خاطرتان في حقيقة الكؤون الإنساني
ضياء الشكرجي
الخاطرة الأولى:
ليس بينك وبين أن تنزع إياك عنك، إلا ألا تكونك، ومعنى أن لا تكون إياك، هو ألا تكون، فكؤونك مرتهن ومشروط بوعيك لهذا الكؤون الذاتي، وهذا ما نعته المناطقة بالعلم الحضوري، والذي أوله وحدة العالم والمعلوم، أي العلم بالذات، وهذا المعنى ما عبر عنه أحد كبار الفلاسفة بقول: "أنا أفكر، إذن أنا كائن"، ولعلي أصحح قوله بـ: "أنا أعي كؤوني، إذن أنا كائن"، وأن أعي كؤوني يعني أن أعي ذاتي، وأحوالها الثابتة منها والمتحولة، فعندما أفكر، عندما أحسّ بكل الأحوال والتحولات الجسدية، وعندما أحسّ بكل الأحوال والتحولات النفسية والروحية، أعلم موقنا يقينا لا يعتريه ريب أني كائن. نعم قول "أنا أفكر، إذن أنا كائن" يصح من حيث ملاحظة الكؤون بأعلى وأسمى وأرقى وآلق مراتبه، فأسمى الإحساس بالكؤون الذاتي، هو ما يتجلى بالفكر والتفكّر، إذ الفكر هو أرقى أنواع الإحساس، الذي جعل خصوصية اختص بها الكائن الإنساني، دون غيره مما نعلمه. ومع ما علمتَه من إدراكك لكؤونك، لا بد من وعي أن كؤونك إياك ليس وحده المكوِّن لمكوِّنات كينونتك، إذ كؤؤونك ليس حقيقة بسيطة، فالمطلق وحده من مجموع الكوائن هو البسيط، وكل ما سواه، أي كل نسبي مركَّب، ومن مركبّات كؤونك حلول الآخر فيك، فإن هناك كمّا من كؤونات خارجة عن الكؤون الذاتي قد دخلت كعناصر في تركيب هذا الكؤون؛ من عوامل وراثة، وعوامل تربية، ومؤثرات بيئية، بكل ما تحفل به من أمزجة، أخلاقيات، سلوكيات، أفكار، مفاهيم، عادات، تقاليد، أعراف، موروثات، مألوفات، مسموعات، مرئيات، محسوسات بشتى أدوات الحس، وشتى درجاته، وشتى تأثيراته، كل ذلك دخل فيك وصار منك، ليكوِّنك كائنا متكوِّنا متركِّبا، كي تكون في الآخر إياك، ثم إن هذا الكؤون المتكوِّن يبقى في حالة مطّردة من صيرورة وكينونة وتكوّن وتجدّد ونموّ وتحوّل وتكامل، أو أحيانا تناقص واضمحلال وتلاش، لأن الكؤون الذي يملك الثبات وعدم التحول، هو ذاك الذي لا يتركب، وهو وحده واجب الكؤون، فلا يتكامل، إذ لا كمال فوق كماله حتى يتكامل إليه، ولا يتناقص، لأن كماله المطلق ووجوبه وثباته يجعل التناقص ممتنعا عليه، فالواجب البسيط الأزلي الأبدي هو محض كمال، ومحض الكمال لا يُنتقص منه، ولا يحتاج إلى ما يُكمِل أو يُكمِّل به كماله، لأن الناقص هو المحتاج إلى التكامل، وما سواه متحول متكامل أو متناقص. نرجع ونقول من خلال حقيقة كؤونك المركَّب أو تركبّك الكؤوني، ومن خلال دخول عناصر عدد من أفراد الآخر، الآخر الحاضر، والآخر الغائب، في كينونتك، يتداخل عنصرا الجبر والاختيار فيما تكون وتتحوّل وتتكوّن، فيما تكون وما لا تكون، وبمقدار عناصر الاختيار الداخلة في كؤونك، تكون مسؤولا ومحاسَبا، وبمقدار عناصر الجبر فيك، تكون معذورا، وأنت وحدك بعد مُكينك ومُكوِّنك ومُكين ومكوِّن مكوِّناتك، وباعثك بالتالي إلى الكؤون، أنت ومانحك عناصر التكوّن والكينونة المطردة، ومانحها قابلية التكوين لكؤونك المركّب، ومانحِك قابلية التأثّر بها والتكوّن منها؛ أنتما وحدكما، أنت وهو سبحانه فقط تعلمان تمام وكمال العلم بحدود الجبر من الاختيار فيك، لأن العلم الحصولي دون مرتبة العلم الحضوري، ولأن العلم بك علما حضوريا لا يكون إلا منك ومنه جل وعلا كؤونه القدسي السرمدي، وعلمه أكمل، لأنك قد تغفل عن بعض عناصر وحالات كؤونك، وهو سبحانه لا يغفل، وقد تجهل بعض مكوِّنات كينونتك، وهو سبحانه لا يجهل، وقد تنسى بعض ما كان منك، وهو سبحانه لا ينسى. ولا يكفي أنك إياك تكون على نحو الحقيقة الشخصية، بل لا بد لك من أن تكونك على نحو حقيقتك النوعية، أي أن تكونك أنت الإنسان، وليس مجرد أن تكونك أنت الشخص، وإن كنت أنت الشخص فردا من أفراد النوع الإنساني، دون أن يعني أنك استطعت بالفعل أنسنة كؤونك تمام الأنسنة. إذن عليك مسؤولية أنسنة الكؤون الذاتي، وأنسنة الكؤون الغيري في المحيط الإنساني من حولك، وعندما يتأنسن كؤون كل كائن إنسي، ويتركّب كل فرد من أفراد الكؤون الإنساني من عناصره الذاتية والعناصر الغيرية من حوله، أو مما أثر فيه من قبله، سيدخل في كؤون كل كائن إنساني عناصر الإنسان الآخر المتأنسنة، فتتكامل عندها إنسانية كل من الكوائن الإنسانية بإنسانية الكوائن الإنسانية الأخرى، ليضع كل كؤون يده بيد الكؤون الإنساني الآخر في مسيرة تكاملية تكدح نحو الأعلى، نحو الأمثل، نحو الأكمل، نحو المطلق، نحو الجمال المحض، والنقاء المحض، والسمو المحض، والنور المحض. فتنطلق عندها هناك في رحاب الجمال المحض سيمفونية الكون تترنم وتطرب على أنغامها كل ذرات ذلك الكون تسبيحات وتمديحات وتمجيدات وتقديسات للكائن المطلق، منصهرة فيه، وتعيش الكائنات جمالا وكمالا، صفاء ونقاء، طهرا وزكاة، علوا وألقا، تَسْبَح في فيض الكمال والجمال المطلق، وتُسَبِّح بحمد الكمال والجمال المطلق.
24/06/2004
الخاطرة الثانية:
لا يملك الإنسان من أجل أن يؤنسن إنسانيته إلا أن ينظر إلى علاقاته الأربع كيف هي، وأين هو منها:
- عليه أن ينظر إلى علاقته بنفسه، لأن وعيه بها لا غياب فيه، وهو بالتالي أظهر حجة عليه، ولأنه المسؤول الأول عن كمالها وسعادتها، ولأن معرفته بها أول وأهم المعارف.
- وعليه أن ينظر إلى علاقته بالله ربه، لأن مبدأه منه، ومعاده إليه، ومسؤوليته بين يديه، وكدحه فيه وإليه، ولأنه تعالى أجمل وأعظم وأكمل ما تتوق إليه نفسه بفطرتها من جمال وعظمة وكمال.
- وعليه أن ينظر إلى علاقته بالإنسان الآخر، لأن إنسانيته لا تتأنسن حق التأنسن إلا بانفتاحها على إنسانية الآخر، الآخر البعيد كما الآخر القريب، وإلا إذا ما أحب لهذا الآخر ولإنسانيته، ما أحب لنفسه وإنسانيتها.
- وعليه أن ينظر إلى علاقته بالطبيعة وبالكون من حوله، لأنهما بيئته الحاضنة له، والمؤثرة فيه والمتأثرة به، والأمانة التي اؤتمن عليها واستودعت بين يدي مسؤوليته برعايتها، ولأن فيها تجليات عظمة ربه، وتجليات الشوق الفطري لنفسه إلى الجمال وتشكّلاته وتلونّاته وتنغيماته.
24/06/2004
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::