غدا قلمي يتحرر والفكر والعاطفة يتزوجان
ضياء الشكرجي
غدا يتحرر قلمي .. يكسر القيد .. يحطم باب السجن .. ينطلق إلى فضاء الحرية .. يطير في بحر النور .. يسبح في أفق الضياء.
غدا تأذن مشيئة الله لمشيئتي .. غدا تحلـّق الحروف المولودة من رحم قلمي
تحلق .. تحلق .. وهناك في أعالي سماء الإبداع .. تتعانق .. فتشكل سحابا تقوده الريح .. في رحلة إلى أقرب نقطة من الشمس .. لتذيب الشمس السحاب .. فيستحيل مطرا .. تنهمر قطراته من سحابة الشمس .. كتبا تثري العقل .. لتربو ثروته .. إذ يُحلّ الله له يومئذ التجارة الربوية .. وتروي ظمأ الروح .. تـُسكرها .. إذ يُحلّ الله لها يومئذ السكر بخمرة الفكر .. وتطفئ نار الشوق التي تفصل بين الساحلين .. ساحل الفكر وساحل الشعور .. فتحرك الفكر من ساحله .. وتحرك العاطفة من ساحلها .. ليسبحا باتجاه بعضهما البعض في بحر الشوق ويلتقيا على جزيرة (عشق العقلاء) .. فتخطو العاطفة باستحياء نحو الفكر .. ويخطو الفكر برغبة نحو العاطفة .. ليجد لديها الدفء .. وتجد لديه الطمأنينة .. ليسكن إليها وتسكن إليه .. فتتمتم شفتا العاطفة مشتاقة خجلى .. رافعة باستحياء رمقها إلى الفكر .. «زوّجتك نفسي على مهر قدره وجودك كله .. ولأمَدٍ مداه يجتاز الآماد كلها والمديّات جميعها» .. ويجيب الفكر بشوق لا يفقده وقاره «قبلت تزويجكِ نفسكِ إياي بقبولكِ تزويج نفسكِ إياي وتزويجي نفسي إياكِ، وزوّجت بذلك كلي كلـَّكِ .. تعالي أسكن إليكِ وتسكنين إليّ .. فبعضنا من بعض .. تعالي كوني لباس دفء وراحة لي من صقيعي .. وأكن لباس برد وراحة لكِ من لهيبكِ .. أنا لباس لكِ وأنتِ لباس لي» .. فتقول العاطفة «إليك نفسي وإليّ نفسك» فيجيب الفكر «إليكِ وجودي كله .. تظللي به .. وامنحيني دفأكِ .. تعالي بلا استحياء .. ألصقي جسدكِ بجسدي .. نكن جسدا واحدا .. ودعينا نذيب روح كل منا في روح الآخر .. نكن روحا واحدة .. عندها سيبارك الله في زواجنا .. سيرزقنا ذرية صالحة طيبة .. سننجب معا حياة .. ننجب حبا .. ننجب فكرا .. سنتمازج .. حتى لا نعلم أواحد نحن أم اثنان» وبهذا لم يعد بالإمكان التمييز ما إذا أصبح العقل هو الذي يشعّ حبا .. والقلب هو الذي ينبض فكرا .. أم العكس .. أم هما شريكان في كل من الدورين .. أو أن الدورين اتحدا في حقيقة واحدة .. هل تلبّس العقل لباس أنوثة العاطفة .. وتلبست العاطفة لباس ذكورة العقل .. أو إن الأنوثة استحالت عقلا مفكرا، والذكورة استحالت عاطفة دافئة .. حتى تجانس الجنسان، فأنتجا جنسا واحدا، فتوحدا في ذكورة نسوية أو أنوثة رجولية .. كيف أصبح الفكر شاعرا عاشقا ولها .. وكيف أصبحت العاطفة مفكرا فيلسوفا متأملا .. وانطلقا في وحدة ثنائية أو ثنوة أحادية .. يعزفان لحن الخلود .. ويتمايلان طربا على معزوفة الوجود .. ويستهديان بكتاب لا ريب فيه .. يتـّقيان ربهما .. ويؤمنان بالغيب .. ويقيمان الصلاة .. ومما رزقهما ربهما ينفقان .. يتصدقان على الحياة تأملات عقلية وانفعالات قلبية .. ويزرعان في كل حقل وكل مزرعة من حقول الحياة ومزارع الوجود شجرة طيبة، ثابت أصلها راسخ في عمق الواقع .. ومتألق فرعها متسام يعانق السماء بكل سموها وصفائها وإشراقها .. تؤتي أكلها وثمراتها وعطاياها في كل حين بإذن ربها إبداعا من فكر فذ .. ودفءً من عاطفة إنسانية .. تغذي العقول تعليما من نظرية الكتاب وحكمة تطبيقات التجربة .. وتروي القلوب تزكية .. وتتلو آيات الله على أسماع مفردات الكون .. فتحفر في الفكر عمقا بعد عمق .. فيغور الفكر فيه غورا بعد غور .. وتضفي على العاطفة شفافية بعد شفافية ودفءً بعد دفء .. فتبعث الحياة مجددا فيمن كان ميتا .. وتجعل له نورا يمشي به في الناس .. نورا يُستضاء ويُضاء به .. لتستحيل الحياة كلها نورا مستضيئا وضوءً مستنيرا .. حيث تتلاشى ثنائية العقل والعاطفة .. ويتوحد الوجود منصهرا في بوتقة وحدانية موجد الوجود .. فتسبّح كل ذرة بحمد ربها .. بكمال ربها .. بجمال ربها .. بجلال ربها .. بنور ربها .. بألق ربها .. تسبّح بسبوحيته وبقدوسيته .. تسبّح بتحمّده وتمجّده .. تغني لا إله إلا الله .. تترنم الحمد لله .. تعزف سبحان الله .. وتذوب في سكرة عشق الله .. تحيتها فيها سلام .. ودعاءها أن سبحانك اللهم .. وآخر دعواها أن الحمد لله رب العالمين.
حوار الفكر والعاطفة في صبيحة عرسهما:
لم يستغرقا في أنانيتهما فيعيشا فرحة عرسهما دون التفكير بحال الزيجات الفاشلة بين فكر لم يتعلم وعاطفة لم تتزكَّ. جلسا يتأملان في تلك الزيجات الفاشلة؛ حيث كان العقل هزيلا فأنجبا وليدا جهولا، وكانت العاطفة في زيجة أخرى هائجة منفلتة من زمامها، فأنجبا وليدا ظلوما. فنزع من كل من تلك الأسرة ومن هذه الأسرة وسام تحمّل الأمانة، التي عُرضت على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، واعتذرن عن حملها، لافتقادهن قابلية الحمل، فتصدى الإنسان وحده، لما علـّمه بارئه من بيان، ولما نفخ فيه من روحه، ولما أودع فيه من إرادة، فتطوّع وحده لحملها، ولكن انقسمت البشرية إلى عشيرتين؛ عشيرة ابتـُلِيَت بذكور هزيلة ضعيفة، وعشيرة ابتليت بإناث هائجة متمردة، فأنتجت هزالة الذكور جهلا هنا، وأنتج هيجان الإناث ظلما هناك، فانفرد بحمل ما تنوء السماوات والأرض والجبال بحملها، أولئك الذين استعصموا واعتصموا فزادهم ربهم عصمة، فعلـّموها الذين استهدَوا واهتدَوا فزادهم ربهم هدى، فكوّنوا عشيرة بين عشيرتي بني ظلوم وبني جهول، اختارت لنفسها على مدى العصور مهنة غرس الشجر الطيب ذي الأصول الثابتة في الأرض والفروع المتعانقة مع السماء، والثمار المعطاءة بإذن ربها في كل حين، عاطفة عقلانية، وعقلا عاطفيا، فكان أهل هذه العشيرة رغم قلتهم وتناثرهم في الأرض وغربتهم فيها، هم أصحاب العقول العاشقة، والقلوب المتدبرة.
كتبتا في لندن 18/06/2001
وروجعتا في هامبورغ 25/07/2006
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::