إجابات ضياء الشكرجي على أسئلة "المرأة" بخصوص: تحرير المرأة في المجتمع المسلم
كثر الحديث عن تحرير المرأة وفق النمط الغربي. هل ثمة مشتركات موضوعية بين واقع المرأة في المجتمعين المسلم والغربي لنجد مبررا لهذا النمط؟
ج – نجد في هذا الجانب على النحو العام اتجاهين في تناول مسألة حقوق المرأة في مجتمعاتنا وعلاقة ذلك بتجربة المجتمع الغربي. فهناك دعوات لاستنساخ التجربة الغربية استنساخا تاما من غير النظر إلى الفوارق بين المجتمعين وإلى خصوصيات المجتمع المسلم. وهناك اتجاه يلغي كل المشتركات بين المجتمعات الإنسانية. فأقول هنا صحيح أن للمجتمع المسلم خصوصياته، إلا أن هناك الكثير من المشتركات بين المجتمعين، كما وإنه من الصحيح أن النمط الغربي حوّل المرأة إلى سلعة في سوق الإثارة الجنسية، هذه السوق التي تحولت إلى عرض بائس ومبتذل لأنوثة المرأة ومفاتن هذه الأنوثة، مما ساهم في تقييد المرأة في قيود الأنوثة وإثاراتها، بدلا من أن يحرر طاقاتها الإنسانية لتنطلق في المجتمع كإنسان لا كأنثى لتسهم جنبا إلى جنب مع أخيها في الإنسانية (الرجل) فتتكامل مساهماتهما في تشييد الصرح الحضاري للإنسانية، ولكن ليس هذا كل ما حققه الغرب بالنسبة للمرأة، فبالرغم من سلبيات هذا الجانب من التحرير الذي ليس هو إلا تكبيل واستعباد من لون جديد، بل هناك الكثير من عناصر النجاح في تحرير المرأة في الغرب، حيث جعلها تسهم في ميادين شتى مع الرجل، ولو أن التمييز لم يرفع تماما، تارة بسبب الطبيعة المختلفة جزئيا للمرأة عن طبيعة الرجل، وتارة أخرى لكون الرجل الغربي لم يحرر نفسه هو من كل رواسب عهود المجتمع الرجولي بعد. إذن لا بد من نظرة موضوعية لتجربة الغرب في هذا الجانب للاستفادة من إيجابياتها واجتناب سلبياتها. فجوابا على سؤالكم أقول هناك بعض مبررات ما أسميتموه بالتنميط، إلا أن تعميم وإطلاق هذا التنميط دون الأخذ بخصوصيات المجتمع المسلم وبسلبيات التجربة الغربية أمر بالتأكيد غير صحيح.
هل يمكن الحديث عن قضايا خاصة بالمرأة المسلمة في موضوعة التحرير.
ج – بلا شك هناك خصوصيات للمرأة المسلمة تجعل تناول قضايا التحرير متفاوتة في بعض جوانبها عن قضايا التحرير في المجتمع الغربي. فالمرأة المسلمة تتميز بالحشمة والعفة اللتين تأبيان لها أن تعرض أنوثتها تلبية لسيلان لعاب الرجال الشهويين. بل يريد الإسلام للمرأة أن تطلق العنان لأنوثتها من غير أية عقدة في حياتها الخاصة مع زوجها، بل وأن تتفنن في إطلاق هذه الأنوثة تلبية لحاجتها وحاجة زوجها الطبيعية التي خلقهما الله تعالى عليها، ولكنه يريدها أن تتعفف في الشارع وتخرج بكل ثقة بنفسها إلى المجتمع كإنسان لا كأنثى، مع أن هناك مراعاة لخصوصيات الأنوثة - طبعا لا في جانبها الجنسي - في ميادين الحياة الاجتماعية، تحفظ للمرأة عفتها، وتحميها من شهوة الشهويين اللامنضبطين بشهوتهم من الرجال، كما وترعى القابليات الجسدية – ولا أقول الذهنية والروحية – التي تتفاوت عن قابليات الرجل الجسدية، كما وترعى دور الأمومة الذي لا ينبغي أن يعطى كليا ثمنا للدور الاجتماعي للمرأة، وهذه المراعاة تأتي من خلال تخفيف الرجل (الزوج خاصة) عن المرأة (الزوجة والأم خاصة) في البيت، التي غالبا ما تحمل المرأة الناشطة اجتماعيا أو مهنيا أعباء المشاركة في النشاط الاجتماعي، وتحمل في نفس الوقت أعباء الأسرة والبيت والتربية كلها من غير مساعدة الرجال، إضافة إلى ما يمكن أن يكون للقانون من دور في تخفيف أعباء المرأة وإعانتها على الضلوع بحصتها من النشاط الاجتماعي والبناء الحضاري، هذا مع مراعاة للحالات الخاصة التي تتفاوت فيها النساء أنفسهن بين الواحدة والأخرى.
وفق المفاهيم الإسلامية عملية التحرير تبدأ من الداخل وتنطلق إلى الخارج. هل تجد أن المرأة المسلمة مستسلمة ذاتيا لمصادرة حقوقها إلى درجة القناعة العكسية التي تصور أن استسلامها هذا هو الشيء الطبيعي في الحياة.
ج – إن ما أوردتموه في مقدمة السؤال صحيح ولكن بنسبة، وذلك أن عملية التحرير صحيح تبدأ أساسا من الداخل، ولكن ليس فقط من الداخل بل هي عملية مزدوجة؛ جزء منها – وهو لعله الأهم – ينطلق من داخل المرأة ووعيها وإرادتها الذاتية، وجزء يأتي من الخارج فيما هو العرف الاجتماعي، وفيما هو القانون، وفيما هي الفرص. ولكن الذي ذكرتموه يمثل عين الصواب، فهناك مساهمة أساسية للمرأة نفسها في تهميش دورها في الحياة الاجتماعية، فهي في كثير من أوساط مجتمعنا تعيش اللامبالاة في تنممية قابلياتها وفي إطلاق طاقاتها وفي استثمار فرص الحياة في كل ذلك، فهي في الأعم الأغلب فعلا مستسلمة لتهميش دورها ومصادرة حقوقها والقبول بأن يكون دورها في الحياة ثانويا بل دون ذلك بكثير. ولكن هذا جاء أيضا نتيجة عصور تعسف أعراف المجتمع الرجولي وما قام به من دور في تهميش دور المرأة وما أفرز ذلك من منظومة عرفية ومنهج تربوي ساهم في صنع المرأة المستسلمة لمصادرة حقوقها وتهميش دورها.
لماذا برأيك تنسب عوامل اضطهاد المرأة إلى الدين؟ وإذا أسلمنا أن المسلم هو المسؤول وليس الإسلام؛ ألا ترى أن الجهات الدينية مقصرة في خلق ثقافة اجتماعية تتمتع بقابلية التطبيق والمتابعة؟
ج – هناك ظاهرة لا تقتصر على المجتمع المسلم في نظري، بل قد نجدها بدرجة أو أخرى في كل المجتمعات المتدينة بأي دين كان، ولكن يمكن القول أنها أكثر بروزا في المجتمع المسلم، ربما لأن نسبة الملتزمين بدينهم من المسلمين أكثر من نسبة الملتزمين بدينهم من أتباع الديانات الأخرى. الظاهرة هو الخلط بين مفهوم المجتمع الملتزم أو المتدين، ومفهوم المجتمع المحافظ، فالمجتمع المحافظ هو مجتمع الأعراف والتقاليد، لا مجتمع الأحكام الدينية، وغالبا كما تقترن (المحافظة) بصفة (التدين)، ولكن التدين الصوري والسطحي وتدين الشكل، لا تدين الجوهر والتدين المعمق والحقيقي، ومن هنا تختلط الأعراف والتقاليد بالأحكام الدينية والقيم الإيمانية، ويتحول (العيب) والممنوع العرفيان إلى محرمات دينية في وعي وممارسة الناس. ومن هنا ساهمت الأعراف الاحتماعية في ظلمين، ظلمها للمرأة وظلمها للإسلام في نسبة هذا الظلم إليه. ومن هنا تقع حقا مسؤولية كبيرة على عاتق المؤسسات الدينية من مرجعيات ومنابر إرشاد ووعظ، وحركات إسلامية ومثقفين إسلاميين ومؤسسات ثقافية إسلامية في إجراء عملية تصحيح واسعة وجذرية لما اختلط فيه العرف بالحكم الشرعي، وإن كان هذا يحتاج إلى نـَفـَس طويل وصبر وحكمة، بحيث لا نتعسف في الاصطدام الحاد مع الأعراف، ولكن لا نستسلم في نفس الوقت لها كليا، فالمصححون يجب أن يتعلموا كيف يتعايشون أحيانا مع الخطأ لكي لا يفقدوا فرص التسريب التدريجي للصواب، ولكن بشرط أن يديموا في داخلهم حالة التمرد على الخطأ والرفض له، لكي لا يفقدوا الطاقة المحركة للتصحيح ألا هي إرادة وقلق التصحيح من خلال إدامة استنكار الخطأ والمنكر قلبيا ونفسيا والذي يمثل أضعف الإيمان كما عبر عنه رسول الله (ص)، وبشرط ألا ينتظروا كثيرا بحيث يضيّعوا الفرص، كما لا يجوز انتظار الفرص دائما، بل لا بد للمصححين في هذا المجال وفي غيره من صناعة وتوليد الفرص، ثم لا بد من بعض الاستشهاديين في عملية التصحيح، الذين يكونون مستعدين للاستشهاد المعنوي لا الفيزيائي ثمنا للتصحيح مع الإبقاء على عنصر الحكمة.
من أين يبدأ التحرير بالذات؟ إنه سؤال حول المقدمات الصحيحية لتكون النتائج صحيحة أيضا.
ج – في تصوري أن عملية التحرير وعملية التغيير وعملية التصحيح لا بد لها من أن تسير بمسارين، مسار يتحرك من الداخل إلى الخارج، وآخر يتحرك من الخارج إلى الداخل، وفي كلاهما هناك بعدان للمحتوى الداخلي للإنسان فردا ومجتمعا يجب أن ينال كل منهما حصته في عملية التحرير والتغيير؛ البعد الذهني والبعد النفسي، ومن هنا كانت عملية التغيير النبوية تتحرك على هذين البعدين، على البعد النفسي والروحي والأخلاقي في عملية (التزكية) أي العملية التربوية، وعلى البعد الذهني والعقلي في عملية (التعليم)، أي العملية الثقافية، ثم يتفرع التعليم أو التثقيف إلى اتجاهين، فيما أسماه القرآن بتعليم (الكتاب) وتعليم (الحكمة)، ومن ذلك نستوحي أهمية التثقيف على النظرية الصحيحة والمفاهيم السليمة من جانب، ثم التثقيف على مستوى التجربة، التجربة الذاتية للفرد والتجربة الذاتية للمجتمع، كما التجربة الغيرية للأفراد الآخرين، والتجربة الغيرية للمجتعات الإنسانية الأخرى، كالمجتمع الغربي فيما حققه من نجاح باهر وفيما وقع فيه من أخطاء قاتلة في هذا المجال.
2004
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::