بعدما غمرني الأستاذ خضير طاهر بلطفه وبموقفه الشجاع، غمرني من بعده اثنان من الكتاب الأفاضل، هما الأستاذ رفيف الجابر ود. فواز الفواز، فلهما أيضا خالص شكري، كما لا يفوتني أن أقدم الشكر لكل القراء الذين يبعثون برسائلهم التي تمنحني بعد التوكل على الله طاقة الإصرار على مواصلة طريق الانتصار للحقيقة وللوطن، وإن كنت لا أدعي احتكار الحقيقة، أو امتلاك الحقيقة النهائية أو كامل الحقيقة.
بعدها أواصل مناقشة الكـُتـّاب الأربعة الذي تفضلوا بتناول أفكاري بالنقد، وهم 1) حمزة الگرعاوي، و2) كاظم عبد الحسين عباس، و3) مثنى عبد الإمام الميس، و4) باقر محمد. وبعد أن انتهينا من السيدين حمزة الگرعاوي صدري الهوى، وكاظم عبد الحسين عباس صدامي الهوى، أتناول اليوم مقالة السيد مثنى عبد الإمام الميس خميني الهوى.
تحت عنوان «ضياء الشكرجي هل أنت واقعي في طرحك؟» استهل السيد الميس مقالته بالثناء على قلمي بقوله: «ضياء الشكرجي قلم أحترمه جدا، وهذه ليست منة مني، وإنما لأن هذا القلم يستحق الاحترام حقا، وليس معنى الاحترام أننا نوافقه على آرائه»، وهذا رأي أحترمه من جهتي كثيرا، فالجميل إنك تنصف من تختلف معه، وتنقد من تؤيده، فهو مع هذا الاحترام الذي أظهره وأشكره عليه يقول عن آرائي: «بل أظن إني شخصيا أخالف أكثرها»، ولكني أحب ان أسجل استغرابي كيف وصل إلى أنه يحترم آرائي، وأنه يخالفني في أكثرها بالرغم من قوله: «رغم عدم متابعتي الجيدة لكتابات هذا الرجل»، ثم يبين سببا من أسباب عدم متابعته الجيدة ألا هو «لأسباب لا تتعلق به، إنما بشخصي أنا، منها صعوبة فهمي لكتابات الأستاذ الشكرجي»، فمع قلة متابعته ومع صعوبة فهمه يقرر أمرين؛ إن آرائي جديرة بالاحترام، والثاني أنه يخالف أكثرها. وهنا أحب أن أسجل إن أفكارا تكتب بلغة غير مفهومة ربما لا تستحق الاحترام. ويؤكد عدم فهمه لما أكتب في موقع آخر عندما يقول: «ليس الكل كـ (أمير المگاميع) يقرأ ما بين السطور، ففيهم من هو مثلي يحتاج يا سيدي إلى ترجمان حتى يفهم». ولا أدري كيف يوفق السيد الميس بين عدم فهمه لما أكتب، وبين أن يحاورني في أفكاري. أو ربما أنا الذي أعجز الآن عن فهم مراده.
استغربت من قول الأخ الكاتب «بالأمس رفع الأستاذ ضياء الشكرجي صوته ـ في عدد 30 / نيسان في هذه الصحيفة ـ عاليا، ومدعيا أنه الأقرب للواقعية في الحس الوطني». لا أدري من أي نص من مقالتي استنبط هذا المعنى.
ثم نقد واقعيتي بتهم غريبة، حاله حال الكثيرين، عندما يلجون إلى خفايا النفس ليزيحوا كل الحجب التي تتخفى وراءها النوايا الخفية ليقول: «يرى البعض حتى يكون واقعيا أن يقول أو يفعل غير المألوف (وأقصد هنا غير المألوف هو ما يخالف الدين أو القيم أو المبادئ)، وذلك ربما ليجاري الحوادث الواقعة، أو لمواكبة لغة العصر، فلا يرمى بالتخلف أو التعصب أو الرجعية، أو قد يجد في تلك المخالفات ـ وحسب ما يتوصل إليه ـ المخرج والحل الناجع لتلك المصائب، التي أخذت تترى علينا في بلدنا العراق خصوصا.». فهو في ذلك وللأسف يغادر موضوعية حوار الفكر كفكرة إلى حيث شخصنتها واتهام صاحبها بما يحلو للناقد أن يتهم، فهو يذهب إلى:
1. أني لست واقعيا بقدر ما أريد أن أتظاهر بالواقعية «يرى البعض حتى يكون واقعيا أن يقول أو يفعل غير المألوف ... وذلك ربما ليجاري الحوادث الواقعة، أو لمواكبة لغة العصر، فلا يرمى بالتخلف أو التعصب أو الرجعية».
2. ثم يذهب إلى الحكم علي بمخالفة مبادئ الدين بقوله: «... أن يقول أو يفعل غير المألوف (وأقصد هنا غير المألوف هو ما يخالف الدين أو القيم أو المبادئ)».
3. ويتهمني بالرغبة لمخالفة المألوف بهدف المخالفة: «... أن يقول أو يفعل غير المألوف».
وهذا يمثل للأسف مدخلا غير سليم للحوار.
يعترض الكاتب على قولي: «إيران هي التي بدأت بتصدير ثورتها إلى العراق» وكذلك قولي: «وفي العراق كان هناك حاضنة للثورة الإسلامية الإيرانية ... كان كذلك الشيعة والأحزاب الإسلامية الشيعية والمرجعية الشيعية لاسيما المسيسة من قبل حاضنة لاستيراد الثورة الإيرانية المسماة بالإسلامية في الثمانينات، وبالتالي حاضنة للاستعمار الإيراني للعراق». ويبين سبب اعتراضه على شكل تساؤل أو ما يسمى بالسؤال الاستنكاري، وهو كما هو معلوم غير السؤال الاستفهامي، فيقول: «ليدلنا هذا الأستاذ من هي هذه الأحزاب الشيعية التي كانت موجودة، ومن هي المرجعية التي لاسيما المسيسة التي كانت حاضنة للاستيراد من الخارج؟ هل تراه يعني (حزب الدعوة الإسلامية "الحقيقي")، والذي كان هو ينتمي له؟ والمرجعية، هل هي غير مرجعية مفكر العراق السيد محمد باقر الصدر (قدس سره الشريف)؟». استنتاجه صحيح، وهذا ما لا يلام عليه حزب الدعوة ولا الشهيد العظيم الصدر، فإن الفكر يترشد عبر التجربة، ولا يتوقع لما يحتاج من فكر إلى الترشد عبر التجربة أن يترشد قبلها. فكل متدين مؤمن بالإسلام استبشر خيرا بالثورة وتفاعل معها، ومن الطبيعي أن يكون الشيعة أكثر تفاعلا معها من غيرهم، وأن يكون بالذات ولأسباب عديدة شيعة العراق سباقين إلى هذا الاستبشار والتعاطف والتفاعل. فهم كانوا يحلمون بدولة رسول الله (ص) أو دولة (أمير المؤمنين) بكل حكمتهما وعدلهما واستقامتهما ستنبعث من خلال هذه الدولة، وكان الشهيد محقا في تصوره أن الإمام الخميني قد حقق حلم الأنبياء، ولو عاش رضوان الله عليه، لعله كان قد غير موقفه. وكذلك حزب الدعوة صاحب المشروع التغيير الإسلامي الشامل. لكننا نحن الناقدين للإسلام السياسي اليوم المنتمين إليه بالأمس، وبعد التجربة لم ننطلق من مجرد ردة فعل تجاه سلبيات التجربة، ولكن هذا الإحباط كان حافزا للمرجعة الفكرية، وبعد التأمل والدراسة، والبحث في شرعية الديمقراطية إسلاميا، وبعد الاطلاع على عموم نظريات الحكم في الفقه الإسلامي، وبعد الوصول على قناعة بأن التشريعات في المعاملات الاجتماعية متغيرة وغير ثابتة، وبعد أن رأينا أن معظم الإسلاميين يبتعدون بشكل حاد جدا عن جوهر الإيمان، وأن استخدامهم للشعار الإسلامي يمثل نوعا من الغش للمواطن، لدعوى غير منطوقة بقداسة ما يحملون من فكر سياسي (ديني) على أنه عين الدين، وعين الوحي، وليس اجتهادا بشريا قابلا للصواب والخطأ، ومع كل منهج مصادرة حرية الرأي ولو بطريقة الضغط النفسي بالتلويح بتهم الانحراف عن الدين. هذا جعل الكثير من الإسلاميين يصلون على قناعة بأن الحكم الإسلامي يمثل خطرا على الإسلام نفسه، من خلال رؤية يتبناها الكثيرون أو أصبحوا يتبنونها ألا هي أن الإسلام دعوة أكثر منه دولة، كل هذا جعلنا نرى خطأ ما ذهبنا إليه سابقا. ثم إن شيعة العراق، وحزب الدعوة، والشهيد الصدر، نظروا بتفاؤل وحسن ظن بالثورة، ولم يعلموا مسبقا بما ستقع فيه من نفس عنصري وتعال إيراني على بقية الشعوب المسلمة، من هنا لم يكونوا يدركون النفس الاستعماري الذي أشرت إليه، فهم لم يكونوا عملاء بهذا المعنى، بل كانوا أناسا يؤمنون بالمشروع الإسلامي المثالي، ولكنهم استخدموا كطابور خامس. ولعل الطاغية قد شخص ذلك، ولو إن صدام كان يضع إمساكه بالسلطة فوق كل اعتبار، ولكني قلت إني لا أستطيع الجزم بأن صدام لا يتمتع بنوع من حمية وطنية، وأقصد بالحمية الوطنية، إنه لو افترضنا إن صدام على سوئه الذي لا يمكن أن يزوق أو يبرر، لم يكن رئيسا للعرق آنذاك، وكان هناك خطر على استقلال العراق بربطه بعجلة دولة مجاورة، خاصة إذا كانت غير عربية - وهنا تضاف الحمية القومية – ألا سيكون ضد ربط العراق بعجلة تلك الدولة؟ وإلا فهل من إنسان موضوعي، لاسيما إذا كان عراقيا، يستطيع أن ينفي أن صدام قد دمر الوطن وإنسانه وثروته بل وحتى كان سببا للتفريط بسيادته من خلال مجازفة معاندة أمريكا واستجلابها إلى العراق، لتصادر سيادته وتبقى منقوصة إلى حين. أرجع وأقول إني أكاد أجزم أن الشهيد لو كتب له أن يعيش لغير الكثير من رؤاه. فهو تحول من الشورى إلى ولاية الفقيه، ولو عن هذا التحول في تقديري لا يمثل تحولا إلا إلى ما هو أكثر تشددا، ولكن كمثال على إمكان تغيير الفقيه لبعض مبانيه، ثم إنه لم يتبن مبنى الإمام الخميني لولاية الفقيه، بل له فهم آخر عبر التفريق بين دور الخلافة ودور الشهادة، وبين زمن المعصوم وزمن الفقيه. من يدري، لعله كان سيخرج لنا بنظرية للديمقراطية لا تختلف عما يذهب إليه العلمانيون، إلا بشكل جزئي. أو لعله كان سيحمل رؤية يمكن ألا نتفق معه فيها. فهل من الكفر ألا نتفق مع فقيه من الفقهاء في مبنى سياسي له؟ ثم عزيزي هناك فقط - وهذا ما ذكرته سابقا – في إطار الفقه الشيعي تسع نظريات للحكم، ناهيك عن النظريات السنية، ومن الفقهاء من يقترب كثيرا من الديمقراطية العلمانية، ومن شاء فليقرأ كتاب أستاذ الحوزة الإيراني محسن كديور (يلفظ كديڤر) الموسوم بـ «نظريات الحكم في الفقه الشيعي». فلماذا تعتقدون أن ليس هناك إلا نظرية الخميني والصدر؟
ويعبر الكاتب عن موقفه من ثورة 1979 الإيرانية بأنها «الثورة الإسلامية الشعبية الشيعية ذات القيادة الحوزوية، والتي لا يوجد لها نظير إلى اليوم في العالم الإسلامي»، آملا أنه لا ينتظر مني أو من غيري تبني نفس هذا الرأي.
وراح يعدد من خلال توصيف الثورة بالصفات أعلاه أسباب وقوف الكثيرين يتخذون موقف المعارضة لها، حيث يقول: «ويبدو إن تلك الصفات التي اتصفت بها الثورة وأقصد (الشعبية، الإسلامية، الشيعية، بقيادة حوزوية) جعلت الكثيرين يقفون بالضد منها، منهم من يضدها لأنها شعبية، ومنهم لأنها شيعية، وبعضهم لأنها إسلامية، والبعض الآخر لأن قيادتها حوزوية»، أما موقفي المضاد لها فيفسره - وهو مصيب في ذلك - بقوله: «ويبدو إنها لا تروق للأستاذ الشكرجي لصفتيها (إسلامية، وقيادتها حوزوية)». وأقول أيضا لشيعيتها، وهنا أقصد التشيع السياسي لا التشيع الديني. أما إسلاميتها وحوزويتها، فلا لموقف من الحوزة، ناهيك أن يكون لموقف والمعاذ بالله من الإسلام، بل لموقف من تسييس الحوزة وتسييس الإسلام. والسبب أعيده هنا لكون من يطرح رؤية سياسية مستمدة حسب اجتهاده وفهمه من الإسلام، ومستمدا الشرعية من الحوزة والمرجعية، بينما رؤيته السياسية هذه بشرية الفهم قابلة للنقد، ولكن النقد يكون إما ممنوعا، وإما محرجا، لكون صاحبه سيتهم أنه إنما ينقد الإسلام، وبالتالي يكون قد كفر وارتد. هنا المشكلة، ولذا لا بد من الابتعاد عن تسييس الدين والمذهب والمقدسات الدينية والشعائر والمرجعية.
وجميل ما يرميني به الأستاذ المحاور، إذ ينسبني إلى الشيوعية، فيقول: «خصوصا بعد التحول الإيديولوجي بنمط تفكير واتجاه ثقافة السيد الشكرجي في الفترة المتأخرة، وعودته إلى ما كان ينتمي له قبل انتمائه لحزب الدعوة الإسلامية، وأقصد اتجاهه الشيوعي». ولو كنت قد أصبحت شيوعيا، لما ترددت عن الإفصاح بذلك، فلدينا في العراق حزب شيوعي مرخص سيحتضنني، إذا ما غازلته، فأنا مع احترامي للحزب الشيوعي العراقي ولوجود صداقات بيني وبين الكثيرين من أفراده، لا أنتمي إلى الفكر الشيوعي، فهذا توصيف غريب لصاحبنا. نعم هو يستشهد بما كتبته في سيرتي الذاتية فيقول: «والذي - أي اتجاهي الشيوعي المدعى - يقول عنه في سيرته الذاتية والتي قرأتها على أحد المواقع (وهذا الميل ـ إلى الشيوعية ـ كان في الواقع الأقرب إلى فطرتي)»، من غير أن يقرأ بدقة، فإني تكلمت عن فترة ما بين 1958 و1960 أي ما بين السنة الثالثة عشر والسابعة عشر من عمري. نعم بقي ميلي إلى اليسار أكثر منه إلى اليمين، بسبب البعد الإنساني في الفكر الاشتراكي، ولا علاقة له بالبعد الفلسفي للشيوعية. أما فترة إلحادي فكانت بعد هذه الفترة أي من 1963 حتى 1977 فلا علاقة بين ميلي للشيوعيين وفترة الإلحاد.
وسمح الأخ لنفسه أن يواصل تحليله لكيفية عودتي لشيوعيتي القديمة، فيقول: «عاد إلى شيوعيته مرة أخرى، ولكن هذه المرة بالشيوعية الحديثة، والتي لا تنكر وجود المنشأ لهذا الكون»، ثم يشرح ذلك ماوصلا تحليله لتحولاتي بقوله: «يقول السيد الشكرجي إنه كان يشك بوجود إله لهذا الكون مدة خمسة عشر عاما»، وبينت آنفا عدم تطابق الحالتين زمنيا، ثم يبدأ للأسف إلى عادة الإسلاميين بتلويح بسيف التكفير قائلا: «عاد ... هذه المرة إلى الشيوعية الحديثة، والتي لا تنكر وجود المنشأ لهذا الكون؛ ... وتعلن أنها تؤمن بوجود الرب، ولا أعلم هل هو تغير حقيقي بمبادئ الحزب، أم هو لمجاراة (التيار الإسلامي والديني عموما) العارم في العراق والعالم». هذه الشيوعية الحديثة حسب تسميته التي ينسبني إليها يفهم موقفها من الدين بأنها: «اليوم ترى أن الإسلام يجب أن يكون فقط عندما تجلس على سجادة الصلاة باتجاه القبلة عند وقت الصلاة، وتؤدي هذه الفريضة، وتطوي إسلامك مع طيك السجادة، وبعدها تتحول إلى فرد آخر غير مراقب، يملك الحرية المطلقة، لا يحكمه دين ولا خالق». صحيح إن العلمانيين المؤمنين منهم يرون أن الصلاة والعبادة شأن شخصي لا ينبغي أن يسيس، لكن اعتبارهم أنهم لا يملكون في الحياة أي قيم، إنما هو متأت من هذا الإحساس عند الكثير من المتدينين - وهذا لا علاقة له بالفهم الدقيق لجوهر الدين – يعتقدون أنهم وحدهم الذين يلتزمون بالقيم والمثل، ووحدهم الذين يرتبطون بالخالق عز وجل، وشخصيا وجدت معظم غير المتدينين وللأسف أكثر التزاما بمثل وقيم الدين في بعده الإنساني والأخلاقي من كثير من المتدينين. ثم الخالق ليس حكرا على فهم ديني خاص، بل هناك من ابتعد عن الدين تنزيها لله سبحانه عما ينسبه الفكر الديني - ولا أقول الدين – إليه سبحانه وتعالى علوا كبيرا، أو عما ينسبه إليه ما صور لذلك الإنسان من الدين. المشكلة لدينا أننا نعيش ثقافة دعوى الاحتكار، دعوى احتكار الحق، دعوى احتكار الوطن، دعوى احتكار الدين، دعوى احتكار الله سبحانه وتسامى وجل وعلا.
عزيزي لدى الآخرين التزامات منها من وحي الأخلاق، ومنها من وحي الضمير، ومنها من وحي الدين وفق فهمهم هم للدين، ومنها من وحي الإيمان بالله سبحانه ولو من غير التزام بدين ما، فليست القضية كما تصورون لأنفسكم أنكم ملتزمون والآخرون منفلتون وغير منضبطين بأي التزام. ماذا يميز هذا النوع من التفكير من دعوى الانتماء إلى شعب الله المختار؟ فليست القضية أننا لكوننا نختلف معكم في الرؤية السياسية بعدم التزامنا بالإسلام السياسي لا نلتزم - كما عبرت - «سوى بدستور الدولة بما فيه، ما له وما عليه». فكم من متدين يبحث عن المخرج الشرعي لمفارقاته الشرعية، أي ما يسمى بالحيل الشرعية، فيبحث عن غطاء شرعي للكذب، ويبحث عن غطاء شرعي للعنف، ويبحث عن غطاء شرعي للغش، ويبحث عن غطاء شرعي للرشوة، ويبحث عن غطاء شرعي للفساد المالي والإداري، ويبحث عن غطاء شرعي للسرقة، بل ويبحث عن غطاء شرعي حتى للقتل. فأي أشد خوفا من الله، الذي يطوي سجادته ويجاهد في سبيل الله من أجل إقامة حكم الله ويكذب ويسرق ويقتل، أم من يطوي سجادته، أو من من ليس له سجاد صلاة أصلا، ويدعو لدولة علمانية، ويصدق ويحفظ الأمانة ولا يغش ويكره العنف ويحترم تدين المتدين وعدم تدين غير المتدين.
ثم يقرر عني وعن أمثالي أنه «أما أن يكون الإسلام هو الذي يقود الحياة، فتلك عنده مصيبة، لا يواريها ساتر». فنقول لو كنا نعلم إن تحكيم الإسلام هو تحكيم قيم ومثل الله حقا، وليس تحكيم عصبيات وتحزبات وتطرفات الإسلاميين، لكنت أول الداعين له والمجاهدين في سبيله، أما إذا كان كما هو واقع - لا أقول كل - بل 90% من الإسلاميين، فمن الطبيعي أن نقول «فتلك مصيبة لا يواريها ساتر» كما عبرت يا أخانا الفاضل. فمهلا قبل إصدار حكم الردة.
ثم يسألني عن حزب الدعوة، «... حزب الدعوة ... وامتاز (وذاك حسب اصطلاح السيد الشكرجي) بأن لا يجعل المعممين على رأس هرم القيادة الحزبية، ... ولم يلزم أعضاءه بتقليد (اتباع) مرجع محدد ـ، والخلاصة ـ كما قال الأستاذ (عدم اندكاكه في مشروع المرجعية) بصريح العبارة لم يسمح لأي مجتهد أن يقودهم بصراحة أكبر لم يلتزم بالحلال والحرام في العمل الحزبي». فأنا بالرغم من اختلافي مع الحزب أرى إنصافه، فهو من حيث عدم إلزام أعضائه بتقليد مرجع محدد، لم يكن يقبل إلا المتدين الملتزم، أي أن يكون حسب المشهور في الفقه الشيعي إما مجتهدا أو محتاطا أو مقلدا، لكن كان قبل الهجرة فيهم مقلدون للخوئي ومقلدون لمحسن الحكيم ومقلدون للصدر، وبعد الهجرة كان فيهم مقلدون للخميني، ومن بقي على تقليد الصدر إضافة إلى مقلدي الخوئي، ولاحقا كان هناك مقلدون لفضل الله وللسيستاني، وأحتمل للسبزواري. صحيح لم يكن منهم هناك مقلد للشيرازي، ولا لخامنئي، ولا لجود التبريزي ولا محمد الروحاني، ولا للصدر الثاني، وهذا ليس بقرار من الحزب. ثم إن النشرة الداخلية للحزب كانت تثقف على أنه لو افترضنا أن هناك أمرا حزبيا يتعارض مع موقف المجتهد الذي يقلده أحد الدعاة، يكون لزاما على الداعية - كما يسمون أفراد الحزب - أن يلتزم برأي مرجع تقليده وليس بأمر الحزب. هذا يدل على اهتمام الحزب بالالتزام بالحكم الشرعي. وهذا لا يمثل رأيي، لأني نظرت منذ 2003 بعدم وجود فتوى سياسية ملزمة، كون السياسة غالبا من الموضوعات الخارجية التي يكون تشخيصها من تكليف المكلف وليس من شأن المرجع والفتوى الدينية حسب ما يقرر الفقهاء أنفسهم في رسالاتهم العملية، وللموضوع تفصيل مكتوب من قبلي مع أدلته.
ويقول أخونا عن حزب الدعوة «وهنا أصبح الحزب غير "حقيقي" للجماهير لأنه بدون غطاء شرعي»، وكأن الغطاء الشرعي لا يكون إلا بوجود مرجع على رأسه. وإني هنا لا أناقش من وجهة نظر علمانية بل من وجهة نظر إسلامية، فشرعية عمل الحزب لا تتم حصرا باتباع فقيه كما كان يتبنى حزب الدعوة ولعله ما زال يتبنى ذلك. إني لست بصدد الدفاع عن حزب الدعوة ولا بصدد إدانته في شيء، بقدر ما تهمني الأفكار بشكل مجرد.
أما عن قوله: «ثم قرأ الأستاذ الشكرجي مساندة السيد باقر الصدر(قد) لثورة السيد الخميني (قد) على أنه توهم وخطأ في الحسابات، فظن الشهيد الصدر «إن الخميني حقق حلم الأنبياء»، بينما قرأ صدام وحسب الموضوع جيدا، وهنا نقطة ضد الشهيد الصدر، ونقطة تحسب لصدام!!!»، فقد ناقشت هذه المسألة.
ثم يتحدث مرة ثانية عن إيمانه بالثورة الإسلامية وقائدها بقوله: «السيد الخميني مجتهد من أبناء الحوزة، حوزة قم والنجف، قارع نظام الشاه لأنه نظام فاسد، قارعه باسم الدين (واحد)، وباسم التشيع (اثنين)، قاد ثورة شعبية استخدمت فيها قوات النظام شتى أنواع الأسلحة، ولكن إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب الله، واستجاب الله» «، وكانت هناك جمهورية إسلامية فتية بمذهب شيعي». فأقول: يا أيها الإسلاميون - دون أن أعمم - لا أفهم الدين كما تفهمون، ولا أنتم فاهمون الدين كما أفهم، ولا أنتم فاهمون الدين كما، ولا أنا فاهم الدين كما فهمتم، لكم فهمكم للدين ولي فهمي. فهناك عشرات بل ربما مئات صور الفهم للدين، وفهمي هو واحد من هذا الكم، لا أكفركم ولا تكفروني.
أما سؤالك: «والآن سيدي أليس الدولة الإسلامية هي حلم للأنبياء من آدم حتى محمد عليهم أفضل الصلاة والسلام». جوابي هو النفي، بل «هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة»، «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة»، «إنا أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط»، «أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين». أعلم إنك ستأتيني بنصوص أخرى، وربما لا نصل إلى توافق، لكني على يقين، أن هناك ثمة رأي شرعي معتبر ومتين الحجة لا يقول بوجوب إقامة دولة إسلامية، وهناك رأي شرعي آخر ربما ليس بنفس القوة، لكنه قابل ليكون صحيحا بحرمة إقامة الدولة الإسلامية على يد غير العصوم، فمشروع الدولة الإسلامية مؤجل إلى ظهور المعصوم. وحتى مع فرض جواز أو وجوب إقامة الدولة الإسلامية، فهناك أدلة عديدة برجاحة الديمقراطية، ولو بالعنوان الثانوي. إذن الدولة الإسلامية لا تتمتع بإجماع شرعي.
وعن صدام يقول وما افترض له من حس وطني: «لا أراك تعني بحسه الوطني قتله الصدر الأول والثاني خوفا من إنشاء جمهورية إسلامية لا سمح الله؟»، فأقول ليس هناك ما يبرر بأضعف ما يكون التبرير لكل جرائم النظام السابق، لاسيما قتل المفكر الكبير الصدر وسائر العلماء والمتدينين والمعارضين.فالجريمة تبقى جريمة، ولا شيء يحول الجريمة إلى فعل مقبول. وأنت تعلم جيدا، إني عندما تساءلت في مقالتي عما إذا كانت إيران في كل أعمالها التخريبية اللئيمة تريد أن تضطرنا إلى الترحم على أسوأ عهد ديكتاتوري مر به العراق منذ تأسيس الدولة الحديثة حتى نيسان 2003. فلو قال قائل إن ما عاث الإنسان من فساد في الأرض وسفك للدماء قد يجعلنا نفهم موقف إبليس في رفض السجود لآدم، فهل هذا يعني الدعوة لمعصية الله؟
ولكن من المؤسف إنه بعدما قال «لا أراك تعني بحسه الوطني قتله الصدر الأول والثاني»، عقب مشككا باحتمال قبولي بهذه الجرائم بقوله: «لا أدري ربما». نعم هكذا يحاورون.
ثم تتصاعد عند الأخ الكاتب نزعة التحريض - ولو من حيث لا يقصد، لأنه اعتاد إسلاميا على ثقافة التحريض هذه - ضد من يحاوره بتصويره عدوا لكل الشعب العراقي، أو لا أقل لكل شيعة العراق، عندما يقول: «تقول وإذا كان يرى (أي صدام) في الأحزاب الإسلامية الشيعية طابورا خامسا لتحقيق المطامع الاستعمارية الإيرانية «فهو محق»، ولو إن هؤلاء لم يكونوا يعون أنهم استـُخدِموا طابورا خامسا، أراك تقصد هنا ليس الأحزاب الإسلامية الشيعية فحسب .. لا.. بل كل شيعة العراق كان صدام يعتبرهم طابورا خامس لأنهم ـ وتلك حقيقة لا تستطيع نكرانها ـ فرحوا أيما فرح بتلك الثورة الإسلامية، كان الجميع المثقف فيهم وغير المثقف إحساسهم كإحساس الوالد الذي يحقق له ولده حلمه الذي لم يستطع هو أن يحققه» وفي عبارة تحريضة أخرى يقول: «لنا أن نتساءل هل أنت تمدح أم تذم بقولك "ولو إن هؤلاء لم يكونوا يعون أنهم استـُخدِموا طابورا خامسا"؟ أما إني فأراك قد ذممت مرتين، الأولى أنهم كانوا مطايا، والثانية عدم علمهم أنهم كانوا مطايا .. إنه استحمار مركب للشيعة.»، ومن يقرأ ما كتبته بدقة، ويقرأ ما وضحته في هذا الرد جيدا، سيكون من الواضح له إن هذا الاستنتاج والتأويل بهذه اللغة التحريضية - حتى لو كانت غير مقصودة وهذا ما أرجحه – بعيد عما أردته من مقالتي كل البعد.
وحيث ختم الأخ الكريم مناقشته لي بقوله: «لنا بقية من هذا الحديث ولكن لا أظن إنها بالقريب العاجل»، أحب أن أعتذر منه مسبقا، إذا لم أرد على ما سيكتب مستقبلا، ليس إعراضا ولا - أعوذ بالله - تكبرا، ولكن لتقدم أولويات أخرى، أرجو أن يتفهم لها أخونا المحاور. وبالرغم من اختلافنا أشكر له لغته المتسمة بالاحترام رغم اختلافه الشديد، وأعذره لما وقع فيه من تعميم وتعجل في الأحكام وتأويل وربما اتهام هنا أو هناك، فهذا ليس ذنبه، بل هي ثقافة مستحكمة ومتأصلة تحتاج إلى قرن كامل لتغييرها. ولو كان كل الإسلاميين مثل محاوري لحمدت الله.
06/05/2008
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::