هل يمكن التفكيك بين الإيمان والدين؟
هل يمكن التفكيك بين الإيمان والدين؟
هذه المقالة تطرح تساؤلات وتحاول أن تجيب عليها، ضمن مناقشة عقلية، أي في إطار ضرورات وممكنات وممتنعات العقل، أي بشكل محايد دينيا أي مستقل عن مقولات الدين، دون إعطاء حكم إثباتا أو نفيا تجاه تلك المقولات الدينية، فهي تعالج القضايا المطروحة معالجة عقلية محضة.
التساؤل المطروح في العنوان يبدو للوهلة الأولى غريبا ومشتملا على ثمة تناقض. التناقض يكون حاصلا، إذا ما اعتبر كل من الإيمان مترادفين، فنكون وكأننا نطرح السؤال عن إمكانية التفكيك بين الدين والدين، أو التفكيك بين الإيمان والإيمان، فيكون التساؤل ضربا من الهراء واللغو أو لعله السفسطة. لكن عندما نعلم أن المعني بكل من المفردتين معنى آخر متفاوتا عن الثاني ولكن غير مناقض له، وأن العلاقة علاقة خصوص وعموم من وجه، بمعنى أنه إذا كان الدين يعني في كل الأحوال الإيمان، لا يكون بالمقابل معنى الإيمان هو الدين في كل الأحوال. فمصدر العقيدة في (الإيمان) هو العقل، ومصدر (الدين) هو العقل والوحي عند العقليين، والوحي وحده عند الوحيويين. والمؤمنون اللادينيون يلتقون مع الدينيين العقليين على مشترك مصدرية العقل، ويلتقي الدينيون من العقليين والوحيويين على مشترك اعتماد مصدر الوحي حصرا أو بضميمة العقل، ولا مشترك فيما يتعلق بفهم الإيمان بين الإيمانيين التفكيكيين العقليين والدينيين الوحيويين.
إذا كان بعض القراء قد أدركوا المعنى المقصود، فهناك آخرون ما زالوا ربما حتى هذه العبارة في ثمة حيرة. ومن أجل ألا تطول حيرة هذا القسم من القراء، لا بد من التقديم بتعريف أولي للمصطلحين، مرجئين تعريف بقية المصطلحات التي ستستخدمها المقالة. فنقول:
1. الإيمان: الإيمان بالله وما يترتب على هذا الإيمان بضرورات العقل من توحيد الله والإقرار بكماله المطلق، وبالتالي تنزيه، وبعدل، الذي يترتب عليه الإيمان الإجمالي - لا التفصيلي - بالمعاد والجزاء.
2. الدين: الإيمان بالدين وما يترتب عليه من الإيمان بالنبوة العامة والخاصة بذلك الدين، والإيمان التفصيلي بالمعاد وبسائر ضرورات ذلك الدين.
وقبل مواصلة الموضوع، أقدم بتقديم ثان مهم للموضوع، ألا هو بيان الأحكام الثلاثة على المقولات المختلفة، أي الضرورات (الواجبات)، والممكنات، والممتنعات (المحالات)، ومن أجل ألا نكرر تعداد هذه الأحكام الثلاثة تجاه كل مقولة، سننعتها بالأحكام الثلاثة. فأقول إن الأحكام الثلاثة تتغير بتغير القاعدة التي تستند عليها، أو الميدان الذي تتحرك فيه وتختص به. فعندما نتحدث عن أحكام العقل، غير ما نتحدث عن أحكام الدين، أو أحكام أي ميدان من ميادين الفكر والحياة والعلوم. فضرورات الدين تكون بالنسبة للعقل من ممكناته، إذا كان الدين صادقا، أما إذا كانت من ممتنعاته، فالدين بالضرورة كاذب. كما إن هناك التقسيم الذي طرحه الشهيد محمد باقر الصدر (الممكنات العقلية، والعلمية، والعملية) والذي قسمت العلمية منها إلى نظرية وتطبيقية، فالنظرية منها أوسع من التطبيقية، وقسمت العملية إلى عامة وخاصة، والعامة أوسع من الخاصة، وأستغني عن تفصيل ذلك هنا. الذي أريد أن أقوله أن هناك ضرورات عقلية، وهي ضيقة، وضرورات ميدانية، وفي بحثنا هنا تهمنا الضرورات الدينية. وهذه تتسع وتضيق، فهناك الضرورات الدينية العامة، كالإيمان بعالم الغيب (الميتافيزيقا) إلى جانب عالم الشهادة (عالم الطبيعة)، وهناك ضرورات الأديان الإبراهيمية، وأهمها الإيمان بالله الخالق لكل شيء، والإيمان بالحياة ما بعد هذه الحياة والجزاء، والإيمان بالنبوات والرسالات والأنبياء والرسل، ولعل من ضرورات هذه الأديان البعد الروحي (علاقة الإنسان بربه) والبعد الأخلاقي (علاقة الإنسان بالإنسان). وهناك ضرورات دين محدد، كضرورات المسيحية التي منها الثالوث وبنوة المسيح لله، أو ضرورات الإسلام، كالإيمان بنبوة محمد وختم النبوات بها، أو الضرورات في الأحكام كوجوب الصلاة وغيرها، وهكذا هناك محرمات عامة لكل الأديان، وأهمها حرمة القتل والسرقة والكذب والخيانة والغش والظلم والزنا وإلى غير ذلك، بينما المحرمات الضرورية الخاصة بالإسلام مثلا، فهي حرمة أكل لحم الخنزير وشرب الخمر. وهكذا هناك ضرورات أضيق من ضرورات الإسلام، هي ضرورات مذهب من مذاهب الإسلام، كضرورات المذهب الشيعي، التي منها الإمامة الاثناعشرية، وما يرتبط بها من عصمة وشفاعة تشمل الرسول والأئمة الاثني عشر والزهراء. والضرورات تارة تدور في إطار العقائد، وتارة في إطار الأحكام. وبالتالي ومن خلال التمييز بين أحكام العقل الثلاثة وأحكام الدين، نعرف أن ضرورات الدين أوسع من ضرورات العقل، وبعكسه ممكنات العقل أوسع من ممكنات الدين. وعندما نتكلم عن الضرورات بما هي أعم من الضرورات في مقابل الممتنعات، فنعني الضرورات الإيجابية والضرورات السلبية، أي الممتنعات، وبالتالي فممتنعات الدين أوسع من ممتنعات العقل. وبالنسبة للدين في جانبه التطبيقي (الأحكام الشرعية)، فضروراته هي الواجبات أو الفروض (الواجب)، وممكناته هي مباحاته (الحلال)، وممتنعاته هي محرماته (الحرام).
بعد هذا التقديم نعود إلى مفردتي (الإيمان) و(الدين) ومفردات أخرى ذات علاقة بموضوعنا.
1. الإيمان = الإيمان بالله = الإلهية (Theism).
2. الإلحاد = عدم الإيمان بالله = اللاإلهية (Atheism).
3. الدين = الإيمان بالدين/بدين، أو بالأديان/بأديان = الدينية (Religionism)*.
4. اللادينية = (Areligionism).
5. اللاأدرية = (Agnostizism) بالألمانية (Agnostizismus).
بعد سرد هذه المفردات أحاول أن أشرح كلا منها أعلاه بشيء أكثر من التفصيل، وذلك مع ذكر ما يلتقي منها مع غيرها وما لا يلتقي ضرورة أو إمكانا.
1. الإيمان: بالضرورة لا يلتقي مع الإلحاد، بينما يمكن ولا يجب أن يلتقي إما مع الدين، أو نقيضه اللادينية. فبعض الإيمان ديني، وبعضه لاديني، أي مستقل عن الدين، بينما كل دين إيمان، وبعض اللادينية إيمان. ومن المهم الإشارة إلى أن المقصود بالإيمان هنا ليس مرادفا للإيمان بالمعنى الديني، وهو الإيمان النسبي والخاص بذلك الدين، ويقابله الكفر النسبي، أي بضرورات ذلك الدين أو بإحداها.
2. والإلحاد: من غير شك وبالضرورة لا يلتقي بدوره لا مع الإيمان بعنوانه الأعم، ولا بالدين بعنوانه الأخص، وهو بالتالي ملازم بالضرورة للادينية وعلاقته معها علاقة عموم وخصوص من وجه، فكل إلحاد لادينية، ولكن ليس كل لادينية إلحادا.
3. الدين أو الدينية: يلتقي بالضرورة مع الإيمان وبالضرورة لا يلتقي لا بالإلحاد ولا باللادينية، وقد بينت في أولا العلاقة بين الدين والإيمان.
4. اللادينية: تلتقي إمكانا مع كل من الإيمان بعنوانه الأعم والإلحاد، وبالضرورة لا تلتقي مع الدين، فكل إلحاد لادينية، وبعض اللادينية إلحاد، وبعض اللادينية إيمان.
5. اللاأدرية: هو موقف عدم الحسم في معرفة شيء أو الإيمان بشيء، فصاحب الموقف اللاأدري من أمر ما هو الذي لا يتخذ موقفا معرفيا أو معلوماتيا أو اعتقاديا من ذلك الأمر، أموجود هو معدوم، أصادق أم كاذب، ولا يحدد موقفه منه مصدقا أو مؤمنا، أم مكذبا أو كافرا به.
6. اللاأدرية الإلهية: اللاأدرية استخدمت بشكل خاص فيما يتعلق بالموقف من الإيمان أو عدمه بوجود الله، أي ما بين الإلهية أو الإيمان (Theism)، واللاإلهية أو الإلحاد (Atheism).
7. اللاأدرية الدينية: هي موقف عدم الحسم إيمانا أو عدم إيمان بالدين بمعناه العام، أي بأصل النبوة أو (الوحي) مع الإيمان بأصل التوحيد، أو أصلي التوحيد والمعاد في ضوء ضرورات العقل المستقل دينيا، أي اقتصار اللاأدريين الدينيين على الإيمان بالواجبات العقلية كونها يقينية، وعدم حسم موقفهم من الممكنات العقلية من مقولات الدين، التي هي ظنية أو احتمالية، وقد يتوزع المؤمنون اللاأدريون بين احتمال صدق الدين بنسبة ما فوق الخمسين بالمئة إلى ما دون المئة بالمئة، أو لنقل 60 - 90% أو 55 – 95%، أو احتمال الصدق بما هو فوق الصفر بالمئة إلى ما دون الخمسين بالمئة، أو لنقل 10 – 40%، أو 5 – 45%، أو أن يكون الاحتمال لا أدريا مطلقا، أي بدون ترجيح لكفة الإثبات أو كفة النفي، أي بنسبة 50% تماما.
من مجموع المواقف الأربعة: الإيمان، الإلحاد، الدين، اللادينية، استخلص ثلاثية، لا بد من تحديد العلاقات فيما بين بعضها البعض؛ هذه ثلاثية هي:
1. الإيمان الديني.
2. الإيمان اللاديني.
3. الإلحاد.
ونطرح سؤال مدى التلازم بين كل من الإيمان والدينية من جهة، وبين اللادينية والإلحاد من جهة أخرى. الدين يقول بضرورة التلازم بين الإيمان والدين، والعقل يقول بعدم الضرورة أي بإمكان الملازمة وبإمكان التفكيك بينهما. فالعقل المجرد يلتزم بألا تلازم بين الإيمان والدينية، كما ولا تلازم بين اللادينية والإلحاد. ويطرح بالتالي الإيمان اللاديني باعتباره الخيار الثالث من وجهة نظر العقل، مع إبقائه على الإمكان العقلي للتلازم في حال ثبت صدق هذا أو ذاك الدين، لأن العقل يقول بإمكان صدق الدين، وبالتالي يبقي الباب مفتوحا للبحث والوصول إلى نتيجة الإثبات أو النفي أو اللاأدرية. والإثبات يعني التصديق والإيمان، والنفي يعني عدم التصديق وعدم الإيمان، واللاأدرية تعني اللاحسم. وقد يرى بعض العقليين المحايدين دينيا أن الخيار الثالث هو الأكثر انسجاما مع كل من عقل وفطرة الإنسان، وهو الأكثر قدرة على الإجابة على الأسئلة التي يرى هذا البعض أنها بقيت بلا جواب شاف من قبل كل من مدرستي الدين والإلحاد. وهؤلاء يقودهم هذا اللون من التفكير إلى اعتماد عقيدة (التفكيك بين الإيمان والدين)، إما كخطوة موازية لعقيدة الإيمان الظني، إذا ما كان تصديقهم للدين بنسبة 60 إلى 90%، وإما كخطوة متقدمة عليها إذا كان تصديقهم للدين بنسبة 10 إلى 40%. ويفترض أن تكون هناك مساحة مشتركة بين الدينيين العقليين التأويليين، وبين المؤمنين الظنيين، والمؤمنين اللاأدريين، والمؤمنين اللادينيين، ومن غير الصحيح قطع الجسور بالتكفير من هذه الجهة أو التخريف من تلك الجهة، فعلى الدينيين العقليين أن يدركوا أن ليس كل مؤمن غير ديني كافرا، وكما على المؤمنين غير الدينيين أن يدركوا أن ليس كل الدينيين خرافيين. وهنا تأتي العلمانية الفلسفية والاجتماعية كمكملة للعلمانية السياسية، لتجمع العلمانيين الدينيين والعلمانيين اللادينيين على المساحة المشتركة، وهذا لا يعني إقصاء الدينيين اليقينيين أو الملحدين، فالديني المنفتح القابل بالآخر القريب والبعيد على ضوء أخلاقية التسامح التي هي من أسس الدين في جانبه الأخلاقي والإنساني والعقلاني، هو جزء من المعايشة الفكرية والسياسية والإنسانية، ولكن حتى الملحد يكوم مقصيا، لأنه ما زال يعتمد العلمانية العقلانية المعتدلة ويتقبل من الآخر إيمانه بما لم يصل هو إلى قناعة به، وما زال يتحرك على أساس المثل الإنسانية، فهو قريب من الله بمقدار تجسيده من المثل الإنسانية، كما بينت سابقا في مقالتي (الملحدون الإلهيون والمرتدون المتدينون). فبحثي هذا لا علاقة له بقناعاتي الشخصية، بقدر ما هو معني بتأسيس قاعدة فلسفية للتعايش الإنساني والتعايش الوطني، وبالتالي بالسلام كقاعدة يقوم عليها هذا التعايش المنطلق من أساسي العقلانية (التي هي أعم من العقلية الفلسفية) والإنسانية.
29/01/2008
* كل من مصطلح (Rligionism) بالإنڠليزية و(Religionismus) بالألمانية بمعنى (الدينية)، ومصطلح (Areligionism) بالإنڠليزية و(Areligionismus) بالألمانية بمعنى (اللادينية) هما من ابتكاري، وهما يقابلان مصطلحي (Theism) بالإنڠليزية و(Theismus) بالألمانية بمعنى الإلهية أي الإيمان بالله، و(Atheism) بالإنڠليزية و(Atheismus) بالألمانية بمعنى اللاإلهية أي الإلحاد.
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::