أم في اللاوعي
أم لعله في ما وراء ماورائيات الوعي واللاوعي
لا أدري ما هذا الذي كان
ولا أدري بعد الذي كان
ما معنى أن أدري
وما معنى ألا أدري
التقت نفسي بنسمة
قالت إنها تخاف علي من نفسها
رغم أن النسيم ليس مما يخاف منه
لكن ما أدراني
لعل النسمة شخصت فيّ من الضعف
ما يجعلها تخشى علي حتى من نفسها
أن تخشى علي حتى مما لا يخشى منه
فلعل نفسي رغم كل رقة النسيم
أرق من النسيم نفسه
وأكثر شفافية
إنه شيء ليس كالأشياء
لون ليس كالألوان
صوت ليس كالأصوات
إحساس ليس كالإحساس
لا .. لا أسميه
لا أوصِّفه
فلا الأسماء ولا الأوصاف
خـُلقتا لمثل هذا الذي لا أدري ما هو
رغم علمي به وتعرفي عليه
لكنه علم خارج هجائية المعلوم
ومعرفة تقع خارج دائرة المعارف
إن قلتم لم تفهموا ما أقول
فهو أشد لا مفهومية عندي منكم
لا .. لا تفسروه
أبدا لا تحاولوا
لا تحلـّوا لغزه
لا تأوّلوه
لا تسألوا عنه
لكن لماذا كان كل ذاك؟
وستكثر وتتكثف وتتراكم اللماذات
حتى تبلغ ذروة اللافهم
ثم بعد كل هذا عدت إلى داخل نفسي
عدت إلي أنا الذي غبت لحظة من الزمن عن وعيي
لأقول لي
دع الأمر كما هو
أنت أيضا لا تحاول أن تفهم
دع ذلك
حتى ترسو سفينة الروح
على شاطئ الطرف الآخر من اللانهاية
هناك ينتظرك الجواب
فترتاح النفس
ويهدأ الصخب
يتلاشى
وتتعلم كيف تتهجى اللون الذي ليس كالألوان
وتقرأ الصوت الذي ليس كالأصوات
وتحل لغز الإحساس الذي ليس كالإحساس
حتى تلك اللحظة
عليك أن تعتاد العيش وسط صخب وضجيج الصمت القاتل
ولكن قتلا يمنح الحياة
وإن كانت حياة مكتوبة بهجائية غريبة
وملونة بألوان ما وراء الألوان
هذه كلماتي التي ترجمت ما لا يترجم وما لا يدرك
إلا لحظة امتزاج الوعي باللاوعي
لحظة يستحيل الغموض وضوحا
فترى فيه ملامح ما وراء المرئيات
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::