ضياء الشكرجي هل أنت واقعي في طرحك؟

 

كتابات - مثنى عبد الإمام الميس

 

ضياء الشكرجي قلم أحترمه جدا، وهذه ليست منة مني، وإنما لأن هذا القلم يستحق الاحترام حقا، وليس معنى الاحترام أننا نوافقه على آرائه، بل أظن إني شخصيا أخالف أكثرها، رغم عدم متابعتي الجيدة لكتابات هذا الرجل، لأسباب لا تتعلق به، إنما بشخصي أنا، منها صعوبة فهمي لكتابات الأستاذ الشكرجي، وأسباب أخرى ليس هنا محل إفاضتها.

بالأمس رفع الأستاذ ضياء الشكرجي صوته ـ في عدد 30 / نيسان في هذه الصحيفة ـ عاليا، ومدعيا أنه الأقرب للواقعية في الحس الوطني، وشعرت وقتها كالعادة أني أختلف معه، ولكن هذه المرة في فهم الواقعية. يرى البعض حتى يكون واقعيا أن يقول أو يفعل غير المألوف (وأقصد هنا غير المألوف هو ما يخالف الدين أو القيم أو المبادئ)، وذلك ربما ليجاري الحوادث الواقعة، أو لمواكبة لغة العصر، فلا يرمى بالتخلف أو التعصب أو الرجعية، أو قد يجد في تلك المخالفات ـ وحسب ما يتوصل إليه ـ المخرج والحل الناجع لتلك المصائب، التي أخذت تترى علينا في بلدنا العراق خصوصا.

استوقفتني مقالته والتي عنوانها (هل تريدنا إيران أن نقول صدام وأمريكا كانا على حق؟)، والتي أعتبرها جزأين؛ هذا الأول، أما الثاني فجاء تحت عنوان (جوابا على سؤال أمير المگاميع لي عن حزب الدعوة)، وأظن إنها سيلحقها بجزء ثالث في رده على بعض الإخوة الأعداء، حاولت مع نفسي أن أدون بعضا من فقراتها في مقاله الأول الذي أخالفه به على ورقة (مسودة) ـ وتلك طريقتي في فهم الكتابات المستعصية ـ، فرأيتني أطبع مقاله من العنوان إلى الإيميل. والآن أحب أن أدون بعض هنات خفيفة قلتها مع نفسي عن هذا المقال، عسى أن تنفع أحدا ما.

 

يقول السيد الشكرجي «إيران هي التي بدأت بتصدير ثورتها على العراق ـ ثم قال ـ وفي العراق كان هناك حاضنة للثورة الإسلامية الإيرانية ... كان كذلك الشيعة والأحزاب الإسلامية الشيعية والمرجعية الشيعية لاسيما المسيسة من قبل حاضنة لاستيراد الثورة الإيرانية المسماة بالإسلامية في الثمانينات، وبالتالي حاضنة للاستعمار الإيراني للعراق».

حقيقة لا أفهم لماذا لم يفصح الأستاذ الشكرجي عما في نفسه؟

ولماذا هذا اللف والدوران في أقواله؟

 

لماذا لا ينطقها صراحة؟ 

 

لا أرجوه أن يقول (قد يستوجب الأمر مشكلة)، لأني عرفته شجاعا في قول ما يعتقده، وعنده من التلميحات ما هو أشد وقعا من التصريحات، ولكن ليس الكل يقرأ مابين السطور، وقد دخلت الشبكة العنكبوتية إلى كل دار، وبدأ الكل يقرأ وليس الكل كـ (أمير المگاميع) يقرأ ما بين السطور، ففيهم من هو مثلي يحتاج يا سيدي إلى ترجمان حتى يفهم، ليدلنا السيد الشكرجي (أو لنقول الأستاذ الشكرجي لأن الذي يبدو إنه يكره لفظ (السيد) لأنها قد تذكره بالمعممين والمعممين السياسيين)، ليدلنا هذا الأستاذ من هي هذه الأحزاب الشيعية التي كانت موجودة، ومن هي المرجعية التي لاسيما المسيسة التي كانت حاضنة للاستيراد من الخارج؟ هل تراه يعني (حزب الدعوة الإسلامية "الحقيقي")، والذي كان هو ينتمي له؟ والمرجعية، هل هي غير مرجعية مفكر العراق السيد محمد باقر الصدر (قدس سره الشريف)؟ وهو المرجع الوحيد الذي كان يملك الشجاعة ليساند ثورة السيد الخميني (قدس سره الشريف)، تلك الثورة الإسلامية الشعبية الشيعية ذات القيادة الحوزوية، والتي لا يوجد لها نظير إلى اليوم في العالم الإسلامي، ويبدو إن تلك الصفات التي اتصفت بها الثورة وأقصد (الشعبية، الإسلامية، الشيعية، بقيادة حوزوية) جعلت الكثيرين يقفون بالضد منها، منهم من يضدها لأنها شعبية، ومنهم لأنها شيعية، وبعضهم لأنها إسلامية، والبعض الآخر لأن قيادتها حوزوية، ويبدو إنها لا تروق للأستاذ الشكرجي لصفتيها (إسلامية، وقيادتها حوزوية) خصوصا بعد التحول الإيديولوجي بنمط تفكير واتجاه ثقافة السيد الشكرجي في الفترة المتأخرة، وعودته إلى ما كان ينتمي له قبل انتمائه لحزب الدعوة الإسلامية، وأقصد اتجاهه الشيوعي، والذي يقول عنه في سيرته الذاتية والتي قرأتها على أحد المواقع (وهذا الميل ـ إلى الشيوعية ـ كان في الواقع الأقرب إلى فطرتي)، وطبعا ذاك ـ قبل انتمائه لحزب البعث في السنوات الثلاث التي ذمها كثيرا هذا الرجل ـ، عاد إلى شيوعيته مرة أخرى، ولكن هذه المرة بالشيوعية الحديثة، والتي لا تنكر وجود المنشأ لهذا الكون؛ (يقول السيد الشكرجي إنه كان يشك بوجود إله لهذا الكون مدة خمسة عشر عاما)، الشيوعية الحديثة التي تعلن أنها تؤمن بوجود الرب، ولا أعلم هل هو تغير حقيقي بمبادئ الحزب، أم هو لمجاراة (التيار الإسلامي والديني عموما) العارم في العراق والعالم، ولو أني أرجح الثانية، ولكنه أو ـ ولكنها ـ اليوم ترى أن الإسلام يجب أن يكون فقط عندما تجلس على سجادة الصلاة باتجاه القبلة عند وقت الصلاة، وتؤدي هذه الفريضة، وتطوي إسلامك مع طيك السجادة، وبعدها تتحول إلى فرد آخر غير مراقب، يملك الحرية المطلقة، لا يحكمه دين ولا خالق، سوى دستور الدولة بما فيه، ما له وما عليه، أما أن يكون الإسلام هو الذي يقود الحياة، فتلك عنده مصيبة، لا يواريها ساتر. نعود إلى الثورة الإسلامية، فإذا كنت يا أستاذي تعني بالأحزاب حزب الدعوة الإسلامية "الحقيقي"، والمرجعية مرجعية باقر الصدر، والتي كان حزب الدعوة رافدا من روافده العديدة، وكان حزب الدعوة ينتمي له، إلى أن تعالت القيادات في هذا الحزب، وشعرت أنها فوق الجميع، وامتاز (وذاك حسب اصطلاح السيد الشكرجي) بأن لا يجعل المعممين على رأس هرم القيادة الحزبية، ولم يلزم أعضاءه بتقليد (اتباع) مرجع محدد ـ، والخلاصة ـ كما قال الأستاذ (عدم اندكاكه في مشروع المرجعية) بصريح العبارة لم يسمح لأي مجتهد أن يقودهم بصراحة أكبر لم يلتزم بالحلال والحرام في العمل الحزبي، وتلك كانت من العلامات الفارقة لهم، وهنا أصبح الحزب غير "حقيقي" للجماهير لأنه بدون غطاء شرعي، لأننا نرى أنهم شاءوا أم أبوا حزب شيعي، القيادة شيعية، التمويل شيعي، ضحايا هذا الحزب شيعة من المنتمين أو غير المنتمين، كل الأعضاء شيعة، ولا يمكن للحزب أن يكون من غير الشيعة، ولهذا عندما شككوا بشيعيته بدأ (الكيرف) أو الخط البياني لهم بالانحراف نحو الأسفل، وبعد أن تيقنت قيادات الحزب بخطأ هذا الأمر وتلك أصبحت من نقاط الضعف القاتلة، نراهم اليوم يتجهون باتجاه المرجعية، أي مرجعية كانت، حتى التي لا تتلاءم مع مبادئهم، المهم إنها مرجعية تتحكم بالشارع الشيعي العراقي، بسب الواقع العراقي الذي أجبرهم للاتجاه إلى هذا المنحى ولأنهم لم يستطيعوا التخلص من تركة الماضي فبدأوا يتخبطون حتى أصبحوا مصداقا للمثل الذي أورده الأستاذ الشكرجي «لا حِظـَتْ بـِرْجَيلهَا وْلا خـَذت سيّد علي» .

 

كانت أول مرة أسمع بهذا الحزب من جارة لنا (مومس) أكرمكم الله في حينا الشعبي، كانت امرأة شديدة الأذى لأهلي، وكنت طفلا صغيرا، في بداية الثمانينات كانت كلما تتشاجر معنا ويعلو صوتها في الشارع، كانت تصرخ على أبي (حماه الله) مهددة له إنك من حزب الدعوة، لسببين لأن أبي كان شديد الالتزام، والثاني لأننا شيعة، فكان يصبر على أذاها خوفا من بطش السلطات، وسألت والدي سؤال الطفل، ما هو حزب الدعوة!!؟ فيجيبني أبي (إنه حزب شكلته الحوزة لإنقاذ العراق، والحكومة لا تحب الحوزة، وتريد القضاء عليها، فأصبح من ينتمي لهذا الحزب يقتل)، ثم أخذ والدي ذاك الرجل البسيط بالدعاء لذلك الحزب وحوزته ـ وكان أبي رجلا مقلدا للسيد الصدر الأول، ثم أصبح مقلدا للصدر الثاني، واليوم أصبح مقلدا للشيخ اليعقوبي ـ، فكانت هذه أول معلوماتي عن هذا الحزب.

 

ثم قرأ الأستاذ الشكرجي مساندة السيد باقر الصدر(قد) لثورة السيد الخميني (قد) على أنه توهم وخطأ في الحسابات، فظن الشهيد الصدر «إن الخميني حقق حلم الأنبياء»، بينما قرأ صدام وحسب الموضوع جيدا، وهنا نقطة ضد الشهيد الصدر، ونقطة تحسب لصدام!!! دعنا يا سيد ضياء نقرأ الموضوع بشكل آخر، قد يكون أكثر واقعية وأسهل لفهم الجماهير، السيد الخميني مجتهد من أبناء الحوزة، حوزة قم والنجف، قارع نظام الشاه لأنه نظام فاسد، قارعه باسم الدين (واحد)، وباسم التشيع (اثنين)، قاد ثورة شعبية استخدمت فيها قوات النظام شتى أنواع الأسلحة، ولكن إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب الله، واستجاب الله، وكانت هناك جمهورية إسلامية فتية بمذهب شيعي، والآن سيدي أليس الدولة الإسلامية هي حلم للأنبياء من آدم حتى محمد عليهم أفضل الصلاة والسلام، أليست عقيدتنا أن الإمام المهدي محمد بن الحسن عليه السلام سيحكم عالما إسلاميا من أطراف الأرض إلى أطرافها، ثم ماذا تنتظر من مرجع وعالم ومفكر مثل محمد باقر الصدر، هل يقف من هذه الثورة بالضد؟ أم هل يسكت عن نصرتها؟ بعد أن وقف العالم كله ضدها، أم يساندها؟ ما علينا بما ستتحول له هذه الثورة بعد حين، ما علينا سواء انحرفت أهدافها أم لم تنحرف، باقر الصدر رجل شريعة يتعامل مع الواقع، ولا يستطيع أن يعاقب المذنب قبل ارتكابه الذنب، ألست معي في هذا، فأين هو التوهم الآن يا حبيبي، إلا أن يكون من نوع توهم أمير المؤمنين (ع)، إذ أيقظ ابن ملجم لصلاة الصبح تلك الصلاة التي طعنه فيها هذا المرادي طعنة الفوز بالشهادة، أترى أمير المؤمنين قد توهم؟.

 

تقول إيران هي التي بدأت بتصدير ثورتها إلى العراق، وأراك تعني تصدير المبدأ، أي أن تكون هناك جمهورية إسلامية في العراق، وعليه كان الأولى أن تقول إن الحسين (ع) هو الأول بتصدير الثورة، لأنها من أهدافه المباركة.

 

تقول وإن كنا لا نستطيع أن نقطع في نفي هذا الحس وتلك الحمية حتى عند طاغية مثل صدام، وتقصد الحس الوطني والحمية الوطنية لدى صدام، أتراك تعني بحسه الوطني أن يمنع إنشاء جمهورية إسلامية في العراق وأن حميته الوطنية صده بما يسمى التمدد الشيعي في العراق، أم تراك تعني بتلك الأحاسيس إدخاله العراق بحروب عدة وحصار مميت وسجون غصت بالأبرياء ومقابر مزروعة من زاخو إلى الفاو بأجساد الأبرياء من العراقيين، أم عن أي حس وحمية تتكلم؟ لا أراك تعني بحسه الوطني قتله الصدر الأول والثاني خوفا من إنشاء جمهورية إسلامية لا سمح الله؟ لا أدري ربما.

 

تقول دون أن ننفي حرصه (أي صدام) على عدم وقوع العراق تحت نفوذ أجنبي، إيرانيا كان أو أمريكيا، ولعمري نرى إن حرصه هذا هو الذي دفعه لإدخال البلد في حرب استمرت ثمان سنين أخذت من أبناء العراق ما وصل تعدادهم إلى مليون شاب وحرصه هذا هو الذي دفعه لاحتلال الجارة الكويت وحرصه جعله لا يستمع للأصوات الداعية لخروجه منها دون إراقة الدماء، وحرصه هذا جعله  يواجه أقوى ثلاثة وثلاثين دولة في العالم في حرب الخليج الأولى، وحرصه هذا هو الذي دفعه إلى أن يكون الشخص المماكس لأمريكا لأكثر من اثنى عشر عاما، وحرصه هذا هو الذي دفعه إلى عدم سماعه وتجاهله لرجاء بعض رؤساء الدول العربية في الخروج من العراق وعدم السماح لدخول القوات الغازية واحتلالها للعراق ووو .. أسألك يا شيخي من يا ترى المسؤول اليوم عن وقوع العراق تحت طائلة الدول المحتلة بعد أن عبرت لغزو بلادنا المحيطات؟ ومن هو المسؤول عن تنامي الهيمنة الإيرانية على القوى السياسية والقوى العسكرية سنية كانت أم شيعية؟ وهيمنتها على حكومات العراق المتعاقبة مذ خمسة أعوام مضت؟

 

تقول وإذا كان يرى (أي صدام) في الأحزاب الإسلامية الشيعية طابورا خامسا لتحقيق المطامع الاستعمارية الإيرانية «فهو محق»، ولو إن هؤلاء لم يكونوا يعون أنهم استـُخدِموا طابورا خامسا، أراك تقصد هنا ليس الأحزاب الإسلامية الشيعية فحسب .. لا.. بل كل شيعة العراق كان صدام يعتبرهم طابورا خامس لأنهم ـ وتلك حقيقة لا تستطيع نكرانها ـ فرحوا أيما فرح بتلك الثورة الإسلامية، كان الجميع المثقف فيهم وغير المثقف إحساسهم كإحساس الوالد الذي يحقق له ولده حلمه الذي لم يستطع هو أن يحققه، ولولا التي والتيا ووقوف بعض الاستغلاليين والمستفيدين من مدعي المرجعية في حوزة النجف، لرأيت كيف انطلقت تلك الجماهير العراقية بثورة عارمة، ولهدت عروش الظلمة صدام ومن يقف معه، ولكن ويا للحسرة تركوا أبا جعفر وحيدا بمساندته يقارع الظلمة بعد أن حاصروه قبل أن يحاصره الدعي صدام.

 لنا أن نتساءل هل أنت تمدح أم تذم بقولك "ولو إن هؤلاء لم يكونوا يعون أنهم استـُخدِموا طابورا خامسا"؟ أما إني فأراك قد ذممت مرتين، الأولى أنهم كانوا مطايا، والثانية عدم علمهم أنهم كانوا مطايا .. إنه استحمار مركب للشيعة.

 

لنا بقية من هذا الحديث ولكن لا أظن إنها بالقريب العاجل

 

m.almees@gmail.com

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::