أم محمد رمز العفة والشرف والإخلاص والتضحية والبطولة
أم محمد .. السيدة الجليلة التي أعطت أغلى شيء لإنقاذ حياة زوجها.
اغتـُصِبت من قِبَل أدنس وأنجس حثالات خلق الله، ثمنا منها لحياة زوجها وأبي أولادها.
فهي والله بحق:
- رمز العفة ..
لأنها لم تـُفرِّط بعفتها، عندما اشترت بها حياة زوجها.
- رمز الشرف ..
لأنها شخصت اللحظة التي يكون لزاما عليها أن تعطي أغلى شيء عندها.
- رمز الإخلاص والوفاء ..
وأي إخلاص ووفاء للزوج أكبر، من أن تقرر زوجته أن تعطيه رأس مالها الأوفى والأغلى، في لحظة هو أحوج ما يكون إلى مُنقِذ ومُخلـِّص.
- رمز التضحية والعطاء ..
فكانت المصداق الأعلى لـ «من أعطى واتقى وصدق بالحسنى».
- رمز الشجاعة والبطولة ..
لأنها تحدت الأعراف الظالمة والقاسية لمجتمع لا يرحم، من أجل إنقاذ ما اعتبره الله إنقاذا للبشرية كلها.
ومن أجل أن نتعرف حق المعرفة على منزلة البطلة العفيفة أم محمد عند الله عز وجل، دعونا نتعرف على المنزلة التي وعدها سبحانه إياها في القرآن الكريم.
منقذة البشرية:
«مَن قـَتـَلَ نـَفسًا بـِغـَير ِ نـَفس ٍ أو فـَسادٍ فِي الأرض ِ فـَكـَأنـَّما قـَتـَلَ النـّاسَ جَميعًا وَمَن أحياها فـَكانـَّما أحيَا النـّاسَ جَميعًا». وهي التي أحيت نفس زوجها، بعدما كانت نفسه من الإزهاق قاب قوسين أو أدنى. أنقذت حياته، بتسليمها عفتها كارهة أيما كراهة، فكانت بإنقاذ نفس بريئة حسب تصريح القرآن، بمثابة منقذة لنفوس البشرية جمعاء، كل أفرادها بلا استثناء.
المتقلدة لوسام العطاء:
فالله جعل العطاء من أشرف الأعمال وأسمى الأخلاق، فأصحاب العطاء هم المتخلقون بأخلاق الله، إذ هو سبحانه أجود وأوسع المعطين، وهو الذي قال في كتابه: «إن سعيكم لشتى؛ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى»، فعندما قسم الناس على ضوء سعيهم في هذه الحياة، جعل العطاء هو المقياس الأول الذي به ينال الإنسان أرفع وأشرف منزلة عند الله.
المتبوئة منزلة الأبرار:
«الأبرار» كمصطلح قرآني منزلة فوق منزلة «المتقين»، و«المتقون» منزلة فوق منزلة «المؤمنين»، و«المؤمنون» منزلة فوق منزلة «المسلمين»، بمعناها الفقهي لا العرفاني. وكما يصرح القرآن إن هذه المنزلة لن تـُنال، إلى عندما يُعطي الإنسان أعز ما عنده، لحظة يوضع أمام امتحان العطاء، كما فعل الحر بن يزيد الرياحي، لحظة خيَّر نفسه بين عطاء حياته شهيدا بين يدي الحسين (ع)، أو ربح حياته مع مال وجاه ومنصب رفيع عند السلطان الجائر، فآثر نصرة الحسين (ع) على كل ما كان موعودا به، لأنه وزن الأشياء في لحظتها بميزان الله، لا بميزان الناس، وهكذا وزنت أم محمد الأشياء بميزان الله لا بميزان الناس وأعرافهم الظالمة والمتخلفة والمنافية للدين، وهو سبحانه الذي وعدها بأرفع المنازل عنده، إذ قال تعالى: «لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون»، وأم محمد أنفقت أحب وأعز وأغلى شيء عندها، وفاءً لزوجها وأبي أولادها.
كن شجاعا ووفيا وعارفا للجميل يا أبا محمد
يقول الله تعالى: «هل جزاء الإحسان إلا الإحسان»؟ وهل من إحسان أفضل من أن يهدي إنسان لك حياتك من جديد، بعدما كنت قاب قوسين أو أدنى بينك وبين إزهاق روحك ظلما وعدوانا على أيدي من لا يخافون الله ولا يملكون لا دينا ولا ضميرا ولا حسا إنسانيا، فأعطت أم أولادك، التي برهنت على وفائها وإخلاصها لك كل هذا العطاء، أعطت ما أنت أعرف من أي شخص آخر، كم عزيز عليها إنفاقه من أجل إنقاذ حياتك. فكن محسنا، يُحسِن الله إليك، وقابل إحسان زوجتك إليك بإحسان أكبر، وكن شجاعا، وزن الأمور بميزان الله، لا بميزان العرف المخالف لشرع الله. وكن وفيا لها، كما برهنت هي وفاءها لك بكل هذا البرهان الذي لا يشك فيه، ولا تقابل وفاءها وإخلاصها بالخيانة والجحود ونكران الجميل.
شكرا لنصيرة المرأة المناضلة د. كاترين ميخائيل
لا بد لي من توجيه الشكر للالتفاتة الرائعة من قبل السيدة الفاضلة المناضلة د. كاترين ميخائيل، إذ سلطت الضوء على هذه القضية الإنسانية، مما اطلعت عليه عبر مبادرتها الكريمة بإرسال المادة بالإيميل، إذ أحيانا لا يتسنى للإنسان أن يتابع كل ما ينشر، والسيدة كاترين عودتنا الانتصار لمثل هذه القضايا والوقوف مع نساء مجتمعنا المظلومات اجتماعيا وسياسيا ومع كل القضايا العادلة، فجزاها الله برا منه ببرها بعباده.
أيتها الحكومة الوطنية كوني وطنية في تكريم أم محمد
في هذه الأيام تمر ذكرى بطل من أبطال التضحية والعطاء في العراق، ذلك الشاب الأعظمي الرائع الذي أنقذ حياة عدد من زوار الإمام الكاظم (ع)، قبل أن يقدم حياته في ساحة من أشرف ساحات الجهاد والعطاء والتضحية عثمان العبيدي، وهو بطل ورمز وطني يجب تكريمه أيما تكريم. ولنا أبطال حقيقيون يجب تكريمهم كذلك الشرطي الذي ضحى يوم الانتخابات بحياته من أجل إنقاذ عدد من حياة الناخبين، عندما احتضن الانتحاري في اللحظة الأخيرة وأبعده عن الناخبين ليتناثر جسده، جسد هذا البطل والرمز الوطني مضحيا من أجل المواطنين، فهو كذلك ممن يستحق أعظم التكريم. واليوم لدينا هذه البطلة الشهيدة الحية أم محمد التي تستحق كل التكريم والإجلال والنصرة، فنأمل ألا تكون الحكومة الوطنية غير وطنية في عدم الالتفات إلى هذه الإنسانة العفيفة الكريمة المظلومة.
أيها المجتمع أرحم من في الأرض يرحمك من في السماء
والمجتمع العراقي في محنته أشد ما يكون حاجة وفقرا إلى نظرة رحمة من الله، وقد قال الرسول الكريم (ص) «إنما» - و«إنما» أداة حصر أي حصرا وفقط - «إنما الرحماء يرحمهم الله». فلا تقسوا على المضحية أم محمد أكثر مما قسى عليها المجرمون، وأكثر مما قسى عليها زوجها، وآمل أن يتوب قبل فوات الأوان، كما تاب الحر بن يزيد الرياحي في لحظة الحسم، ارحموها وكرموها وقلدوها وسام العفة والشرف، والإخلاص والوفاء، والشجاعة والبطولة والتضحية، فهي والله لتستحق كل تلك الأوسمة منكم أيما استحقاق. ثم كونوا على دينكم أحرص مما أنتم على أعرافكم، فنحن مع الأعراف الاجتماعية ونحترمها، ما انسجمت مع مُثـُل الدين الحنيف، ومع مُثـُل الإنسانية وحقوق الإنسان امرأة ورجلا وطفلا. فلا تظلموا دينكم بتحميله وزر أعرافكم الظالمة، فالإسلام أرحم منا ومن أعرافنا وتقاليدنا وحكوماتنا.
واجب المرجعية وعلماء الدين
لا أظنني بحاجة إلى تعريف المرجعية بتكليفها الشرعي، ولكنه الامتحان الذي وضعها الله فيه، وأملنا أن تنجح في مثل هذه الامتحانات، وتنتصر للمظلوم، فليس مهمتها الأولى في نصرة هذه أو تلك القائمة الانتخابية، واتخاذ القرارات السياسية بدلا من المؤسسات الدستورية، بل مهمتها الأولى تكمن في رعاية المجتمع رعاية أبوية، لاسيما بتوجيهه نحو الأخلاق السامية التي جاء رسول الله (ص) ليُكـَمِّل مكارمها: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، واعتبر أقرب الناس إليه يوم القيامة من يتحلى بأجملها وأرقاها «أقربكم إلي يوم القيامة أصدقكم حديثا وأداكم للأمانة وأحسنكم خلقا»، وأكد على أن «عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة قيام ليلها وصيام نهارها»، وأي عدل أكثر من الوقوف لنصرة هذه السيدة الفاضلة العفيفة في محنتها وظلم المجتمع لها، وظلم المجتمع لزوجها، إذ أجبرته أعرافه أن يوقع نفسه في إثم كبير ظالما نفسه بظلمه زوجته ورد إحسانها بالإساءة، وأملنا أن يسهم علماء الدين في حثه على المبادرة بالتوبة العاجلة «فـَمَن تابَ مِن بَعدِ ظـُلمِهِ وَأصلـَحَ فـَإنَّ اللهَ يَتوبُ عَلـَيهِ إنَّ اللهَ غـَفورٌ رَّحيمٌ»، «وَإنـّي لـَغـَفـّارٌ لـِّمَن تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا ثـُمَّ اهتـَدَى». فأعينوا هذا الرجل المسكين على المبادرة بالتوبة وعلى إكرام زوجته بما تستحق، فهي تستحق والله - كما يقول المثل الشعبي - أن يضعها على رأسه، وأن «يداريها مثل الماي اللي بالصينية»، ويرفع رأسه بها.
إلى ابنتي وأختي أم محمد
إن ما حصل لكِ فهو إلم يكن في عين المجتمع، ولا في عين زوجكِ، ولا في عين علماء الدين، ولا في عين حكومتنا الوطنية، فكوني على ثقة إنه في عين الله، وفي عين أصحاب القلوب النابضة بالقيم الإنسانية وبروح وجوهر الدين، وكوني واثقة من شرفكِ، ونقاء عفتكِ، وسلامة موقفكِ بين يدي الله. وإني لا أملك اليوم غير الكلمات، ولكن أعطيني وعدا، إذا ما علمتِ يوما أني في موقع يؤهلني أن أقدم لكِ يد العون، فلا تترددي في الاتصال بي، فوالله أعدكِ أني لن أقصر تجاهكِ، ولكني احتاج على لطف الله ليوفقني إلى برّكِ، فبرّ مثلكِ برٌّ والله في محله.
09/08/2007
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::