وأشرق القمر وتلاشت الدماء وانطفأت النار وانفرج الطريق ..  رؤيـا لامـرأة عـراقـيـة

 ضياء الشكرجي

أرملة عراقية وأم لستة أطفال؛ خمس بنات وولد، كان قد توفي زوجها قبل سنوات من هذه الحادثة، تروي لنا رؤياها التي رأتها في منامها بخمسة أيام قبل نشوب الحرب العراقية الإيرانية، وهي رؤيا غريبة جدا، ولكن كما يبدو ذات مغزى عميق جدا، ولا يبعد أن يكون لها علاقة بكل الأحداث التي تلت في أكثر من عقدين، من حرب مع الجارة الشرقية لثمان سنوات، وحرب ثانية مع الجارة الجنوبية، انتهت سريعا، ولكن بقيت إفرازاتها وآثارها لأكثر من عقد من الزمن، ثم حرب ثالثة فسقوط للنظام، فتحول ديمقراطي، وظهور بشائر استتباب الأمن والاستقرار، وتحقق السيادة والاستقلال. تقول السيدة صاحبة الرؤيا، وهي تروي لنا رؤياها هذه:

 

وجدت نفسي وكامل أسرتي، أي أطفالي الستة، ومعنا زوجي وكأنه لما يزل حيا معنا، وجدتنا مستقلين سيارة أمريكية عريضة يقودها زوجي، وأجلس معه في المقدمة، وبيننا كبرى بناتنا، بينما جلس بقية أطفالنا في الحوض الخلفي للسيارة. من حيث الوقت لم يكن ذلك لا هو في وضح النهار المشرق، ولا هو في ظلمة الليل المعتمة، بل في وقت تنتشر فيه غشاوة، لا أدري أهي غشاوة أول أو آخر الليل، دون أن يكون مظلما كل الظلمة. ومن حيث المحيط المكاني الذي كانت تنطلق بنا السيارة فيه، فكان عبارة عن طريق رملي ساحلي، حيث الماء عن يسارنا، بينما تعلو جانبه الأيمن جبال شاهقة وعرة. وكانت عجلات السيارة تدور على أرض رملية رخوة، ولكن مع هذا بقيت السيارة تسير باطمئنان، ولم تنغرس عجلاتها في الرمال مع ما كانت عليه من رخاوة وتخلخل كان يثير في نفوسنا القلق، وكأن هناك قوة خفية كانت تمنعها من الانغراس. ولم يكن على طول ما يمتد إليه بصرنا ثمة مخرج من هذا الطريق الطويل والموحش، حيث المياه العميقة إلى يسارنا، وحيث لا مهرب منها ومن الرمال الرخوة، إذ لا سبيل إلى صعود الجبال الصخرية الوعرة والشاهقة الارتفاع بزاوية حادة عن يميننا، ولا نهاية في الأفق الممتد امتداد البصر أمامنا. كان الخوف يلف وجودنا كله، ولكنه كان خوفا مكبوتا في العمق، يخاف هو الآخر أن يخرج إلى الفضاء، فيكون مسموع الصوت أو مرأي الصورة، رأفة بالقلوب الصغيرة لأطفالنا، التي قد لا تقوى على مواجهة هذا الخوف المتعملق والمتلبس صورة وحش مشهر أنيابه ومخالبه، ودون أن يعبر أي جزء من ملامحه عن شيء يقترب ولو قليلا جدا من الرحمة، بل كان كله قسوة ووحشية ورعبا. ولكن تحت وطأة كل طيات الخوف هذه المتراكمة كتراكم ظلمات النفس المستغرقة في يأسها، ظلمة فوق ظلمة، كان هناك ثمة أمل يقاوم الاختناق تحت وطأة طيات وتراكمات الخوف الجاثية فوق أنفاسه، ويجاهد الموت، ويأبى إلا أن ينبعث رغم ضعفه وهزالته، ليعبر عن أن إرادة الحياة وحب البقاء يجب أن يكونا أقوى من أن ينسحقا أمام جبروت العدم. والذي كان يزيد الطريق وحشة ورهبة، هو ما كنا نشهده أمامنا في قلب السماء، إذ كان يعلونا من أمامنا القمر، والذي لم يكن قمرا كأي قمر، والذي لم نشهد قمرا أشد منه وحشة ورعبا، فقد بدا بحجم كبير فوق العادة وخلاف الألفة، وفي وسطه طوليا نهر عريض من دم أحمر قان، يشقه إلى نصفين من أقصاه إلى أدناه، منتهيا بكبدة حمراء معلقة أسفل القمر تقطر دما. وقد ملأت نصفي القمر الأيمن والأيسر عروق محتقنة بالدماء الحمراء. كنا نحن الثلاثة في الحوض الأمامي؛ أنا وزوجي وكبرى بناتي نشهد هذا المنظر المرعب للقمر، دون أن يجرأ أحد منا نحن الاثنين أنا وزوجي أن يحدث الآخر عما يشاهده، إلا أن ابنتنا التي توسطتنا بادرت ببراءة وفضول يصطحبهما استغراب وفزع، وسألت أباها عما إذا كان يرى القمر أمامه، فلم يجبها، ثم التفتت إلي فسألتني عما إذا كنت أنا أرى هذا القمر، فلم أجبها أنا كذلك، إذ كنا نخشى أن يلتفت بقية الأطفال الذين جلسوا في الخلف إلى هذا المشهد الغريب والمرعب، فينتابهم الفزع منه، بما هو فوق طاقة قلوبهم بطراوتها ورقتها. وبقينا نراقب القمر في تحولاته، فإذا بالنصف الأيمن يتحول إلى بركان من نار يتفجر ويتفجر، وتتطاير شراراته، وما لبث القمر على حاله هذه، حتى انفصلت عنه جمرة من نار هائلة في حجمها ومخيفة في عنفوانها المتفجر غضبا ودما ونارا، كانت بمثابة كتلة بركانية هائلة، فهوت بسرعة فائقة باتجاه الأرض، فارتطمت بوسط المياه عن يسارنا، فما كان إلا أن دخلت في دوامة أو زوبعة مائية هائجة، تدور بسرعة جنونية، وتدور النار معها، وكأنهما في صراع محتدم، هو صراع الوجود أو العدم، أتبتلع المياه الغاضبة هذه الكتلة النارية الرهيبة في لهيبها وحجمها وعنفوانها، أم تنتصر الكتلة النارية على الدوامة المائية فتحوّل الماء إلى حمم من نار، ولكن الغلبة كانت أخيرا للزوبعة المائية إذ جرّت النار إلى العمق، وابتلعتها، وأطفأت لهيبها، فلم تبق لها من أثر. عندها رفعنا أبصارنا بمشاعر يمتزج فيها الخوف مع الأمل، فنظرنا إلى القمر، فرأينا نصفه الأيمن قد عاد صافيا مشرقا، وخاليا من العروق المحتقنة بالدماء، مما يجعل الأمل يتنفس الصعداء قليلا، بينما بقي النصف الأيسر على حاله، كما بقيت الكبدة معلقة أسفل القمر، ولما تزل تقطر دما، مما يجعل الخوف والفزع والقلق ولامعروفية المصير لمّا ينتزع بعد من النفوس. كل هذا ونحن نحث السير بسيارتنا، ننظر إلى الجبال الشاهقة عن يميننا تارة، وإلى الرمال الرخوة التي نخشى أن تنغرس فيها عجلات سيارتنا تارة ثانية، وإلى المياه عن يسارنا ونحن نخشى أن تزل العجلتان في جهة اليسار من سيارتنا عن حافة الساحل إلى عمق تلك المياه فتجرفنا إلى أعماقها المظلمة تارة ثالثة، ونرفع أبصارنا إلى القمر المدمى والمرعب تارة رابعة، ويمتد بصرنا تارة خامسة إلى آخر الطريق لعلنا نجد مخرجا أو نهاية له، فلا نجد شيئا في الأفق. وأثناء كل ذلك، إذا بالمشهد المرعب الذي شهدناه فيما حصل مع القمر آنفا يتكرر مرة أخرى، ولكن هذه المرة مع النصف الأيسر منه. كان المشهد هذه المرة دون الأول بكثير من حيث درجة العنفوان وحجم اللهيب البركاني، وإن كان هو الآخر مرعبا وموحشا جدا، لولا المقارنة مع ما سبقه. وانتهى مشهد ثورة وهيجان وتفجّر البراكين النارية بانفصال جمرة من نار كالأولى، إلا أنها كانت بربع حجمها هذه المرة، وهوت هي الأخرى كما الأولى إلى الماء، وحصل ما حصل من صراع ودوران حلزوني بين النار ودوامة الماء، حتى ابتلع الماء النار ثانية. ونظرنا إلى القمر هذه المرة، فإذا بنصفه الأيسر قد غدى كأيمنه صافيا مشرقا خاليا من عروق الدماء، حيث تنفس الأمل الصعداء في نفوسنا مرة أخرى، إلا أن نهر الدماء الذي يتوسطه ويشقه إلى شقين من أعلاه إلى أسفله، والكبدة المعلقة به التي تقطر دما؛ كل ذلك ما زال كما كان، وما زال الخوف يحاول خنق الأمل، ويحاول الأمل من جهته جاهدا أن ينتزع نفسه من تحت وطأة الخوف. ونحن نتأمل في هذا المنظر، يحدونا الأمل من جانب، لما رأينا من نهاية للنار والدماء في شق القمر الأيمن ثم في شقه الأيسر، ولما رأيناه من ابتلاع المياه للكتل البركانية الهائلة والمرعبة، وإطفاء لهيبها الغاضب، ولكن من جانب آخر ما زال الرعب لمّا ينتزع من قلوبنا تمام الانتزاع، ذلك بسبب مشهد النهر الدموي، والكبدة التي تقطر دما، إضافة إلى وحشة الطريق، حيث الجبال والمياه والرمال الرخوة واللانهاية واللامخرج. ونحن على هذه الحال، وإذا بالكبدة الدموية تنفصل عن القمر، نعم قد انفصلت حقا، وهوت إلى الأرض، وسقطت في الماء، فابتلعتها هي الأخرى. وفجأة ينفرج أمامنا طريق معبَّد مفتوح ميسَّر، يقودنا إلى أعلى، فسلكناه، وارتفع بنا متوجها إلى أعلى فأعلى، فاطمأنت بذلك نفوسنا، وانفرجت أساريرنا، وشعرنا لأول مرة بالارتياح والانفراج، وانتزع الخوف من قلوبنا تماما، وحمدنا الله إذ قطعنا تلك الرحلة الطويلة والموحشة والمحفوفة بكل تلك المخاطر والملفوفة بكل ذلك الرعب من غير أن يصيبنا أدنى مكروه، وأخذنا نسير في طريق ثابت معبد مفتوح، يسير بنا إلى أعلى بسلاسة وارتفاع تدريجي مريح ومن غير وعورة أو حدة مبالغ فيها بالصعود، والقمر مشرق علينا بضياء لم نشهد من قبل أشد إشعاعا منه، وبصفاء لم نعرف من قبل أشد نقاوة منها، ولأول مرة بعد ذلك الطريق الطويل الطويل، والموحش الموحش، عرفت نفوسنا الطمأنينة، وقلوبنا الأمن، حيث نسينا كل الحزن والأسى والكآبة فيما خلفنا وراءنا مما سلف، وذهب من قلوبنا كل الخوف والقلق على ما نحن مقبلون عليه فيما سيستقبلنا.

 

صاحبة الرؤيا هي الأخت الفاضلة [...] الحاجة [...] أرملة [...]. روت لي صباح هذا اليوم رؤياها التي رأتها عام 1980 بخمسة أيام قبل نشوب حرب الثمان سنوات، فرأيت أن أدونها كما سمعتها منها مضمونا، وكما تفاعلت معها نفسي أسلوبا بالتعبير، ثم تلوتها عليها، فاستحسنت ما كتبته، وأشارت إلى مفردة أضفتها، فكان هذا النص.

5 شباط 2005

 

وأشرق القمر واستحالت الظلمة ضياء

من وحي الرؤيا والانتخابات

ضياء الشكرجي

 

وأشرق القمر

وتلألأ ضياء

واغتسل القمر

من كل الدماء

وتلاشت الدماء

وانطفأت النار

وانفرج الطريق

واطمأنت النفوس

وطربت القلوب

على نغمات السلام

ولاح المستقبل

متجملا لكل الأنام

صباحا بلا ظلام

ولبست بدلة عرسها الأيام

واستحالت النار

إلى برد وسلام

واستحال الماء

إلى مغتسل وشفاء

واستحالت الدماء

إلى ورود ونبضات حياة

واستحالت الجبال

إلى مجد وشموخ

إلى ألق وعلاء

وسار بنا الطريق

نحو قمة المجد .. نحو ذروة العلاء

بلا هبوط

بلا خوف

بلا وعورة بلا خطر بلا عناء .. بلا شقاء

وارتفع الإصبع بالحبر بالحناء

يتحدى براكين الإرهاب

واستحال الحلم

واقعا وحياة

وتلونت الحياة

مزهوة بعيد كرامة الإنسان وأمنه والرفاه

لا هبوط بعد اليوم

لا خنوع

لا ظلام

بل قمر كان بالأمس مخضبا بالدماء

قد استحال شمسا وضياء

وليل استحال نهارا وهناء

تمزقت أستار الظلام

واستحال الموج سفن نجاة

أبحرت إلى ساحل الغد الأخضر .. إلى السلام

الخوف استحال أمنا

والخراب غدا بناء

والغضب استحال رضاء

وغدا البغض حبا ورحمة

واليأس استحال أملا كبيرا ورجاء

واستحالت دموع الأحزان أعيادا وشموع

واستحالت ليالي الماضي شموسا وزهور

 

5 شباط 2005

 

ملاحظة: كان يومها يحدونا الأمل أن تكون الانتخابات بداية تحول نحو الاستقرار ولكن مضت تلك الدورة وجاءت انتخابات ثانية وما زال العراقيون يبكون بعين وتتطلع العين الثانية إلى مستقبل أفضل ما زال العراقيون يحلمون به رغم كل الكوارث.

24/05/2006

 

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::