ضجيج القلم

ضياء الشكرجي

 قلمي يضج .. يريد أن يتفجر عن مكنونه من الطاقة المنحبسة، التي لم يعد يطيق انحباسها وزخمها في نمو مطرد. ولا أدعي أن قلمي صاحب عبقرية لا بد لها أن تتفجر، ولكنه مع هذا يريد أن يمارس حقه في حرية الانطلاق إلى الواقع والانسياب إلى صفحات الكتب وأذهان القارئين وأسماع السامعين. قلمي يريد أن يُسمَع، يريد أن يُـقرَأ، فهذا حقه المشروع. ولعل عام 1998 هو من أكثر الأعوام التي عشت فيها قلق التأليف، إذ ازدحمت علي كل أفكار السنين الطويلة، كل أفكار العقود الممتدة في عمري، ازدحمت كلها، وتريد أن تنطلق. ولعل الذي يجعلني فيما يجعلني أعيش هذا القلق أكثر من ذي قبل، أني اشعر بأني قد  بلغت من العمر، ما قد لا تكون لي معه الكثير من الفرص، حتى أتمدد في الوقت، وأواصل التأجيل والتسويف، لأني قد لا أملك الوقت لكل ذلك، فإنه من الممكن جدا أن أكون قد استنزفت وقتي كله، ولذا أريد لقلمي أن ينفض ما لديه، قبل أن أودع الحياة، هذه الحياة التي أتعلق بها من خلال ثلاثة أسباب أساسية: سبب منها أخروي، والسببان الثانيان دنيويان، ولولا هذه الأسباب لما باليت أأودع الحياة اليوم أم غدا. السبب الأخروي الذي يجعلني أعيش الرهبة من مواجهة الموت، هو أني لا أدري كم أكون قد تهيئت لرحلة الآخرة، وأعددت للوقفة بين جبار السماوات والأرض، لا أدري أأديت أدنى حد من الحدود الدنيا من حق الله علي، لا أدري أأنا ملاقيه وهو راض عني ولو بأدنى درجات الرضا، أم أنه لما يرض بعد عني. أما السببان الدنيويان اللذان يجعلانني أتعلق بالبقاء في هذه الحياة الفانية التي لا بقاء لها، فالأول منهما هو  لأني أريد لقلمي أن ينفض ما عنده قبل أن أودع هذه الحياة، والشيء الثاني الذي يجعلني لا أميل الى مغادرة الحياة الدنيا إلى رحاب الآخرة، هو أني أخاف على زوجتي أن أتركها طويلا لوحدها. صحيح أن التوكل على الله والتسليم لله يعنيان أن تكون واثقا بالله سبحانه وتعالى، من حيث أنه إذا علم الصلاح والخير في تحقق طموحك التأليفي، فانه سيوفقك لذلك لا محال، وإن علم في ذلك ما سواه، كأن يكون سبحانه قد علم منه ضررا لدينك او إرباكا للفكر الانساني، فخير لك أن يصرفه عنك. وهكذا بالنسبة لما يتعلق بزوجتي فإني أؤمن بأن الله أرأف بها مني. مع هذا وذاك فإني أعيش القلق لهذين الأمرين، من دون أن يصل مستوى القلق الى حد سوء الظن بالله، أستجير به سبحانه من ذلك وتعالى الله عن كل ما يمكن أن توسوس به الوساوس علوا كبيرا، وله الحمد كل الحمد في كل الأحوال.

 

نعم إن قلمي ليضجّ ولا أدعي أني مفكر، ولكن لا يعني هذا أني أريد أن أنطلق في كتاباتي من غير قاعدة علمية، أو أريد أن أجتر ما قد كـُتِب، أو أمارس الكتابة على نحو الهواية والرغبة أو الترف الفكري، بل أشعر أن أفكارا  مزدحمة يضج بها قلمي، ويكاد يتفجر بها، ولم يعد يصبر على اختزان كل هذه الأفكار من غير أن يطلقها إلى عالم الواقع، إلى عالم الفكر، لتخاطب المسامع والعقول والقلوب، وإني أشعر بمسؤولية كبيرة جدا بأن أفك أسر هذه الأفكار أخيرا، فهل من معين يعينني على ذلك، وما العون إلا من عند الله العلي القدير.

 

إني أعيش هذا الشعور على نحو القطع، والقطع حجة على صاحبه، فلا أريد أن أقف يوم الحساب وقطعي هذا يقف شاهدا عليّ، وأفكاري الحبيسة تقف لتشكو شكواها إلى ربها وربي، فبم سأجيب؟ إن لديّ - ولا أقولها شعرا، لا أقولها تكلفا للتواضع، كما ولا أقولها اعتدادا بالذات - ولكني أقولها بشكل واضح بأن لي من الجهل ما لا يعرفه غيري، وبأن لي من العلم ما لا يعرفه غيري، فأريد أن أطلق العنان لما لدي من علم مختزن في فكري، وأقف عند حدود جهلي، فإني عندما أنظر إلى عناصر ضعفي، لا أراني أحتاج إلى تواضع، لأني أعرف أني الوضيع حقا في كل ذلك، فلا أحتاج إلى أن أتواضع أكثر مما أنا فيه من ضعة، أو أتصاغر أكثر من صغري، وعندما أنظر إلى مواطن قوتي، لا أحتاج إلى أن أتعالى، أو إلى أن أتكبر، لأني أراني في ذلك - ومع محدودية هذه الدائرة - أراني بحجم لا بأس به، وأراني في مستوى من العلو النسبي، ولكن كبري وعلوي هما مما وهبني الله سبحانه وتعالى إياه، إذن هو ملكه، وهو يمثل الطاقة التي رزقني إياها، ولا أملك أن أحبسها دون الإنطلاق إلى ساحة حركة الواقع، ورحاب الفكر الإنساني، فإنه تعالى أمرني أن أنفق منها، فلا أملك أن أحبس طاقة الله التي منحني إياها، وثمة مفكر قد قال أن من امتلك طاقة لم يطلقها من أجل إسلامه فقد خان إسلامه، فإلى الله هروبي ولواذي من أن أكون من الخائنين.

1998

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::