أواصل مناقشة الكتاب الأربعة الذي تفضلوا بتناول أفكاري بالنقد، وهم 1) حمزة الگرعاوي، و2) كاظم عبد الحسين عباس، و3) مثنى عبد الإمام الميس، و4) باقر محمد. وبعد أن انتهينا من السادة حمزة الگرعاوي وكاظم عبد الحسين عباس ومثنى عبد الإمام الميس جاء دور السيد باقر محمد، وهو الرابع من الذين أدلوا بدلو النقد والإشكال مشكورين.
«الديالكتيك الفكري عند الأستاذ ضياء الشكرجي» سمى الأخ الاستاذ باقر محمد مقالته النقدية الاعتراضية. أقول لولا اختلاف فهم الناس لتوحدت الأفكار والرؤى، ولأصبح الفكر الإنساني فقيرا شحيحا، فالاختلاف عامل إثراء، وهو تمرين على الحوار، وتحفيز للعقل نحو مواصلة البحث، واختبار للناس في مدى التزامهم بالموضوعية والإنصاف وسمو الخلق، ومن هنا صح مفهوم إن الاختلاف رحمة، بقطع النظر عن مناقشة صحة سند الحديث النبوي «اختلاف أمتي رحمة»، وذلك بالمعنى الظاهر لا بتأويل الاختلاف إلى معنى التزاور، كما يؤول الخائفون من ظاهرة الاختلاف، والمنظرون لوحدة الفكر في إطار قوالب توهموا قداستها وإطلاقيتها ونهائيتها.
والآن مع أخينا المحاور المعترض. يبدأ موضوعه بعبارة: «يوما ما كتبت ... عن ضرورة نقد الموروث وإعادة استنطاقه من جديد كضرورة متجددة تماشيا مع متغيرات شخصية قارئ الموروث وخضوعها للمؤثرات المختلفة التي لا محالة تلقي بظلالها على مدى حقانية قراءته واستنطاقه، ولما وصلت النوبة الى ذكر نماذج من أولئك المتمردين الذين نعتـُّهم بالإيجابيين قصرت النظر على الأستاذ ضياء الشكرجي ...» ثم يعبر عن ندمه على اختيار هذا المثال باعتراف قائلا: «وعلي الآن أن اعترف بشيئين:» ثم يذكر اعترافيه أو ندميه، حيث «الأول: إني كوّنت فكرتي السالفة عن الرجل باستقراء ناقص وباستصحاب منقوض، فقد كنت أتعامل معه كإسلامي بالمفهوم الشائع لهذه الكلمة في العرف السياسي والفكري، ولم أكن على إحاطة ولو بسيطة بالطفرة الفكرية (التي سبقتها طفرات) التي آل إليها الأستاذ المذكور بعد، كون حكمي مترشحا من مطالعة مجموعة حواراته التي ضمنها كتابه (مثلث الإسلام والديمقراطية والعلمانية) فقط وفقط، ...» أما «الثاني: إني كنت على جهل تام بمسيرته الفكرية والسياسية بتقلباتها الشديدة ومنعطفاتها الحادة، ... لما لها من انعكاسات وعكوسات، سواء في البعد الذاتي للأستاذ الكريم، أو في البعد التقويمي للمتلقي والباحث ...».
ونجد كيف أن لغة الأخ معي تغيرت بشكل حاد جدا بمجرد اكتشافه أني لم أعد إسلاميا، واكتشافه واقع التحول والتطور الفكريين، فلم يمض وقت طويل، بل كان ذلك في شباط الماضي، إذ نشر الكاتب على (كتابات) ما أسماه بـ «تساؤلات باقرية ترجو إجابات شكرجية»، فأجبته بخمس حلقات تحت عنوان «إجاباتي على التساؤلات الباقرية»، إذ كان في لغته القدر الكبير جدا من إظهار غاية الاحترام والإجلال والمودة، وذلك رغم إن أفكاري لم تتغير - على أقل تقدير في هذه الأشهر القليلة منذ ذلك الشباط حتى أيارنا هذا الذي نحن فيه -؛ مما يدل وللأسف على أن حتى المعتدلين من الإسلاميين إنما تتغير مواقفهم بشكل حاد بمجرد تغير العناوين، حتى لو لم تتغير المضامين، فأنا وأفكاري في شباط المنصرم هو أنا نفس وأفكاري نفسها في أيار الحالي، ومع هذا يتبدل الموقف بهذه الحدة، لا لشيء، إلا لأن أخانا المحترم تصورني إسلاميا «بالمفهوم الشائع لهذه الكلمة في العرف السياسي والفكري»، فكانت الصدمة، عندما اكتشف علمانيتي، فالعلماني حتى لو كان أشد إيمانا من كثير من الإسلاميين، وأعمق غورا في الفكر الإسلامي من كثير من الإسلاميين، فلكونه متنعونا بعنوان العلماني، فالموقف منه غير الموقف، ولو صدر هذا التحول الحاد من إنسان بسيط، وليس من كاتب كالأستاذ باقر محمد، لعذرته، بسبب شيوع شبهة أن العلمانية تعني مناوئة الدين، بينما صاحبنا يعلم جيدا ألا تنافر بالضرورة بين الإيمان والعلمانية. وحتى عندما كنت ما زلت أعد نفسي إسلاميا، وكنت كذلك بحق وحقيقة وبعمق، لم أكن جامدا على القوالب، وعلى العناوين، وأول ما بدأت أنظـّر للديمقراطية من زاوية فهم إسلامية عام 1994، نقدت الإسلاميين (جماعتي يومئذ) فيما أسميته بعقدة المصطلح، حيث كانوا حينها غارقين في عقدة رفض مصطلح الديمقراطية، واليوم بعدما تخلص الكثير منهم من تلك العقدة، أو تظاهر معظم هؤلاء بالتخلص منها تقية، روّجوا لفكرة أن العلمانية هي حرب مبطنة ضد الإسلام، مما جعل العلمانيين أنفسهم يتوجسون خيفة من استخدامه، فيستبدلونه تقية أيضا - أو نفاقا حسب معايير جل الإسلاميين -، بمصطلح الدولة المدنية.
يذهب الأخ بعد المقدمة ببيان ظاهرة التحول، إيجابيه وسلبيه، مقبوله ومرفوضه، فيقول: «إن دواعي تغيير الأفكار والانطباعات كثيرة جدا، وهي في بعض مفرداتها ممدوحة، على الأقل لأنها تعبر عن نكران ذات معتد به، بعد افتراض تجاوز المفكر ملابسات اجتماعية ونفسية ومصلحية يصعب تجاوزها من كثيرين»، لكن سرعان ما يتدارك قبل أن يقع القارئ في شبهة أن التحول الممدوح ربما ينطبق عليّ، فيصحح: «بيد أن هذا التغيير ينبغي ألا يأخذ مناحي كمّية وكيّفية تخرج صاحبها عن تخوم الرصانة الموضوعية والتثبت العلمي إلى حد القلق الفكري والاهتزاز المعرفي، بحيث كلما لاح له نور أو ضياء يمم وجهه شطره، وإذا به (سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء) فيتحول منه إلى غيره وغيره وهكذا فهو (كل يوم في شأن)!!!.». وكلامه ليس غريبا فهي ثقافة إصدار الأحكام التي رافقتنا قرونا من الزمن، فيقذفني بكم هائل من الأوصاف مثل «خروجي عن تخوم الرصانة الموضوعية»، و«خروجي عن التثبت العلمي»، و«وقوعي في القلق الفكري»، وكذلك في «الاهتزاز المعرفي»، وكوني « كلما لاح لي نور أو ضياء يممت وجهي شطره»، وكوني «كل يوم في شأن». وأستغني عن التعليق، فبعض هذه المفردات هي بمثابة المناقب لا المثالب، ولكن لا يعي هذه الحقيقة إلا من يعيها، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم.
ثم يذهب بجهد مشكور يحاول تحليل منهجي الفكري فيقول: «في أفكار ورؤى الأستاذ الشكرجي ملاحظتان بارزتان أسجلهما بعجالة»، والأولى منهما: «إن هذه الأفكار والرؤى تخضع وباستمرار لمنطق الديالكتيك الفكري (الشيء ونقيضه)، فهي في تبدل مستمر، سواء منها الأفكار الدينية أو السياسية، وهذا ما توحي به تحولاته الحادة التي جعلت من مسيرته السياسية أو العلمية القلقة مسيرة مملوءة بالخصب والنماء، ولا أعرف إن كان ما توصل إليه أخونا الكريم أخيرا سيكون خط النهاية ومنتهى الغاية، أم سنشهد تحولات جديدة؟؟ رغم أني أظن (وبعض الظن إثم) إن هذا الديالكتيك سيستمر إلى ما لا يعلمه إلا الله بعد وجود المقتضي وانتفاء المانع، لاسيما بعد إيمانه بالمنطق النسبي للأشياء، وهو منطق يسري على نفس أفكاره ورؤاه التي لا بد أن تحكم به كما هو لازم تنظيره وتبنيّه، الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل عن مدى حقانية أفكاره وثباتها واستقرارها؟؟ وعن الضمانة التي يمكن أن يقدمها عن عدم تزعزعها واهتزازها من جديد؟؟.». هنا خوف لعله مشروع على القراء الذين قد يتأثرون بآرائي (الخطيرة)، ومن هنا كان لزاما تحصين القراء بزعزعة الثقة بأفكار كاتب يعتمد منطقا ماركسيا هو منطق الديالكتيك كما حلل محللنا، فهو وإن امتدح مسيرتي «السياسية أو العلمية القلقة»، كونها «مسيرة مملوءة بالخصب والنماء»، وذلك بفضل ما اتصفت به من «تبدل مستمر، سواء منها الأفكار الدينية أو السياسية، و... تحولات حادة». لكنه سرعان ما يستشرف المستقبل المحفوف بالمخاطر حيث يعبر عن حيرته بـ «لا أعرف إن كان ما توصل إليه أخونا الكريم أخيرا سيكون خط النهاية ومنتهى الغاية، أم سنشهد تحولات جديدة»، هذه الحيرة التي يحاول أن يخرج نفسه والقراء منها باستكشاف المستقبل وعلى على نحو الظن بقوله «رغم أني أظن - وبعض الظن إثم – [حقا إن بعض الظن إثم] إن هذا الديالكتيك سيستمر إلى ما لا يعلمه إلا الله بعد وجود المقتضي وانتفاء المانع»، ويعلل هذه الاستكشاف لمستقبلي الفكري الغامض بقوله: «لاسيما بعد إيمانه بالمنطق النسبي للأشياء»، لأننا اعتدنا أن نرى الإيمان بالحقائق المطلقة ضمانا لحسن العاقبة، بينما النسبية التي هي من لوازم الفكر البشري الذي فطره الله عليه قد يقود إلى سوء العاقبة، ثم يجعل - محقا - قانون النسبية الذي أعتمدته ساريا على نفس أفكاري، إذ يقول عن المنطق النسبي: «وهو منطق يسري على نفس أفكاره ورؤاه التي لا بد أن تحكم به كما هو لازم تنظيره وتبنيّه»، لأني لم يوحَ إليّن مثل ما قد أوحِيَ إلى أخينا، ثم يرى - محقا أيضا - إن هذا «الأمر يدفعنا إلى التساؤل عن مدى حقانية أفكاره وثباتها واستقرارها؟؟»، وهو تساؤل مشروع، بل مشروع طرحه على كل فكر نسبي، بما فيه الفهم البشري النسبي للحقيقة الإلهية المطلقة أو مفترضة الإطلاق، ولذا فسؤاله اللاحق هو الآخر مشروع عن «الضمانة التي يمكن أن يقدمها عن عدم تزعزعها واهتزازها من جديد؟؟». أقول هنا لكل حادث حديث، ولكن النسبية تفرض أن ليس كل شيء نسبي، لأن قول أن كل شيء نسبي، إما يختزن تناقضا، وإما يعني أن قاعدة (كل شيء نسبي) قاعدة نسبية هي الأخرى بحكم سريانها، بما في ذلك على نفسها، فتكون ثمة حقائق مطلقة. وأنا أؤمن بحكم اعتمادي لمنهج تأصيل مرجعية العقل بثمة ثوابت ومطلقات وضرورات عقلية، ومنها بلا شك وجود المطلق الواحد الأحد الواجب في وجوده وكماله وتنزهه تعالى علوا لا يعلو عليه علو، ولا يدانيه في علوه علو، وتحمَّد من حميد من غير حاجة منه لحامد، بل هو محمود لحاجة الحامد لحمده، لما يتجلى للحامد عبر الحمد من آفاق الكمال والجلال والجمال والنقاء والسلام والحب والاستقامة، فيغرف من نهلها ما يعينه على كدح تكامله الإنساني؛ هذا الإيمان القطعي الذي أوصلني إليه عقلي، وتفاعلت معه نفسي، وهو نفسه الذي جعلني أنزهه تعالى عن الكثير من المقولات الدينية، مما استنبطه الإنسان مصيبا تارة ومخطئا أخرى.
وإذ يقول أخونا المُشكِل عليّ: «إن عجبي لا ينقضي من التنظير والتأصيل لمنظومة فكرية وبناء حياة بكاملها على أساسها في أبعادها الاجتماعية والسياسية والأخلاقية، وبذل الجهود الكبيرة المضمخة بالعرق والدم في سبيل تطبيقها وربط مصير أمة كاملة بها، ثم بعد هذا تتبين أنها فارغة فراغ فؤاد أم موسى، وحملتها طابور خامس، ومنظروها مسيسون ومستعمرون». أقول لطالما سارت أمم وسارت جماعات وإيديولوجيات وثورات في طريق حافل بالعناء والتضحيات والدماء والدموع، وطال سيرها، وشقّ المسير فيها، ثم تبين بعد عقود، أو ربما بعد قرون خطأ المسار، حتى مع فرض سلامة الدوافع والمنطلقات، بل لعله يتبين خطأ المنطلقات مع سلامة الدوافع. فعجبي من عجبه، إذ يعجب مما لا عجب فيه. أما القول بأن «حملتها طابور خامس، ومنظريها مسيسون ومستعمرون»، فبينت المراد منه، ولا داعي للتهويل المستفِزّ لمشاعر من لهم من المشاعر القابلة للاستفزاز حتى الانفجار، آملا ألا يكون كلامه هذا تحريضيا، فيكون مشاركا في مسؤولية ما قد يصدر من خلال انفجار عاطفي، أسهمت عباراته التحريضية في تفجيره.
وكان بودي أن يبتعد الكاتب المحترم عن منهج التقويل بقوله: «وليت الأمر اقتصر على إعادة النظر في الأسس الفكرية والمنطلقات الأساسية، ولم يصل إلى حد التخوين الحاد، وهو أمر يبعث على الريبة والشك في منهجية الأخ الشكرجي كما سنرى»، فقولي أن هناك من استـُخدِم طابورا خامسا، يختلف عن القول بأنه اختار أن يكون طابورا خامسا عامدا واعيا وبالتالي خائنا، أما إنه سيقول إذن هذا ينم عن اتهام المُستخدَم طابورا خامسا بأنه استـُغفِل، فقد بينت أن عدم ترشـُّد الفكر المجرد والسابق لنزوله إلى ميدان التطبيق، والذي يحتاج إلى تجربة تـُرشـِّده قبل مروره بالتجربة؛ إني أعتبر عدم الترشـُّد السابق للتجربة أمرا طبيعيا، ولا داعي لنعت من يترشـَّد قبل استكمال شروط الترشـُّد عبر التجربة بما يوحي بالسطحية أو غير ذلك، ولكن العيب لمن يُصِرّ بعد تبين خطأ المسار عبر التجربة.
أما الملاحظة البارزة الثانية التي أراد أن يسجلها على أفكاري، فهي «إن هذه الأفكار بدأت تأخذ في بعض مفاصلها منحى انفعاليا انتقاميا من شخصيات ومرجعيات وأحزاب، وحتى دول، وهو أمر لا يخلو من الشخصنة في أحايين كثيرة، وردة الفعل اللاواعية في أحايين أخرى». فهو ليس تشخيصا موضوعيا مجردا، بل يمثل - من أجل أن أستخدم نفس عباراته - منحىً انفعاليا انتقاميا، نعم انتقاميا من الذين يهددون القوالب الفكرية الموروثة والمتوهمة قداستها للممارسي المنحى الانتقامي المهزوزين خشية تسليط الضوء على الخطأ. نعم إذا كان هناك ثمة ردة فعل، فهي ردة فعل واعية وليست غير واعية، وإذا كان ثمة انفعال، فهو انفعال يعبر عن غضب للوطن، وما عاناه ويعانيه يا عزيزي، وانتصار للحقيقة النسبية لكن الأصدق من الحقيقة الموهومة الموروثة، أفلا يستحق الوطن أن ننفعل ونغضب وننتقم له، وألا تستحق ثمة حقيقة أن يُنتصَر لها رأفة بالمخدوعين بها. أما كون ردة فعلي هي «أمر لا يخلو من الشخصنة في أحايين كثيرة»، فأقول «واجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم»، وأقول «إن الظن لا يغني عن الحق شيئا»، وأقول قولة المسيح (ع) «لا تحكموا على غيركم، كي لا يُحكـَم عليكم»، وأقول «لا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا». ولكن أقول من موقع حبي للخير لأخي الكريم كحبي إياه لنفسي، غفر الله لك ولي.
ومثل ما مضى قوله وهو ينتقم لمُسلـَّماته: «أردت أن ألفت النظر إلى أن تحولات الشكرجي، لاسيما الأخيرة، ينبغي ألا ينظر إليها كتحولات ناتجة من حسابات فكرية منهجية خالصة، بل لا بد من عدم إغفال البعد الشخصي، لا أقل على مستوى الاحتمال المعتد به». وفي الواقع إنني لولا قيم أحاول أن ألتزم بها دون دعوى العصمة، لما كنت أقل قدر من إتقان فن التراشق بالتهم وافتراض ما يختزن كل منا من دوافع ونوايا، وعجبا لواحدنا لا يخشى من عاقبة منازعة الله في مكان اختصه جل وعلا لنفسه، ألا هو مكان الاطلاع على خفايا النفوس وما تكنه الصدور.
ولك الحق يا أخي أن تقول: «لا أعرف كيف يريد منا الأخ الكريم أن نستسيغ انقلاباته الحادة وتقييماته الراديكالية الجديدة ونجعلها مندرجة تحت عنوان (التحول الفكري)؟؟» فقد نشأنا على ثقافة أننا «وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون». ونشأنا على ثقافة أن الجمود على الموروث أو المشهور استقامة، وإعادة النظر فيه انحراف، وإن تعطيل العقل أمام مسلمات النص استقامة، وإعمال العقل انحراف. أقول ليدرج الأخ ومن هو على منهجه انقلاباتي في أي مدرج يشاء، فإلى الله مرجعنا فينبئنا بما كنا فيه مختلفين.
ويبلغ التحليل والتأويل أوج درجات التوتر النفسي والاهتزاز الداخلي والخطورة في الطرح، عندما يوحي للقارئ انتمائي إلى مدرسة صدام حسين وشرعنة جرائمه بقوله: «وأزعم إننا لو أخذنا بموازين الأستاذ الشكرجي فسنجد (صدام) محقا في استئصال شأفة الأحزاب الإسلامية وغير الإسلامية، وقمع الانتفاضة الشعبانية، وهكذا حربه الوقائية على إيران، لأن عدم فعله هذا سيعني وببساطة إما وقوع العراق تحت نفوذ الاستعمار الإيراني، أو وصول الطائفيين حسب وصف الشكرجي الذي تأخر على عادته في معرفة ذلك سنين عددا!!» فإن رشق المغاير فكريا بمثل هذه الاستنتاجات التي يتضح بجلاء مدى التوتر النفسي عند المحاور، هذا التوتر الذي أفقده موضوعيته وتقواه فيما ينبغي أن يفكر به كمؤمن بالله واليوم الآخر بعواقب الحساب - أجاره الله ناهيك عن إجارته من العقاب - عندما يطالب بأدلته على ما رمى به الآخرين، وهو لا يعرفني، ولا يعرف شيئا عني، إلا متابعته المحدودة لأفكاري، والتي لم يتابعها بتجرد كما هو واضح، بل من موقع الأزمة المتفاعلة بشدة تفقد صاحبها القدرة على الوقوف على الأرض من غير انعدام للموازنة التي تحفظ من صرعة قد تقال وقد لا تقال، بسبب الترنح الناتج عن سكرة التوتر النفس، داعيا الله أن يقيله من صرعتها. تمنيت لك يا أخي لو تأنيت، وقرأت ما كتبت بعد صحوتك من صرعة الانفعال قبل أن ترسلها للنشر، كي تبقى ذلك الكاتب الموضوعي العلمي. وسأعرض عن أكثر ما كتب اختصارا للوقت ورأفة بالقارئ، لاسيما سأعرض عن تحميله إياي مسؤولية أن «دفع العراق خيرة شبابه وقوافل علمائه ومفكريه، وطيرت فيه رؤوس وطيحت أيدي وسالت برك دماء ونصبت تلال أشلاء»، ويعلل تحميله إياي مسؤولية ذلك بقول غريب يبتعد كل البعد عن الحوار الموضوعي العلمي بقوله: «وليتك تحليت قديما بنفس الشجاعة التي تحليت بها الآن (كما يحلو للبعض أن يصفك بها) فأعلنت أفكارك وقناعاتك (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة)»، وهذا يعني أنه يطالبني بأن أتحلى قبل ثلاثين سنة بما وصلت إليه اليوم من قناعات لكي أتحلى بالشجاعة وأعلن عن خطأ المسار. فإني تحولت إلى الإيمان في سن الثلاثين واندفعت بكل وجداني في العلاقة الدافئة والحميمة بالله سبحانه، ورأيت فيمن سبقني في الإيمان والعلم والتجربة قدوات اقتديت بها، متوهما قربها من العصمة، ولا ألام في وقت الحبو في بدايات مسيرة الوعي، من خلال ما منحتهم من ثقة تنم عن صفاء في الإيمان بمعايير يومئذ وعن سذاجة بمعايير اليوم. فهل أنا الملام، أم من كان يحمل التجربة والعلم والوعي المبكر، ومع هذا لا أعتبر هؤلاء أنهم خدعوا الناس عن عمد، بل إيمانهم بالإسلام حسب فهمهم قادهم إلى كل ذلك، معتقدين اعتقادا راسخا بأن في ذلك رضا لله سبحانه، ولذا واجهوا الموت وآلات التعذيب وشتى ألوان العذاب وأحواض حامض الأسيد والمشانق بنفوس مطمئنة وشجاعة وتضحية وبطولة قل مثيلها، ومن يدري لعل وعي الأمة - ووعي الأمة غير وعي الفرد - كان يحتاج بعلم الله تعالى إلى المرور عبر هذه التجربة المريرة والموجعة، ولطالما تعلمت الشعوب من مآسيها عبر تاريخ طويل من المعاناة، وهذه هي سنن التاريخ بحسب مصطلح الشهيد الصدر رضوان الله عليه.
والغريب أن الأخ الفاضل يتصور واهما إن إثارة إشكال على فكر أي إنسان يعني بالضرورة العقلية والتلازم المنطقي دعوى صاحب الإشكال جعل نفسه في مصاف من يُشكِل عليه أو عليهم، فيقول: «بعد أن جعلت نفسك في مصاف مفكرين عظام من أمثال النائيني والخميني والصدرين وفضل الله ووو رغم معارضتك لهم هنا أو هناك»، ثم يورد دليله على ما يذهب إليه من علم الأصول بقوله: «وأخالك تعلم ومثلك يعلم أن المعارضة فرع التكافؤ، ولو جزئيا كما يقرره علم أصول الفقه»، فأقول لو صح تعميم هذه القاعدة لما جاز لك - ومن قبيل ضرب المثال لا المقايسة - أن تـُخطـِّئ كارل ماركس لأنك لست كفأه، ولا أن تخطئ بوذا، ولا جان پول سارتر، ولـَتـَوقـَّف الفكر الإنساني، وما جرؤ إنسان أن يُشكِل على أي فكرة، ما لم يكن متيقنا من أنه بلغ درجة التكافؤ ومنزلة الندية مع صاحبها، مع إننا نعلم أن إشكال طالب العلم على أستاذه لا يعتبر أمرا مرفوضا، لأن الأستاذ عندما يكون أوسع وأعمق علما من طلابه، لا يعني ذلك، بحكم عدم عصمته، أن يلتفت طالب من طلابه إلى ما لم يلتفت إليه الأستاذ، وأن يكتشف خللا في فكرة من أفكار أستاذه.
ولم أفهم تذكيره لي بقول «ولا يفوتني أن أذكرك بإشكالك المستحكم حول دليل (اللطف) العتيد، الأمر الذي أقرك عليه أستاذك الكريم، كل ذلك وغيره يجعلك قادرا وبما أوتيت من قدرة فكرية على الوصول إلى قناعاتك الحالية بأدنى تأمل ومنذ زمن طويل جدا!!!» لعله يريد أن يتهمني أني من 1997 حيث يرجع إلى تاريخه ما ذكره قد خططت لتطوير أفكاري إلى ما أفصحت عنه اليوم، ولا يعلم هذا الرجل أني لطالما دفعت لصدقي ثمنا مُكِلفا جدا. فما هي مصلحتي يا ترى أن أكون قبل أكثر من عشر سنوات على نفس قناعاتي اليوم فأسكت عنها، في الوقت الذي لم أكن أحلم بزوال صدام قريبا كي أحسب حساب المناصب والمكاسب. ثم ما الذي حصلته من كل هذا غير الهجرة مجددا وتضييع فرص ما أشار إليه مشكورا الكاتب الشجاع خضير طاهر وسهام الاتهام والتكفير والتخوين المبطن والمعلن من الكاتب وأمثاله، ممن مرت مناقشتهم.
ومن أجل الاستزادة من وزر الظن يقول صاحبنا الإسلامي: «وهذا أمر ربما يفتح باب الشك على مصراعيه حول النوايا والدوافع و ثبات الأفكار واستقرارها عند أخينا الشكرجي.»، فهنيئا لك شكك.
وسألبي لأخي المحاور الذي ملأ حواره بقائمة طويلة من اتهامات سيطالب يوم العدل الإلهي بأدلتها، سألبي له رغبته في بيان ما أراد استيضاحه بسؤاله: «من أدى إلى من؟؟ بكلمة أخرى: هل إن أفكار الأستاذ الشكرجي الحادة أدت إلى فك ارتباطه بحزب الدعوة؟؟ أو إن فك الارتباط أدى إلى هذه الحدة الفكرية؟؟» من الطبيعي أن الإجابة على أحد السؤالين بالإيجاب لا يعني بالضرورة نفي الثاني. فهي يا عزيزي مسيرة تكاملية، فأفكاري التي نعتها بالحادة وينعتها آخرون بنعت مغاير هي التي أدت بي إلى فك ارتباطي عن حزب الدعوة، ثم فك ارتباطي عنه منحني فسحة أوسع من حرية التفكير وحرية التعبير، بل لا أخفي عليك إني مدين في بعض من منهجي النقدي لحزب الدعوة نفسه.
اسمح لي عزيزي أن أقول أني لم أجد معنى معقولا لسؤالك: «ومن هنا علي أن أتساءل عن كلمة سجلها الأخ الشكرجي في بعض المنتديات نافيا فيها أي غرض دنيوي قد يكون وراء خروجه من حزبه الأم، كان مضمونها (بأنه لو كان يريد الجاه والوجاهة لانتظر حتى الانتخابات الأخيرة للحزب، وحتما سيكون في موقع قيادي فيه، ولكنه آثر الخروج عن قناعة على البقاء والتماس الحطام)» حيث يسأل سؤاله الغريب «لو دخلت يا أستاذ الانتخابات الحزبية، فهل ستدخلها بعقلية ما بعد الخروج وأفكارها، أو بالعقلية الدعوية التقليدية ولو إجمالا؟؟؟». لا أدري بماذا فكر عندما طرح هذا السؤال غير المنطقي، مع هذا أجيب فأقول إني كنت سأدخلها بعقلية ذلك اليوم، لأن عقلية بعدئذ كانت ما زالت في فترة المخاضات، ولم أكن لأعلم علم الغيب لأستطلع ما ستؤول إليه أفكاري غدا أو بعد، فهناك تدرج في التحول، ولم يكن تحولا حادا كما تظن بين ليلة وضحاها. ثم هذا مجرد افتراض، لأني ما كان ليمكنني أن أعمل مع قيادة كل أعضائها في واد، وأنا وحدي في واد آخر، فحتى أفكاري يومئذ ما كانت لتنسجم مع التوجه العام للحزب، لهذا السبب لم تنتظر حتى انعقاد المؤتمر العام، بل حسمت أمري.
أما قولك «أتساءل مع القراء الكرام عن سرعة تبلور هذه الأفكار الحادة التي هدمت مشاريع سياسية ودينية واجتماعية في سنتين أو تزيد قليلا؟؟ وأين كانت قبل هذه الأيام؟؟ ولماذا جاء أكثرها على أقل تقدير وأشدها حدة بعد فك الارتباط؟؟» فلا أعلق عليه سوى أن استغرابك ناتج عن عدم متابعتك الدقيقة لطروحاتي، ولا أطالبك بمتابعتها، ولكن هذا هو الذي جعلك تتساءل بطريقتك هذه، وإلا فلو تتابع ما كتبته منذ 2002 حتى يومنا هذا، لما رأيت في ذلك «سرعة تبلور» ما نعته بـ «هذه الأفكار الحادة»، فهو نمو وتطور متدرج، ولم يكن بمثابة الطفرة، بل هو منحنى كان يتصاعد تصاعدا خفيفا، حتى بلغت ما بلغت من قناعات. نعم عندما كنت ما أزال في العراق، كنت بصراحة أخاف أن يصار إلى تصفيتي، وحتى بعدما غادرت في صيف 2006، لم أغادر بنية البقاء في ألمانيا، بل جئت بنية العودة، حتى بُلـِّغت بتحذير جعلني أبقى في مكان إقامتي هنا، ولكن مع إبقاء ثمة خط رجعة لرغبتي في العودة ومواصلة نشاطي السياسي، وعلى فرض لو أني كنت متأكدا إن هذا سيقود إلى سجني أو الاعتداء عليّ، لقبلت بتحمل ذلك برحابة صدر، أما أن تكون حياتي مهددة، فبصراحة إني وإن كنت أحمل شجاعة الكلمة، إلا أني لا أحمل شجاعة حمل مشروع اسشتهادي، لأني لا أرى أن القضية تستحق الموت، لكني مع طول البقاء والوصول إلى شبه يأس من العودة في المستقبل المنظور، بدأت أفصح أكثر، هذا إضافة إلى حدوث تطور تدريجي وليس دفعي في أفكاري، فمن جانب تطور متدرج في الفكر، على نحو التبدل، بل على نحو النمو، ومن جانب ما تفرضه الظروف المحيطة بي؛ فأين الغرابة؟ أخبرني بالله عليك.
أرجو ألا تكون قسوتي في بعض المقاطع قد تجاوزت حدود الأدب وقواعد الحوار، وإن كان قد حصل مثل ذلك، فلأني لست الخامس عشر من المعصومين، وهذه معلومة جديدة أرجو إضافتها إلى معلومات أخي باقر محمد عني، ورجائي سعة صدر المحاور الكريم، وألا يكدر عراكنا الفكري صفو المودة والاحترام بيننا، فهو رجل رغم كل توتراته النفسية ضدي، يستحق الاحترام لرصانة قلمه وعمق فكره، وإن كان فكره غير فكري، إلا أني لا مشكلة لدي أن يغايرني في التفكير بقدر ما المشكلة لديه في ذلك.
07-09/05/2008
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::