مع الناقدين الأربعة: حمزة الگرعاوي أولا

خلال أيام قلائل، لاسيما بعد مقالتي الأخيرتين «هل تريدنا إيران أن نقول صدام وأمريكا كانا على حق؟»، و«الوفد الثلاثي إلى إيران»، توالت المقالات التي تناقش الأفكار المطروحة في المقالتين. فقد كتب أربعة كتاب هم 1) حمزة الگرعاوي، و2) كاظم عبد الحسين عباس، و3) مثنى عبد الإمام الميس، و4) باقر محمد، يناقشون أفكاري ويعترضون عليها وينقدونها، فيها ما موضوعي، وفيها ما يعبر عن مغالطات، وفيها ما يطلق اتهامات شتى، وفيها ما يعبر عن سوء فهم يعذر صاحبه تارة، ولا يعذر تارة أخرى. سأتناولها تباعا وحسب الترتيب الزمني لنشرها.

قبل أن أبدأ بمناقشة ما تفضلوا به، أود أن أثبت بعض الملاحظات. ألاحظ أحيانا في بعض من يناقشني في أمر ما، إما أنه ليست له متابعة دقيقة لأفكاري وقناعاتي ومواقفي، فيفترض أشياء ينسبها إلي، ثم يحاججني بها، وإما أنه يخاطبني بلغة «أنتم»، فيخاطبني ضمن مجموعة لا أنتسب إليهم، أو لا أقل لم أعد أنتسب إليهم، وإما - وهذا فريق ثالث - يرى نفسه متفقا معي في موقف ما، فيتوقع أن أتفق معه فيما سواه، واضعا ثمة تلازم فيما لا تلازم فيه، وإما يفترض معلومات لا صحة لها عن شخصي فيحاورني على ضوئها، والبعض تناول أفكاري على طريقة «ويل للمصلين»، دون قراءة «الذين هم في صلاتهم ساهون الذين هم يراءون ويمنعون الماعون»، أو على طريقة القول أنني قلت «لا إلهَ»، فأكون والمعاذ بالله قد كفرت بنكراني لوجود الله عز وجل، دون تكملة «إلا الله»، لتكتمل عبارة التوحيد، والبعض راح داخلا خفايا نفسي ليكشف النوايا الخفية، والحالتان الأخيرتان مما وقع فيهما آخر من أدلى بدلوه. وهذا ما حصل بعضه مع الواحد أو الآخر من المحاورين أو المُشكِلين، بقدر أو بآخر، مع احترامي لهم. والمشكلة التي أرى نفسي فيها، إما أن أجيب على كل الإشكالات والتساؤلات، فأقع في التكرار، لأن الكثير مما سأجيب به، سبق وورد في كتاباتي، فيكون - صحيح - من جهة جوابا للمحاور، ولعله معلومة جديدة، ولكنه يكون لعدد من القراء تكرارا، مما قد يجعله مملا، وإما أختصر فلا يكون جوابي وافيا لمن لم يطلع على كل ما كتبت. المهم وجدت أن أباشر بالرد، تاركا كيفية الرد على كل فكرة مثارة لوقتها، دون أن أقرر مسبقا الأسلوب الذي سأتبعه، ولا أدري أسأستطيع من حيث الوقت أن أرد على الجميع أم لا. أما بالنسبة للقراء، فلا أريد أن أثقل عليهم جميعا، بل أقول ليتابع معنا من له اهتمام، ومن يرى الردود مملة، فليوفر على نفسه الجهد لما هو له أجدى وأنفع.

 وإني لن أجهد نفسي في صرف الوقت بالمراجعة الدقيقة لما سأكتبه قبل نشره، لأن الوقت يضغط. وعلاوة على ذلك ربما ستقع فترات قد تطول أو تقصر بين الحلقات، بحسب الانشغالات التي ستقع ما بينها، وحسب ما يتطلب مني تناوله من مستجدات، راجيا أو تكون مستجدات خير للعراقيين. وأعتذر لكون الحلقات سيكون بعضها مطولا، فلن أتبع ما أعتمده عادة من تقسيم المادة الطويلة إلى عدة حلقات.

 وبالمناسبة كنت أتمنى أن أبدأ بآخر من دخل على الخط، ألا هو الأخ الكريم الأستاذ باقر محمد، ولكن ليصبر معي أخي باقر، فسوف تكون لي معه صولة فكرية، ومن الآن يؤسفني أنه أوقع نفسه فيما كنت أتمنى أن يوفره على نفسه، لكنني أظنه سيرضى بنتيجة الجولة بروح رياضية، سواء كسبها أو خسرها، ولو إن القضية ليست قضية صولة بين أشخاص، بل هي صولة أفكار، ومن الطبيعي إن من يتبنى فكرة على أنها صائبة صوابا نسبيا، أي بمعنى أنها الأصوب من بين الفكرتين المتنازلتين، يحب أن يراها منتصرة، إلا إذا بانت له رجاحة الفكرة المقابلة، فامتلك الشجاعة بالإقرار لها، وقليل هم الذين يملكون هذه الشجاعة، ولا أدعي أن أملكها، لكني أدعي أني أحب أن أملكها وأسعى لامتلاكها، وما ثقتي في ذلك إلا بمن لا ثقة لي كثقتي به جل وعلا، الذي لا مطلق إلا هو وحده لا شريك له. نعم فالنسبية هي أجلى تجليات التوحيد، فالموحد الذي يقول لا إله إلا الله، ولا خالق غير مخلوق إلا الله، ولا مستقل في وجوده إلا الله، ولا واجب وجود إلا الله، ولا علة غير معلول إلا الله، ولا معبود غير الله، ولا معتمد إلا الله، ولا مطموعا في رضاه كالطمع في رضا الله، مثل هذا يقول أيضا لا مطلق إلا الله، وما دونه نسبي. نعم النسبية من أروع تجليات التوحيد، ولا يدرك هذه الحقيقة إلا من أحب الله ونزهه.

مع هذا لأمر على ما تفضل به كل منهما، وأبدأ بالسيد حمزة الگرعاوي الذي كتب مشكورا مناقشته تحت عنوان «رسالة إلى الأستاذ الشكرجي».

 يقول: «نريد منكم الاعتذار للشعب العراقي بعد أربعين عاما من الضحيج الذي ملأتم به الدنيا، أربعين عاما خدعتم الشعب العراقي بشعاراتكم». وهنا يلاحظ على هذا الطلب عدة ملاحظات، أذكرها على التوالي:

1. شخصيا قدمت اعتذاري للشعب العراقي، عندما قلت على الحرة إني أعتذر للشعب العراقي لأني جلست سنة كاملة في الجمعية الوطنية على مقعد شيعي وإسلامي. وعبرت عن ندمي في قضاء ربع قرن في حزب إسلامي.

2. لست مسؤولا عن الأربعين عاما، لأني انتميت إلى حزب الدعوة عام 1981 وأعلنت انفكاكي عنه في أيار 2006، فقضيت ربع قرن في الحزب.

3. لا يصح القول عمن كان على خطأ، ثم اكتشف خطأه واعترف به، بأنه كان يخدع الشعب، لأن الذي يخدع هو الذي يكذب ويطرح ما لا يؤمن به لغرض ما، وليس من يعتقد أنه على صواب ثم تحصل لديه إعادة نظر في رؤيته، بعدما يكتشف خطأه، والكثيرون يكتشفون خطأ ما تبنوه في حقبة طويلة من حياتهم، فترى شيوعيا لعقود من الزمن يتحول إلى ليبرالي، وإسلاميا يتحول على علماني، ويمينيا يتحول على يساري أو إلى الوسط، وهكذا. فهذا لا يجوز نعته بالخداع. وحتى إني عندما أقول عن نفسي أني خدعت بالإسلام السياسي، لا يعني بالضرورة أن هناك من كان يريد خداعي، وإنما من خلال ما توهمت صحته، فبان لي خطأه بعد حين.

 

أما قول الكاتب: «وأنت صاحب فكرة طرح عروبة العراق للنقاش، لا أدري هل أنت مقتنع بها أم فـُرضت عليك، وأذكـِّرك متى قلتها وتبنيتها، قلتها عندما كنت تتحدث لقناة العالم في برنامج (العراق اليوم).»، فأجيب ابتداءً أني لم أطرح يوما فكرة فرضت علي، بل طرحت قناعاتي فقط، وقد تتغير بعض قناعاتي، وهنا لا بد لي من أن أخيب ظنك بالقول بأني للآن لا أؤمن بالفكر القومي، سواء كان فكرا قوميا عربيا أو فكرا قوميا كرديا، كما لا أؤمن اليوم على أقل تقدير بفكر الإسلام السياسي، لأني علماني ديمقراطي ليبرالي وطني، أعني بوطني أني أؤمن بالهوية العراقية، وكل ما سواها هوية ثانوية لا تتقدم على الهوية الوطنية، سواء كانت أوسع من الوطن أو أضيق منه، ثم الليبرالية لا تنسجم مع الفكر القومي، وإن كنت أحترم الهوية القومية وأحترم نضال الشعوب والقوميات من أجل استعادة حقوقها القومية، والعراقيون ليسوا مضطهدين في عروبتهم، كي يضطروا لحمل لواء فكر القومية العربية. نعم القومية الكبرى للشعب العراقي هي القومية العربية، وأنا أعتز بها، ولكني لا أرى طرح العروبة كقضية أساسية في العراق متنوع القوميات، نعم أطرحها فقط في مقابل محاولات ربط العراق بتبعية إيرانية فارسية، فهنا أكون عراقيا وأكون عربيا. لكن عروبة العراق ليست من أولوياتي، بل أولوياتي: العراقية أو الوطنية - وهذا طرح المرحوم عبد الكريم قاسم في مقابل العروبيين من جهة والأمميين من جهة أخرى -، والمشروع الديمقراطي من أولوياتي بل على رأسها، والليبرالية بمعنى الإيمان بالحرية كأساس، والعلمانية من أولوياتي منذ تحولت من إسلامي ديمقراطي إلى علماني يحترم الدين ولكن يؤمن بالفصل بين الدين والدولة ويرفض تسييس الدين، حفظا لكل من نقاء الدين وديمقراطية الدولة، فإذا كنت عروبيا، فلا تتوقع مني أن أكون كذلك، فالعروبيون هم الذين حكموا العراق منذ 1963 حتى 2003، وإن كنت لا أعمم الاستبداد الذي ساد في هذه الحقبة على كل القوميين العرب، فمنهم المعتدل والديمقراطي، ولا يجعل عروبيته متعارضة مع عراقيته. وربما يعاب علي أني متأثر بالفكر الأوربي، وأقر بذلك، والفكر السياسي الأوربي قد طلق القومية بالثلاث بعد الحرب العالمية الثانية وانتهاء الحقبات القومية لهتلر وموسوليني وغيرهما.

أما قوله «عليكم أن تعتذروا علنا للشعب العراقي، وتحلوا أحزابكم (الإسلامية) الدعوة والمجلس والإسلامي التابع للهاشمي والفضيلة، وعليكم أن تتخلوا عن كل شعار إسلامي والزي الإسلامي، ويخلع معمموكم عمائمهم»، فأقول هذه الـ «ـكـُم» من «عليكم» لست معنيا بها، فالكل يعرفني معارضا شديدا لكل قوى الإسلام السياسي التي عددها الكاتب، وأنا مثله من دعاة حل الأحزاب الإسلامية، ولو أعدد لك المقالات والبحوث التي دعوت فيها إلى حل الأحزاب الدينية، لطال المقام بالإشارات المستفيضة إلى مقالاتي، فأنا صاحب الدعوة إلى سن قانون للأحزاب يمنع تأسيس أحزاب على أساس ديني أو مذهبي، وأنا الذي رفعت وحدي يدي من بين نواب الائتلاف مؤيدا مشروعا قدمه النائب مفيد الجزائري بمنع استخدام الرموز الدينية في الدعايات الانتخابية، وكان ذلك عام 2005، وكثيرون تابعوا حلقاتي في تنظيم العلاقة بين الدين والسياسة، والتي طالبت في إحداها منع دخول رجل الدين في الشأن السياسي، إلا بعد أن يتجرد عن زيه وعمامته وعن صفته كرجل دين، وهناك تفاصيل ذكرتها أستغني عن إعادتها أكثر من هذه الإشارة. فلا أدري ما معنى أن ينسبني الكاتب إلى ما لا أنتسب إليهم ويخاطبني بـ «أنتم» فيما لا علاقة لي به.

أما قوله «في رسالتك للدعوة لم تذكرهم أنك حذرتهم من الاحتلال الأمريكي»، نعم لم أحذرهم ولا أدعو اليوم إلى المقاومة، ولينعتني بالعمالة من يشاء، فإني أكره أن يكون بلدي تحت الاحتلال، لكن أرى أخطارا تحف بالمشروع الوطني العراقي، منها الطائفية السياسية، والإسلام السياسي والنفوذ الإيراني، وأرى إن خروج الأمريكان ومع شديد الأسف سيجعل هذه الأخطار مضاعفة أضعافا كثيرة، بحيث لو كان الآن ثمة أمل للخروج من النفق المظلم، سيكون هذا الأمل قد جرى قتله نهائيا ويكون حلم تحقيق الديمقراطية قد دفن إلى الأبد، ويكون العراق فريسة الأطماع الإيرانية والإرهاب والتطرف، وندخل دوامة عنف أعنف بكثير مما نحن فيه لا خروج منها. ليس من إنسان يحمل ولو ذرة من الحس الوطني يرتضي للوطن أن يكون محتلا، ولكن الاحتلال لن يكون قدر العراق إلى الأبد، بل سينهى آجلا إلم يكن عاجلا، أما إذا تكرست الأخطار التي ذكرتها، فلن نخلص منها إلى بعد عدة قرون من الزمن.

 والغريب إن الكاتب يختزل الشعب العراقي بالتيار الصدري، فيقول: «وحذرتهم من الشعب العراقي وقلت (حذرتكم من التيار)»، وهذا يذكرنا كيف اختزل صدام الشعب العراقي بحزب البعث، ولا أشبه الكاتب والمعاذ بالله بصدام، إنما هو نفس نمط التفكير، وهنا أقول لا يمكن لأي تيار مهما كان وطنيا ومهما كان متمتعا بشعبية أن يختزل الشعب فيه وبالتالي يقصي غيره. وقول الكاتب «ووصلتم بأصواته إلى المنطقة الخضراء»، نابع كما يبدو كذلك من عبارات أخرى أنه يتصور أني موجود في المنطقة الخضراء، في منصب ما أو على أقل تقدير كعضو في البرلمان، ولا يدري أني مضطر أن أكون خارج العراق منذ صيف 2006 لأنني أصبحت بسبب مواقفي الناقدة مهددا في العراق، وليس من جهة مستعدة أن توفر لي الحماية من الجهات التي هي مصدر الخطر علي، فو كنت عميلا للأمريكان كما يلمز الكاتب، لوفروا لي اللازم من الحماية ولما اضطررت أن أبقى في ألمانيا، كوني مهددا من المتطرفين بشكل جدي.

ثم يتحول الكاتب ليناقشني في علمانيتي بقوله: «تحولت من إسلامي إلى علماني، هل فشل الإسلام، أم فشلت الأحزاب التي تسمت باسم الإسلام؟»، فأقول إن هناك رؤية فقهية معتبرة ترى علمانية الدولة، لأن الدين حسب هذه الرؤية هو مشروع دعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وليس مشروع دولة وسلطة، ولذا فإني أرفض أي نوع من الإسلام السياسي، وفرق بين الإسلام والإسلام السياسي، ويؤسفني أن الكاتب وكأنه يريد أن يستدرجني ليعلن ارتدادي بقوله: «وعند تخليك عن مبادئ الإسلام»، وكأن من يرفض الإسلام السياسي يكون بالضرورة قد تخلى عن مبادئ الإسلام، أما مطالبته لي «عليك أن تبين لنا أين الخلل هل في النظرية الإسلامية»، فإني لا أؤمن بوجود نظرية سياسية إسلامية أصلا، بل الإسلام الذي أفهمه يبيح للناس أن يستفيدوا من التجربة الإنسانية في حل مشاكل المجتمع وتلبية متطلباته، وما السياسة إلا فيما هي حل لمشاكل المجتمع وتلبية لمتطلباته، وهذا ما لا نرجع فيه إلى رسالة عملية لأحد المراجع، ولا إلى فلسفة التوحيد أو إلى كتب التفسير أو كتب علم الكلام أو علم الحديث أو علم الرجال، وغيرها، بل عندما أريد التفكير بحل مشكلة البطالة، انخفاض المستوى المعيشي، نقص الخدمات، انخفاض المستوى العلمي، الأمية، تفشي الجريمة، التضخم المالي، وأهدف إلى تحقيق التوزيع العادل للثروة، قضايا الضمان الاجتماعي، تلبية حاجات المعوقين وذوي الحاجات الخاصة، تطوير المناهج الدراسية، رفع مستوى الكادر التعليمي، حماية البيئة من التلوث، تطوير الزراعة والصناعة، حفظ الأمن و... و...؛ هذا كله لا أستنبطه من الفقه، وإنما من التجربة الإنسانية.

وقولك «نحن نقول أن الإسلام هو نظرية الله»، فهنا بالذات يكمن الخطر، فالإسلاميون وأنت تسبهم من جهة وأنت واحد منهم من جهة أخرى، وقولك هذا شاهد على ذلك، تقول «الإسلام هو نظرية الله وغير قابلة للفشل على الإطلاق»، فتجعل الفهم البشري من فقه وتفسير ونظرية سياسية إسلامية، هذا الفهم البشري للدين، والذي هو فهم نسبي، والاختلاف غير المحدود في الاجتهادات دليل نسبيته، هذا النسبي والقابل للخطأ تنسبه إلى الله سبحانه وتعالى، وهنا يكمن الخلل والخطر في فكر الإسلام السياسي، كونه يدعي الإطلاق لما هو نسبي، والإلهية لما هو بشري، والعصمة لما هو قابل للصواب والخطأ. فانظر إلى تعبيرك «الإسلام» أي الإسلام السياسي «هو نظرية الله»، انظر «نظرية الله»، «حزب الله»، «جيش الله»، «دولة الله»، كل شيء ينسب إليه سبحانه وتعالى، ولا تكتفي بهذه النسبة بل تؤكد إطلاقية الفهم البشري النسبي، والنظرية البشرية المنسوبة إلى الله بدعوى أنها «غير قابلة للفشل على الإطلاق»؛ هذه الـ «على الإطلاق» هي التي تخيفنا، ومن هنا كان لا بد من علمانية الدولة، والتي تحفظ الدين والتدين وحقوق المواطنة، ولكن تبقى الدولة بشرية، وبالتالي قابلة للنقد والمعارضة، بينما الذين ينسبون فكرهم إلى الله، سيعتبرون نقد فكرهم نقدا لدين الله ونقدا لله سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا. فنظرية الخميني نظريته هو وليس نظرية الله ونظرية محمد باقر الصدر نظريته وليست نظرية الله ونظرية محمد الصدر نظريته وليست نظرية الله، وهكذا نظريات الأحزاب الإسلامية، سواء كان اسمها دعوة أو تيار أو مجلس أو إخوان أو تحرير أو فضيلة أو حزب الله، هذه كلها بشرية، ولو كانت إلهية لكانت واحدة وليست متعددة، ولكان الواحد منها واحدا إلى الأبد ولا يتجزأ وينقسم وينشرخ كما هو غالبا مع الأحزاب، بينما الله واحد أحد لا يتعدد ولا يتجزأ، وهكذا ينبغي أن تكون نظريته.

 

تقول «أربعون سنة من تبني شعارات إسلامية»، بل أقول خمسون سنة منذ 1958 سنة تأسيس الدعوة حتى اليوم، أو ثمانون سنة، إذا حسبناها منذ تأسيس حركة الإخوان المسلمين، وكما قلت سابقا فالدعوة كانت نسخة الإخوان الشيعية، والمجلس نسخة الدعوة الإيرانية، والتيار نسخة الدعوة الأشد تشددا واسمح لي أن أقول الأكثر تطرفا و.... أما إذا قصدتني بالأربعين سنة، فالمدة التي كنت فيها إسلاميا كانت خمسا وعشرين سنة فقط.

أما إنك تقول «أنت عضو برلمان»، فلا أدري من أين لك هذه المعلومة، والكل يعرف أني معارض مهجر منذ حزيران 2006، بقيت في ألمانيا هربا من الحزبَين الإسلاميّيَن الشيعيّيَن المتطرفيَن المتنادَّين المتصارعَين المتمتعَين رغم تناقضهما بالدعم الإيراني والمعروفـَين بدون الحاجة لتسميتهما.

«أي برلمان هذا الذي يدخل تحت حراب الأمريكان ليناقش هموم شعب» ماذا تريد إذن؟ عراق بلا برلمان، بلا حكومة، بلا جيش، بلا شرطة، بل عبارة عن عراق ليس فيه إلا احتلال من جهة، ومقاومة احتلال من جهة أخرى، والله أكبر والنصر للمقاومة. أنا لدي الكثير من الملاحظات على أكثر أعضاء البرلمان، والكتل البرلمانية، وأداء البرلمانيين، ورواتب ومخصصات نواب البرلمان، لكن أن يكون البديل بلا برلمان وبلا دولة، حتى يخرج الاحتلال، فكيف سيكون حال البلد؟ نعم الأوضاع سيئة الآن، ولكن سيتضاعف سوؤها ربما إلى مئة ضعف عما هي عليه. ثم في البرلمان نواب وطنيون ونزيهون، ومنهم من يحمل أفكار الكاتب المحترم نفسه.

أنا معك عندما تقول: «لا نقبل إلا بمحاكمة هذه الأحزاب، ونقسمها إلى: من تلطخت أيديهم بدماء العراقيين حتى ينالوا جزاءهم، وهو من لم تتلطخ أيديهم لكننا نريدهم أن يعيدوا المال العام الذي نهبوه من قوت الفقراء.» ولكن هناك فرق بين حزب وآخر، فهناك أحزاب يجب أن تحاكم وتمنع، وهناك أحزاب ليس هي كأحزاب، بل فيها رموز وشخصيات قيادية وغير قيادية يجب أن تحاكم على ما مارست من عنف وقتل وسرقة.

«من الخطأ الإصرار على أن في العراق عملية سياسية». هذا رأيك، أنا شخصيا من أشد الناقدين للعملية السياسية، أما نفي وجودها فمغالطة.

«بعد كل الذي حصل، مؤاخذتنا عليك أنك دخلت مع الداخلين إلى المنطقة الخضراء، وتسمي ذلك الدخول للأوائل من رفاقك (شرف سبق الدخول)» لا أدري ما المقصود بدخول المنطقة الخضراء. وقبل الكلام عن المنطقة الخضراء، أتكلم عما ذكره «وتسمي ذلك الدخول للأوائل من رفاقك (شرف سبق الدخول)»، فهنا عنيت دخول العراق، وليس دخول المنطقة الخضراء، فقد دخل معظمنا العراق بعد السقوط ولم يكن له مأوى أو سكن، والبعض دخل من طرق محفوفة بالمخاطر، أما أن يصور بعض الأشخاص مثل صاحبنا أن السياسيين دخلوا فوق الدبابة الأمريكية وذهبوا مباشرة إلى قصور المنطقة الخضراء، فهو كلام لا أساس له من الصحة، وإذا انطبق على البعض فهم أفراد محدودون. شخصيا سكنت بعد عناء لفترة محدودة في المنطقة الخضراء في مجمع سكني بعمارات سكنية غاية في القذارة وفقدان الصيانة، حتى أخذت مني الشقة أثناء سفري عنوة وخصصت لعضو برلمان محسوب على المجلس الأعلى.

«أخشى أن يكون انسحابك من الحزب مغازلة لأمريكا» من أمثال الكاتب هناك حزمة اتهامات جاهزة ضد من يختلفون معهم، أقلها العمالة وأخطرها الارتداد كما سيأتي في المقالات الأخرى التي سأتناولها.

بعد أن انتهينا من السيد حمزة الگرعاوي سننتقل في الحلقة القادمة إلى السيد كاظم عبد الحسين عباس.

06/05/2008 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::