مع فخري مشكور في إشكاله على منهجي الاستيحائي
الحلقة الأولى
لم ألتفت إلى ما كتبه الصديق العزيز فخري مشكور في «الشكرجي مستوحيا لا مجتهدا»، لولا أن لفت نظري أحد الأصدقاء إل ذلك.
ابتداءً أحب أن أعتب على الصديق العزيز في أنه اختار في البداية موقعا، يفترض أنه على علم بأن له موقفا (إيديولوجيا) و(سياسيا) ضدي، ألا هو براثا، بحيث رفض هذا الموقع نشر ردي، وهذا خلاف العرف الصحفي، الذي يستوجب أن تنشر الصحيفة أو الموقع رد الكاتب الذي أثيرت قضية فكرية أو سياسية تجاهه، بينما استجاب موقع الملف مشكورا بنشر ردي.
هناك دوافع تدعوني لمواصلة الحوار مع الصديق الأستاذ فخري مشكور.
لكن هناك مبررات تدعوني لوقف الحوار.
ما يدعوني لمواصلته:
- كي لا تذهب الأفكار التي أعتقد بصحتها ضحية سوء الفهم عند بعض القراء، من خلال التأثر بآخر ما قرؤوا من إشكالات على الأفكار التي أثارها الصديق المُشكِل عليّ، دون معرفة ردي عليها.
- كون الأخ المحاور صديقا عزيزا، لا أحب أن أعرض عن محاورته، فهذا خلاف الأدب وخلاف مستلزمات الصداقة والإخوة.
- كي لا يتصور أنه بالنتيجة قد أفحمني بما لا ردّ لي عليه، وذلك ليس انتصارا لشخصي، بل للمباني التي أتبناها وأعتقد بصحتها، أو على تقدير بكونها أقرب إلى الصواب من الرؤى التي يتبناها الأخ المحاور.
- كون الحوار في مثل هذه الأمور من غير شك مثمر، ومن شأنه أن يغني الثقافة، ويغني نفس الموضوع المتحاوَر حوله.
وما يدعوني للتوقف:
- كوني فعلا مشغولا بما أراه حسب تقديري أهم، دون التقليل من أهمية مواصلة الحوار، ومن ذلك انشغالي بمشاريع تأليف، ولو إن إتمام بعضها قد يتطلب أشهرا أو لعله سنوات، كمشروع كتاب باسم «الدين في ضوء العقل»، الذي أتبع فيه منهجا، ربما لن يراه الأستاذ مشكور علميا بما فيه الكفاية، إضافة إلى عدد من مشاريع مقالات وبحوث غير تامة، ضمن ما أسماه الصديق المحاور بـ (الغزارة) التي شمَمتُ ثمة مؤاخذة منه لي فيها.
- الطريقة التي يجري فيها الحوار، توحي، وآمل أن أكون مخطئا، أنها ستبقى لفترة طويلة بلا خاتمة، فيبقى الأخ يُشكِل، وأبقى أجيب، فنـُتعِب القـُرّاء، ثم سيُتعِب ربما أحدنا الآخر.
مع هذا رأيت رجاحة أن أجيب، بحيث أتناول في كل مرة مقطعا من مقالة الأستاذ العزيز بالرد والتوضيح والمناقشة. لكني سأتوقف ربما، إذا تخللت مناقشتي، مناقشات أخرى جديدة من الأخ أو من غيره، لأن ذلك سيؤكد هاجس أننا دخلنا مدخلا لا مخرج منه إلا بعناء، وبعد طول مكوث.
ابتداءً أسجل ملاحظاتي على مناقشة الأخ فخري مشكور، ما لها وما عليها:
- كان الصديق العزيز في غاية الأدب.
- بذل مسعى كبيرا ووُفـِّق إلى حد كبير ليكون علميا وموضوعيا.
- مع أدبه الجم وعلمية مناقشته لم تخل المناقشة من لغة التهكم والتشكيك الخفي بعلمية ما أطرحه.
- ثم هناك مواقع لم تخل من سوء فهمه لي، وتفسير ما أردت على غير ما أردت.
- تنم ثقافته عن سعة في الثقافة وخلفية علمية تسجل له بكل إجلال.
- طريقة فهمه للمفاهيم الإسلامية تنتمي حسب تقديري إلى المدرسة المحافظة، ولكن التي تتحلى ببعض الانفتاح، ولا أعيب عليه انتماءه إلى المدرسة المحافظة، وإنما أذكر ذلك من قبيل تبيان ما شخصتـُه، ولا أستبعد أنه قد لا يرى انتسابه إلى ما ذكرت.
ركز الأخ كثيرا على مصطلح الاستيحاء، ابتداءً من عنوان مقالته «الشكرجي مستوحيا، لا مجتهدا»، وواضح أنه إنما يلمز بذلك لعدم علمية المنهج، باعتبار مصطلح الاستيحاء غير وارد في قاموس البحث والاستدلال وغيرها، كما يذهب إليه. فهو كمنتسب مخلص وتابع وفيّ للمدرسة المحافظة، من حقه أن يجد في كل ما لا يتفق مع أسس هذه المدرسة (الموروثة) و(المشهورة) عدم الانسجام بين بعض مقولاتي وبين المنهج العلمي المتبع في مثل هذه الحالات، حسبما عبر.
بالنسبة لقوله أن مقالتي التي رددت بها على رده، قوّت ظنه بوجود منهج خاص بي في فهم أمور الدين الفقهية والعقائدية - قد يشاركني فيه آخرون قلـّّوا أو كثروا - ثم إبداء رغبته في استجلاء هذا المنهج وتلمس معالمه من خلال كتاباتي، وهي طريقة غير مباشرة للتعرف عليه (أي على المنهج) يرى نفسه مضطرا لها لأني - حسب اطلاعه - للآن لم أكتب عن معالم منهجي بشكل مباشر، أحب أن أقول: قد يكون هذا صحيحا إلى حد ما، ولو إن هناك في تصوري من عرف ملامح وأسس هذا المنهج المتبع من قبلي، ولكني سأبين هذا في كتابي الذي بدأت به، ولا أدري متى أنتهي منه، ذلك بعنوان «الدين في ضوء العقل»، لكني لا أظنه يريد الانتظار حتى فراغي من هذا الكتاب، لذا أحيله ابتداءً إلى سلسلة مقالاتي «أيهما في الدين حاكم على الآخر .. وحي السماء أم عقل وضمير الإنسان»، فلعله يجد بعض الجواب أو ملامح الجواب على سؤاله. أما بشأن مشروع كتابي، فهو يعالج ثلاثة محاور في ضوء ثلاثة أسس، سأوضحها إن شاء الله:
يعالج:
- العقيدة الدينية
- مبادئ الأحكام الشرعية
- المفاهيم الدينية العامة
في ضوء:
- تأصيل مرجعية العقل
- حاكمية العقل الفلسفي والأخلاقي
- المذهب الظني
ولا أتصور إن عدم استيعاب المدرسة المحافظة للمنهج الذي أعتمده يقلل من قيمته. ليس اعتدادا بالنفس، وليس ادعاءً لعلم لا أملكه، لكني واثق من منهجي ومذهبي الذي أتناول على وفق أسسه أفكاري، والمستقبل كفيل بإثبات - لا أقول صحة - هذا المنهج، لأن الصواب والخطأ نسبي - بل - علميته، باعتباره قائما على أسس عقلية في ضوء القوانين الثلاثة التي ذكرتها أعلاه؛ الأول: تأصيل مرجعية العقل، بالفرز الواضح بين الواجب والممكن والممتنع العقلي، وتأصيل هذا المنهج أكثر مما اعتمده معظم علماء الكلام، والثاني وهو متفرع عن الأول: حاكمية كل من العقل الفلسفي والعقل الأخلاقي، والتي أسميتها في مقالتي بـ حاكمية العقل (أعني به العقل الفلسفي الحاكم على الصواب والخطأ)، وحاكمية الضمير (أعني به العقل الأخلاقي الحاكم على الحَسَن والقبيح، وهو نفس منهج مدرسة الحُسن والقـُبح العقليين).
أكتفي اليوم بهذا المقدار، وإذا أعانني الله سبحانه وتعالى، سأواصل بين حين وآخر تناول رد صديقي العزيز، الذي أقدر والله كل أدبه وعلميته وثقافته، وإن اختلفت اختلافا كبيرا مع المدرسة المحافظة التي ينتمي إليها، لكني أعلم أنه من المحافظين المنفتحين، وليس من أولئك المنغلقين، حاشا له، ولذا آمل أن يتحملني وأتحمله إن شاء الله، مهما تفاوتت أسس مدرستـَينا، فلي وإياه مساحة واسعة جدا من المشتركات، ربما أوسع بكثير مما قد يتبادر إلى تصور البعض.
03/08/2208
الحلقة الثانية
أحاول أن أواصل مع الصديق الأستاذ فخري مشكور في «الشكرجي مستوحيا لا مجتهدا». وأحاول أيضا الاختصار، والاقتصار على ما أراه مهما، ولا يبعد أن أخطئ في تشخيصي لما هو مهم وما هو ليس كذلك.
افترض الصديق مشكور أن «الكاتب إما أن يكون باحثا يستنبط الآراء وينتج الأفكار، وإما أن يكون ناقلا يعرض آراء غيره شرحا أو استعراضا أو تلخيصا.» وهنا يؤسفني أن أكون مضطرا إلى أن أخيب ظنه، فأقول بأني لا هذا ولا ذاك، بل هي حالة ثالثة، لا أريد أو أوصفها، لأن التوصيف يجب أن يقوم به غيري، باعتبار أن التوصيف الذاتي للمنهج المتبع، قد يوحي برغبة الإطراء على الذات، أستجير بالله، وفي كل الأحوال، وبقطع النظر عن سؤال أين أبوب، فإن الكاتب ليس بالضرورة وحصرا أحد الاثنين اللذين ذكرهما.
فيما يتعلق بمنهجي فللعلم إني لا أنفرد به، حسبما اكتشفت لاحقا. وفيما يتعلق بالمنهج العلمي للباحث، الذي وضح معالمه وشروطه الأستاذ فخري مشكور، فإني أقيِّم وأثمِّن ما ذكره، وأترك الحكم على مدى التزامي بالمنهج أو عدم التزامي.
قوله «أني أعتمد على فهمي للأمور الشائكة باستظهاري عددا من الآيات القرآنية دون أن أتلف وقتي الثمين - كما يعبر - في الرجوع لتفسيرها، أو استيفاء الآيات الأخرى التي تتعلق بنفس الموضوع،» وافتراضه أني لم «أتناول سائر الآيات التي تتعلق بالكافرين،» غير دقيق، فإن كل الآيات التي يعنيها حاضرة في وعيي، كما إن معناها الذي أتبناه، وتأويلها حاضر لدي، وعدم سرد كل هذه الآيات وتفسيرها والوقوف عند كل منها وعرضها على بعضها البعض، لا يعني أني أجتزئ الآيات التي أريد أن أوظفها لتأييد رؤية محددة، لإننا إذا قمنا بهذا الجهد في كل موضوع نطرحه، كان لزاما علينا أن نحول كل مقالة إلى كتاب ضخم، أو إلى موسوعة بمجلدات عديدة. بالإمكان أن نستعرض كل ما يعنيه الأستاذ من آيات، ونتوقف عند كل واحدة منها. لكن من أجل ألا أتركه من غير ثمة إجابة، ولو ليس على النحو الذي يتمناه، أقول - كما بينت في سلسلة «أيهما حاكم في الدين على الآخر؛ وحي السماء أم عقل الإنسان» - بأن هناك أسسا عقلية تعتبر من لوازم الضرورات العقلية ذات العلاقة ببحث واجب الوجود والعدل الإلهي المطلق الذي هو من لوازم واجب الوجود، فكل نص ديني إذا ثبت أنه يتقاطع مع تلك الضرورات بشكل واضح لا يقبل التأويل إلى معنى آخر، وإذا لم يكن هناك شك في صدور النص عن ذلك الدين، وكان التعارض قطعيا، فهو دليل على عدم صدق ذلك الدين. أما إذا سلمنا بصدق ذلك الدين، أو افترضنا ذلك، لوجود أدلة يراها من يعتقد بصدقه كافية للتصديق، كما أرى ذلك، وكان من النصوص ما يمكن فهمه على نحو التعارض الذي ذكرت، ولكنه ممكن التأويل إلى ما لا يتعارض مع الأسس والثوابت العقلية، فيما هي ضرورات العقل الفلسفي، أو ضرورات العقل الأخلاقي، فيؤول النص إلى ذلك الفهم غير المتعارض مع تلك الأسس، وإلا فأي فهم يتعارض مع تلك الضرورات العقلية لا يمثل حقيقة الدين وجوهره الإلهي، فإذا صح ذلك الفهم، دل على عدم صدق نسبة الدين إلى الله سبحانه، بل يكون ذلك الدين نتاجا بشريا، نقبل منه بعضه، ونرفض بعضه. ولكن مع الإيمان بأن الدين موضع البحث يمثل وحيا إلهيا، ولو على نحو الظن الراجح، لأن اليقين في الممكنات العقلية محال، بل هو ممكن حصرا في الواجبات العقلية إثباتا، وفي الممتنعات العقلية نفيا؛ أقول مع هذا الإيمان الظني الراجح يكون لزاما علينا تأويل النصوص إلى ما ينسجم مع العدل الإلهي المطلق، ومع العقل العملي، فيما هي الحكمة، والعقل الأخلاقي فيما هو الضمير الإنساني أو الفطرة الإنسانية، أو المثل الإنسانية، وهكذا مع سائر الضرورات العقلية. وهذا الفهم قد لا يكون بعيدا عما يطرحه على سبيل المثال المفكر مطهري في كتابه العدل الإلهي. ففي طروحاتي، وخلافا لما يتوهم السيد فخري مشكور، أدعي «استيعابي للآيات الأخرى ذات الصلة بنظريتي، وعدم اكتفائي» - كما يتوهم الأخ مشكور - «بـ"لا اكراه في الدين"، و"فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، و"لست عليهم بمسيطر"،» وتلك الآيات الأخرى كما تفضل والتي هي «ليست بالقليلة ولا تخفى علي، ولم تغب عن بالي وإن غابت عن مقالتي». لكنه مخطئ تماما في الاعتقاد بأنها «تستعصي على التفسير الذي طرحته»، وأقولها بصراحة، إن الآيات التي طرحها الأستاذ مشكور حول الموقف من الكافرين، والمقصود بكفرهم الكفر بالإسلام على وجه التحديد، حيث إن الكفر والإيمان نسبيان، إذا كان تفسيرها كما يفهم الكثير من المسلمين، وربما ما يفهمه الأستاذ مشكور، وإذا كان هذا المعنى الذي يذهب إليه هؤلاء، هو المعنى الذي أراده القرآن، فهم من حيث لا يشعرون يشككون بكون مصدر القرآن هو الله سبحانه وتعالى علوا كبيرا عما يتصورون عبر ذلك الفهم، فالله أعلى وأجل وأأعدل وأرحم من تلك الصورة التي يكونها أصحاب ذلك الفهم. وهو الفهم الذي أسس لثقافة كراهة الآخر، والذي أبرئ وأنزه منه الله سبحانه وتعالى، فإذا استطعنا أن نبرئ وننزه القرآن منه كذلك، فقد أثبتنا كونه كتاب الله، ولو على نحو الظن الراجح، وإذا استحال تبرئة وتنزيه القرآن والمعذ بالله، هذه الاستحالة التي لا أعتقدها شخصيا، حتى لو كانت من الممكنات العقلية الفلسفية المحضة، فالقرآن عندئذ مشكوك بكونه كتاب الله. من هنا أقول لهؤلاء المتحرقين على الإسلام والدفاع عنه ودفع الشبهات عنه، إنكم بالمنهج النصي إنما تثيرون الشكوك حول القرآن، ولا تنتصرون له، كما تظنون.
يمكن أن أتوقف عند كل آية من الآيات التي ذكرها الصديق العزيز، ولكن هذا سيثير أمورا، ما زالت الأجواء العامة لا تتقبل ثقافته. وإننا يا عزيزي قد وقعنا في التناقض، إذ أدَنـّا عبر إدانة القرآن لكل من وجد آباءه على ملة فكان مقتديا على آثارهم، من غير تبين أعلى هدى كانوا أم لم يكونوا، ولكننا في نفس الوقت لا نفهم سلامة الدين وحقيقة الاهتداء إلا عبر اتباع ما وجدنا عليه أسلافنا، سواء أخطؤوا أو أصابوا، دون أدنى مراجعة.
ثم إننا نقع في التناقض ثانية، عندما نقول كأتباع لمدرسة أهل البيت عليهم السلام، ألا تقليد في الأصول، ولكن في نفس الوقت نرى أي خروج، ولو كان نسبيا، عن التقليد، إنما هو خروج عن ضرورات الدين، أو لا أقل عن ضرورات المذهب، كما يُعبَّر.
إني سأعرض عن الوقوف الآن عند هذه الآيات. وأكتفي اليوم بهذا القدر، وسأعرض على إشكالات الأخ مشكور، والتي خرج في بعضها عن أسلوبه العلمي، الذي يُحسَب له، إلى لغة التهكم التي تسيء إلى علمية وموضوعية منهج الحوار، الذي حرص ووُفـِّق في أكثر الأحيان، على أن يلتزم به. فعلمية أسلوبه في الحوار، والذي يحترم من أجله، لا يعني بالضرورة أنه خال من الثغرات العلمية، بسبب أحادية الوجهة الثقافية، ولكن من منا خال من ثمة ثغرات، قلت أو كثرت، فأنا شخصيا لا أبرئ نفسي من ذلك.
في كتابي «الدين في ضوء العقل»، إذا ما وفقني الله بلطفه لإنجازه سيوضح المنهج الذي أسير فيه، وهو يرتكز على ثلاثة أسس، ألا هي المذهب العقلي، والمذهب التأويلي، والمذهب الظني. أرجو ألا يستعجل الأخ في تأويلها قبل أن تتاح لي الفرصة لبيانها، وطرحها للحوار والمناقشة والنقد والرد أو الإثراء. والله ولي التسديد للصواب، غير المؤاخذ على الخطأ، المجازي على قدر النيات والمنطلقات، العدل الذي لا يجور، والرحيم الذي ما من شيء إلا وسعته رحمته، والذي خلق الإنسان، علمه البيان، علمه بالقلم، علمه ما لم يعلم، وجعله مهما بلغ من آفاق المعرفة، خاضعا لقوله تعالى «وما أوتيتم من العلم إلا قليلا».
06/08/2007
الحلقة الثالثة
أواصل مع الصديق الأستاذ فخري مشكور. لكني لن أتوقف عند كل مفردة، وإن كان لدي على كل مفردة ثمة وقفة، لأن ذلك سيكون استهلاكا للوقت والجهد. لذا أقتصر على بعض الوقفات.
قوله أني «أشير إلى آراء آخرين يذهبون إلى ما ذهبت إليه، لكنه يراني - كباحث - في غنى عن ذلك، ويكفيني أن أثبت آرائي بالطريقة العلمية سواء وافقت آراء غيري أم خالفتهم، وليس الاستقواء بآراء الآخرين بذي قيمة، إلا للكاتب الناقل لا الكاتب الباحث.» هذا الكلام منه يجعلني بحق أستغرب من هذا الطرح. فالأخ العزيز هو الذي أشكل عليّ كوني لست مجتهدا ولا مفسرا. أنا لست بصدد الاستقواء بآراء الآخرين، ولكن عندما يحاور الإنسان شخصا له معاييره التي يزن بها، فلا بأس، بل يكون لعله من الأصح أن يجري استخدام نفس تلك المعايير، حتى لو كان الطرف الآخر المحاوَر والمثارة عليه الإشكالات لا يؤمن بتلك المعايير، أو يؤمن بها بحدود. ولذلك وبناء على تأكيده على حقيقة أني لست مجتهدا ولا مفسرا، أردت أن أقول له، صحيح أنا لست مجتهدا، لكن لطالما وجدت من المجتهدين من يرى ما أرى في القضايا الفقهية، وصحيح أنا لست مفسرا بمعايير الأستاذ مشكور، لكني لطالما وجدت عند أعلام المفسرين مباني تلتقي مع فهمي للقرآن، وهكذا أنا لست فيلسوفا، ولكني في تأملاتي طالما وجدت لاحقا توافقا بين الكثير من مقولاتي ومقولات فلاسفة مسلمين أو غربيين، دون أن أكون قد قرأت لهم من قبل. فبتكرار هذه الحالة ومنذ أكثر من عقدين، وأنا أشخصها بين حين وآخر، وعلى ضوء العلم التجريبي أو قل على وفق الاستقراء، تولدت لدي ثقة بما أطرحه، لأني بصراحة لحد الآن لم أطرح شيئا واحدا عبر تأملاتي أو استيحاءاتي، إلا ووجدت له بعد حين ما يشبهه عند أعلام الفكر، سواء كانوا فقهاء أو أصوليين أو علماء كلام، أو مفكرين وفلاسفة. من هنا فطريقة الاعتراض للأخ غريبة جدا، ولا أجد لها أي معنى مع احترامي ومودتي له، لكن ليس هكذا يجري الحوار والإشكال والاعتراض. ثم ما يجده الأستاذ الفاضل أني «لامست مسائل علمية ملامسة سطحية أو بحثتها دون أن أتقيد بالمنهج العلمي»، فهو رأيه، ورأيه محترم، ولعله يملك مبرراته في تكوين هذه القناعة، وربما تنطلق مبرراته من قواعد علمية، لكن ليس من دليل على صحتها، أو صحتها بالكامل، لأن ما يراه ملامسة سطحية، يراه غيره - وهم ليسوا قليلين - أنها معالجة معمقة، فالتقييم نسبي، وحسب ما رأيت من منهج في الحوار يتبعه، سيسارع ليقول لي من هم هؤلاء؟ أنا أدعي أني فعلا «قاربتها من خلال منظومة فكرية خاصة بي، ومنهج في البحث»، ومن حقه أن يشكل علي بأني «لم أفصح عن طبيعة منهجي في البحث ولم أشرح آلياته»، لكني شرحت بعضه بشكل متناثر، وأنا الآن بصدد جمعه وترتيبه إن شاء الله في مشروع كتابي الذي ابتدأته بعنوان «الدين في ضوء العقل»، وقد أشرت إلى ذلك، وإلى أهم ملامح المنهج، ومنه ما تبين خلال «أيهما في الدين حاكم على الآخر؛ وحي السماء أم عقل وضمير الإنسان»، وتتلخص الأسس التي تقوم عليها نظريتي في فهم الدين عقيدة ومبادئ تشريع ومفاهيم عامة على المذهب العقلي، والمذهب التأويلي، والمذهب الظني. وآمل أن أقدم تصورا كاملا عن هذه النظرية، وما توفيقي إلا بالله العلي العظيم.
يؤسفني أن الأخ الفاضل قد ذهب منحى الاتهام بسؤاله عن «من هم هؤلاء المفسرون وعلماء الكلام والمجتهدون وأساتذة الحوزات العلمية في النجف وقم والأساتذة المرموقون والمحترمون (الذين أوكلوا إلي تدريس العقائد للنساء)...الخ؟»، ثم يؤكد تشكيكه بصدقي بتعقيبه على سؤاله بقول: «الجواب: لا نعلم.». مع العلم إني لم أقل كل الذي قاله، فلم أتحدث مطلقا عن «مجتهدين في النجف وقم أوكلوا إلي تدريس العقائد»، بل تحدثت - صحيح - عن «أساتذة حوزات علمية مرموقين ومحترمين»، ولم أذكر «النجف وقم»، بل تحدثت عن حوزة معروفة في دمشق، أما إنه يريدني أن أذكر أسماء بهذا الخصوص، وإلا فيكون قولي مشكوكا فيه، فمن حقه أن يشك، ومن حقي ألا أذكر الأسماء، والسبب إني كما ترى مقتحم أمرا، لا يقتحمه أي شخص، ولذا لا أريد أن أحرج آخرين، بأن أحشر أسماءهم في هذا الخضم، فيحسب ما أقحمت نفسي فيه عليهم. وأتصور إن هذا يمثل التزاما أخلاقيا، آمل ألا يلومني عليه السيد مشكور. لكن إذا أحب الصديق العزيز أن يسألني سؤالا شخصيا عن طريق الهاتف أو الإيميل، فسأخبره بأسماء من قصدت، وهم معروفون لديه، ثم بإمكانه أن يتحقق منهم من صدق ما ذكرت. أنا على يقين إنه سيرد بأنه لم يتهمني بعدم الصدق، لكن الذي يقرأ كلماته بدقة لن يفهم منها إلا التشكيك. ومع هذا لا ألومه في زمان قل الصادقون فيه. وتعقيبه بأن «لا يجب أن يـُفهم من قوله هذا أنه يتهمني - حاشا - بالكذب» وأن يعتبرني «أجل من هذا بلا شك»، أقول تعقيبه هذا لا يغير من كون العبارة السابقة تؤكد التشكيك بصدق مدعاي، فإني يا عزيزي والله لغني عن اختلاق ما ليس له واقع، ولا أريد أن أرفع من شأني والمعاذ بالله، فإني أعلم مستوى جهلي، كما أعلم مستوى علمي. فما كان منتظرا من الأخ العزيز أن ينحو هذا المنحى، ومع هذا، وبالرغم من حساسيتي الشديدة في قضية الصدق التي أعتبرها أمّ المُثل، والتي هي سرّ نجاحي، وسرّ فشلي، كما وهي سرّ كثرة محبيّ وسرّ كثرة خصومي، والأخ أكيدا ليس من الخصوم، لكن من المُشكِلين، وهذا حقه.
ولا أدري هل أراد أن يمازحني عندما قال إن «إحالتي إياه إلى الأستاذ عبد الجبار الرفاعي» تعني مطالبتي له أن يذهب إلى قم أو بغداد، وكأنه عندما ناقشني احتاج أن يأتيني إلى هامبورغ، أو كأننا لسنا في عصر الاتصالات من إيميل وتلفون؟ إني عندما ذكرت الأستاذ، لأني لا أملك الوقت للبحث عن المصادر والأسماء، ولأني أعلم بأن الأستاذ الرفاعي - وهو بحق رجل موسوعي - إضافة على أنه أستاذ حوزة مرموق، يُشهَد له مراهقته على الاجتهاد، وتحضره كل تلك الأسماء والمصادر والكتب والمقولات، ولهذا السبب أحلت الصديق مشكور إليه، لأن الرفاعي عنده ما ليس عندي، وهذا لا يحتاج إلى التهكم بهذه الطريقة أبدا، لأن التهكم يبعدنا عن المنهج العلمي الذي كان مشكور أحرص مني على الالتزام به.
أقف اليوم عند هذه المفردة، على أن أواصل مناقشة ردود وإشكالات الأستاذ مشكور في حلقة قادمة بعون الله تعالى.
10/08/2007
الحلقة الرابعة
أرجو ألا تكون مواصلة مناقشة بعض وليس كل ما ورد من إشكالات للأستاذ فخري مشكور باعثا للملل للقراء. الأخ يُشكِل عليّ فيما يسميه متهكما بـ «إحدى وسائل البحث العلمي لدى الأستاذ الشكرجي»، والتي كانت «متعسرة على فهمه بالرغم من سهولتها الفائقة»، ذلك كوني «طلبت من أحد الأشخاص الذي حاورني قبل نشر حلقات الحجاب الأربع، أن يراسل المراجع، ويطلب منهم الدليل على الحجاب ومسائل أخرى...».
وقبل أن أجعل الأخ يواصل استغرابه واندهاشه وتهكمه، لأبين الذي حصل. أن الأخ المدعو عقيل عادل قد هيأ بمبادرة منه ولكن - لا أخفي - بالتشاور معي مجموعة أسئلة تعدادها أربعة عشر سؤالا، عن الحجاب، وسن التكليف، والخمس، وبعض الممارسات الجنسية، والتقليد، والأعلمية، والتبعيض، وولاية الفقيه، والديمقراطية، والشعائر العنيفة، وغيرها. وعندما رأيت كثرة الأسئلة نصحته ألا يرسلها دفعة واحدة، فقسمها على وفق نصيحتي إلى خمس مجموعات، وأرسلها إلى المراجع الذي حصل على عناوينهم الألكترونية، وهم أصحاب السماحة علي السيستاني ومحمد حسين فضل الله ومحمد سعيد الحكيم ومحمد اليعقوبي، وكان بوده أى يرسلها إلى صاحبي السماحة البشيري والفياض، إلا أنه لم يحصل على عنوانيهما الألكتروني. وكانت صياغة السؤال ليست على نحو الاستفتاء، بل طلب معرفة الأدلة مع بيان مبرر هذا الطلب، وذلك بالنص الآتي:
سماحة آية الله العظمى السيد/الشيخ ... دام ظله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اسمحوا لنا بتوجيه الأسئلة أدناه إلى سماحتكم، آملين وصول إجاباتكم الوافية.
- ليس الغرض من الأسئلة معرفة المكلف لتكليفه الشرعي بما يبرئ ذمته.
- أسئلتنا تتعلق بالأدلة الشرعية للأحكام الشرعية.
- دافع توجيه الأسئلة هو إن هناك اليوم جمعا غير قليل من المقلدين يُصرّون وبدوافع مختلفة على معرفة الأدلة الشرعية لمجموعة أحكام تثار الشكوك حولها أو حول أدلتها.
- لا نريد الآن تناول جميع تلك المسائل، بل نقتصر على أهمها، راجين تفضل سماحتكم بتقديم الدليل الشرعي لكل من الأحكام أدناه، مع إيراد كل النصوص الشرعية المتعلقة بالحكم إن أمكن:
1. حكم الحجاب، لاسيما تغطية الشعر، وبهذه الدقة، بحيث لا يجوز ظهور شعرة واحدة، مع إضافة الاحتياطات كالتحنيك، والتي تصل عند بعض الفقهاء إلى حد تغطية كامل الوجه.
2. سن تكليف البنت في ذروة طفولتها، أي عندما يكون عمرها تسع سنوات قمرية، والتي تساوي بالدقة ثماني سنوات شمسية، وثمانية أشهر، وأربعة وعشرين يوما، وتسع ساعات، وثماني عشرة دقيقة، وأربعين ثانية، وبالتقريب ثماني سنوات وثمانية أشهر.
وجاء جواب «مكتب الاستفتاءات لسماحة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله» على السؤال الأول، أي دليل الحجاب، بالنص الآتي:
الدليل هو القرآن الكريم في قوله تعالى: «وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها»، «ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن». وآيات أخرى إضافة إلى اتفاق المسلمين على وجوب الحجاب، فالحكم من الأحكام الضرورية في شريعة الإسلام. وقد وردت الأخبار بجواز إظهار الوجه والكفين والقدمين.
إذن الأدلة عند سماحة السيد حسب مكتب استفتاءاته هي:
1. الآيتان المذكورتان على وجه الخصوص.
2. آيات أخرى لم يذكرها المكتب.
3. اتفاق المسلمين على وجوب الحجاب.
4. الحكم من الأحكام الضرورية في شريعة الإسلام.
5. وردت الأخبار بجواز إظهار الوجه والكفين والقدمين.
مما يدل على أن الآية التي استـُدِلَّ بها هي الأقوى ظهورا في وجوب الحجاب، وأن (الآيات الأخرى) حتما لن تكون بنفس دردة الظهور وقوة الدلالة، وإلا لكانت ذكرت. والآية المذكورة مما ركزت عليه في مناقشتي، وحتى الآيات الأخرى التي أشرت إليها الجواب دون ذكرها فقد ضمنها تلك المناقشة، لأني تناولت جميع الآيات المعنية بلا استثناء. أما القول بـ «اتفاق المسلمين على وجوب الحجاب»، وكون «الحكم من الأحكام الضرورية في شريعة الإسلام »، وأنه قد «وردت الأخبار بجواز إظهار الوجه والكفين والقدمين»، فلا أدري مدى اعتبار كل ذلك من الأدلة، لأن هذا يشبه القول بأن الدليل على الحكم الشرعي هو وجود أدلة شرعية عليه.
والظاهر أن الأستاذ مشكور أدرى من المراجع، لأنه يشير إلى نصوص تعتبر دليلا على الحجاب، فات المكتبين للمرجعين الموقرين الإشارة إليها. فمكتب السيد فضل الله اكتفى بالآيتين، كما مر، ولمح إلى آيات أخرى، لم يذكرها، ثم ذكر كدليل «اتفاق المسلمين»، وكون الحجاب من الأحكام الضرورية وورود أخبار.
وجاء جواب المكتب المذكور عن دليل سن التكليف، بذكر ما يذهب إليه سماحة السيد مؤخرا، باعتبار سن تكليف الفتاة ثلاث عشرة سنة قمرية والتي تساوي اثنتي عشرة سنة وسبعة أشهر حسب التقويم الشمسي، وليس تسع سنوات قمرية كما هو مشهور عند أغلب فقهاء الشيعة، مع ذكر دليل سماحته على ما يذهب إليه. وكان نص الجواب كالآتي:
رأينا الفقهي حصول التكليف للأنثى ببلوغ الحيض أو ثلاثة عشر سنة هجرية، وقد دلت الأخبار عليه. «وكذلك الجارية عليها الحج إذا طمثت»، «وعلى الصبية إذا حاضت الصيام»، «والجارية مثل ذلك إن أتى لها ثلاث عشرة سنة أو حاضت قبل ذلك فقد وجبت عليها الصلاة وجرى عليها القلم»، حتى إن روايات التسع مذكور فيها «وذلك لأنها تحيض لتسع» أما مسألة الدقة في احتساب العمر فلأن لكل شيء محدود بحدّ ما فيُلتزم به.
وجاء جواب «لجنة استفتاء مكتب سماحة آية الله العظمى السيد السيستاني قم» عن السؤال بشأن الدليل على الحجاب، بالاقتصار على رأيه الفقهي في حدود الحجاب، وليس جوابا على السؤال عن الدليل، وذلك بالنص الآتي:
«الواجب هو ستر الشعر والبدن عدا الوجه بما يشمل ما تحت الذقن بما لا يستره الخمار عادة وكذا الكفين.»
وكان جواب المكتب المذكور عن الدليل على كون سن التكليف للفتاة هو تسع سنوات قمرية بأنه:
«حكم الله سبحانه.»
هكذا جاء الجواب بهذه الكلمات الثلاث، كلمة «حكم»، وكلمة «الله»، وكلمة «سبحانه»، وما بعدها نقطة «.».
ومع هذا فأنا أحترم اعتراض الأخ مشكور عندما يقول مستنكرا وبحق علي: «والسؤال هو: أهذا هو المنهج العلمي في الاطلاع على آراء الآخرين الفقهية؟ أم هذه هي طريقة تفنيدها؟». هو محق، هذا ليس بالمنهج العلمي. وأنا أقر وأعترف بأني لم أتبع المنهج العلمي بدقة. وهذه نقطة لصالح الصديق مشكور وتحسب عليّ بحق وبكل تأكيد. لكن مع كل احترامنا للمرجعين الكبيرين اللذين ذكرتهما وأوردت جواب مكتبيهما، أقول أهكذا يجيب مكتب مرجع ترجع إليه عشرات الملايين من الأمة؟ هل من المعقول أن يجيب مكتب السيد فضل الله بأن الدليل بالذات هو الآية التي ليس فيها دلالة على ما تذهب إليه الفتوى؟ ثم هل يفسر الماء بعد الجهد بالماء، فيقول أحد المكتبين إن الدليل على كون الحجاب من ضرورات الدين كونه من ضرورات الدين، ويقول الثاني إن الدليل على أن تكليف البنت في السنة القمرية التاسعة يمثل حكم الله كونه حكم الله سبحانه؟
لماذا لا تحال هكذا أسئلة إلى نفس المرجع، ولا تجيب المكاتب، إذا كانت غير مؤهلة لتشخيص أي سؤال كيف يجاب عليه، لاسيما إن مقر أحد المكتبين الملف بالإجابة هو قم وليس النجف حيث سماحة المرجع. أنا أفهم أن مشاغل كل من المرجعين الموقرين هائلة وكثيرة جدا، ولكن ليكن في المكتب من يكون أهلا ليمثل المرجع في إجاباته، فإن إيكال الأمر إلى من ليس له المؤهلات لتشخيص أي سؤال كيف يجاب عليه، ومن يجيب عليه، المكتب أم المرجع بنفسه.
أنا أحترم ما ذهب إليه السيد فخري مشكور بقوله: «لكني أشير - وبكل تواضع - إلى الطريقة المألوفة في النقاش العلمي، عندما يتعلق الأمر برأي مختَلف عليه، فالباحث يجب أن يتتبع آراء الباحثين الآخرين في مظانها، ليطلع عليها بدقة، ويقرأها بتأنّ، ويزنها بالميزان العلمي بموضوعية. ومصادر آراء الفقهاء هي الكتب التي يؤلفونها، والتقريرات التي يدونها اللامعون من طلابهم، والأشرطة المسجلة لبحوثهم، فهل اطلع الأستاذ الشكرجي على شيء من هذه المصادر العلمية وهو يبحث عن أدلة الحجاب الفقهية عند الفقهاء؟»
هذا كله صحيح، وأتفق معه أن هناك ثغرة في علمية منهجي. ولكن بالله عليك يكتب شخص مثل ضياء الشكرجي، وله قراء غير قليلين، وكثير من القراء يتأثرون بآرائه، ولعل الرجل يكون أسير شبهات، أو لعله مغرض، أو ضالٌّ مُضِلٌ، أو مدفوع من جهات مشبوهة، إذن خطره ليس بقليل. لماذا لا يتصدى «اللامعون من طلابهم» للرد، من أجل حماية المؤمنين من تضليل الضالـّين المُضلـِّين؟
أذكر هنا حادثة حين كتبت في صحيفة البيان عام 2003 أو 2004 مقالة نفيت فيها بأدلة علمية وجود فتوى سياسية ملزمة. وكان مكتب المرجعية يجمع مقالاتي ويضع خطا تحت العبارات التي تمس المرجعية، حسب تقديره، مع إني أكن لها الاحترام، ولكن دون المغالاة، وأحرج مكتب المرجعية بأسئلتهم حزب الدعوة في حينه، وسألوهم ما إذا كانت مقالاتي تمثل رؤية الحزب، فكلف الحزب أحد أعضاء القيادة، وهو من السلك الحوزوي، لينبري لإزالة الشبهة عن الحزب، فكتب مقالة في نفس الصحيفة. المتوقع إنه باعتباره من السلك الحوزوي، وعضوا في قيادة الحزب، أن يناقش رأيي بالأدلة الشرعية، لكنه اكتفى ببيان موقف الحزب من المرجعية، وإن ما جاء في مقالة الشكرجي يمثل رأيه الشخصي وليس رأي الحزب.
فإذا كان الغيورون على الدين كأخي مشكور والأخ القيادي من حزب الدعوة في حينه، وكل الآخرين من المحافظين والنصيين يرون في مثل طروحات الشكرجي والشابندر وجمال الدين وغيرهم خطرا على الدين والمذهب، فلينبروا للرد على رؤاهم بطريقة علمية.
حسب فهمي القاصر ومنهجي غير العلمي إن عدم الإجابة دليل على غياب الحجة.
أما بقية مفردات التهكم العلمي جدا، والاستخفاف المنهجي جدا، لعزيزنا الإسلامي المسلكي والمحافظ جدا، والمتعبد بالنص جدا، الأستاذ فخري مشكور، فلعلي أتناولها في حلقة قادمة، أو لعلي أعرض عنها، لا أدري، وليست القضية مزاجية، بقدر ما أترك الأمر لتقدير الأولويات فيما يصرف الإنسان وقته.
12/08/2007
الحلقة الخامسة
هذه هي الحلقة الأخيرة، والتي سأختم بها، رغم عدم تناول كل ما طرحه الأخ الفاضل د. فخري مشكور في مناقشاته، التي حرص على نشرها في أكبر عدد ممكن من المواقع، ممن قرأ قراؤها ما كتبته، وممن لم يقرؤوه.
في الواقع أريد من جهة أن أواصل الحوار مع الأستاذ فخري مشكور، ولكني من جهة أخرى كلما أرى منهج اعتماد المُسلـَّمات، وأزمة الارتعاب من مسّ المشهور والمألوف والموروث، وأزمة الخوف من كل جديد، قبل التثبت من احتمال رجاحته على القديم، نعم، كلما ألمس هذا المنهج المحافظ، وأرى الأولويات التي تنتظر تفريغ الوقت لها، أجد أن من المؤسف على الوقت والجهد أن يصرف في هذا الحوار، مع احترامي لطرفه الثاني، ومع أهميته، لكن مع تشخيص الأهم. وإني إنما واصلت لحد الآن هذا الحوار، ليس من موقع القناعة في شدة جدواه، بقدر فعلت ذلك من أجل القراء، أو لعله شريحة منهم، ولكن عندما أحتمل أن كثيرين لعلهم ملوا مواصلة هذا الحوار وسئموه.
وليست لأن القضية تمسني شخصيا، ولكن لغة التهكم والاستهزاء ليست لغة علمية، مهما حاول صاحب الأسلوب التهكمي أن يغلفه بعبارات توحي بالاحترام والأدب الجم وانشراح الصدر للرأي الآخر. ولا أريد أن أتوقف عند عبارات التهكم التي تنم عن أزمة يحاول صاحبها أن يخفيها، هذه الأزمة التي يعيشها المحافظون والمسلكيون، والتي تنم ربما عن غيرة على الدين تحسب لهم ويؤجرون عليها إن شاء الله، ولكني أرى أن هذه الغيرة في غير محلها، فهم غيورون دائما على الشكل أكثر من غيرتهم على الجوهر.
لذا سأحاول أن أتجاوز الكثير من المحطات التي كنت أريد التوقف عندها، وأشير فقط إلى بعض ما أراه مهما، أو ما أجد لسبب أو آخر أهمية في التوقف عنده، في هذه الحلقة الأخيرة، وإذا حسب مشكور وغيره ذلك ضعفا مني وعجزا عن مواجهة ما يرى ويرون أن أفحمني به، فليكن، فالزمن كفيل بإظهار الغث من السمين، والصواب من الخطأ، ولست مدعيا أن كل ما أطرحه يمثل السمين في مقابل الغث مما يصدر من غيري، أو كل ما أطرحه يمثل الصواب في مقابل خطأ يعارضه.
صحيح إن التوقف سيوحي بثمة عجز عن إيراد الحجج في وجه الإشكالات التي أثارها الصديق المحافظ فخري مشكور، وإن كنت أجبت على أكثرها، ولكني غير مستعجل في إثبات صحة كل ما أذهب إليه، فبعضه يحتاج إلى زمن، ثم إن هناك فعلا من الأولويات ما لا يجوز إهماله فقط من أجل مواجهة إثارات وإشكالات الأخ. وسأقتصر لهذا على نقطة أو نقطتين أخيرة وأتوقف بهذه الحلقة عن مواصلة هذا الحوار.
الأخ المتضلع في المسلكية فخري مشكور يُشكِل عليّ تعويلي على أصالة الحلية وأصالة البراءة، بينما هما أصالتان عقليتان، وإن رأى الشهيد الصدر (رض) منفردا في ذلك على قدر اطلاعي غير ذلك، وذهب إلى أصالة الاشتغال في مقابل أصالة البراءة من الناحية العقلية حسب فهمه، وأظنه قد طغت عليه في هذا المقطع العلاقة العرفانية بالله، أكثر من المنهج العقلي الذي تألق فيه في معظم طروحاته، ولكنه سلم بالنتيجة بأصالة البراءة بالأدلة النقلية، خاصة فيما ورد عن الصادق عليه السلام، فهما أي هذان الأصلان حتى لو لم يكونا عقليين، فقد ثبت تأسيسهما من قبل أئمة أهل البيت (ع). ثم يُشكل عليّ غفلتي عن أصالة الاحتياط. ولا يدري أن أصالة الاحتياط إنما هي مطلوبة ليس في هذه الأمور، بقدر ما هي مطلوبة فيما له مساس بكرامة وعرض ودم وحق وحرية الإنسان أفرادا وجماعات. وهناك أدلة على أن التقوى في بعدها الحقوقي والأخلاقي والإنساني تعدل التقوى في بعدها الشخصي فيما هي العبادات والمعاملات الشخصية البحتة، وهناك عشرات الأحاديث والروايات التي تؤكد هذا المعنى، من قبيل «عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة قيام ليلها وصيام نهارها وجور ساعة شر من معاصي ستين سنة»، «الغيبة شر من الزنا»، و«حرمة المؤمن أشد من حرمة الكعبة»، وغيرها كثير، ولم يلتفت الأخ إلى وغيره من الاحتياطيين إلى حقيقة أن المبالغة في الاحتياط فيما لا مبرر للاحتياط فيه، أي في العبادات والمعاملات الشخصية البحتة التي لا يكون فيها طرف آخر، يُمَسّ فيه حق من حقوقه بالتسامح بها، إن مثل هذه المبالغة في الاحتياط تمثل لونا من التجرؤ - ولو من غير قصد طبعا - على الله، الذي أراد للدين أن يكون سمحا وميسرا، فأراد كثير من أهله من الاحتياطيين أن يجعلوه متشددا وعسيرا، وكأنما يريدون أن يقولوا لله عز وجل نحن أدرى منك بموارد الاحتياط في ديننا، وأشد حرصا منك عليه.
وأما ما أشكل عليّ فيه من مسألة القياس، فيفتقد بصراحة إلى المنهج، لا أقول العلمي، بل العقلي، فهو لا يعي أن القياس الكامل، بقطع النظر عما إذا كان قياسا منصوص العلة أو قياسا بالأولوية أو غيره مما لم يذكر، أن أي قياس يعتبر من وجهة نظر المنطق قياسا تاما، لا يمكن أن يكون من ضمن ما نهى عنه الأئمة عليهم السلام، لأنهم حاشا لهم عن أن ينهوا عن الالتزام بضرورات العقل، والتحذير من أن ينال الدين بالعقل لا يشمل بكل تأكيد الضرورات العقلية.
إن الأستاذ فخري مشكور يريد أن يلغي آراء الفقهاء الذين يرون أن لأحكام الردة والجزية ظروفها الزمانية والذين يقولون بالمساواة في حقوق المواطنة بين المسلم وغيره في هذا الزمان، ليرجعنا إلى فتاوى الذمة والجزية ومفهوم الصغار، أي أن يدفعوها وهم مهانون، بالنسبة للمواطنين من أتباع الديانات الأخرى. ثم يورد «إنما المشركون نجس»، غافلا عن فتوى فقيه معاصر هو من كبار المراجع اليوم يقول بطهارة عموم الإنسان بما في ذلك عبدة الأصنام، ويفسر النجاسة بأدلة معتبرة على غير ما ذهب إليه سائر الفقهاء. نعم لمكة حكم خاص، ولكن هذا لا يتسع لأكثر من حدود الحرم المكي، الذي أريد له أن يكون منزها عن كل ما يجانب التوحيد.
ومشكلة مثل مشكور إنهم يعبرون عن غيرتهم على الدين بطريقة تنم عن ارتعاب غير مبرر، ويرون في مثلي ممن يسميهم بالحداثيين خطرا يؤرقهم على الدين بقوله: «ولا أريد أن أشير إلى خطورة هذا المسلك الذي يسلكه بعض "الحداثيين" والذي أدى ببعضهم إلى ترك عمود الدين، ومعاقرة الخمرة، فهذا ما لا تتسع له هذه الصفحات، لكني لا بد لي أن أسأل: مَنْ هؤلاء المجتهدون الذين يرون تبدل الأحكام بتبدل الزمان؟»، فيضعني هنا من حيث يشعر أو لا يشعر، ومن حيث يقصد أو لا يقصد من الذين «عاقروا الخمرة»، والذين يدعون إلى ترك ضرورات الدين، وهو لا يعلم أهو أشد مني تدينا أو أنا، فهذا أمر لا يعلمه إلا الله، والكلام فيه عن الذات يصب في الرياء أعاذنا الله. وأنا أفهم أن هذا الارتعاب على الدين ينم عن تزعزع ثقة المرتعبين، فلو كان هؤلاء يملكون اليقين، لآمنوا بأن الذي قال سبحانه «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» لكفيل بحفظه، ولا اعني بذلك عدم وجوب الدفاع عن الدين عندما يتعرض للخطر، ولكن الذي لمسته من أهل الإسلام السياسي والمتزمتين والاحتياطيين والنصيين أنهم مرعوبون من كل جديد، مرعوبون من الديمقراطية، ومن حرية الرأي، ومن كل مفسر مجدد، ومن كل مجتهد مجدد، ومن كل مفكر إسلامي مجدد، ومن كل ناقد للفكر الديني كفهم بشري نسبي، طبعا دون انطباق كل ما ذكرت على أخينا مشكور، بل لعل بعضه مما ينطبق عليه، رغم أنه حسب تقديري محسوب على المنفتحين نسبيا من المحافظين، والمحافظ المنفتح خير بكل تأكيد من المحافظ المنغلق. أما استهزاؤه عدة مرات بمصطلح (الاستيحاء) الذي استخدمته، فينم عن عدم معرفة أو غفلة أو نسيان بأن واحدا ممن قدم تفسيرا حديثا معتبرا، أسماه من «وحي القرآن» قد اعتمد المنهج الاستيحائي في فهم القرآن، وهو نفسه الذي سمعنا منه أن معظم ما قدمه من نتاج فكري هو من تأملاته الشخصية، فالتأمل والاستيحاء من موارد الفكر الإنساني، الذي أبدع فيه الكثيرون من مسلمين وغير مسلمين من اهل الفكر في كل ميادينه.
أكتفي بهذا القدر وأعرض عن مواصلة الحوار، لأواصل ما أجده أشد أهمية، مع اعتذاري للصديق العزيز، هداه الله وهداني لما هو أصوب وما هو أنفع وما هو أقوم.
13/08/2007
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::