مع الناقدين الأربعة: كاظم عبد الحسين عباس ثانيا

خضير طاهر، أراني مدينا له برد التحية ليس بأحسن منها، ولا بمثلها، لا لعدم استحقاقه، بل لقصوري عن بلوغ ما يستحقه، لذا فشكري له بمقدار ما تسعفني به طاقتي، والذي عبرت عنه بجعل اسمه أول كلامي في هذه المقالة، غير مقدم عليها أي لفظة أخرى. وحيث نعتني بالشجاع، أقول إنما شجاع من ينتصر لمن وقف هدفا للسهام، في زمن قل فيه الناصرون، وعز المنصفون، وشح الشجعان.

بعد رد تحيتي وشكري لفارس من فرسان الكلمة الشجاعة، أواصل مناقشة الكـُتـّاب الأربعة الذي تفضلوا بتناول أفكاري بالنقد، وهم 1) حمزة الگرعاوي، و2) كاظم عبد الحسين عباس، و3) مثنى عبد الإمام الميس، و4) باقر محمد. وبعد أن انتهينا من السيد حمزة الگرعاوي ننتقل إلى السيد كاظم عبد الحسين عباس.

الرجل يمتدحني في مناقشته بالنقاط الآتية:

«1) إعلانك، ربما لأول مرة عن عمالة الأحزاب الشيعية لإيران، واعتبارك هذه الأحزاب بمثابة طابور خامس للدولة القومية الفارسية.». إني لا أميل إلى التعميم والإطلاق. بعض هذه الأحزاب كما قلت، لكن ليس كلها، وفي بعض آخر هناك أفراد ربما تنطبق عليهم هذه الصفة، ولكن ليس على الجميع. إني عندما أختلف مع الأحزاب الإسلامية، لا يعني أني أرشقها جميعا بهذه الشتائم، وأعمم التهم. أنا قلت من حيث النتيجة وليس من حيث الدوافع، كان هؤلاء قد قاموا من حيث لا يشعرون بدور الطابور الخامس.

 «2) اعترافك، وقد يكون ذلك أيضا لأول مرة، بأن إيران هي التي بدأت بتأزيم الوضع مع العراق عبر وضعها برنامج تصدير الثورة موضع التطبيق.» أنت محق في ذلك، ففي السابق كنا نعتبر ذلك عملا مشروعا في نشر المشروع الإسلامي في ربوع الأمة الإسلامية كلها كتكليف شرعي. وتبين لي على أقل تقدير خطأ ذلك الفهم بل وضرره الكارثي.

«3) إعلانك وبشكل واضح لا لبس فيه أن إيران الخميني لم ولن تكون دولة دينية بل هي دولة قومية فارسية، وأنها قد عملت فعلا على التمدد باتجاه العراق في عملية استعمارية تغطت بستار طائفي. 4) إن إيران دولة طائفية وليست إسلامية.» هناك عدة صفات تتصف بها هذه الدولة، بعضها يبدو نقيضا للآخر، ولكنها تجمع بينها وتتقدم وتتأخر أولويات بعضها بحسب المصلحة، فأحيانا هي شيعية أكثر من كونها إسلامية، وأحيانا تكون إسلامية أصولية ولو على حساب الشيعة، وأحيانا تكون إسلامية حتى على حساب مصالح شعبها الوطنية، وأحيانا تكون إيرانية وتدير ظهرها لإسلاميتها، وأحيانا تكون فارسية، وهكذا.

 والآن لي وقفة مع الأخ في دفاعه المستميت والمتحمس عن صدام والبعث والنظام الديكتاتوري البائد، إذ يستنكر عليّ نعت صدام بما نعته به، فيقول: «إذ انك لو حذفت بعض عبارات الشتيمة التي استخدمتها ربما كوسيلة تزويق لمقالك والتي وجهتها إلى الرئيس العراقي الشهيد صدام حسين رحمه الله»، وفي مقطع آخر يقول: «أحببت أولا أن أنوه لمسألة الشتيمة، أنا شخصيا لا أستغرب ولا ألومك على وضعك لهذه القائمة الطويلة من الصفات للرئيس الراحل صدام حسين رحمه الله»، وكذلك قوله: «سنسجل لصدام حسين رحمه الله وللبعث، سبق المعرفة والاكتشاف واستحقاق التصرف مع من هم حصرا وتحديدا طابور خامس، وعملاء مع أني شخصيا لا أميل إلى عقوبات الموت لأي سبب كان، مع إن القانون يظل قانونا وهو ابن الظرف الزماني والمكاني لأية دولة»، وفي مقطع آخر: «وعليه فإن شتيمتك أو استخدامك لألفاظ غليظة لا يقع في دائرة التقييم الموضوعي ولا يؤخذ به منطقيا وقانونيا لأنه يصدر من شخص خصم بل ومعاد إلى حدود كسر العظم.». هنا أريد أن أسأل هل عندما يقتل إنسان إنسانا آخر، ويقال للتعريف أن الأول قاتل هو بمثابة الشتيمة؟ هل نسبة القتل الجماعي والمقابر الجماعية وحلبجة والأنفال والدجيل وبشير، والتهجير ومصادرة الأموال وانتهاك الأعراض وآلات التعذيب وفرم المعارضين في فارومات اللحم وإصدار عشرات أحكام الإعدام بلا محاكمة، وسجن وقتل وتعذيب وإبادة الخصوم السياسيين من شيعة وأكراد وتركمان بل وحتى عرب سنة، من إسلاميين وشيوعيين بل وحتى بعثيين، هل إدخال العراق في حربين مدمرتين، هل الكلام عن كل ذلك يسمى شتيمة، وهل يستحق فاعله أن يترحم عليه ويسمى شهيدا ورئيسا راحلا؟ نعم أقول من حق أي دولة أن تحمي نفسها من الخطر المحدق بها، ولكن هل بشن الحروب؟

«لأنك كنت وإلى زمن قصير مضى وبعد أن تم احتلال العراق من أمريكا ودخولك مع المحتل كأحد قياديي حزب مؤيد للاحتلال هو حزب الدعوة وهو حزب يتصدر الأولوية في معاداة الخط القومي العروبي السياسي ويبادله الخط القومي السياسي ذات العداء». هذه الإسطوانة المشخوطة، أي دخولي ودخول آخرين مع المحتل، لا أدري ما تعني بالضبط. أنت معارض لنظام ديكتاتوري، تضطر بسبب كونك مهددا بحياتك أن تعيش في المهجر، ثم يسقط النظام، فيزول مبرر بقائك خارج الوطن، وأنت متصد للنشاط السياسي، وتحلم بتحول ديمقراطي، هل تبقى بالله عليك في الخارج، لحين خروج الاحتلال، وتترك البلد لقوات الاحتلال وعملائه، إن وجد ثمة عملاء؟ أنا لم أدخل مع الاحتلال، بل ركبت طائرة على حسابي الخاص إلى عمان، ثم واصلت سفري برا إلى بغداد، ولم يكن لي مكان سكن، فسكنت في بيت لأحد القريبين من الجعفري الذي دخل معه برا من إيران، ونمنا أياما على الأرض، ثم استلمت بيتا لنا كان قد صودر وسكنت فيه حتى داهمته مخابرات الشهواني واستولت عليه، فسكنت عند أسرة من أصدقاء أسرتنا، ثم ترشحت للجمعية الوطنية واستأجرت دارا للسكن اقترضت بدل إيجارها السنوي من حزب الدعوة في حينه، ثم سددت الدين لاحقا، ثم انتهت عضويتي وسكنت في شقة بائسة متواضعة فيما يسمى بالمنطقة الخضراء، حتى انتزعت مني ثانية. فهل الذي يدخل مع المحتل عميلا له، يتركه (يتبهذل) بهذه الطريقة، ثم لا يجد من يحميه من خطر المتطرفين، فيضطر أن يبقى في ألمانيا؟ نعم أنا أعرف أشخاص دخلوا مع الأمريكان فعلا، ولكن حتى هؤلاء لا يمكن أن ننعتهم كلهم عملاء، وهم الآن في جبهات سياسية متقاطعة تماما، فمنهم من هو في الائتلاف، ومنهم من هو في العراقية، ومنهم من اختار مغادرة العراق.

وتيريرا لحرب صدام ضد إيران يقول الأخ وإجراءاته القمعية ضد الإسلاميين الشيعة يقول: «فماذا كنت تنتظر من نحكم وطني يقاتل لحماية أرضه أن يتصرف معكم وأنتم تشكلون طابورا خامسا؟» فأقول هل الحل هو اللجوء إلى حرب طاحنة دمرت العراق وكان ضحيتها مئات الآلاف بما تجاوز المليون من كلا البلدين؟ هل من أجل أن تحمي الدولة نفسها من خطر ما، أن تلاحق مواطنيها وتودعهم السجون وتعذبهم تقتلهم وتلقي بهم في المقابر الجماعية وتهجرهم وتصادر أموالهم وتنتهك أعراضهم على الظنة والشبهة؟ أن يؤول الوضع بعد سقوط نظام ديكتاتوري دموي بنفس درجة السوء أو لعله أسوأ حسب تقدير البعض، لا يعني وجوب تبرئة وتزكية من مارس القتل ضد شعبه ولجم الأفواه وصادر الحريات بهذه الطريقة.

«وأنت تقترب أكثر من عراقيتك الصميمية وتطرق أبواب وطنية عملاقة على قدر من الاستحياء كما أرى». صحيح إنه حصلت عندي تحولات في فكري السياسي ومواقفي السياسية، لكن هذا لا يعني اني كنت فاقدا لعراقيتي، والآن اكتشفتها. نعم توهمت أن ذلك الطريق بخدم عراقي، فلما تبين لي غير ذلك، وقفت، ليس اليوم، بل منذ كنت في الجمعية الوطنية محسوبا شكلا لا مضمونا على الائتلاف حيث عارضت بقوة النهجين الإسلامي (نسبة على الإسلام السياسي لا إلى الإسلام) وعارضت طرح مشروع سياسي شيعي بدلا من مشروع وطني، ومشروع إسلامي أصولي بدلا من مشروع ديمقراطي، حتى سماني أحد رموز القائمة بأني بمثابة العدو لهم.

أما أن تريدني أعلن الجهاد والمقاومة، فأخيب ظنك ولن أضم صوتي إلى نداء تدمير العراق باسم الجهاد والمقاومة وحرب التحرير، فالكاتب يقول: «وأعلن بصوت لا تردد فيه، أن حي على الجهاد، حي على الكفاح، حي على المقاومة، فلقد تأخرت كثيرا في هذا الإعلان ولكن ما يمكنك أن تفعله الآن قد يفوتك وتضيع على نفسك وتأريخك فرصة لا تعوض، فرصة التوبة من اشتراكك في شرعنة الاحتلال وحصوله  .... وحيث أن لصوتك صدى خاصا بل وخاصا جدا، فإن رفعه الآن إلى جانب مقاومة الاحتلال، سيكون له آثار مهمة». حتى الذين قاطعوا العملية السياسية في البداية من موقع رفضهم للاحتلال، شخصوا خطأ وضرر البقاء خارج العملية السياسية، واختاروا أن يدخلوها ليكون لهم حضور ومشاركة في العملية، مع كل ملاحظاتنا عليها.

وبالنسبة لقولك: «... وانتمائك إلى حزب كان ولا يزال غير موال للعراق حتى لو خالفتني الرأي في هذا لأن الولاء لا يعبر عنه بكلام مجرد ولا يعبر عنه باستلام سلطة تحت حراسة جند الاحتلال »، وفي موقع آخر: « بل على العكس فإن العديد من أبناء العراق قد خلصوا إلى عدم ولاء الدعوة للعراق بعد اشتراككم في تسويغ الاحتلال ومشاركتكم في حكومات الاحتلال». فحزب الدعوة كان ذا ولاء وطني، بل عراقيته واستقلاليته جعلته مستهدفا دائما من مؤامرات الإيرانيين، عندما كان ضيفا عندهم. لكنه ارتكب خطأ كبيرا عندما اختار الاصطفاف إلى الصف (الإسلامي الأصولي-الشيعي الطائفي) وسكت عن التخريب الإيراني. مع هذا وليس دفاعا عن حزب الدعوة، فإني أختلف معه اليوم اختلافا كبيرا، لا يمكن سلخ الوطنية عن كل أفراده. أما ما تسميه بشرعنة الاحتلال، فلسنا نحن، وأقول (نحن)، أي عندما كنت منهم، لسنا من دعا الاحتلال إلى العراق، ولسنا من دعا إلى إسقاط النظام عن طريق الحرب والاحتلال، لكن هذا كان قرارا أمريكيا، علمنا أننا لا نستطيع أن تؤثر في تغيير مساره، فاخترنا واختارت كل أحزاب المعارضة بما فيها العلمانية أن ندخل ونشارك في العملية السياسية حتى لو كانت في ظل الاحتلال، لأنك إذا تركت المحتل هو الذي يتحكم في مقادير البلد، ولم تحاول ان تؤثر ولو بنسبة 10%، فهذا لا يمثل موقفا وطنيا، نعم إنها نرجسية وطنية طوبائية غير واقعية، والوطن شبع شعارات، وينتظر عملا وإخلاصا، بواقعية وجدية وصدق. نعم أنا أختلف مع عموم الإسلاميين، ومع حزب الدعوة، وأحمله مسؤولية أخطاء كبيرة وكارثية، ولكن أن اسلخ عنه، أو لنقل عن كل فرد من أفراده الوطنية كليا، فهذا إجحاف كبير، فحتى لو كنت أتخذ من حزب الدعوة موقف العداء، ولست كذلك، بل أنا معارض، وفرق بين المعارض والمعادي، مع هذا حتى لو افترضنا أن حزب الدعوة أصبح عدوا لي يجب أن أنصفه. فهذا التعميم والإطلاق يناقض الموضوعية والعدل والإنصاف.

«إلا أنك في وصفك العام السابق والحالي أقرب مني إلى مذهبية أنت حملتها سلاحا سياسيا لردح من الزمن». صحيح حصلت لدي تحولات، لكن حتى عندما كنت إسلاميا، وعندما كنت في حزب الدعوة، لم أحمل يوما مشروعا مذهبيا، ومعارضتي الشديدة في اللجنة الدستورية لكل الطروحات الإسلامية والشيعية معروفة، حتى بدأ الائتلافيون يتذمرون من معارضتي، وهذا كان عام 2005، وأصدروا قرارا غير معلن بمنعي من الكلام في اللجنة الدستورية. منذ دخلت العراق عملت من أجل مشروع وطني وديمقراطي، وكنت أتصور أن بالإمكان جعل الحزب يقترب من الرؤى التي حملتها، لكن الحزب ابتعد من جهة، وأنا ابتعدت من جهة بعد إعادة النظر في نفس المبادئ والأسس التي قام عليها الحزب، فاخترت عن قناعة وليس كردة فعل وعن مراجعة نقدية للذات وللمسيرة الشخصية والمسيرة العامة للإسلام السياسي عموما وللحزب خصوصا، فكانت نقطة الافتراق، وعندما افترقت مع الحزب، واصلت إعادة النظر في فكري السياسي، بعدما أصبحت أكثر تحررا واستقلالية، عندما انتزعت نفسي من الإطار الحزبي.

«وأنتم جميعا في 2003 والآن تدركون جيدا أنكم خدعتمونا وخدعتم ملايين ممن ادعيتم أنكم تمثلونهم» عزيزي فرق بين أن يكون شخص ما أو جماعة ما مخادعا، أو أن يكون مقتنعا بقناعة ما يتبين له خطاها لاحقا. ألم يكن العرب كلهم ناصريين، ثم تغيروا، وألم تكن معظم الشعوب الإسلامية متأثرة بحدث الثورة الإسلامية متطلعة إلى الاقتداء بها فتغيرت قناعات عند الملايين؟ ألم يكن العرب كلهم تقريبا وثنيين، فتحولوا إلى الإسلام؟ ألم يكن معظم الشعب الألماني منبهرا بالفكر القومي النازي الهتلري، فتغير؟ ألم يكن الأمريكان يمارسون الرق ومن ثم التمييز العنصري، واليوم وزيرة خارجيتهم من السود، ولعل الرئيس القادم يكون أيضا من السود؟ ألم تتغير الأحزاب الشيوعية في أوربا إلى ما يسمى اليوم بالاشتراكية الديمقراطية بدلا من نظرية ديكتاتورية الطبقة العاملة، أي ديكتاتورية الحزب الشيوعي باعتباره الممثل الشرعي للطبقة العاملة؟ فالتحول من قناعة إلى أخرى، لا يعني أن الذي تحول كان يريد خداع الناس، بل لعله كان هو مخدوعا، لا من حيث وجود خادع ومضلل له، بل من خلال وجود فكرة خادعة، إما لأنها مثالية غير واقعية، وإما إنه يكتشف ما فيها من ضرر وخطأ. 

أما مطالبتك الغريبة لي أن: «فأصدر فتواك الآن عسى الله أن يخرجك من دائرة الشرك والضلالة.». أي فتوى؟ إني منذ 2003 كتبت رأيي ناقدا ورافضا بل ونافيا لما يسمى بالفتوى السياسية. أنا أنادي بالدولة العلمانية اليوم وبفصل الدين عن السياسة، فكيف تريدني أن اصدر فتواي. وحتى لو آمنت بجدوى الفتوى، فلست من أهل الإفتاء.

أما اعتزازك بهويتك بقولك «إني شيعي جعفري عروبي وطني»، فأقول لك أن تختار لنفسك هويتك، أما أنا فـ (عراقي، وطني، ديمقراطي، علماني، ليبرالي)، ولن أكون عروبيا، ولن أكون إسلامويا مرة ثانية، ولن أكون شيعويا (نسبة إلى التشيع السياسي كالإسلام السياسي)، ولن أكون جهادويا.

نرجع إلى الحرب العراقية الإيرانية، إذ تقول: «أسالك بالله مرة أخرى كيف جزمت بأن العراق هو الذي بدأ الحرب على إيران؟»، ثم تعقب: «مع إنك قد أقررت بوضوح لا لبس فيه أن إيران الخميني هي التي بدأت التحرش على الأقل من زاوية رفع شعار تصدير الثورة الإسلامية، والمنطق يقول إن مَن يتحرش متحركا تحت غطاء ومسوغ تمدد، هو المرجح للبدء بالعدوان وليس العكس.» من حيث من بدأ الحرب، فالمعروف حتى الآن - إلا إذا تبينت في المستقبل حقائق أخرى - إن الذي بدأ الحرب هو صدام، والمسؤول عن إدامة الحرب - لا أقل بعد السنتين الأوليين - هو الخميني. أما أن إيران تحرشت بما سمي بتصدير الثورة، فلا أنكر ذلك، فعلا كانت إيران مصدر خطر على العراق، ولو كانت مصدر خطر على النظام الديكتاتوري فقط، لقلت نعم الخطر الذي يأتينا من خارج الحدود ليحرر السجناء داخل حدود الوطن كرهائن بيد الحاكم المستبد، ولكن تبين لي بعد المراجعة أن ليس النظام هو الذي كان مهددا بل الدولة والسيادة الوطنية. إذن لحد هنا أتفق معك، لكن كما تساءلت وأنكرت في البداية، هل كان هذا مبررا حقيقيا لشن حرب أحرقت الأخضر واليابس؟ هل استنفد صدام كل السبل لتوقي الخطر القادم من إيران ولم يبق إلا خيار الحرب لإنقاذ الوطن. ثم كل من عرف صدام، يعلم إن العراق لم يكن على رأس أولوياته، بل أولوياته تتسلسل كالآتي: بقاءه على قيد الحياة، بقاؤه على قمة هرم السلطة، بقاء عشيرته الأقربين على سدة الحكم، بقاء حزب البعث حاكما، ثم يأتي العراق.

«وسيادتك تأخرت لثلاث سنوات قبل الوصول إلى هذه القناعة التي سبقك إليها أهلك من سواد العامة». إذا كان هناك من سبقني في وعيه وتشخيصه، فإني أنحني له إجلالا، حتى لو كان أميا.

اعتراضك على استخدامي وصف الإسلامية للأحزاب المعنية بقولك: «أما استخدامك لمصطلح الأحزاب الإسلامية فإنه حقا يثير دهشتي وأنت الرجل القريب جدا من أمور الفقه والشريعة وقوانين العمل السماوي والوضعي. فسمة الإسلامي كما تعلم جنابك شاملة جامعة ينضوي تحتها كل من قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، أي كل المسلمين بكل طوائفهم، وهذا ما لا ينطبق بأي شكل من الأشكال على الأحزاب الطائفية.»، فهنا خلل في الفهم عندك كما يبدو. الإسلامي غير المسلم، فأنت تتكلم عن شعب مسلم أو شعوب مسلمة، ولكن عن فكر إسلامي وفقه إسلامي وغيره. و(الإسلامية) أصبح مصطلحا سياسيا للقوى التي تتبنى الإسلام السياسي، وعندما ننعت أحدا بنعت صار ملازما له، لا علاقة له بموقفنا منه مؤيدين، أو ناقدين، أو معارضين. لاسيما أصبح توصيف (الإسلامي) و(الإسلامية) في المصطلح السياسي لا يعني بالضرورة منقبة لصاحبه، بل لعل العكس هو الصحيح، مع التمييز بين الدين الإسلامي كدين، وبين القوى السياسية المسيسة للدين.

«أسسْ أنت الآن حزبا إسلاميا يضم كل المسلمين ويحمل السلاح لتحرير العراق وفلسطين، وستجدنا كلنا أنصارا ومؤيدين بل جنودا في هذا الحزب.» ولو إنك لا تعني هذا المطلب بشكل جدي، بل هو من قبيل الافتراض، مع هذا أقول إني أرفض ذلك للأسباب الآتية:

1.  إني معارض شديد لفكرة قيام حزب سياسي على أساس ديني أو مذهبي.

2. إني لا أؤمن بحمل السلاح، وأؤمن أن العراق سيتحرر دون إدخاله في أتون القتال وإغراقه بالدماء، فقد ذاق من كل ذلك ما فيه الكفاية.

3. فلسطين لها أهلها، وهي بالنسبة لي لا قضية عربية ولا قضية إسلامية، بل هي قضية فلسطينية تخص الشعب الفلسطيني ونضاله في سبيل حقوقه المشروعة، وهو الذي يقرر ما إذا يتخذ النضال السياسي أو الكفاح المسلح وسيلة لتحقيق ذلك، دون تدخل من دول أخرى، سواء من العراق كما تتمنى، أو من إيران كما هو حاصل، أو غيرهما.

هناك الكثير مما ذكرت أتفق فيه معك، ولا حاجة للمرور على كل التفاصيل فأفكاري ومواقفي معروفة.

أما عن سؤالك «كيف كنت ستتصرف جنابك مع طابور خامس وعملاء وجواسيس وأنت تدافع في صيغة سياسية أو في صيغة قتال مسلح عن سيادة بلدك وكرامته واستقلاله؟ هل كنت ستقدم باقات الورد لهم؟ ...» فأنا الذي أوجه السؤال: هل كنت ستقمع شعبك وتدس أبناءه في السجون وتهجر الأسر العراقية وتعدم من تعدم وتشن الحروب، وتأخذ البريء بجريرة الجاني. ثم هؤلاء لم يقفوا مع إيران بنية أن يكونوا لهم عملاء أو طابورا خامسا، بل إن هناك ظلما كانت مصبوبة حممه على رؤوسهم، فالإعدامات والتعذيب وبقية إجراءات القمع كانت قائمة قبل الثورة الإيرانية. فتذويب جسد الشهيد عبد الصاحب دخيل في حامض الأسيد كان عام 1972، وإعدام الشهداء الخمسة عارف البصري ورفاقه كان عام 1974، وهكذا الأمر بالنسبة لقمع المعارضين الآخرين من شيوعيين وغيرهم.

ثم تشكل عليّ بقولك: «عتبك على أميركا بوش الأب التي (لم تسمح بنجاح الانتفاضة) وضيعت على العراق اثني عشر عاما.... »، ثم تكمل ذلك بقولك: «هل هذا هو فكر الإسلام الذي تعتنقونه في السياسة؟ ... هل من الإسلام شيء يسمح باستقوائك باليهود وبالنصارى على أهل بلدك؟». فلا أدري ما هو الرابط بين هذا وذاك. الانتفاضة بقطع النظر عن دوافعها ونتائجها المحتملة لو كانت نجحت في حينه قام بها عراقيون، وكانت ستنجح من غير مساعدة أمريكية، إنما أمريكا دخلت على الخط لمنع نجاحها. وهذا الموقف كان ناتجا عن مخاوف عند أمريكا. والذي قلته في عتابي، أنه ما زال الذي كنتم تخافونه عام 1991 هو الذي حصل عام 2003، وهذا ضيع على الشعب العراقي فرصة اثني عشر عاما، كان من الممكن أن نكون قد تجاوزنا فيها الكثير مما نحن فيه اليوم. فمن أين أتيت بتأويل كلامي على أنه دعوة لاحتلال أمريكي يحمينا من احتلال إيراني، ولو إن الأخير حسب تقديري هو الأخطر. أما قضية يهود ونصارى وكلام من هذا القبيل، فليست لدينا معركة إسلام في مقابل المسيحية واليهودية، بل هو صراع من نوع آخر لا ينبغي أن يكون دخل للدين فيه.

أما بقية كلامك بهذا الصدد فهو تقويلي بما لم أقله وتأويلي بما لا أعنيه، ولذا اسمح لي ألا أناقش كل ذلك تفصيلا. ولا عتب عليك، فالظاهر إنك لم تعرفني من قبل عبر كل مقالاتي ومواقفي وأفكاري، وتبني الكثير من فهمك على أحكام مسبقة، ويا ليتك تأنيت قليلا، ولو إنك حاولت أن تعتمد في كثير من مقاطع رسالتك بلغة الاحترام، ولكنك تعود فتطلق العنان لاتهامات وتعميمات وأحكام.

أما أنك تقدم لي نصائح إن التزمت بها فإنك تعدني بقولك: «وحين يخرج الاحتلال برصاص أهل الفرات والجنوب فإننا نضمن لك رئاسة مجلس الوزراء إن شئت.»، فلا والله ثم والله لست من طلابها، فاطلبها لغيري. ولكن إذا شاء القدر وحصل ما يشبه المعجزة وكان ذلك، فلن تجدني إلا عراقيا، ثم عراقيا، ثم عراقيا، لن أكون غير ذلك، أما إذا سأل سائل من أي مكون هذا العراقي، سأقول ديمقراطي، وإذا قالوا من أي قومية أو دين أو مذهب، سأقول وطني، أما بقية ما يحمل الإنسان من إيمان بعقيدة ومن دين ومذهب أو إيمان إلهي محايد دينيا أو فلسفة للحياة، فذاك شأن شخصي.

06/05/2008

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::