من وحي بيانات الثورة لناهدة رمان
ضياء الشكرجي
لا نحتاج إلى دعوة مساواة المرأة بالرجل، بل نحتاج إلى ثورة أنثوية، إلى ثورة المرأة ضد تفرعن الرجل. نحتاج إلى ثورة إنسانية الأنوثة ضد وحشية الذكورة. نحتاج إلى ثورة تقودها نساء وتناصرها كل نساء ورجال العالم المحبين لمعاني الجمال والحب والسلام والعدل، ضد عبث وجريمة واستبداد واستعلاء وتـَألـُّه وتـَربُّب الرجل على النساء والضعفاء من أقرانه في الذكورة بذكورته المتجبرة المتعسفة. ولعل من أهم أدوات التعسف والاستبداد والإفساد على الأرض ثلاث: السياسة والدين والذكورة.
من الممكن أن تكون حتى مثل هذه المقالة التي تتعاطف وتتناغم مع طروحات السيدة الثائرة ناهدة رمان هي واحدة من المحاولات الذكورية المتسافلة والرخيصة والبهيمية التي عددتها السيدة ناهدة رمان في مقالتها (رحلة الجنون اليومي في المجتمعات المريضة جنسيا)، وسردت سلوكيات الذكور مع النساء كالخباز، والبقال، والصيدلي، وبائع الخضار، والشرطي، والموظف الحكومي، وسائق السيارة، وبائع الملابس النسائية، وشيخ الدين، وأي صاحب مهنة، ولعل الكاتبة نسيت السياسي هنا والقائمة تطول.
وسبق وكتب على كتابات السيد قصي الملاك الناشط في الدفاع عن حقوق المرأة والطفل مقالة مهمة تحت عنوان (المرأة والخيول في العراق)، حدثنا كيف سمح سخف أحد المحذرين من مكائد إبليس بعقليته الإبليسية، حيث بين كيف (أن لإبليس خيلا ذات مواصفات وتأثير كبير في الناس، وهذا ينطبق تماما على النساء، فهنّ وسيلة إبليس الناجحة، فيكون الأمر واضحا أن النساء خيل إبليس). وكيف أخذ هذا المهووس بإبليس وخيله من النساء، يستدل على صحة نظريته بسرد أوجه التشابه بين النساء والخيل، وهو يحلل بعقل حصاني فيُقارن بين شعر الخيل وشعر النساء، ويشقق بين الخيل الأصيلة وغير الأصيلة، كما النساء المتفاوتات في مدى أصالتهن وعدمها باختلاف أنسابهن، وإلى غير ذلك من الهذيان الذكوري الذي يحمّل عقده الذكورية الدين تارة، كهذا الهاذي، ويتقوى آخر عليها بالعرف العشائري المقدس أخرى.
وكتبت شخصيا مرة عن ظاهرة التعامل حتى مع اسم المرأة على أنه عورة، فبينما كان يذكر رسول الله (ص) أسماء زوجاته وبناته وعماته في محافل الرجال، أصبحنا حتى لا نقول (زوجتي) بل (الأهل)، ولا نقول (أختي) بل (رضيعتي) ولا نقول ابنتي بل (خادمتكم)، وعندما أريد أن أتحدث عن شيء قالته زوجتي – عفوا الأهل – لا أستخدم حتى الصيغة التي وضعتها اللغة لها، ألا هي صيغة ضمير الغائب المؤنث بصيغة الإفراد، لأن حتى هذا الضمير أصبح في العرف عورة، بل أستخدم ضمير الغائب المذكر بصيغة الجمع، فأقول (الأهل اتصلوا بي)، بدلا من (زوجتي اتصلت بي)، ناهيك عن ذكر أسمائهن. بل ووصل الأمر إلى المتوفـَّيات اللات يُنعَيْن، فلا يُذكـَر اسم المرحومة، بل تنسب إلى أبيها أو زوجها أو أخيها، فتـُنعى أو يُقام مجلس الفاتحة على روح (عقيلة فلان)، و(كريمة فلان)، و(والدة فلان)، و(شقيقة فلان). أما اسمها فقد قـُبر قبل أن يُقبر جسدها.
ومن هنا - ولأستعِرْ مصطلحا استخدمته السيدة ناهدة رمان – لا بد من أن تنطلق ثورة الموؤودات مع كل أنصار وأد ظاهرة وأد النساء في مجتمعات الاستبداد الذكوري الشرقية ضد الوائدين. ولكن كما أن من الرجال أنصارا لوأد ظاهرة وأد النساء، هناك من النساء من هن نصيرات لوأد أنفسهن ووأد شقيقاتهن في الأنوثة.
نحتاج إلى ثورة «ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف»، إلى ثورة «وخلقناكم من ذكر وأنثى»، إلى ثورة «بعضكم من بعض»، إلى ثورة «لا فرق بين ذكر وأنثى إلا بمستوى تجسيد كل منهما لإنسانيته، وبمقدار رجاحة عقل كل منهما، وبمدى عطاء كل منهما للحياة». لأن أكرمنا عند الله أسمانا إنسانية وأجملنا خلقا وأرجحنا عقلا وأجودنا عطاءً؛ هكذا هي المعادلة. كفى تعسفا أيها الرجال، كفاكم تختزلون إنسانيتكم في ذكورتكم، فلعل في الأنوثة من العاطفة الإنسانية ما لا نجده في معظم الذكور، إلا من تحلى بالنعومة المعنوية للأنوثة، لا بمعناها الجنسي بل معناها الإنساني، فغدا من غير استنكاف ذكوري ولا شذوذ جنسي أنثى في إنسانيته.
17/06/2006
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::