الحجاب بين الدين والسياسة والعرف
ضياء الشكرجي
d.sh@nasmaa.com
www.nasmaa.com
حجاب المرأة المسلمة غدا، ومنذ وقت غير قصير، واحدا من الموضوعات الساخنة، والذي يزداد الاهتمام به باطراد في عموم العالم. وهناك سلوكيات حجابية من لدن النساء متنوعة، ومواقف اجتماعية وسياسية مختلفة، وتقاليد متفاوتة فيما يتعلق بالحجاب. فالمرأة المعنية بالحجاب نراها بين ملتزمة به باعتدال، وملتزمة بتطرف وإفراط، وملتزمة كارهة تحت وطأة ضغط الأسرة أو العرف الاجتماعي أو قوى الإسلام السياسي المتطرفة، وملتزمة به كعرف اجتماعي طوعا، وبين ملتزمة به تدينا والتزاما من موقع القناعة الذاتية العميقة، وبين متخذة إياه شعارا سياسيا، أو مأتمرة بأوامر حزبها الأصولي الذي تنضوي في إطاره التنظيمي، بين محجبة بذوق، وأخرى بلا ذوق، بين محجبة ذات ثقة عالية بنفسها، وأخرى تعيش مشكلة نفسية حادة من جرائه، لاسيما إذا كانت تعيش في مجتمع غير مسلم، وبين محجبة هي أفضح تبرجا من السافرات. وأما بالنسبة لغير المعنيين بشكل مباشر بالحجاب، فما بين ماقت له من خلال مقته لكل مظاهر الدين والتدين، إما لعقدة مستأصلة عنده ضد الدين والتدين، أو كردة فعل تجاه الإسلام السياسي الذي ملأ الدنيا صخبا وتطرفا وتعسفا. هذا وأما بالنسبة لدعاة الحجاب، فما بين مُكرِهٍ عليه متعسِّف، وما بين داعية له من غير إكراه، وما بين ناصح بالحكمة والموعظة الحسنة مع ترك الخيار لمتلقية النصيحة والإرشاد، أو آمر بالمعروف بإلحاح وإحراج ولو من غير إكراه، وما بين غير متدخل في ذلك مثلي، لاعتقاده أنه شأن شخصي، تتحمل صاحبة القرار تجاهه مسؤولية وتبعات قرارها سلبا أو إيجابا، إلا إذا سئل عن رأيه فيه.
وإن من دوافع تناولي لهذا الموضوع هو إن عددا من النساء المؤمنات الملتزمات غير المحجبات لطالما طلبن مني أن آتي لهن بدليل شرعي واضح على وجوب الحجاب، كي يلتزمن به، وأخريات وآخرون ما بين مدعيات ومدعين بأنه من ضرورات الدين، وما بين نافيات ونافين لذلك، لعدم وجود الدليل الواضح، حسب رأيهم.
الفقهاء يستدلون على وجوب الحجاب بشكله الشائع، وبغض النظر عن الاختلاف في التفاصيل، يستدلون عليه بشكل أساسي بنصوص من القرآن الكريم. ولم أسمع بفقيه استدل بغير هذه النصوص، أي بنصوص من الأحاديث النبوية بالنسبة لكل فرق المسلمين، أو مضموما إليها روايات الأئمة بالنسبة للشيعة، وهم سنة وشيعة يقولون إنه من ضرورات الإسلام، دون أن يوردوا دليلا على كونه من الضرورات، سوى الشياع والشهرة، وتواتر الظاهرة، وليس تواتر الدليل. وإننا إذا ما تمعنا بهذه النصوص القرآنية، نجد أنفسنا مضطرين للإقرار أن ليس فيها أي دلالة على الحجاب، لا أقل بالصورة التي يوجبها الفقهاء بكل تفاصيلها، بدءً من إخفاء تمام شعر الرأس، وانتهاءً بإخفاء كامل جسد المرأة باستثناء الوجه والكفين والقدمين عند أقل القائلين بوجوب الحجاب تشددا، ولغاية القول بإخفاء كل ما يعتبر عورة، ومصطلح العورة بالمعنى الفقهي يعني ما يجب ستره على غير المحارم من الرجال، هذا المصطلح الذي يعممه بعض الفقهاء على المرأة كلها، بالقول المجحف «المرأة كلها عورة». بل وذهب البعض إلى القول استنادا إلى حديث، لا نعرف مدى موثوقية سنده، أنه يستحب للمرأة ألا يكون لها إلا خروجان من بيتها، الخروج الأول من بيت أبيها إلى بيت زوجها، والثاني من بيت زوجها إلى القبر، وراح البعض يدعي أن من المُستحَبّ للفتاة - وأقول للطفلة - ألا تحيض في بيت أبيها، أي أن تـُزَوَّج قبل بلوغ سن النضج الجنسي. ولكننا نريد هنا أن نقتصر على مناقشة الحجاب بشكله المعتدل الذي يقول به جمع كبير من فقهاء السنة والشيعة، أي ما يسمح بإظهار الوجه واليدين والقدمين. هنا يستند الفقهاء إلى دليلين، هما نصوص القرآن، والإجماع، ويقولون إنه من ضرورات الإسلام، دون بيان الدليل على عده من الضرورات. ولكون نصوص القرآن المتخذة دليلا على الحجاب إنما هي من نوع المُتشابـِه من القرآن، أي ما يقبل التأويل إلى أكثر من معنى، وليس من نوع المُحكـَم، الذي ليس له إلا معنى ظاهر واحد، من هنا فهي أي هذه النصوص خالية من حسم ظاهر واضح لا يقبل اللبس بوجوب الحجاب بصورته المعهودة، من غير أن يُصار إلى تأويل؛ هذا التأويل الذي يحتاج بدوره إلى دليل على صحته، لأن التأويل إنما يصح من المتشابـِه إلى المحكـَم، أو مما يتعارض مع العقل إلى ما يتفق معه، وإلا فلا يكون التأويل مقبولا من غير أن يُضَمّ إليه نص محكم أو دليل عقلي، ليفسر هذه النصوص القرآنية المتشابهة. لكن في حال عدم نهوض النصوص القرآنية بالدليل القطعي، وبقائها في مستوى الإمكان والظن والاحتمال، يبقى لدينا فقط دليل الإجماع، باعتبار أن كثيرا من فقهاء السنة والشيعة من يعتبر الإجماع أحد مصادر التشريع، إضافة إلى الكتاب والسنة والعقل. ولكن المشكلة إن هناك من الفقهاء وعلماء الأصول ممن لا يعتبر الإجماع مصدرا من مصادر التشريع مُجمَعا عليه، أو لا أقل أنه لا يفيد القطع، الذي هو أقوى الأدلة الشرعية، ويتساءل هؤلاء في مناقشتهم للإجماع - وبحق - عما إذا كان الإجماع المقصود هو إجماع المسلمين، أو إجماع أتباع مذهب من المذاهب، أو إجماع الفقهاء، وما إذا كان الفقهاء معنيين كلهم بقطع النظر عن مذاهبهم، أم هم عند كل فريق فقهاء ذلك الفريق أو المذهب. هذا كله يجعلنا في حالة حيرة أمام سؤال أين هو دليلكم على وجوب الحجاب. ونقصد طبعا الدليل على الحجاب بصورته الشائعة، وإلا فلا شك في وجوب ستر المرأة لما يُعتبَر من مفاتن أنوثتها المثيرة لشهوة الرجل.
وحيث إن المُعَوَّل عليه هو عدد من آيات القرآن المجيد، فلنمرَّ عليها كلها الواحدة تلو الأخرى، كي نتبين، ما إذا كان هناك ثمة نص نستطيع أن نستنبط منه حكما شرعيا بوجوب الحجاب للمرأة على الشاكلة الشائعة.
وقبل تناول هذه النصوص القرآنية، أحب أن أسجل مجموعة ملاحظات:
إنما يستدل على الحجاب تحديدا بآيتين من القرآن الكريم هما الآية 31 من سورة النور، والآية 59 من سورة الأحزاب، سنناقشهما، كما سنتناول بقية النصوص.
الاستدلال بالآيتين المذكورتين صحيح، لكن صحته مشروطة كما سيتبين، وهو صحيح إجمالا وليس تفصيلا، كما سيتبين أيضا؛ هذا كله مما يبقي المسألة ظنية لا ترقى إلى القطع.
الإجماع وحده حسب رأي جمع من الفقهاء لا يشكل حجة شرعية، لأنه لا يفيد القطع، بل يجب دراسة الظروف التي تضافرت فأدت إلى هذا الإجماع.
من حيث المبدأ يبدو أنه من المُسَلـَّم به كون الحجاب للمرأة من الواجبات الشرعية، بقطع النظر عن تفصيلاته.
هناك من يرى أنه لا يجب بالضرورة أن يُفهَم الحجاب على ما هو سائد عرفا، وما عليه ما يقترب من إجماع عموم فقهاء السنة والشيعة، بل يمكن أن يكون الحجاب أمرا نسبيا، ولكنه على النحو العام يعني ستر المرأة لمفاتنها الأنثوية التي من شأنها إثارة الغريزة الجنسية عند الرجل.
إذا افترضنا أن علة إيجاب الحجاب هو وجوب إخفاء ما يثير الرجل جنسيا، فهنا يجب أن تؤخذ في ذلك الحالة المتوسطة العامة، ولا يجوز قياسها على شواذ الرجال، ممن يُثارون بمجرد ذكر شيء له علاقة بالأنوثة، أو أولئك الذين لا يُثارون حتى لو عُرض أمامهم جسد في غاية الأنوثة والجمال والتناسق والإثارة. هذا دون دعوى امتلاك دليل على أن الإثارة الجنسية هي كامل علة الحكم.
لو جرى استبيان بين كل رجال العالم حول أكثر ما يثير الرجل من جسد المرأة، فسيكون شعرها في آخر القائمة، فيما إذا لو ذكِر أصلا كواحد من عناصر الإثارة الجنسية، من هنا يكون لإشكال من يُشكِل على الحجاب بهذا المعنى مبرراته، إذا لم نثبت تعبدية الحكم، أو إجزاء الإجماع كدليل. أما إذا قيل أن الشعر ليضفي جمالا إضافيا على المرأة، فنقول، كيف نفسر إذن ترخيص بعض الفقهاء لاستخدام الشعر الصناعي (الپاروكة) في حال الضرورة، مما قد يكون أكثر جمالا من الشعر الذاتي لبعض النساء.
من المُسَلـَّم به أن وجه المرأة الجميلة أشد إثارة من شعرها، والمعروف هو جواز كشف الوجه، إلا عند الشواذ من متشددي الفقهاء، وبالتالي يثبت جواز كشف الشعر على وفق قاعدة الأولوية، أي أن يكون كشفه من قبيل الأولى، إذا جاز كشف الوجه، باعتبار أن في الوجه من شفتين وعينين ووجنتين وملامح أخرى جميلة ما هو أشد جاذبية من الشعر.
المثير للاستغراب أن ليس في الآيتين ولا في أي نص قرآني آخر - كما سنجد - أي شيء مما يدل على وجوب ستر الشعر.
والآن لنناقش النصوص القرآنية التي أوردناها، ومدى دلالتها على الحجاب بصورته الشائعة. وسأبدأ بالنصين الواضح فيهما عدم إمكان الاستدلال بهما على الحجاب، واللذين لا يستند إليهما معظم الفقهاء كدليل على حكم الحجاب، لأنتهي بالنصين المُستـَدَلّ بهما عادة من قبلهم على الحجاب، إضافة إلى استدلالهم بالإجماع، لكي أختم بما هو أقوى لصالح المستدلين بالقرآن على الحجاب، وليس بما هو أضعف.
النص الأول: سورة الأحزاب - الآيتان 32 و 33:
يا نِساءَ النَّبِيِّ لَستُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيتُنَّ، فَلا تَخضَعنَ بِالقَولِ فَيَطمَعَ الَّذي في قَلبِهِ مَرَضٌ، وَقُلنَ قَولاً مَّعروفاً (32) وَقَرنَ في بُيوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجنَ تَبَرُّجَ الجاهِليةِ الأولَى، وَأَقَِمنَ الصَّلاةَ وَآتينَ الزَّكاةَ وَأَطِعنَ اللهَ وَرَسولَهُ ... (33)
النص الثاني: سورة الأحزاب - الآية 53:
وَإِذا سَأَلتُموهُنَّ مَتاعاً فَاسأَلوهُنَّ مِن وَّراءِ حِجابٍ، ذلِكُم أَطهَرُ لِقُلوبِكُم وَقُلوبِهِنَّ، وَما كانَ لَكُم أَن تُؤذوا رَسولَ اللهِ وَلا أَن تَنكِحوا أَزواجَهُ مِن بَعدِهِ أَبَداً، إِنَّ ذلِكُم كانَ عِندَ الله عَظيماً (53)
بالنسبة للنصين الآنفين، فمن الواضح أن الأمر يتعلق فيهما بأحكام خاصة بنساء النبي (ص) دون غيرهن، ولا أظن أن هناك من الفقهاء المعتبرين ممن يعمم الأحكام الخاصة بنساء النبي على عامة النساء. لكن بعضهم جعل ما هو واجب على نساء النبي (ص) مستحبا بالنسبة لسائر النساء، باستثناء حرمة زواجهن بغيره من بعده، ومن ذلك قوله تعالى «فَلا تَخضَعنَ بِالقَولِ فَيَطمَعَ الَّذي في قَلبِهِ مَرَضٌ»، والمقصود هنا عدم تحدث المرأة بتميُّع وأنوثة و(دلع)، كما يُعبَّر عنه، مع الرجال الغرباء، كي لا يتصورا أن هذا يعبر عن رغبة منها فيهم، أو عرضا من قبلها لنفسها عليهم، والتميع بطريقة الكلام، أو ما أسمته الآية بالخضوع بالقول، هو مما تتجنبه عادة كل امرأة تحترم نفسها، حتى لو لم تكن متدينة، ولكن ربما يكون مصداق مفهوم (الخضوع بالقول) أمرا نسبيا ومتغيرا بتغير العرف. وكذلك يُستفاد من قوله تعالى: «وَقَرنَ في بُيوتِكُنَّ»، في استنباط الكثير من الفقهاء لكراهة خروج المرأة للمجتمع، إلا للحالات الضرورية، حتى بالغ البعض بدعوى استحباب ألا تخرج في حياتها إلا خروجين، وإلا فهي إما سجينة بيت أبيها، أو سجينة بيت زوجها، سجنا مؤبدا بلا ذنب، سوى قدرها أن تكون أنثى، وهذا نادرا ما يُلتزَم به، ولا يفتي به من الفقهاء إلا بعض من السلفيين المتشددين من الفريقين، ومثل ذلك ينطبق على قوله عز وجل: «وَإِذا سَأَلتُموهُنَّ مَتاعاً فَاسأَلوهُنَّ مِن وَّراءِ حِجابٍ»، والأجدر أن يكون ذلك مطلوبا عندما تكون المرأة وهي في بيتها لم تضع على نفسها من اللباس ما يلائم خروجها إلى الرجال الغرباء، كأن تكون بملابس النوم، أو بملابس خفيفة في الصيف تظهر من خلالها مفاتنها الأنثوية المثيرة للرجال عادة، وإلا فلا دليل على تعميمه، وإن كان الكثير من المتدينين المحافظين يلتزمون به، تعبيرا منهم عن التقوى وكمال الطاعة ودقة الالتزام. أما قوله سبحانه: «وَلا تَبَرَّجنَ تَبَرُّجَ الجاهِليةِ الأولَى»، فهذا ما يعممه الكثيرون على عموم النساء بضميمة الآيتين اللتين سنعرض لهما لاحقا. ولذا أرجئ مناقشة هذا النص إلى مناقشتي للنصين الثالث والرابع، ومع هذا يمكن ابتداءً القول أن مسألة التبرج قد تكون هي الأخرى نسبية ومتغيرة بتغير العرف والظرفين الزماني والمكاني، حسبما يرى كثيرون، وإن كانت هناك لا شك بعض الثوابت من الضوابط.
النص الثالث: سورة النور - الآية 31:
وَقُل لِّلمُؤمِناتِ يَغضُضنَ مِن أَبصارِهِنَّ وَيَحفَظنَ فُروجَهُنَّ وَلا يُبدينَ زينَتَهُنَّ إِلاّ ما ظَهَرَ مِنها، وَليَضرِبنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيوبِهِنَّ، وَلا يُبدينَ زينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعولَتِهِنَّ أَو آبائِهِنَّ أَو آباء بُعولَتِهِنَّ أَو أَبنائِهِنَّ أَو أَبناء بُعولَتِهِنَّ أَو إِخوانِهِنَّ أَو بَني إِخوانِهِنَّ أَو بَني أَخَواتِهِنَّ أَو نِسائِهِنَّ أَو ما مَلَكَت أَيمانُهُنَّ أَوِ التّابِعينَ غَيرِ أُلي الإِربَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفلِ الَّذينَ لَم يَظهَروا عَلى عَوراتِ النِّساء، وَلا يَضرِبنَ بِأَرجُلِهِنَّ ليُعلَمَ ما يُخفينَ مِن زينَتِهِنَّ، وَتوبوا إِلَى الله جَميعاً أَيُّها المُؤمِنونَ لَعَلَّكُم تُفلِحونَ (31)
«وَلا يُبدينَ زينَتَهُنَّ إِلاّ ما ظَهَرَ مِنها»، والزينة هي على الأعم الأغلب ما تلبسه المرأة من حلي، وهنا ليس المعول عليه عدم إظهار الحلي، وإنما عدم إظهار الحلي التي تعلو أجزاء جسد المرأة مما لا يجوز لها إظهارها. ولذا فالأمر منوط بما يجوز ولا يجوز إظهاره من جسد المرأة، ولذا نعرض عن مناقشة الزينة كزينة، إلا إذا كان من الزينة ما فيه إثارة جنسية للرجل.
أما قوله تعالى: «وَليَضرِبنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيوبِهِنَّ»، وهو أكثر ما يستدل به على وجوب الحجاب، فيبدو من ظاهر الآية أنه أقرب إلى أن يصلح دليلا على عدم وجوب ستر الشعر منه دليلا على وجوب ستره، ذلك أن الآية تنبه إلى ستر ما يظهر من صدور النساء، ومن غير المعقول أن تكون المرأة من جهة متسامحة في مدى سعة أو عمق فتحة جيب فستانها، بحيث يظهر جزء من صدرها ولعله أعلى نهديها، وتكون من جهة أخرى دقيقة جدا في إخفاء شعرها بالكامل، دون أن تظهر منه ولو شعرة واحدة. ومع هذا نبهت الآية على عدم إظهار الصدر بسعة أو عمق جيب الفستان، دون أن تشير لا من قريب ولا من بعيد، لا تصريحا ولا تلميحا، إلى الشعر. فلو كان الشعر مما يجب إخفاؤه، أو إخفاؤه بهذه الصورة الدقيقة، لقال الله بلغة النهي: «ولا يبدين شعورهن»، أو بلغة الإيجاب: «وليخفين شعورهن»، وهذا ما لم تشر إليه الآية الكريمة من سورة النور. ولذا فالآية وحدها، وهي أشد آيات الحجاب، لا تدل على الحجاب بصورته التي يفتي بها الفقهاء، لذا لا بد من أن يطلعنا فقهاؤنا المحترمون على حقيقة أدلتهم، والظاهر أنهم يعولون على الإجماع فقط. والإجماع من الناحية العلمية الأصولية (نسبة إلى علم أصول الفقه) ليس حجة كما بينا، أو هو حجة ناقصة، وإن كان من الناحية العقلائية عامل ترجيح.
«وَلا يُبدينَ زينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعولَتِهِنَّ أَو ...»: وقد ناقشنا الموضوع في قوله «وَلا يُبدينَ زينَتَهُنَّ إِلاّ ما ظَهَرَ مِنها»، إذن لإظهار الزينة استثناءان، هما أولا «إِلاّ ما ظَهَرَ مِنها»، وثانيا «إِلاّ لِبُعولَتِهِنَّ أَو آبائِهِنَّ أَو آباء بُعولَتِهِنَّ أَو أَبنائِهِنَّ أَو أَبناء بُعولَتِهِنَّ أَو إِخوانِهِنَّ أَو بَني إِخوانِهِنَّ أَو بَني أَخَواتِهِنَّ أَو نِسائِهِنَّ أَو ما مَلَكَت أَيمانُهُنَّ أَوِ التّابِعينَ غَيرِ أُولي الإِربَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفلِ الَّذينَ لَم يَظهَروا عَلى عَوراتِ النِّساء». وأضيف إلى هذا النص قوله تعالى «وَلا تَبَرَّجنَ تَبَرُّجَ الجاهِليةِ الأولَى»، وهو من النص الثاني الذي أرجأنا مناقشته، للعلاقة الوثيقة بهذا النص، وإن كان خطابا موجها بشكل خاص لنساء النبي (ص)، ولكن لو تسامحنا وعممناه، فيبقى مفهوم التبرج هو الآخر نسبيا في مصاديقه بحسب العرف والزمان والمكان، مع التسليم بثبوت ثمة ضوابط.
«وَلا يَضرِبنَ بِأَرجُلِهِنَّ ليُعلَمَ ما يُخفينَ مِن زينَتِهِنَّ»: ربما يكون هذا النص أكثر دلالة على ستر المرأة لساقيها، بحيث لا يُسمَح لها إلا بإظهار القدمين، كما يذهب معظم الفقهاء من الفريقين، باعتبار أن الآية تقرر أن زينة أسفل الساقين، أي الحجلين مخفيان، أساسا، وإنما يدل صوت رنينهما عليهما من جراء مشية خاصة. ولكن قد يكون المشي بطريقة تجعل المرأة يُسمَع ثمة رنين صادر من حجليها بحسب عرف ذلك الزمان من الممارسات التي تثير المرأة بها الرجل، وليس بالضرورة مقصودا به إخفاء كامل الساقين، وإن كان كشف الساقين من مفردات الإثارة الأنثوية بلا شك، تزداد الإثارة معه بمقدار ازدياد الكشف إلى أعلى. وهذا ما سأتناوله لاحقا، أي ما هو أكثر إثارة من جسد المرأة.
النص الرابع: سورة الأحزاب - الآية 59:
يا أَيُّها النَّبي قُل لأَزواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ المُؤمِنينَ يُدنينَ عَلَيهِنَّ مِن جَلابيبِهِنَّ، ذلِكَ أَدنَى أَن يُعرَفنَ، فَلا يُؤذَينَ، وَكانَ الله غَفوراً رَّحيماً (59)
فيما يتعلق بقوله تعالى: «يُدنينَ عَلَيهِنَّ مِن جَلابيبِهِنَّ»، فهو كلام عن إطالة الثياب من أجل ستر المرأة لساقيها، أما بأي مقدار، فلم تحدد الآية، ولعل القضية تبقى نسبية بحسب العرف، خاصة إن الآية بينت علة الحكم هنا بقوله تعالى: «ذلِكَ أَدنَى أَن يُعرَفنَ، فَلا يُؤذَينَ»، أي ليدللن بطريقة لبسهن على إيمانهن والتزامهن، أو لنقل على عفتهن، كي لا يطمع بهن الرجال - لاسيما عرب الجزيرة يومذاك المعروفين بسيلان لعابهم بمجرد سماع لفظة أنثى، وشدة شهوتهم تجاه النساء - والذين يلاحقون النساء بعيونهم بشهوانيتهم وبشـَرَههم الغريزي الذي يقترب من الحيوانية، فيتحرشون بهن، متوهمين أنهن من اللات يمكن أن يقدمن أجسادهن بسهولة، سواء شهوة منهن، أو بيعا لأجسادهن مقابل مال أو أي شيء آخر، على نحو الدعارة، أو على نحو المتعة التي أباحها الإسلام تنظيما منه للعلاقة الجنسية الموقتة خارج إطار العلاقة الزوجية، مع إن المتعة لا بد أن تكون علاقة متكافئة، وليس علاقة مُستمتِع ومُستـَمع بها، ذلك بحكم قوله تعالى «ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف»، فليست العلاقة الجنسية عبارة عن تلبية من قبل النساء لرغبة الرجال الجنسية، بل هي رغبة متبادلـَة وتلبية متبادَلة، واستمتاع متبادَل، مع إنه يمكن أن يستجيب أحد الطرفين أحيانا للرغبة المبتدئة من الطرف الثاني، بقطع النظر عما كان كل من المبتدئ بالرغبة والمستجيب رجلا أو امرأة. وحيث أن السفور، لاسيما السفور المحتشم لا يدل اليوم على رخص وابتذال المرأة وسهولة شراء أو نيل جسدها من قبل الرجال الشهوانيين، تكون العلة من الحجاب بشكله التقليدي قد انتفت، وبالتالي يكون حكم الحجاب - ليس كليا ولكن على هذا النحو - سالبا بانتفاء علته. وهذا لا يقودنا إلى الإفتاء - ولست من أهل الإفتاء والمعاذ بالله - بحلية السفور مع اشتراطه بالحشمة، فلعل هناك أدلة غائبة عنا، كما لا نستطيع أن ندعي معرفتنا بكامل علة حكم الحجاب، إن وجد ثمة حكم بالحجاب، حسب ما يذهب إليه الإجماع.
إذا صحت الروايات، فإن نساء مخيم الحسين عليه السلام في يوم الطف قد خرجن بعد مقتل أبي عبد الله الحسين سلام الله عليه، «ناشرات شعورهن»، تعبيرا عن شدة حزنهن على ما حل بسبط النبي وأحد سيِّدَي شباب أهل الجنة. لا أريد أن اقطع بصحة هذه الرواية، ولكنها على كل حال مرددة على لسان كل خطيب حسيني جيلا بعد جيل، ولم أسمع من علماء الشيعة من نفاها. من هنا يمكن - مع فرض صحة الرواية - استنتاج أن الحجاب بضميمة ستر الشعر هو مندوب، أي سنة مستحبة، وليس فرضا واجبا، ولعله كان المصداق لمفهوم تجنب التبرج المذكور في القرآن الكريم، أي التعبير المناسب لذلك الزمان عن ذلك. من هنا عندما يكون التعبير العرفي عن الحزن الشديد لمصاب جلل كمقتل الحسين عليه السلام في عرف العرب آنذاك بالنسبة للنساء، إنما يكون بخروجهن «ناشرات شعورهن»، وحتى مع فرض كونه مكروها شرعا، أو هو ترك لمستحب، وليس ترك كل مستحب بمكروه شرعا بالضرورة، ولكن حتى مع فرض الكراهة، ولعدم تساوي المكروه مع المحرم في وجوب الاجتناب، فقد كان هناك ما هو أهم من الالتزام بهذا المكروه الشرعي، أو من ترك الالتزام باستحباب تغطية الرأس، ألا هو - أي هذا الأهم - هو التعبير عن هول الفاجعة بقتل ابن بنت رسول الله.
حتى مع التسليم بوجوب الحجاب، فإنه من الخطأ اختزال معايير التدين بالحجاب. فالرجل مهما بلغ من ازدواجيته في التدين، لا يقال عنه غير متدين، ما زال يصلي ويصوم ويجتنب الزنا وشرب الخمر وأكل الخنزير واللحم غير المذكى. أما المرأة فحتى لو كانت أكثر وأشد وأدق التزاما من الرجل في سائر الأمور، فبمجرد عدم لبسها للحجاب، تعتبر عرفا غير متدينة، وهذا الحكم يمثل ظلما وتجنيا ومجانبة للموضوعية والعدل ومخالفة للقرآن الكريم «وَلا تَقولوا لِمَن أَلقَى إِلَيكُمُ السَّلاَمَ لَستَ مُؤمِناً». ثم إن التدين أمر شخصي يتحمل صاحبه مسؤوليته أمام ربه، وإن من غير المتدينين لهم أشدّ تدينا بكثير من كثير من المتدينين فيما هو الدين في جوهره، وإن كثيرا من غير المحجبات لهن أشد تدينا وتقوى واستقامة وعفة بكثير من كثير من المحجبات، كما إن بعض السافرات المحتشمات حتى أشد حجابا من بعض المحجبات المتبرجات، وسأشرح كيفية الجمع بين الحجاب والتبرج.
في كثير من دول العالم أصبح الحجاب مادة للنقاش، لاسيما مناقشة ما إذا كان الحجاب ليس بتعبير عن التزام ديني، بقدر ما هو رمز ديني. وراحت بعض الدول تمنع استخدام الرموز الدينية في بعض الأماكن، كالمدارس والجامعات والپرلمانات، وشمل ذلك فيما شمل حجاب المسلمات الملتزمات، سواء من مواطنات تلك البلدان اللاتي تحولن للإسلام، أو من رعايا البلاد الأخرى، ومن هذه الدول ما انطلقت فعلا من مبدأ منع الرموز الدينية - عموما وبلا تحيز - في تلك الأماكن، ومنها ما استهدفت الحجاب الإسلامي بالذات، إما بسبب التطرف الإسلامي، أو لعقدة عند تلك الدول تجاه الإسلام بالذات، ولو إن معظمها قد نشأت لديها هذه العقدة بسبب تطرف معظم الإسلاميين، وتزمت الكثير من المسلمين المتدينين في تلك الدول، الذين يثقفون وسطهم الخاص بثقافة كراهة المجتمع الذي يتنعمون بخيراته وحريته. ومسألة إنهاء ظاهرة استخدام الرموز الدينية تعتبر في تقديري أمرا صحيحا غاية في الصحة، لولا تعارضه مع مبدأ الحرية الشخصية، وإلا فسيكون العالم بلا شك أجمل بكثير، لو انتهت مظاهر اللحية الدينية، وما يسمى بالقميص الشيخي الإيراني/اللبناني-الحزبُ-الله-ـي، والصليب المسيحي، ونجمة داوود، والطاقية اليهودية الصغيرة، أو القبعة السوداء لليهود الأرثوذوكس، وأزلافهم المظفورة، والعمامة الشيعية السوداء منها والبيضاء، والعمائم السنية بأشكالها المختلفة، واللحية السلفية، وعرقچين الحجي، ولحية وعمامة السيك، ورداء البوذيين، ولبس رجال الدين بكل أنواعه ولكل الأديان، ليكون الاعتقاد والإيمان قضية شخصية، ويكون روحا وسلوكا وجوهرا، وليس مظهرا أو تظاهرة، وليكون رجل الدين معروفا بمضمونه وعلمه واجتهاده، لا بهيئته، كما هو الحال مع كل أصحاب الاختصاص في كل الميادين، الذين لا يميزون أنفسهم بلباس خاص أو هيئة متميزة، ونكف عن إضفاء القداسات المصطنـَعة والمُدَّعاة أو المتوهَّمة، ونترك تديُّن الشكل ونحقق تديُّن الجوهر. نعم حياة الإنسان تحتاج إلى روح الدين وقيمه ومثله وأخلاقياته ومحبته وسلامه وسماحته ووداعته، وليست محتاجة إلى شكلياته ويافطاته ووسائل التظاهر به، ناهيك عن حاجتها إلى تطرّف وتزمّت وتعسّف أصحابه، فكل ذلك جناية في رأيي على الدين، وكان دائما سببا من أسباب تأجيج الخلافات، وبعث الأزمات وتأصيل الحساسيات.
أخذ الحجاب، لاسيما منذ ثورة إيران، في العالم الإسلامي في كل من الوسطين الشيعي والسني طابعا سياسيا، فسُيِّس الحجاب، كما سُيِّسَ الدين، وسُيِّسَت الصلاة، وسُيِّسَت المرجعية، وسُيِّسَ المسجد. ما زلت أتذكر ذلك الشيخ المعمم الإيراني الذي حضر إلى هامبورغ في مطلع الثمانينات، وكان يحمل لقب (آية الله)، عندما سُئِل في مؤتمر للطلاب الإيرانيين الموالين للثورة عن الحجاب، فقال إن الحجاب لم يعد مجرد تكليف شرعي، بل هو شعار من شعارات الثورة، وضرورة من ضروراتها، فالمحجَّبة مع الثورة، وغير المحجَّبة ضد الثورة، هذا بالرغم من أن كثيرا من الحاضرات في وقتها من اللاتي يتحجبن في المسجد ويكن سافرات في الشارع، أو من أنصاف المحجبات، كنَّ في حينها من المتعاطفات مع الثورة، ولكن هكذا هم المتطرفون يحسنون فن الاستزادة من الأعداء واستعداء الأصدقاء، ليثبتوا لأنفسهم أصالتهم الثورية ورساليتهم. وأتذكر في الستينات كيف كان حزب الدعوة في العراق مبادرا لطرح الحجاب العصري، من غير عباءة سوداء، فدخلن الداعيات، أو زوجات وبنات وأخوات الدعاة الجامعة والوظيفة بحجابهن الحديث، ولكن ما أن ذهبن إلى ما سُمِّي آنذاك بـ (إيران الإسلام) حتى اقتدين بثوريات وحزبُ-اللهِ-ـيّات إيران، فلبسن (الچادُر) الأسود الإيراني فوق حجابهن، وهكذا وجدنا بعد سقوط النظام الائتلافيات، يزددن صرامة ودقة في الحجاب، ويزددن توشحا بالسواد، كلما تقدمن في مواقعهن السياسية الائتلافية. ويُشاع في لبنان عن حزب الله إنه يعطي في مناطق نفوذه خمسين دولارا شهريا لكل فتاة تتحجب، ومئة دولار لكل من تلبس العباءة السوداء فوق حجابها. وممارسات الطالبان المتعسفة والمتخلفة في أفغانستان معروفة، والتي يحذو حذوها اليوم دعاة (دولة العراق الإسلامية)، كما ورأينا كيف أجبرت التيارات المتطرفة الشيعية ومن ورائها أجهزة (الاطلاعات) أي المخابرات الإيرانية في العراق نساء البصرة وغيرها، بما فيهن المسيحيات على لبس الحجاب.
أقول لتتحجب من تتحجب، ولتسفر من تسفر، ولتحتشم من تحتشم، ولتتبرج من تتبرج، ولكن يا ليت كل ذلك ينحى نحو الاعتدال، أما أن يكتب على المرأة أن تـُلـَفّ طوال حياتها بكفن أسود، فهذا ما لا أفهمه، ولا أفهم علاقته بالحجاب. ولعل البعض يتمنى أن يصبغ الحياة كلها بالسواد، وإذا أراد أن يضيف لونا آخر فهو حمرة الدم القاني. بعض خطباء ما يسمى بالمنبر الحسيني يصورون فاطمة الزهراء (ع) حتى يوم القيامة موشحة بالسواد. لا أدري من أين أتتنا عقدة تسويد المرأة، وتسويد الواقع، وتسويد الحياة.
البعض يرى أن الحجاب أشبه ما يكون باللحية بالنسبة للرجل، فكما إن الكثير من فقهاء السنة والشيعة لم يعثروا على دليل شرعي على اللحية، سوى إنها كانت جزءً من سيرة الأنبياء والأئمة والصالحين والخلفاء والصحابة، ربما لأنها كانت جزءً من الذوق العام لتلك المجتمعات. فهذا الشيوع للحية لم يكن كافيا لجعلها من الواجبات الشرعية، إلا عند المحافظين والسلفيين والمتشددين، فيذهب هذا البعض إلى أن هذا النوع من اللبس كان يمثل لباس المرأة العفيفة المحتشم والوقر في زمن سابق، فهو إذن متغير بتغير الزمان والمكان، كما إن الرجل أصبح حلالا عليه لبس الملابس الأورپية، وحلق لحيته، يمكن أن يكون حلالا على المرأة أن تلبس لباسا يناسب زمانها وبيئتها التي تعيش في وسطها، مع حفظ الثابت والمُتيقـَّن من الضوابط. وهناك مجموعة من المسلمين الناطقين بالألمانية في هامبورغ، يتبعون رجل دين وداعية إسلاميا من أصل پاكستاني يتبنى الفكر الزيدي-المعتزلي، ويرى إجزاء العمل وفق أي رأي فقهي، يفتي بعدم وجوب الحجاب، ويعتبره سنة مستحبة وتقليدا إسلاميا، أي تكليفا ترخيصيا، أكثر مما هو تكليف إلزامي، ويرى حكمه ليس أكثر من حكم غطاء الرأس بالنسبة للرجل. ولو إني لا أرى غطاء الرأس من المستحبات لذاته، وإنما كان مستحبا عندما كان جزءً أساسيا مكملا للقيافة والأناقة وحسن المظهر حسب عرف الملابس لذلك الزمان. ولكن فقهاءنا من الشيعة والسنة يعتبرون الحجاب من ضرورات الإسلام، أي كالصلاة اليومية وصيام شهر رمضان وحج المستطيع وغيرها، ومنها أيضا الضرورات السلبية، كحرمة الزنا والسرقة والقتل وشرب الخمر وغيرها. مع احترامنا لهذه الرؤية الفقهية، لاسيما وهي تحظى بما يشبه الإجماع، أقول لماذا لم يستجب لحد الآن أي من الفقهاء للمطالبة بالدليل الشرعي الواضح البين بلا تكلف بتأويل النص، سوى ما ذكرناه من أدلة يرونها، والتي كما تبين لم تكن كافية. حتى إني وجدت كتابا قيما يبحث في الحجاب، تناوله من جميع جوانبه التاريخية والاجتماعية والفلسفية في مئتي صفحة، ولم يشر بحرف إلى الدليل الشرعي عليه.
كثيرا ما يحرص الأب أو الزوج أو الأخ على حجاب ابنته وزوجته وأخته، ويمارس الضغط عليها للالتزام به، لا من قبيل أنه يحب لها أن تلتزم بتكليف شرعي، بقدر أن ابنة أو زوجة أو أختا غير محجبة تكون مما يسيء إلى الوجاهة الاجتماعية الخاصة به، لأنه لا يريد أن يقال عنه في المجتمع، إن ابنة فلان، أو زوجة فلان، أو أخت فلان غير ملتزمة. وهكذا فكثير من النساء يلتزمن من جانبهن بالحجاب من قبيل اجتناب (العيب) الاجتماعي، وليس من قبيل الالتزام من موقع القناعة والتقوى. وعموما غالبا ما يُمارَس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا من موقع الحب، أي أن يحب المؤمن لغيره ما يحب لنفسه، بقدر ما يعبر ذلك عن تعصب، ينطلق من عدم تحمل من يتبنى قناعة غير قناعته، أو يسلك سلوكا على غير ما يراه، أو يحمل ذوقا خلاف ذوقه.
قد يستنكر عليّ الكلام عن ذوقي الشخصي، لأن هذا يمثل خروجا عن البحث العلمي الذي حاولت أن ألتزم به في تناول هذا الموضوع. ومع هذا قد يعبر ذوقي الشخصي عن الحالة المتوسطة بين تطرفين، بين إفراط وتفريط، دون أن أدعي جعل ذوقي معيارا للوسطية، بل هو موقف يمكن التأمل فيه.
لا أحب:
- الحجاب المتطرف (حجاب السلفية والتعصب الديني)، الذي يجعل من المرأة مومياء موشحة بالسواد، تكون أقرب إلى (السٍّعلـُوَّة) التي يُخوَّف بها الأطفال عند ممارستهم (الوكاحة) والعناد، كما كان يُخوّفنا قديما أهلنا بالجـِنـّي، والطنطل وغيرهما.
- الحجاب السياسي (حجاب الأصولية والإسلام السياسي)، فهو كمظاهر السلفية والتطرف والأصولية التي يتمظهر بها السلفيون والأصوليون والمتعصبون المتزمتون من الرجال الذين يعرضون الإسلام عرضا مخيفا ومرعبا ومقززا، فينفرون ولا يجذبون. وهكذا هو منظر الأصوليات من النساء الإسلاميات، أو من زوجات وبنات وأخوات الإسلاميين المتطرفين، أو المتدينين السلفيين المتزمتين، واللاتي أي المُسَيَّسات أو المُتـَسَيِّسات منهن يتخذن من حجابهن المبالـَغ به يافطة سياسية حماسية صارخة، وكأن هذه اليافطة تحمل عبارة (الموت لكل من يخالفنا).
- السفور المتهتك (سفور العرض المبتذل الرخيص)، ومن حيث تشعر صاحبات هذا اللون من السفور المتهتك المبتذل أو من حيث لا تشعر، فإنها تعرض أنوثتها ومفاتنها عرضا رخيصا للقاصي والداني، وكأنها تهتف هاؤم خذوني، خذوا جسدي، أو إن امتنعتُ عنكم، فازنوا بي واغتصبوني بنظركم ومخليتكم الشهوانية القذرة. وبعض النساء والفتيات اللات يظهرن بهذا المظهر، قد يكنَّ بريئات تماما، ولا يعينَ بسذاجتهن هذا المعنى، ولكنهن لسطحيتهن ولهثهن وراء كل مودة (موضة) وكل صرخة، يبتذلن أنوثتهن ويفقدنها وقارها، ويفقدن الاحترام لأنفسهن، من حيث يشعرن أو لا يشعرن. ومن حق المرأة أن تعتز بأنوثتها وبما وهبها الخالق من مفاتن، ولكن ليس من حق نفسها عليها أن تبتذلها رخيصة إلى هذه الدرجة، وتـُسيل لعاب الشهوانيين من الرجال في الشارع، بل يُفترَض بها، لاسيما إذا كانت من داعيات المساواة في الحقوق والمواطنة والإنسانية بين النساء والرجال، أن تظهر للمجتمع كإنسانة، لا كومياء مخيفة أو غريبة المنظر موشحة بالسواد، ولا كعارضة لجسدها رخيصا مبتذلا.
- الحجاب المتبرج (حجاب الازدواجية)، وهو حجاب أولئك النساء اللات يتحجبن غالبا لا عن قناعة ذاتية، بل إرضاءً للأسرة أو للزوج أو للمجتمع، فيعشن ما بين الرغبة في لبس آخر تقليعة، والميل إلى إظهار مفاتن أنوثتهن، وما بين الالتزام بمجرد مسمى الحجاب، فيغطين رؤوسهن، ولكن يلبسن الملابس الضيقة المثيرة، ويبالغن في وضع المساحيق على الوجه، ويستخدمن الأشد صراخة وحمرة من أنواع طلاء الشفاه، مما تجد أمامهن أكثر السافرات أكثر اعتدالا بكثير في ما يستعملن من مساحيق ومكياج وزينة.
هذا ما لا أحب، أمّا ما أحب، فهو:
- السفور المحتشم.
- الحجاب المعتدل لاسيما إذا كان بذوق.
بحسب اختيار المرأة وقناعتها وذوقها، وحسب فهمها للدين والالتزام، ومدى قرارها بالالتزام أو عدمه، ومقدار كل من الالتزام أو عدم الالتزام، دون تعسف من أب، أو أخ، أو زوج، أو عشيرة، أو وسط اجتماعي، أو حزب سياسي، أو آمر بمعروف بغير معروف، وناه عن منكر بمنكر.
ولو كنت امرأة، لتخيرت بين السفور المحتشم والحجاب المعتدل، بحسب ما أتبين من أدلة شرعية، وحسب تقديري للعناوين الثانوية، بمراعاة البيئة التي تحيط بي، والعرف الذي يسودها، وباستخدام قاعدة نفي الضرر والحرج، دون استبعاد تقوى الله، ولا يبعد أن أختار السفور المحتشم، بل هو الأرجح، دون أن أستبعد اختيار الحجاب المعتدل، رغم عدم وضوح الدليل، مراعاة لإجماع الفقهاء على كونه من ضرورات الدين، وإلـِّم يقنعني هذا الإجماع في العمق، وعندها إذا ما ظهر فقيه معتبَر ومُعتـَدّ بفقاهته، فقال بعدم وجوب الحجاب، سأنزعه عملا بمبدأ التبعيض في التقليد، وانسجاما مع قناعتي الداخلية، وشجاعة مني في مواجهة المجتمع بشخصيتي التي أحدد أنا ملامحها، ولا أدع أحدا يتعسف بي في رسمها على وفق ذوقه أو قناعته، ولكني سأبقى كامرأة حاجبة مفاتن أنوثني، محافظة على وقاري، محترمة لشخصيتي بظهوري إلى المجتمع إنسانا، أو قل إنسانة، وليس محض أنثى. وإذا كنت سأختار السفور المحتشم، فلعله من خلال قناعتي بأنه يمثل الحجاب الشرعي، لأن تسميته بالسفور المحتشم إنما جاء على ضوء العرف والذوق السائدين في مجتمع المتدينين بالتدين العرفي أو المشهور، ويفترض أن لا يسمى بالسفور، بل بالحجاب المتجزئ، مع افتراض أنه من وجهة نظر الشرع على وفق الحكم الواقعي، لا الظاهري، وإلا فقد يكون هو الحجاب الشرعي الكامل في ميزان الله.
ولكن ولأن الله قد خلقني رجلا، فلا أعطي - كرجل - لنفسي حق قسر زوجتي، أو ابنتي، أو أختي، أو أمي، على الحجاب، بل أترك لكل ممن وُجـِد منهن، كما وكنت سأترك لكل ممن لو كان قد وُجـِد منهن، حرية أن يتحجبن أو لا يتحجبن، وإن شئن بملء إرادتهن واختيارهن الحر أن يسمعن رأيي، فسأقول لهن ما أرجحه لهن، وأترك لهن الخيار، وإلم يشأن أن يسمعن رأيي بهذا الصدد، فلهن ذلك.
أرجع وأقول إنه ليس من المناسب، وبقطع النظر عن الدين، أن تعرض المرأة مفاتن أنوثتها في الشارع. والكل يعلم أن هناك أجزاءً من جسد المرأة هي الأكثر إثارة لشهوة الرجل. فالكشف عنها أو إبرازها من وراء الملابس بضيقها أو شفافيتها أو تجسيدها لتلك الأعضاء على أي نحو، هو نوع من الإثارة حتى لو لم تقصد صاحبتها ذلك، من جراء اتباعها لتقليعات المودة. وكان بالإمكان أن أفصِّل في ذلك بذكر كل جزء من جسد المرأة، ومقدار إظهاره في هذا أو ذاك المجتمع، ووفق هذه أو تلك المودة، وعبر هذا النوع أو ذاك من الملابس، ومدى إظهاره أو إبرازه أو الرمز له، ودرجة إثارته للشهوة الذكورية. ولكن تعففا وتوقرا أترك ذلك لتقدير القارئة المحترمة والقارئ المحترم. والمهم إن مثل هذه المواضيع يمكن أن تبحث، ويعطى فيها الرأي هنا أو هناك، بهذا أو ذاك الاتجاه، ولكن مما لا يجوز فرض أي رأي فيها تعسفا وقمعا واضطهادا، فالرأي يُقال ويُناقـَش، يُقبَل ويُرفـَض، ولا يُفرَض.
15/06/2007
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::