المرأة والرجل كإنسانين: أين يتساويان وأين يتمايزان

 

هذه المقالة نشرت على بعض المواقع بحلقتين، ثم جرى توحيدهما في إطار مقالة واحدة لـ «نسماء»، بعد إجراء بعض التصحيحات الطفيفة، وإضافة مقطع ثالث إلى ما تضمنه العنوان الفرعي «تجسيد مبدأ المساواة في الخطاب».

بحث في اللغة كمدخل

أكثر اللغات الأوربية اشتقت كلمة الرجل من كلمة الإنسان. بينما اللغة العربية وحدها أعطت امتيازا للمرأة على الرجل، فاشتقت كلمة المرأة من كلمة الإنسان. ولست بصدد ادعاء أن العرب لهذا السبب كانوا أصحاب السبق في احترام المرأة، ففي تاريخ كل الشعوب نجد من جهة مواقف مشرقة تجاه المرأة، وأخرى مجحفة ومتعسفة ومتخلفة. ولكن أردت أن أشير إلى هذه الملاحظة اللغوية من قبيل الطرافة، تاركا التحليل لأصحاب الاختصاص في تاريخ الشعوب والحضارات. فهناك ثلاث مفردات لاسم المرأة في العربية، اثنان منهما تستخدم للمفرد والمثنى دون الجمع، وثالثة تستخدم للجمع دون المفرد والمثنى. الكلمتان الأوليان هما «امرأة» و«مرأة» ومثناهما «امرأتان» و«مرأتان»، وكلمة «مرأة» باللين بدلا من الهمز هي «مروَة»، والثالثة هي كلمة «نساء». أما أين كل هذا من كلمة «إنسان»، فهو ما سأبينه الآن. لدينا في العربية كلمتي «امرؤ» و«مرء»، والكلمتان تعنيان الشخص المستخدمة للإنسان دون غيره، وما كلمة «امرأة» إلا مؤنث كلمة «امرؤ»، وما كلمة «مرأة» إلا مؤنث كلمة «مرء». وهنا لا بد من شرح أو تذكير لخصوصية لكلمة «امرؤ»، فهمزتها تكتب تارة على الواو وأخرى على الألف وثالثة على الياء. وهذا متأت من أن حركة الراء تتبع حركة آخر الكلمة أي الهمزة المحكومة بموقع الكلمة من الجملة أي بإعرابها. فإذا كانت الكلمة مرفوعة، يكون آخرها أي همزتها مضمومة، فيُضم معها راؤها فنقول «قال امرُؤُ القيس» «سمعتُ امرَأَ القيس» «قرئت لامرِئِ القيس». أما مؤنث «امرؤ» أي «امرأة»، فكانت الهمزة ثابتة على الألف، لأن حركة الإعراب لا تظهر على الهمزة بل على آخر الكلمة الذي هو التاء المربوطة الدالة على التأنيث، والتي من لوازمها أن تكون الفتحة هي حركة ما قبل الآخر أي الآخر ما قبل إضافة تاء التأنيث. ومن كلمة «المرء» و«الامرؤ» ومؤنثيهما «الامرأة» و«المرأة» والأخيرة باللين «مروة» اشتقت كلمة «المُروءَة» أو باللين «المُرُوَّة» بمعنى الإنسانية. وحتى كلمة «الآنسة» وهي من الكلمات المستحدثة التي استخدمت للسيدة غير المتزوجة، فجذرها (أ ن س) كما هو جذر الإنسان الذي أصله إنس وصيغ على وزن فِعلان، والعلاقة واضحة بين مفردتي (الإنس) و(الأُنس) بضم الهمزة. أما كلمة «نساء»، فلا يبعد أنها جاءت جمعا لـ «نسة»، حيث كان أصلها «إنسة» فحذفت الهمزة تخفيفا كما هو الحال مع عدد كبير من الكلمات العربية، التي تخفف بحذف همزتها الأولى، كما إن هناك الكثير من صيغ التخفيف بالعربية كحذف إحدى التاءين المتتابعتين أو إلغاء التشديد وغيرها. ويمكن أن تكون كل من «نساء» و«نسوة» جمع تكسير على وزني فِعال وفـُعلة للجذر المقلوب من (أ ن س) إلى (ن س أ) أو باللين إلى (ن س و) كما هو الأمر مع كثير من حالات القلب، كقلب اسم العدد (اثنان) الذي مفرده اثن (أ ث ن) والذي أصله (ث ن ء) أو (ث ن و)، وكذلك كما قلبت كلمة (اسم) من جذر (س م و) أو (س م ء) إلى (ء س م). ويظهر الترتيب الأصلي لجذر كل من (اسم) و(اثنان) من الاشتقاقات الأخرى كالجمع والفعل وغيرهما، فنقول في اشتقاقات (اسم) (أسماء، تسمية، مسمى) ونقول في اشتقاقات (اثنان) (ثاني، تثنية، ثنائي)، ولو كان الجذر (ء ث ن) لقلنا (آثن، تأثنة، أثاني) وهكذا بالنسبة لاشتقاقات (اسم) كنا سنقول (تأسمة ومؤسم) بدلا من (تسمية ومسمى).  

وعي المساواة عند كل من المرأة والرجل

يجب أن يعمل على بعث وعيين فيما يتعلق بمساواة المرأة مع الرجل في الحقوق. وعي يجب أن يبعث في وسط النساء، ووعي يجب أن يبعث في وسط الرجال. المرأة يجب أن تملك وعي أو إرادة أن تتعلم أن تأخذ، وتكف عن أن تنتظر حتى تـُعطى. والرجل يجب أن يملك وعي أو إرادة أن يتعلم أن يكون مطالبا بحقوق المرأة، ويكف عن أن يكون مجرد مستمع لمطالبة المرأة بحقوقها، ليفكر أن يستجيب أو لا يستجيب، ويحدد ما يستجيب له وما لا يستجيب.

تجسيد مبدأ المساواة في الخطاب

إذا أردنا المساواة لا بد أن يكون فيما للمرأة وما عليها، وفيما للرجل وما عليه، إلا ما فرضته الطبيعة الفسيولوجية فيما يختلف فيه الاثنان عن بعضهما البعض تكوينيا، فلن يستطيع أن يشارك المرأة في الحمل والإنجاب، فيحمل وينجب بدلا عنها أو مشاركة لها. ومن لوازم المساواة، هو إن الرجل عندما يخاطب جمهورا من الجنسين، يجامل الجنس المغاير فيقدم السيدات على السادة، وبهذا يجب أن تلتزم المرأة بنفس المبدأ عندما تخاطب جمهورا من الجنسين، فتجامل الجنس المغاير وتقدم السادة على السيدات.

 

ثم من المساواة أن ننهي التمييز في المخاطبة ما بين المرأة غير المتزوجة والمرأة المتزوجة، فنخاطب الأولى بالآنسة والثانية بالسيدة، تماما كما إننا لا نميز في مخاطبة الرجل بين غير المتزوج والمتزوج، فالرجل يبقى ألسيد) سواءً كان متزوجا أو أعزب، لا لشيء لأن ليس له بكارة تزول بممارسة العملية الجنسية.

 

وهذا يشمل التقليد الذي استخدم في لبنان ودول أخرى، وانتقل إلى الخطاب العراقي بعد سقوط الديكتاتورية، ألا هو تقليد تذكير عناوين مناصب الدولة التي تتبوأها نساء، فيقال «الرئيس»، «الوزير»، «النائب»، «وكيل الوزير»، «المدير العام»، للرئيسة، والوزيرة، والنائبة، ووكيلة الوزير، والمديرة العامة، بالرغم من تأنيث بقية المفردات في الكلام الوارد فيه ذكر هذه العناوين، من فعل وغيره، فيقال مثلا «صرّحتْ وزير الصحة فلانة»، أو «انتقدتْ النائب فلانة»، أو «افتتحتْ وكيل الوزير فلانة». وهذا استخدام غريب، لأنه يكرس أصالة انتساب هذه المواقع للرجل، بينما تبوؤ المرأة لها طارئ واستثنائي.

المساواة في عقود الزواج

وبالنسبة لعقود الزواج، فحيث أن هناك عددا من فقهاء الفريقين من المسلمين يرون صحة العقد بأي صيغة تؤدي معنى عقد الزواج، ولا تحتمل معنى آخر، وترى مسألة الإنشاء والقبول صحيحة، سواء كان الإنشاء من المرأة والقبول من الرجل أو بالعكس، ومن هنا يمكن أن تتساوى المخاطبة، فيقول العاقد بعد توكله من قبل الزوجين بخطاب واحد: «فلان وفلانة، أو فلانة وفلانة: زوجت أحدكما الآخر، أو زوجتكما لبعضكما البعض، أو عقدت الزواج بينكما على كذا وكذا .. فهل قبلتَ يا فلان الزواج، وهل قبلتِ يا فلانة الزواج؟»، إن شاء بدأ بالرجل، وإن شاء بدأ بالمرأة فيقول: «فهل قبلتِ يا فلانة الزواج، وهل قبلتَ يا فلان الزواج؟»، فيجيب كل منهما بكلمة: «نعم .. قبلت الزواج». وهنا لا بد أن يتساوى الاثنان في حق التطليق، ما زال فقهاء الفريقين من المسلمين يرون جواز ذلك، بجعل عصمة الطلاق عند الزوجة لدى السنة، أو بتوكيل الزوج للزوجة بوكالة غير قابلة للنقض بتطليق نفسها. وهناك صيغ أخرى يقرها الشرع ويأباها العرف، كتوكيل ثالث بالتطليق، وهنا يتطلب الدقة في حسن الاختيار. وفي كل الأحوال يجب التفكير جديا بوضع حد نهائي لمنح الرجل حق التعسف بحصر حق الطلاق بيده، إضافة إلى كل الفتاوى التعسفية التي هي ليست من الإسلام، بل إما من الفقه الذكوري أو من العرف الاجتماعي.

إعادة النظر في الأحكام الشرعية

المطلوب من الفقهاء أن يفتشوا جيدا عن المساحة المرنة في التشريع، ويستوعبوا مبادئ ومنطلقات التشريع كقواعد قرآنية ثابتة كـ «ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف»، ويجدوا مخرجا لشبهة رخصة ضرب الرجل للمرأة، والقوامة بدراسة شروطها القرآنية التي تسمح بالنتيجة إلى تحويلها إلى المرأة أو جعلها متكافئة بين الزوجين، وهكذا دعوى امتلاك الرجل حق الحكم بالإقامة الجبرية من لحظة دخولها بيت الزوجية للحظة خروجها منه إلى قبرها، إلا إذا رحل هو قبلها إلى قبره، ليتحول السوط الرجولي إلى الأب أو الأخ. وهكذا هو الأمر مع الشهادة والإرث وغيرهما، فلكل من هذه الأمور حل لا يخرج عن الشرع، ولكن يرفع الحيف عن المرأة.

تساؤل عن سر حقيقة تاريخية

لنتساءل لماذا كان الرجل دائما هو صاحب التأثير الأكبر والأبلغ في الحياة الاجتماعية والثقافية والفكرية والسياسية والعسكرية والدينية طوال التاريخ، باستثناء حالات نادرة؟ فالأنبياء، والأئمة، والمصلحون، والثوار، والفلاسفة وأصحاب النظريات، ورؤساء وملوك الدول، وزعماء الشعوب والقبائل، ورؤساء الحكومات، والوزراء، وزعماء الأحزاب، ورؤساء البرلمانات، والعلماء والباحثون والمكتشفون والمخترعون، وكبار الفنانين والشعراء والأدباء والكتاب والمفكرين، ولكن أيضا من جهة أخرى الطغاة، وكبار المجرمين، ورؤساء العصابات وزعماء المافيات، ومجرمو الاغتصاب وعموم مجرمي الجنس، والإرهابيون، وسماسرة البغاء، ورؤساء عصابات المخدرات، كل هؤلاء من المؤثرين في حياة وتاريخ الإنسان على جميع الأصعدة، إيجابا وسلبا كانوا على الأعم الأغلب من الرجال، وقلة كن من النساء.

 

وحتى يومنا هذا حيث نعيش عصر الحداثة والمساواة والديمقراطية وحقوق الإنسان، نجد أنه ما زال عالم اليوم هو الوارث لعالم الأمس، الذي كان منذ أقدم العصور عالم المجتمع الذكوري. فلننظر في دول العالم الحر الحديث الديمقراطي كم لدينا من رئيسات الدول ورئيسات الحكومات ورئيسات البرلمانات والوزيرات والنائبات البرلمانيات ورئيسات الأحزاب وعميدات الجامعات ورئيسات المؤسسات ورئيسات الشركات ورئيسات النقابات والجمعيات وغيرها. هناك عدد محدود من هذه الدول حقق المساواة أو ما يقترب من المساواة.

 

من هنا لعله يمكن القول أن العالم لم يبدأ بعد عصر المساواة، بل هو لمّا يزل في مخاض ولادة لعصر المساواة بين المرأة والرجل.

بين المساواة المثالية والمساواة الواقعية

قد يقول قائل إن المساواة التامة لا يمكن أن تتحقق بسبب الاختلاف الفسيولوجي في تركيبة جسم كل من المرأة والرجل. فما زلنا في عالم الرياضة لا نرى فريقا لكرة القدم أو لأي لعبة رياضية أخرى مختلطا بتشكله من نساء ورجال، كما لا توجد مباراة من مباريات الملاكمة أو المصارعة بكل أنواعها أو رياضات الدفاع المختلفة تقوم بين امرأة ورجل، بل هي دائما بين رجلين أو بين امرأتين. حتى لو ظهرت امرأة تتحدى كل النساء والرجال في إحدى أنواع الرياضات وتغلبهم بالفعل جميعا، فستبقى هذه حالة استثنائية ولا يمكن أن تتحول إلى قاعدة. وإننا على ضوء قاعدة العدل، إذا قلنا ان المرأة يجب أن تشارك الرجل في جميع حقوقه، فعليها أن تشاركه أيضا في جميع واجباته. صحيح إن المرأة أصبحت تدخل كجندية في كثير من جيوش دول العالم، باعتبار أن القتال لم يعد متوقفا على القدرة القتالية فيما هي المبارزة المباشرة، ولكن تبقى الحياة العسكرية فيها من الخشونة والقسوة والمشقة مما يجعل الرجل أكثر أهلية لها. ثم إذا طالبنا المرأة مشاركة الرجل في جميع واجباته، فهل سيستطيع الطب يوما أن يزرع في جوف الرجل رحما ليشارك المرأة في مهمة حمل الجنين؟ في الواقع تبقى المساواة بشكل تام وفي كل القضايا أمرا غير قابل للتحقيق. ولكن هذا لا يجوز أن يتحول إلى مبرر وسلاح بيد الرجل ذي العقلية الذكورية، أي من دعاة التمييز بين المرأة والرجل وتفضيل الثاني على الأولى. لأن القضايا ذات العلاقة بالتركيبة الفسيولوجية لجسم المرأة وحقيقة أنها وحجها تتحمل عبء الحمل والإنجاب، هي محدودة جدا في مقابل ما حصل عليه الرجل من امتيازات لا تتناسب مع تميّزه الفسيولوجي الجزئي مقابل المرأة.

آيات المساواة وآيات المُمايَِزة في القرآن

باعتبار أن الكثيرين من دعاة تكريس التمايز قد يستندون في دعوتهم إلى موقف الإسلام، ولاسيما على بعض آيات القرآن، لا بد من تسليط الضوء على بعض النصوص ومحاولة معالجتها. وسأمر على آيات المساواة والتماثل، وآيات التمايز والتفاوت بين المرأة والرجل. ولست بصدد تقديم دراسة شاملة لموضوعة المرأة في القرآن، بل أقتصر على بعض الإشارات والإثارات. وأبدأ بأربع آيات حاكمات، أعتبرها من آيات جوهر الأحكام، أي مبادئ الأحكام التي تمثل الدستور، الذي تقوم عليه عموم الأحكام، وتفسر على ضوئه، فهي أي هذا النوع من الآيات تعتبر حاكمة على غيرها، وهي من غير شك من المُحكـَمات (أي ذات المعنى الواحد) وليست من المُتشابهات (أي ذات المعاني المتعددة)، لأن الحاكم لا يجوز أن يتحمل التأويل إلى أكثر من معنى، باعتباره القانون الأعلى والمعيار الذي يوزن به، والمقياس الذي يقاس به، والدستور التي تعرض القوانين والأحكام عليه.

 

الآية الأولى (البقرة 228):

«وَلـََهُنَّ مِثلُ الـَّذي عَلـَيهـِنَّ بـِالمَعروفِ ..

 

هذه الآية تقرر قانونا أعلى عاما شاملا يسري مفعوله على كل مناحي وميادين الحياة. فكلمة «لهن» تمثل حقوق المرأة، وبالتالي واجبات الرجل تجاهها، وقد تقدمت على كلمة «عليهن» التي تمثل واجباتها ومسؤولياتها، وبالتالي حقوق الرجل تجاهها. فالمثلية والتساوي بين ما «لهن» وبين ما «عليهن» إذن هو القانون الأعلى لطبيعة العلاقة بين المرأة والرجل، وسنأتي على الآيات التي تدل على نوع من تفضيل للرجل، لنناقشها مناقشة موضوعية بعيدا عن لي الآيّة إلى المعنى الذي نحبه أو نحب أن ندعيه. ولكن قبل هذا أتناول آية ثانية من الآيات الحاكمة.

 

الآية الثانية (الحجرات 13):

«يا أيُّها النـّاسُ إنـّا خَلـَقناكـُم مِن ذكـَر وَأنثَى، وَجَعَلناكـُم شُعوبا وَقَبائِلَ لِتعارَفوا، إنَّ أكرَمَكـُم عِندَ اللهِ أتقاكـُم، إِنَّ اللهَ عَليمٌ خَبيرٌ

 

الخطاب موجه إلى عموم الإنسان بعبارة «يا أيها الناس»، ثم تقرر حقيقة تكوينية ألا هي تكوّن المجتمع البشري من أفراد الجنسين؛ الذكر والأنثى، وهذا واضح فيه معنى التسوية في الحقيقة البشرية والقيمة الإنسانية الجامعة بين المرأة والرجل، أما التفاضل فلا يقوم على أساس الذكورة والأنوثة، كما إنه لا يقوم على أساس الانتماء إلى هذه أو تلك المجموعة البشرية من شعوب وقبائل، بل معيار المنزلة عند الله هو مدى تجسيد القيمة الإنسانية من خلال مفهوم التقوى.

 

الآية الثالثة (آل عمران 195):

«فـَاستـَجابَ لـَهُم رَبُّهُم أنـّي لا أضيعُ عَمَلَ عامِل مِنكـُم مِن ذكـَر أو أنثَى بَعضُكـُم مِن بَعض ...»

 

وواضح هنا أيضا تأكيد قيمة العمل بمعايير العمل نفسه، وليس بمعايير الذكورة والأنوثة.

 

الآية الرابعة (التوبة 71):

«وَالمُؤمِنونَ وَالمُؤمِناتُ بَعضُهُم أولياءُ بَعض، يَأمُرونَ بـِالمَعروفِ، وَيَنهَونَ عَن المُنكـَر، وَيُقيمونَ الصَّلاة، وَيُؤتونَ الزَّكاة، وَيُطيعونَ اللهَ وَرَسولـَهُ؛ ألائِكَ سَيَرحَمُهُمُ اللهُ، إنَّ اللهَ عَزيزٌ حَكيمٌ.»

 

وهنا عندما تتحدث الآية عن مسؤولية أفراد مجتمع الإيمان، تضع كلا من أفراد الرجال وأفراد النساء في مستوى واحد من المسؤولية، فلم تتحدث الآية عن المجتمع الذكوري على نحو التخصيص، فتقول: (وَالمُؤمِنونَ بَعضُهُم أولياءُ بَعض)، ثم تنتقل إلى المجتمع الأنوثي أيضا على نحو التخصيص، لتقول: (وَالمُؤمِناتُ بَعضُهُنَّ وليّاتُ بَعض).

 

وبعدما عرضنا إلى آيات المساواة بين النساء والرجال، دعونا ننتقل إلى أربع آيات، من تلك التي يفهم منها التمايز، بل ولعله التفاضل، وبالتالي تفضيل الرجل على المرأة.

 

الآية الأولى (البقرة 228):

«وَلـََهُنَّ مِثلُ الـَّذي عَلـَيهـِنَّ بـِالمَعروفِ، وَلِلرِّجال عَلـَيهـِنَّ دَرَجَة، وَاللهُ عَزيزٌ حَكـَيمٌ

 

هنا نعود إلى إحدى الآيات التي استشهدنا بها على المساواة، لنرى أن المقطع اللاحق من نفس الآية للنص الدال على المساواة، هو نص ينفي هذه المساواة، أو يضع ثمة استثناء، وهو أن «لِلرِّجال عَلـَيهـِنَّ دَرَجَة». وهذه الدرجة هي المذكورة في النص التالي، والمعروف بدور (القوامة) أي قوامة الرجل على المرأة، نتناوله في النص اللاحق. ثم مع التسليم بوجود درجة ما، فهي ليست درجة قيمية، ثم ليست عامة وشاملة، بل محدودة في ميدانها، ثم لا يجب أن تكون هذه الدرجة متفاوتة تفاوتا كبيرا في المنزلة والعلو والصلاحيات، بحيث تتحول إلى درجة شاملة غير محدودة أنتجت طغيانا وتعسفا رجوليا، بل وظلما فاضحا للمرأة من قبل الرجل. والظلم هو من أمقت الصفات عند الله ليس فقط بحكم العقل، بل بنص القرآن والسنة، حتى أن ممارسة الظلم لمقطع محدود من اليوم كان أسوء من معاصي سبعين سنة، فيما هي المعاصي ذات البعد الشخصي، أي فيما هي العلاقة بين الإنسان الفرد وبين الله، فقال الرسول «عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة قيام ليلها وصيام نهارها، وجور ساعة شر من معاصي سبعين سنة.» أو «ستين سنة».

 

الآية الثانية (النساء 34):

«الرِّجالُ قـَوّامونَ عَلـَى النـِّساءِ بـِما فـَضَّلَ اللهُ بَعضَهُم عَلى بَعض، وَبـِما أنفـَقوا مِن أموالِهـِم ...»

 

هنا يأتي مفهوم القوامة، والذي يعني المسؤولية وتحمل القسط الأكبر من أعباء إدارة شؤون الأسرة. ولكن هذه القوامة، أو هذه القيادة للأسرة معللة في هذه الآية بكون الرجل ليس تكوينيا بل من حيث الواقع أفضل من المرأة في استقامته وكفاءته ووعيه وثقافته وخبرته، ثم لكونه هو الذي يتحمل أعباء الإنفاق من ماله على الزوجة والأطفال. وربما كان هذا التفوق الذكوري من مزايا المجتمع العربي آنذاك، أما إذا كانت المرأة أحيانا هي الأكثر وعيا وخبرة وذكاءً واستقامة وثقافة وكفاءة إدارية وشعورا بالمسؤولية، بل حتى الأشد من الرجل تقوى واستقامة وصلاحا بالمعيار الديني، أو لنقل لو تحول المجتمع الإنساني حالة تكون فيه المرأة متكافئة في كفاءاتها مع الرجل في كفاءاته، وإذا تفاهم الزوجان على التعاون في تحمل مسؤولية الأسرة، وإذا كانت الزوجة مشاركة في تحمل أعباء نفقات الأسرة على خلاف ما تفترضه الآية، بل كما هو الحال في بعض الأحيان تكون الزوجة هي التي تتحمل أعباء الإنفاق على الأسرة، وبالتالي كانت هي الأفضل وفق هذا المعيار، كما تقرر أو تفترض الآية للرجل، فتتحول القوامة إلى المرأة، وتزول هذه الدرجة التي جعلت للرجل مقابل المرأة.

 

الآية الثالثة (النساء 34):

«... فـَالصّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلغَيبِ بـِما حَفِظ اللهُ، واللاتي تـَخافونَ نـُشوزَهُنَّ فـَعِظوهُنَّ، واهجُروهُنَّ في المَضاجـِع، وَاضربوهُنَّ، فـَإن أطـَعنـَكـُم فـَلا تـَبغوا عَلـَيهـِنَّ سَبيلا، إنَّ اللهَ كانَ عَليا كـَبيرا.»

 

هذه من الآيات التي كثيرا ما تثير الجدل، وكثيرا ما أسيء استخدامها من الرجال المتوحشين والفاقدين لإنسانيتهم. مطلع الآية يتكلم عن أهمية أن تحفظ المرأة أسرار زوجها وتستر على عيوبه التي اطلعت عليها من خلال خصوصية العلاقة الزوجية فيما ستره الله عليه من أعين المجتمع، فتقرر الآية بأن الزوجات «الصالحات» هن اللاتي يكنَّ «... حافظات للغيب بما حفظ الله»، أي حافظات لما خفي على الناس من عيوب أو بشكل عام من أسرار أزواجهن، مما جعله الله محفوظا ومستورا. والظاهر إن هذه الآية تعالج مشكلة اجتماعية، وهي كشف الزوجات في مجالس الثرثرة النسائية، التي هي من مظاهر المجتمعات المتخلفة، وكما يبدو أن هناك شيئا من الإصرار من قبل بعض الزوجات، رغم (الوعظ) والنصح والتنبيه والعتاب من قبل الزوج، بل حتى رغم زعل الزوج بـ (هجره) لزوجته في فراش الزوجية (في المضاجـع) والامتناع عن مضاجعتها. فهنا يدور الكلام عن زوجات جاهلات ثرثارات لا يُعِرن لكرامة وأسرار أزواجهن أي وزن، فتكون المعالجة هنا كما هو إجماع كل الفقهاء بضرب غير مبرح ولا مؤذ بأي حال من الأحوال، بل هو يمثل طريقة تأديبية معنويا. بلا شك فإن الزوجة العاقلة والمثقفة والواعية لا يجوز أن تعامل بمثل هذه المعاملة، فإن هذا التعامل إذا جرى من غير مبرر حقيقي، فهو من ضرب الظلم المحرم أكثر من تحريم أي معصية أخرى. ثم إذا عرضنا هذه الآية على الآيات الحاكمة التي تؤسس للمساواة، فلا بد من أن يكون للزوجة نفس الصلاحية في ضرب زوجها، إلم يرتدع إذ قاعدة «لهنَّ مثل الذي عليهنَّ» حاكمة بحكم كونها مطلقة وعامة، وما زال الضرب معنويا، فبمقدور الزوجة أن تصفع زوجها إذن، إذا لم يرتدع عن فضح أسرارها في مجالس الرجال، وإذا لم تستطع لضعفها البدني ولخوفها أن يرد عليها بالضرب المبرح، فمن الممكن أن نتصور أن تكلف من أرحامها من يغنيها عن القيام بهذا الإجراء مع الزوج الناشز المتعسف الظالم. سيقول البعض إن هذا يمثل تحريضا للنساء على أزواجهن، فأقول إذا كان التعامل في الحياة الزوجية من قبل الطرفين بالمعروف والإحسان والمودة والحب والرحمة والاحترام والتسامح والتفاهم والعقلانية، فلا يكون هناك موقع لضرب الزوجة من قبل الزوج، أو لضرب الزوج من قبل الزوجة أو أخيها أو أبيها والمعاذ بالله. وإلا فالطلاق خير من علاقة لا تحل أزماتها إلا بهذه الأساليب. وإلا فهل سمعنا بإنسان متدين تدينا حقيقيا، أو هل سمعنا بإنسان عاقل يضرب زوجته؟ أما قسوة ووحشية معاملة بعض الرجال المتوحشين لزوجاتهم، فهو مرض رجولي نجده متفشيا عند الكثير من المعقدين حتى المجتمعات الغربية التي تجذرت فيها القيم الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان.

 

الآية الرابعة (البقرة 282):

«يا أيُّهَا الـَّذينَ آمَنوا إذا تـَدايَنتـُم بـِدَين إلى أجَل مُسَمًّى فـَاكتـُبوهُ، وَليَكتـُب بَينـَكـُم كاتِبٌ بـِالعَدل، وَلا يَأبَ كاتِبٌ أَن يَكتـُبَ كـَما عَلـَّمَهُ اللهُ، فـَليَكتـُب وَليُملِل الـَّذي عَلـَيهِ الحَقُّ وَليَتـَّق اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبخَس مِنهُ شَيئا فـَإن كانَ الـَّذي عَلـَيهِ الحَقُّ سَفيها أو ضَعيفا أو لا يَستـَطيعُ أن يُمِلَّ هُوَ فـَليُملِل وَلِيُّهُ بـِالعَدل، وَاستـَشهـِدوا شَهيدَين مِن رجالِكـُم فـَإن لـَم يَكونا رَجُلـَين، فـَرَجُلٌ وَامرَأتان مِمَّن تـَرضَونَ مِنَ الشُّهَداءِ أن تـَضِلَّ إحداهُما فـَتـُذكـِّرَ إحداهُما الأخرى، ...»

 

بحق يطرح التساؤل؛ لماذا يا ترى تكون قيمة شهادة المرأة نصف قيمة شهادة الرجل. ألأن الرجل أذكى من المرأة، أم أوعى منها، أم أتقى وأعدل منها، أم إن ذاكرة الرجل عموما أفضل من ذاكرة المرأة، بحيث لا يعوض من النساء عن شهادة رجل إلا إذا كانتا اثنتين، خشية «أن تضلَّ [أو تنسى، أو تخضع لضغوط الرجال من زوج أو أب أو أخ] إحداهما، فتذكر إحداهما الأخرى». فإذا كان من النساء من تنسى، فهناك من النساء من هي قوية الذاكرة، كما إن من الرجال من هو قوي الذاكرة ومن هو ضعيفها. وإذا كانت بعض النساء تخضع لضغوطات الأزواج أو الآباء أو الأبناء، فمن الرجال من يخضع أيضا لضغط أو تهديد، أو لتغرير أو تطميع أو رشوة. ومن هنا لا يمكن إلا فهم هذه الآية بأنها كانت آخذة بنظر الاعتبار الظرف الزماني والمكاني لمجتمع محدد بظواهر محددة، ثم قوله تعالى «... فـَإن لـَم يَكونا رَجُلـَين، فـَرَجُلٌ وَامرَأتان مِمَّن تـَرضَونَ مِنَ الشُّهَداءِ أن تـَضِلَّ إحداهُما فـَتـُذكـِّرَ إحداهُما الأخرى، ...»، بمعنى إنكم في حالة استشهاد أحد من النساء بسبب غياب الرجال، أو عدم وجود شاهد ثان من الرجال، كما كان معمولا به - كما يبدو - في مجتمع قريش، من التعويل على شهادة الرجل؛ وإذا خشيتم عندها من خلال ما كان سائدا من مظاهر اجتماعية، لاسيما بالنسبة للنساء، «أن تَضلَّ» المرأة الشاهدة بدلا من الرجل الشاهد، فلتكونا اثنتين، فـ إحداهما «فتذكر إحداهما الأخرى». ونعلم أن الكثير من فقهاء الفريقين يجوزون شهادة المرأة، كما يجوز البعض قيادة المرأة الاجتماعية والسياسية، بل وبعضهم حتى مرجعية المرأة الفقهية للنساء والرجال، إذا كانت فقيهة مجتهدة وتملك المؤهلات العلمية والذاتية في استخدام آليات استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها وبآلياتها المعتمدة والمعتبرة والمعترف بها، لأن الاجتهاد هي قضية علمية لا دخل فيها للذكورة والأنوثة بأي حال من الأحوال.

 

أما بعض النصوص التي تنسب للإمام علي عليه السلام، والتي يفهم منها أنها تمثل انتقاصا من المرأة، فهي نصوص لم تثبت نسبتها إلى الإمام، إضافة لمخافتها الواضحة والصارخة لضرورات الدين وضرورات العقل على حد سواء. أما إذا رد البعض بنصوص تحذر من أن تدرك أحكام الدين بالعقل، فهذا التحذير لم يكن مطلقا بل يختص بالاستخدام الناقص للأدلة العقلية من قبيل استخدام القياس الناقص، بين ما لا يدرك ليس دينيا بل حتى منطقيا بمثل هذا القياس، أما القياس التام فليس مما ينهى عنه، لاسيما أن أئمة أهل البيت، أكدوا بأن لو احتمل نص معنيين، كان أحدهما أقرب إلى العقل فليؤخذ، وما يتعارض مع ضرورات العقل فليضرب به عرض الحائط.

 

كما بينت في مقطع سابق، إني لا ادعي بهذا البحث المختصر الإحاطة بكل النصوص موضع الإشكال أو موضع التساؤل، بل اكتفيت بأمثلة، لبيان طريقة في فهم مثل هذه النصوص، مؤكدا على التعويل على النصوص الحاكمة، والتي تمثل القواعد والمبادئ والمنطلقات والمعايير الأساسية.

 

02/12/2006

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::