وقفات مع الشيخ الشكرجي في قصته مع الدعوة – 1
كتابات - طاهر الخزاعي
«وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم» (الأنفال – 7)
في البدء لا بد من التأكيد على أنني لستُ في معرض الرد من موقع الانفعال أو العاطفة المتأتية من الموروث أو من موقع الاستئناس بما يألفه المرء فتجده منتفضا غاضبا إذا ما مسَّ أنيسه طائف من النقد أو التشهير والتعريض، كما لا بد من التأكيد كذلك على أنني لستُ بصدد الرد أو الدفاع عن حزب الدعوة الإسلامية، فهو حزب أكبر من أن أتقمص الدفاع عنه. لكن قضية الرد هي الفكرة بذاتها والمفهوم الذي فهمته بوضوح من قصة الشيخ الشكرجي، كما سأبينه تباعا مقتبسا من بين ثنايا قصة الشيخ المحترم.
وللصراحة والشفافية الكاملة، فإني كنت أروم الرد على الشيخ منذ أكثر من ثلاث سنوات ومن هنا، من على صفحات كتابات، على نفس الفكرة وذات المفهوم. ولكن جملة أسباب جعلتني أغض الطرف، منها تعقيدات الساحة السياسية العراقية وتقاطع الآراء وغموضها في الأشهر التي سبقت الحرب على العراق وتفاوت الرؤى حول الموقف من تلك الحرب. ومنها علمي - وقتها - بأن الشيخ وكيل للمرجع الذي أقلده! فآثرت التريث ليس انحيازا، إنما لإعطاء فرصة للصورة كي تكتمل أو يتبين خلاقها. ومنها - وهو الأهم - سقوط الطاغية والتغيرات المتسارعة على الساحة العراقية وتصدي الشيخ للعمل في بغداد، وشبه انقطاعه عن طروحاته السابقة من على الصحف الألكترونية. وكنت أمنـّي النفس بأن الشيخ الشكرجي المحترم قد انهمك في العمل، والميدان هو ساحة اختبار أفكاره التي يطرحها.
مع متابعتي لأخبار الشيخ كلما سنحت فرصة لي. لا أدري - أقسم صادقا - لماذا انتابتني النفرة من طروحات الشيخ المحترم في حينها وقبل أكثر من ثلاث سنوات؟! رغم أني لا أعرف الشيخ ولا يعرفني، ولا أعلم بأنه داعية إلا في تلك الفترة وعن طريق الصدفة المحضة من صديق كنت قد ذكرت له شيئا من عدم القبول لبعض من آراء ضياء الشكرجي التي يكتبها على موقع كتابات. فأجابني بأنه الشيخ أبو آمنة الشكرجي وكيل السيد في هامبورغ وأنه داعية له نشاطات وسط الجالية في تلك المدينة. بعدها بأيام قلائل وتحديدا في يوم 15 آذار 2005، وهو تاريخ ذكره الشيخ في قصته، جمعتني المناسبة معه ذلك اليوم كله، وقد أمَّنا لصلاة العصر بعد أن كانت صلاة الظهر بإمامة أحد السادة. وكنت شديد الانتباه لما يطرحه، وسمعت لأول مرة في ذلك اليوم بورقة التأهيل السياسي، ولم أسمع بها ثانية حتى قرأتها مجددا من خلال كتابة الشيخ لقصته في الأيام القليلة الماضية.
كنت أريد الرد على قصة الشيخ والفكرة المحورية فيها في مقال واحد أو مقالين، ولكن وجدت نفسي مضطرا أن أجاري طريقة كتابة الشيخ لقصته بعد أن أضاف عليها ملحقات ما بعد الحلقة السابعة مرفقا بعض الرسائل - التي أشارت كما أشار هو في أكثر من موضع - من احتمال ردود أفعال "منفعلة" كتابية. فكانت المقدمة أعلاه للحد من انصراف ذهن القارئ الكريم لهذا النمط من الردود على طريقة الاتجاه المعاكس.
ولا بد من أن أسجل انسجاما مع الشيخ المحترم بأن حزب الدعوة الإسلامية – كغيره من المرجعيات السياسية والدينية – معرض للنقد والتصويب فكرا وأسلوبا ورجالا. ويكابر من ينكر وجود أخطاء عند غير المعصوم. ومن البديهي لمسيرة ضخمة وصلت لنصف قرن من الزمن أن تكتنفها الأخطاء هنا وهناك، وبشكل خاص الظروف والتداعيات التي أحاطت هذه المسيرة مما لا تخفى على الشيخ المحترم. وعلى هذا يكون وجود بعض الأخطاء مسلم به، مع الفارق في تشخيص ماهية الخطأ من الصواب. فمثلا، بعض الأخطاء التي يسجلها الشيخ في قصته يراه غيره صوابا، بل ويرى بدائل الشيخ هو الخطأ بعينه وانحرافا عن الخط الفكري لحزب الدعوة الإسلامية، ومنهم كاتب الرد على قصة الشيخ المحترم. تلك إذا مشكلة! ومشكلة كبرى، وينبغي وضع الأسس الصحيحة لعلاجها. وأحسب أن العلاج هو وجود مرجعية للاحتكام إليها، وأقصد مرجعية مبدئية قانونية تنظيمية. وهذا الأمر يجري على كل تنظيم إسلامي وغير إسلامي، سياسي أو اجتماعي. وأطر هذه المرجعية وأبعادها ثلاثة (النظام الداخلي – المؤتمر العام – القيادة العامة). وحزب الدعوة ليس بدعا من الأحزاب والتنظيمات الأخرى، وعلى كل صاحب اقتراح أو ما يراه مشروعا للإصلاح والتجديد أن يحتكم إلى هذه الأطر المرجعية مهما كانت النتيجة. وهذه آلية تنظيمية يقتضي أن تكون ملزمة لكل أعضاء التنظيم ماداموا آمنوا باُس الفكرة وأساس المبدأ. وغالبا ما يكون المؤتمر العام أو الهيئة العمومية للمؤتمر صاحبة القرار بأكثرية بسيطة أو بأغلبية ثلثي الأعضاء وفقا لمنصوص النظام الداخلي. ومن هنا أسجل أولى الملاحظات على أهم أركان قصته مع الدعوة، فكان عليه وهو أعلم مني بهذا السياق التنظيمي أن ينتظر المؤتمر العام ليطرح أوراقه ومشاريعه لتأخذ طريقها للتصويت التزاما بالمبدأ الديمقراطي، الذي ألزم به نفسه أولا، وانسجاما مع فكر الدعوة في الشورى ثانيا. وقد يقول الشيخ المحترم أن ورقة التأهيل السياسي قد تم طرحها في مؤتمر الوحدة قبل أكثر من ثلاث سنوات، فيُجاب عليه بأن الظروف وقتها مختلفة جدا عشية الحرب على العراق، فضلا عن كون المؤتمر العام عُقد في أقاليم متعددة في وقت واحد على خلاف المؤتمر المقبل الذي يُتوقع له أن يكون في مكان واحد مما يتيح للشيخ الفرصة الكافية لطرح أفكاره، فإن كانت مقنعة أخذت طريقها في التصويت إيجابا، وسلبا مع عدم اقتناع أغلبية الهيئة العمومية. الشيخ يعلم هذه الآلية قبلي وأكثر مني، كما يعلم أن للعمل التنظيمي الجماعي ضرائب عديدة، أهمها:
*– رأي الأكثرية ملزم شرعا لانسجامه مع مبدأ الشورى في الحكم، وعرفا لانسجامه مع مبدأ الديمقراطية، والشيخ من دعاة المبدأين!!. وعلى هذا تبقى آراء الأقلية معارضة حتى تحصل على أكثرية، وحتى ذلك الحين تقتضي عهود الانتماء للتنظيم – أي تنظيم – عدم الانشقاق أو البحث عن بدائل أو تأسيس مسميات أخرى في وقت أحوج ما تكون فيه الساحة إلى رأب الصدع وتقليص هذه الانشطارات المتناثرة هنا وهناك بما ينسجم والآية القرآنية التي استهل بها الشيخ المحترم ورقة كتلة التأهيل السياسي كما ورد في الحلقة الثانية من قصته:
«ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون»
«ولا تكونوا كالذين افترقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم».
يتبع
2006-06-05
وقفات مع الشيخ الشكرجي في قصته مع الدعوة - 2
كتابات - طاهر الخزاعي
بسم الله الرحمن الرحيم
«وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم» (الأنفال – 7)
سأحاول التوقف هذا اليوم قليلا مع ما ورد في الحلقة الأولى من قصة الشيخ الشكرجي المحترم.. فقد خصص الشيخ حلقته الأولى لسيرته الذاتية وكان أقرب إلى الإسهاب منه إلى الإيجاز، وكان واضحا في تدوين سيرته، شجاعا شفافا، مما يُحسب له ذلك، الأمر الذي يشجع من يريد الرد أن ينهل من شجاعة الشيخ وشفافيته.. وسيرة الشيخ التفصيلية تسجل اعترافا بأن التذبذب الفكري كان سيد تلك الفترة، إذ يصرح بعدم حب النظام الملكي والميل إلى عبد الكريم قاسم والحزب الشيوعي، ثم التحول إلى التيار القومي، إلى رفض الدين والإلحاد بالله تعالى، الابتعاد عن النشاط السياسي، ثم التحول إلى الإيمان دون انتماء سياسي، ورغم التحول الإيماني كان الميل إلى اليسار والاشتراكية مسيطرا على تمنيات الشيخ، حتى رست السفينة غير المستقرة على مرفأ حزب الدعوة الإسلامية في عام 1980 وتحديدا في أوربا، ليسجل الشيخ ولاءً كاملا لثورة السيد الخميني والإيمان بنظرية ولاية الفقيه. ثم نقد التجربة الإيرانية وإعادة النظر في مبدأ ولاية الفقيه. وهكذا إلى أن يقول الشيخ في نهاية المطاف (تحولت في الآخر عن الإيمان بجدوى إقامة دولة إسلامية إلى داعية ديمقراطية). وهكذا لا يجد القارئ في سيرة الشيخ سوى التحولات المتكثرة والمتسارعة في آن واحد.
إن تغيير القناعة والتحول من فكرة إلى أخرى أمر ليس بمعيب في حد ذاته، بل هناك من يرى فيه الحسن والصواب على أساس البحث وصولا للحقيقة انطلاقا من نظرية الشك. وهو حالة من حالات الاجتهاد التي تكسر الجمود الفكري المتمثل بتبني النظرية جاهزة من الغير – على طريقة التقليد السلبي - دون تمحيص أو تأمل. هذه الرؤية صحيحة شريطة أن يكون هاديها هو البحث عن الحقيقة المجردة، وليس البحث عن الذات باسم الحقيقة، أو قل البحث عن الاثنين معا فتختلط هذه بتلك ويكون الهدف مزدوجا فيحدث تجن كارثي على حساب الحقيقة لصالح الذات، وليس بالضرورة أن يكون المرء قاصدا، ولكن النتيجة واحدة. وعذرا من سماحة الشيخ، فقد وجدت البحث عن الذات طافحا في سرد السيرة الشخصية، ولعلنا نجد الذروة عندما يكتب الشيخ واصفا طريقته في التدريس في الحوزة بقوله: (وكانت الطالبات يتفاعلن بشكل كبير مع طريقتي في طرح موضوعات العقائد)، وركز الشيخ في أكثر من موضع على منهجه الخاص به. ومرة أخرى نجد تكريس الذات في عبارة الشيخ وهو يختم السيرة السياسية بقوله:
(وأخيرا وبكل ثقة أقول أني لو كنت أبحث عن مواقع، لداهنت وساومت وصبرت قليلا حتى انعقاد المؤتمر العام المقبل لحزب الدعوة، حيث أني على يقين تام بأني كنت أملك فرصة كبيرة جدا للحصول على أصوات كافية من المؤتمرين لأكون احد أعضاء القيادة الجديدة للحزب)!!.
وطمعا مني بالروح الديمقراطية التي يحملها الشيخ باعتباره (داعية ديمقراطية) سأتناول الفقرة الأخيرة بشيء من المناقشة لنكتشف عمق الخلل. فأقول: نفي تهمة البحث عن المواقع أول الكلام أيها الشيخ.. فالموقع حق طبيعي ومحصلة انسيابية – غالبا – للعاملين غير الباحثين عنها. إثارتك حول (البحث عن المواقع) تضع القارئ لقصتك أمام تساؤل صريح مفاده: لماذا أعلن الشيخ عن انفكاكه بعد أن لم تجدد له فرصة الترشيح ضمن قائمة الائتلاف؟ وأين كان الشيخ وإعلان قصته في فترة الانتخابات الأولى يوم كان عضوا للجمعية الوطنية ضمن قائمة الائتلاف؟ وفوق هذا وذاك والأهم من هذا وذاك، ونحن في صدد البحث عن المواقع، نقول: كيف يُفسر لنا الشيخ دخوله الانتخابات الأخيرة في قائمة خاصة لمّا لم تتم إعادة ترشيحه؟
نسجل على الشيخ توقيته في إظهار قصته وإعلان الانشقاق بعدما استبعِد من قائمة الائتلاف، خاصة مع قرينة الترشيح في قائمة أخرى!. نعم من حق الشيخ ذلك، فقد يُقال: قد تبين له عدم جدوى التكتل داخل الائتلاف وأنه اكتشف خلال عضويته في الجمعية الوطنية ممثلا عن الائتلاف ما يوجب عليه العمل ضمن برنامج آخر أو خاص به بما يتفق ورؤاه. لكن هذا التوجيه باطل مع سرد الشيخ في قصته تاريخ تحولاته الفكرية، فالقصة من أولها إلى آخرها تدل القارئ على أن أفكار الشيخ في واد آخر بعيد عن أفكار الحركة الإسلامية التي ينتمي إليها. وإنه كان يناضل داخل حزب الدعوة الإسلامية من أجل الترويج إلى أفكاره وطروحاته منذ أكثر من عقد. بينما وجدنا فترة عضويته للجمعية الوطنية بفضل من قائمة الائتلاف فترة هدوء وسكون أو لنقل فترة قرار تجميد تلك النضالات!. ومن هنا – وبكل أسف – فقد وقع الشيخ في شرنقة البحث عن المواقع، ربما دون قصد منه، إلا أن توقيت سرد قصته والانفكاك الذي رافقها والترشيح الذي سبقهما بمثابة شاهد إثبات لصالح (البحث عن المواقع). والموقع اختلف اختلافا جذريا بين مرحلة ما قبل سقوط صدام والمرحلة التي تلتها. ففي مرحلة المعارضة كان الموقع متمثلا بتبوؤ المراكز القيادية في أحزاب المعارضة، أما اليوم فصار مفهوم الموقع يعني تبوؤ منصب ما في الدولة العراقية الجديدة. ولقد بحثت عن المحامل علني أجد أحدها لأحمل اختيار الشيخ لهذا التوقيت، فلم أجد. ولقد زادني يقينا إعلان الشيخ عن تنظيمه الجديد (الديمقراطيين الإسلاميين) وتبوؤ منصب أمينه العام!!.
يقول الشيخ حفظه الله معللا عدم البحث عن المواقع (لداهنت وساومت وصبرت قليلا حتى انعقاد المؤتمر العام المقبل لحزب الدعوة،...).. وهنا وقع الشيخ في خلط رهيب للمفاهيم وعلى اتجاهين، الاتجاه الأول: المفاهيم القيمية، فالمداهنة والمساومة تقع ضمن سلسلة مفاهيم الوصولية والانتهازية، على خلاف "ظاهر" مفهوم الصبر وما ينصرف اليه الذهن من قيم الصبر الرسالية. كان يمكن أن تنسجم هذه المفاهيم الثلاثة مع بعضها لو استبدلنا الصبر بالـ "التربص"!. والاتجاه الثاني: على مستوى المفاهيم السياسية، فالشيخ صاحب فكرة ومشروع ومفهوم إصلاحي سياسي، وسرد لنا حقبة من نضالاته من أجل هذا المشروع الذي يحمله في الإصلاح، وتبين أنه كالناحت في الصخر، فوجد أن لا مناص من الإصلاح من الداخل وأعلن الانشقاق أو التأسيس لمشروعه خارج التنظيم. هذا ما تثبته وقائع قصة الشيخ.. إلا أن عبارة الشيخ أعلاه تنسف كل مدعياته في الإصلاح من الداخل وتضعنا في حيرة من أمرنا!. ذلك أن الشيخ كان على يقين وثقة تامين مع شيء من الصبر القليل وانتظار المؤتمر العام لحزب الدعوة للحصول على أصوات كافية للوصول إلى قيادة الحزب!. غريب هذا الأمر حقا! كيف يتسنى للشيخ صبر هذه السنين الطويلة من أجل الإصلاح من الداخل وهو عضو غير قيادي في الحزب، بينما تسنح له الفرصة الكبيرة (مع قليل من الصبر) للوصول إلى قيادة الحزب، فيتركها ويعلن انتهاء مشروعه الإصلاحي من الداخل! أليس من المنطقي تحمل هذا الصبر القليل من أجل ضخامة المشروع، خاصة مع يقين الشيخ من الحصول على الأصوات الكافية؟.
وبعبارة أخرى، يُفترض بالأصوات التي تؤهل الشيخ لقيادة الدعوة أن تكون موافقة في مجملها مع مشروع الشيخ وأفكاره. وعلى هذا يتوجب على الشيخ أن يصبر قليلا لصالح مشروعه وصالح من يؤمنون داخل الحزب بأفكاره. والتفريط بهذه الأصوات وهذه الفرصة لا يمكن فهمها خارج أطر ثلاثة. الأول: هو الانشقاق بعينه، وقد سنحت الفرصة لهذا الانشقاق، والثاني: هو عدم وجود مشروع إصلاحي حقيقي. والثالث: هو خلاف ما ادعى الشيخ من ذلك اليقين وتلك الثقة، وبالتالي الخوف من الفشل إذا كان إعلان الانفصال بعد المؤتمر لاختلاف ما يدل عليه التوقيت اختلافا تاما عن هذا التوقيت الحالي. فإذا كان الشيخ بهذه الثقة واليقين فلا يحق له التفريط بالأصوات الذي تدعمه – إن وجدت -..!! يبقى احتمال واحد وارد في عبارة الشيخ حول المداهنة والمساومة والصبر القليل، فقد يقصد منها انتخابه في قيادة الدعوة مقابل التخلي عن مشروعه وأفكاره. وهذا الاحتمال وحده لصالح الشيخ، ولكنه يحتاج إلى الدليل، ويتحتم على الشيخ أن يكشف ماهية تلك المساومات والمداهنات وشخوصها. فلا يليق بإلقاء هذه المفاهيم الخطيرة على عواهنها. خاصة أننا نعلم أن انتخاب القيادة في حزب الدعوة الإسلامية تجري بطريقة الاقتراع السري ولا يسبقها ما يشبه الترويج لشخصية بعينها أو فكرة بذاتها. بل هي ضوابط معينة كالعمر الدعوتي والفترة الزمنية في العمل ضمن لجان الدعوة، ويكون الاختيار من المؤتمرين فيما يشبه التقييم لمسيرة الداعية المرشح للقيادة. فلا مجال إطلاقا هنا للمساومة والمداهنة.
على كل حال أحببت الوقوف اليوم مع الحلقة الأولى من قصة الشيخ لما لها من أهمية في جانبها المفاهيمي لا الشخصي. ونهاية المطاف لا بد من تسليط الضوء على نقطة أراها هامة جدا، التقطها من سيرة الشيخ السياسية التي رافقت ارتباطه في حزب الدعوة الإسلامية. فالشيخ يؤرخ انتمائه للحزب في عام 1980 وعن طريق التنظيم في أوربا – لندن -. لنجده بعد ثلاث سنوات حاضرا في مؤتمر في طهران حول جرائم صدام. وبعد أربع حاضرا في مؤتمر للكوادر الإسلامية بطهران. وبعد خمس في مؤتمر نصرة الشعب العراقي لعموم المعارضة العراقية. ويبدو أن التنظيم أعطاه مسؤوليات من خلال قوله: (وكنت منذ البداية فيما يسمى بالحلقة الرأسية لحزب الدعوة في ألمانيا، وقمت لفترة بالإشراف الحزبي على مناطق أخرى في أوربا). وهذا يعني أن التنظيم أعطى فرصة للشيخ منذ بداية انضمامه للحزب، ومن النادر أن يحصل مثل هذا في حزب الدعوة لأسباب كثيرة وبشكل خاص في أحرج الفترات التي مر بها الحزب (1980)!!. وقد تكون الساحة الأوربية ذلك الوقت بحاجة ماسة إلى الكوادر مما ساهم في توفر الفرصة للشيخ بالإضافة طبعا إلى مؤهلاته الثقافية والحركية. إلا أن خللا أراه هنا، وهو تسنم هذه المسؤوليات التنظيمية وهذا الإبراز لداعية ومنذ بداية انتمائه للحزب على خلاف المعمول به في حزب الدعوة الإسلامية. وأنا هنا بصدد المفهوم وليس المصداق، فكما أسلفت قد يكون الشيخ أهلا لتحمل هذه المسؤولية وقتذاك من حيث التأهيل الثقافي والحركي. إلا أن المفهوم يستدعي شيئا من التدرج والتأني، وهذا الخلل يُحسب على الحزب. وما أسجله هنا (من حيث المفهوم لا المصداق) هو تكريس الذات والمساهمة في صياغة الشخصية الذاتية التي لا تتحمل العمل الحركي التنظيمي الجماعي. وهذه واحدة من أمراض العمل الحركي في الإسلام والتي تؤدي في نهاية الأمر إلى الانفصال والانشقاق.
وعن النقاط الهامة التي أثارها الشيخ الشكرجي في الحلقة الثانية فيما يُسمى بورقة كتلة التأهيل السياسي مثل حزب الدعوة وولاية الفقيه، حزب الدعوة والعلاقة مع إيران، الحضور السياسي للدعوة ونقاط أخرى، ستكون محطات ساخنة للوقوف معها في الحلقة الثالثة بمشيئة الله.
2006-06-06
وقفات مع الشيخ الشكرجي في قصته مع الدعوة - 3
كتابات - طاهر الخزاعي
بسم الله الرحمن الرحيم
«وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم» (الأنفال – 7)
في البدء أشكر الشيخ على اهتمامه ومسارعته للتنويه ولفت نظري كي نقرأ في كتاب واحد، وأن المسألة لم تعد مسألة تصحيح وإصلاح بل هو اختلاف في مسألة جوهرية، فلم يعد الشيخ من الإسلاميين – كما يفهم الإسلاميون -. كان هذا ملخص تنويه الشيخ الفاضل الشكرجي في وقفته مع وقفتي الأولى من قصته. ثم عرج على مفردة "النفرة" التي انتابتني يوما ما من كتاباته. والجواب باختصار هو أننا لا نقرأ في كتابين مختلفين بل نقرأ في صفحة واحدة من ذات الكتاب. وفي الأسطر الأولى من وقفتي الأولى نوهت إلى ذلك بما يلي: (كما لا بد من التأكيد كذلك على أنني لستُ بصدد الرد أو الدفاع عن حزب الدعوة الإسلامية، فهو حزب أكبر من أن أتقمص الدفاع عنه. لكن قضية الرد هي الفكرة بذاتها والمفهوم الذي فهمته بوضوح من قصة الشيخ الشكرجي، كما سأبينه تباعا مقتبسا من بين ثنايا قصة الشيخ المحترم) ثم أردفت قولي بأني كنت أروم الرد منذ أكثر من ثلاث سنين مضت. وهذا يعني أنني لست بصدد مناقشة التصحيح والإصلاح ومشاريع الشيخ الداخلية، ولكني اضطررت للرد بهذه الطريقة مجاراة لطريقة الشيخ. نعم أصل الرد سيكون على فكرة الشيخ التي لم أحدد تسميتها حتى الآن، وهي تحول الشيخ من الإسلام إلى الديمقراطية أو علمنة الإسلام أو الهجرة إلى العلمانية أو ما شئت فعبر!. لكن المشكلة أن الشيخ الفاضل حفظه الله استخدم قصته مع الدعوة – كما يرويها – جسرا للعبور إلى ضفة الديإسلامقراطية، فما كان مني إلا مناقشة أهم ما جاء في قصته لأعبر على نفس الجسر الذي عبر منه الشيخ وستكون محطاتنا الأخيرة مع الضفة التي رست عليها سفينة شيخنا الفاضل. وهناك سنناقش التحول من الإسلام إلى العلمانية أو إلى الديمقراطية أو أمر بين أمرين. لكن المهم أن الشيخ ساق مقدماته في قصته ليصل إلى تلك النتيجة، ومن هنا لا بد من الوقوف مع هذه المقدمات، لتبيان مواطن الخطأ والصواب فيها.
أما عن "النفرة" التي يبدو أنها أزعجت الشيخ، فكما قلت وقتها أني لا أعرف سببها تحديدا، ولكن على نحو الاحتمال وبعد هذه السنوات، ربما سببها كوني شممت رائحة علمانية بين سطور كاتب إسلامي. مع العلم أني لا أنفر من العلمانية ولا من أي فكر بما فيه الإلحاد، فالناس أحرار في أفكارهم ومعتقداتهم، لكن يصعب عليَّ استساغة الفكر المزدوج! فالانفتاح والاعتدال والوسطية والتنوير شيء، وشيء محبب إلى نفسي، وازدواجية الفكر شيء آخر ينفر منه طبعي – الشخصي لا النوعي – ولا أفرض ذلك على غيري. وحتى أغلق باب التنويهات إذ قد يُقال: من قال لك أن الشيخ تحول إلى العلمانية أو يطرح مشروع علمنة الإسلام... أقول هذا ما سأفرد له نقاشا خاصا بعد حلقة أو حلقتين، وكلي أمل أن أكون على خطأ، وبنفس القوة من الأمل أن أكون على صواب ليتبين الخيط الأبيض من الاسود من الطروحات التي تسودها الضبابية وتحاول عاجزة التعشيق بين هذا الفكر والفكر الآخر بالشكل الذي يؤدي إلى تشويه الفكرتين وتشويه ذهن المتلقي، فيختلط حابل الأفكار بنابلها، وبالتالي يكون الوليد لذلك التعشيق هجينا هشا لا يمتلك أي مناعة فكرية.
مرة أخرى أؤكد أن ورود كلمات حادة في وقفاتي لا تتوجه بأي حال من الأحوال إلى شخص الشيخ المحترم، بل إلى الأفكار والآراء، فأنا أكن للشيخ وافر الاحترام. وعلى سبيل المثال ما أوردته في الحلقة الأولى حول رأي البعض المخالف لرأي الشيخ وقد يرى البعض طروحات الشيخ تمثل انحرافا عن خط الدعوة، وقد أسهب الشيخ في تنويهه حول هذه المفردة (الانحراف) وللتوضيح أقول: يُفترض ألا تُترجم الكلمات في غير محلها، فالانحراف المذكور – كرأي مناهض – لم أطلقه هكذا دون تقييد، فكان القيد واضحا (عن خط الدعوة)، وكل حركة سياسية تغييرية أو إصلاحية لها أهداف ومبادئ وثوابت تعمل وتناضل من أجلها، وكل مؤسسة من هذه المؤسسات لها خط تسير عليه يتكون من الأهداف والثوابت والمبادئ وبشكل خاص فيما يتعلق بالأمور الستراتيجية الذي تشكل خطا لهذا الحزب أو تلك الحركة. على خلاف المتغيرات التي تقع في خانة التكتيك. ومن هنا فالسير على خلاف تلك الثوابت والمبادئ يكون انحرافا عن الخط، وهذا الانحراف ليس انحرافا عقيديا حتى يُساء فهمه، لان حزب الدعوة لا يمثل الإسلام كعقيدة بل هو طريق من الطرق الكثيرة من أجل الدعوة إلى الإسلام. وللتوضيح بشكل صارخ أقول: قد يأتي يوم ينحرف فيه حزب الدعوة كاملا عن الخط الذي رُسم له. وهكذا كل حزب وحركة اذا ما تنازل عن متبنياته وثوابته يكون في واقع الحال قد انحرف وتخلى عن ثوابته. وما أعتقده أننا لسنا في جدل بيزنطي أو في حلبة حوار اتجاهات معاكسة من أجل الانتصار على الخصم بقدر ما هو تسليط أضواء على أفكار ورؤى أعتقد حتى اللحظة خطلها بعيدا عن التراشقات والاتهامات للأشخاص مع التأكيد على الحق الكامل في رشق الفكرة واتهام الرؤية.
أما هذه الحلقة فسأفردها لمناقشة بعض ما جاء في ورقة كتلة التأهيل السياسي لمرحلة الدخول وملامح هذه الورقة الأساسية التي أوردها الشيخ الفاضل.
وأول الكلام في العنوان (التأهيل السياسي)! أسجل هذا القصور في خطاب عنوان الورقة، وكأن الدعوة غير مؤهلة سياسيا وتفتقر إلى هذا التأهيل، في الوقت الذي يشهد الكثير من خارج الدعوة بأهلية حزب الدعوة السياسية على نحو (نسبي) يفوق أغلب، إن لم نقل كل، القوى السياسية العراقية. ومما جاء في الملامح الأساسية للورقة:
أولا: الحضور السياسي كأصل ثابت في أداء الدعوة.
ولا أدري ما هو المقصود من الحضور المراد هنا؟ ثم ما هو معنى الأصالة؟ فهل الحضور لا بد منه سواء كان في صالح العراق أم في طالحه، بمعنى وجوب الحضور حتى لو كان لتمرير مشاريع تحيق بالعراق وأهله؟! وطبعا هذا غير مراد من قصد الشيخ. والتعميم يوهم القارئ بأن الدعوة لا تعطي الحضور السياسي اهتماما كافيا في أولوياتها. مع أن القاصي والداني يشهد بحضور حزب الدعوة السياسي، بل وريادة الدعوة في العمل السياسي في المعارضة العراقية وقت كانت معارضة. وإذا كان المراد من "أصالة" الحضور السياسي في عمل الدعوة يعني أن يكون لحزب الدعوة موقفا سياسيا في كل معطيات الساحة السياسية العراقية، فهذا لا غبار عليه وهو ما دأب عليه حزب الدعوة. لكن منطوق ومفهوم الفقرة يؤدي إلى معنى الحضور السياسي المادي في المحافل السياسية كمؤتمرات وفعاليات سياسية من قبيل العملية السياسية في العراق، بقرينة وقت ورقة التأهيل (قبل الدخول). ومن الخطأ أن يكون الدخول في العملية السياسية واجبا وأصلا ثابتا لأي حركة سياسية إسلامية وغير إسلامية. بل الحضور السياسي على هذا المعنى يجب أن يكون متغيرا لا ثابتا يختلف باختلاف الظروف المحيطة بهذه الفعاليات السياسية. فالحضور واجب عندما يكون لصالح الأمة والمقاطعة واجبة كذلك لنفس السبب. نعم يصح أن يكون الموقف السياسي الواضح من كل مفردة من مفردات الواقع العراقي كأصل ثابت في أداء الدعوة. ثم الحضور السياسي الفاعل يفرضه واقع الحزب ومدى تأثيره على الساحة السياسية والاجتماعية في العراق، بمعنى أن العملية السياسية هي التي تحضر برمتها إلى الأحزاب ذات التأثير الكبير على الساحة ويهرول لهذه العملية السياسية من لا تأثير له. والواقع الجماهيري لكل حركة هو المعيار في النجاح والفشل. فالحركة التي لا تملك بُعدا جماهيريا، وإن وضعت الحضور السياسي أصلا ثابتا من ثوابتها، لا يؤهلها إلى التأثير على المسار السياسي للبلد. ولعل الأدلة واقعية ملموسة في هذا المضمار من خلال مسيرة العملية السياسية لثلاث سنوات مضت. فنجد بعض الحركات في قلب العمل السياسي ولأكثر من عقد من سقوط النظام بل وكان لها أثرا كبيرا في التغيير في العراق من حيث الدفع السياسي المعروف نحو التغيير، ولكن الفشل كان حليفها وسرعان ما لفظتها الجماهير. من هنا، الحضور مع الجماهير وبين الجماهير هو الذي يجب أن يكون أصلا ثابتا لكل حزب يريد تحقيق أهدافه خدمة لهذه الجماهير.
قد يكون من الحضور المقصود بناءً على خلفية قرار الحزب بعدم حضور مؤتمر لندن، وهذه حادثة أثبتت صحة قرار الحزب وقتها، ولا يحتاج الأمر إلى اثبات أكثر مما ثبت.
ثانيا: تأكيد عراقية كل من قرار وقيادة وخطاب الدعوة.
وهذه من أسوأ الملامح التي وردت في ورقة التأهيل السياسي، لأن فيها طعنا واضحا في عراقية حزب الدعوة على كل المستويات (القرار – القيادة – الخطاب). ومرة أخرى دون قصد من اليخ الفاضل في هذا الطعن على طريقة (ما وقع لم يُقصد). ولنناقش بوضوح وشفافية:
1. القرار:
عُرف في حزب الدعوة منع أي عضو قيادي فيه بالحضور لأي اجتماع أو تداول مع أطراف دولة أخرى مالم يكون بقرار مدروس من الدعوة والأصل أن يحضر أكثر من عضو معا، وذلك دريئة لما قد يحصل من ارتباطات فردية خارجة عن علم الدعوة. وأساس القيادة الجماعية في حزب الدعوة تعتبر مضادا من مضادات التأثير على استقلالية قرار الدعوة. والقرارات الهامة في حزب الدعوة لا يُصار اليها مثل ما يحدث مع بعض الحركات الأخرى من ارتجالية القرار لفردية قياداتها الرمزية، ففي الدعوة يتم اتخاذ القرار بعد تنضيجه وتداوله مع كوادر وأعضاء التنظيم عبر اللجان المختلفة، وبالتالي يكون القرار منطلقا من القاعدة الحزبية في الأعم الأغلب من القرارات. أما محاولة الترويج لوجود شوائب على قرارات الدعوة فينصرف أولا وبالذات للتأثير الإيراني على قرارات الدعوة. وفي هذا المجال أسأل: كيف غاب عن الشيخ الفاضل كل ذلك التاريخ المسموع والمكتوب والمشهود عن علاقة حزب الدعوة بإيران وكيف حوربت الدعوة وحوصرت في إيران لسببين الأول: هو إصرار الدعوة على استقلالية قرارها وعدم الانصياع لإملاءات أي طرف غير عراقي سواء في ذلك إيران أم أمريكا. والثاني: هو عدم تبني حزب الدعوة نظرية ولاية الفقيه كنظام أوحدي للحكم. فالدعوة قررت حضور مؤتمر صلاح الدين بنفسها كما قررت الانسحاب منه بعد سنة، وهكذا قررت مقاطعة مؤتمر لندن، وفي كلا القرارين ساقت أسبابها ومبرراتها. بالوقت الذي شاركت في هذين المؤتمرين وتبنت التوصيات والمقررات التي صدرت فيهما كل الأطراف الإسلامية التي ترتبط مع إيران بعلاقات وثيقة على مستوى القرار. وأغلب الأطراف غير الإسلامية المرتبطة بهذه الدولة أو تلك. فكيف يتم الطعن بعراقية قرار الدعوة؟ وعلى أي أسس يتم الاستناد في مثل هذه المفردة؟.
أرى من الغبن والحيف الكبير أن توصم الدعوة بعدم عراقية أو استقلالية قرارها، بالوقت الذي نعرف جميعا أن استقلالية وعراقية قراراتها هي امتياز خاص بها دون غيرها من الكثير من الحركات الأخرى. ولا مجال للمزايدات بل الوقائع المعاشة تدل على ذلك. ولعل من المفارقات هنا أن يصف النظام الصدامي البعثي حزب الدعوة بالعمالة إلى إيران، وفي إيران يصف الإيرانيون حزب الدعوة بعدم الولاء للدولة الإيرانية ويصنفونه ضمن الاحزاب التي لا تؤمن بولاية الفقيه. الأمر الذي أدى إلى اضطرار حزب الدعوة ولأجل تسهيل عملية دخول اعضائه إلى داخل العراق أيام الجهاد ضد النظام الصدامي، اضطره إلى أخذ تأييد من هذا الفصيل الموالي أو اصدار هوية من تلك الجهة المعروفة بميولها لإيران. كل هذا ولم يتنازل حزب الدعوة عن أهم ثابت من ثوابته وهو استقلالية القرار الدعوتي وعراقيته.
2. القيادة:
من حيث المبدأ وعودة إلى التأسيس وكون حزب الدعوة حركة إسلامية عالمية لا يأتي إشكال الشيخ الفاضل. فالدعوة تأسست في العراق وانطلقت نحو أقاليم شتى فكان في قيادة وكوادر الدعوة الإيراني واللبناني والأفغاني والخليجي. ولكن نتيجة تغير الظروف المحيطة بكل بلد بشكل عام والعراق بشكل خاص يأتي الكلام عن التأكيد على عراقية قيادة الدعوة. ومن دون شك لا يقصد الشيخ من طلبه هذا وجود قيادات لبنان او أفغانستان أو باكستان في قيادة الدعوة، إنما البوصلة تتجه بوضوح تام صوب إيران (أحد أركان محور الشر)!.
لا أريد فتح باب النظرة العنصرية من خلال هذا الطلب باعتبار أن الدعوة حركة إسلامية، والإسلام رسالة عالمية غير متأطر بالقطرية والقومية، فهذا الكلام مثالي في الواقع الراهن. ولكن السؤال المهم من أجل الإجابة على طلب الشيخ، هل يوجد في قيادة الدعوة من هو إيراني؟ ثم من هو الإيراني؟ أعني ما هو المعيار في كون س إيراني وص عراقي؟.
هل هو الأصل، بمعنى أن جد س من أصل إيراني وقادم من روابي يزد أو أصفهان؟ أم أن الإيراني هو حامل الجنسية الإيرانية لأي سبب كان؟ أم الإيراني هو الذي هجره صدام بدعوى التبعية إلى إيران؟ أم الإيراني هو المواطن الإيراني أصلا وجنسية وولاءً؟
أرى من المهم جدا أن نحدد العرش قبل النقش (كما يصر أصحاب الحوزة الكلاسيكية على هذه المصطلحات). فالعرش اذاّ: مفهوم الإيرانية، ثم نأتي للبحث عن المصاديق.
واضح أن هذه الاثارة يُراد منها كون الإيراني من له اصول إيرانية، فالطلب هو خلو قيادة حزب الدعوة من أي شخص له جذور واصول غير عراقية.
وللجواب على هذا الطلب نقول أن المرجع في هذه القضية – تحديد العراقي من غيره – هو الدستور وما نص عليه وما ينص عليه قانون الجنسية العراقية. فأي شخص لا يعطيه القانون العراقي الجديد بموجب الدستور – والشيخ أحد أعضاء لجنة كتابته – حق الجنسية العراقية، يتأتى عليه إشكال الشيخ ولا بد من الوقوف مع الشيخ في طلبه هذا. أقول هذا كي يكون علاج المسألة علاجا قانونيا حضاريا بعيدا عن الأهواء. وعلى حد ما أعرف لا يوجد بين قياديي حزب الدعوة من لم يكن عراقيا بالولادة، بل وتعرض إلى الاضطهاد على أيدي جلاوزة النظام البائد. أما الحديث عن الأصول فما أكثر العراقيين الذين تعود أصولهم إلى غير العراق، ولعل أهم استشهاد أسوقه في هذا المقام ما خطه يراع الشيخ الفاضل الشكرجي في قصته وتحديدا في السيرة الأسرية لما دون نسبه فوصل إلى طريق مسدود واستظهر بنفسه احتمال جذورهم الإيرانية؟؟ّّ!!.
فأقول إذا كان استظهار الشيخ صحيحا فهل يصح مطلبه، بمعنى هل يصح أن نصف الشيخ الشكرجي أنه غير عراقي وبالتالي لا يحق له أن يكون ضمن قيادة الدعوة؟!.
أتفهم جيدا هذا المطلب شريطة أن نحدد معيار الإيرانية من العراقية وأعتقد أن على الشيخ أن يلزم نفسه قبل أن يلزمه غيره بما جاء في الدستور العراقي الجديد في هذه النقطة.
إلا ما لا أتفهمه هو تطرق الشيخ إلى تأكيد عراقية القيادة، دون ذكر القاعدة وأعضاء الحزب! ولا أجد أي وجه لهذا الفصل بين القيادة والكادر دونها. لان هذا المطلب يجب أن يسري على كل أعضاء الحزب من القاعدة إلى القيادة اللهم إلا اذا علم الشيخ بخلو القاعدة منهم وانحصارهم في القيادة، فهو أمر آخر. وأخيرا لا بد من التنويه على أن الوطنية والحس الوطني هي التي يجب أن تكون المعيار بمعنى أصالة العراقي من حيث النسب لا تعطي صكا في الوطنية، وأصول العراقي غير العراقية لا تسلبه هذا الحس الوطني.
3. الخطاب:
ما قيل حول قرار الدعوة وعراقيته ينسحب هنا على خطابها. بل الصورة أكثر وضوحا في الخطاب منه في القرار. وكل متتبع للشأن السياسي العراقي من داخل البيت وخارجه يسجل للدعوة خطابها الوطني العراقي وخطابها الإسلامي غير الطائفي. بما في ذلك الفترة الحالية التي يمر فيها العراق في ذروة الاحتقان الطائفي، فما وجدنا خطاب الدعوة طائفيا او انفصاليا إلى درجة يعده البعض من داخل البيت الشيعي مثلبة على الدعوة باعتبار خطابها يؤكد دائما وأبدا على الوحدة الوطنية العراقية.
وكنموذج من هذا الخطاب: (إنّ حزب الدعوة الإسلامية يميز جيدا بين التعدد المذهبي والنعرة الطائفية، ويحترم الحالة المذهبية ويعدّها حالة اجتهاد، لكنّ النعرة الطائفية تعدّ نزعة مقيتة تستهدف إشاعة التعصب والفتن وزرع بذور الفرقة بين أبناء الدين الواحد، ويدرك الحزب بوعي أن كثيرا من الأنظمة حاولت اللعب على حبل الطائفية لإحداث الفرقة، وبالأخص نظام صدام المقبور في العراق، ويؤكد الحزب على ما يلي:
1. إنّ المسؤولية الشرعية تلزم الجميع ضرورة التلاحم بين المذاهب الإسلامية لبناء العراق الجديد.
2. إنّ الخسائر الفادحة التي لحقت بمدرسة أهل البيت في العراق من قبل النظام السابق ليست متأتية من تمسكه بمدرسة الخلفاء، وليست لارتباطه بالإسلام، ولا ترتبط بالأمرين من قريب أو بعيد، ولهذا فإننا لا نحملّ إخواننا السنّة هذه الجرائم، وفي الحالات الخاصة فإنّ الذي يتحمل تبعتها مَنْ قام بها لا غير.
3. إنّ أتباع مدرسة أهل البيت يدركون بعمق ضرورة تعميق الوحدة الإسلامية بين أبناء الأمة، لأنّ في وحدتهم قوة لهذه الأمة، تمكنها من تحقيق أهدافها في الحرية والعدالة الاجتماعية والعيش بسلام.) وللمزيد يمكن مراجعة البرنامج السياسي لحزب الدعوة
http://daawa.org/politcalprogram/index.htm
ومرة أخرى، المعيار في عراقية خطاب سياسي ما، هو ما يحمله هذا الخطاب من هموم المواطن العراق وتطلعاته نحو الحرية والاستقرار والاستقلال بما يحفظ البلد وأهل البلد وثرواته من أطماع الطامعين من أي ملة كانوا، من العرب والإيرانيين والأمريكان. فالخطاب الذي يدعو إلى وحدة العراق أرضا وشعبا هو خطاب وطني عراقي. والخطاب الذي يدعو إلى رفض ما يفضي إلى تقسيم العراق على أسس طائفية وعرقية هو من صميم الخطاب الوطني العراقي. والخطاب الذي يدعو إلى استقلال وسيادة العراق وجدولة انسحاب قوات الاحتلال هو الخطاب الوطني العراقي. والخطاب الذي يرفض العنف الطائفي والعنف العرقي ويرفض الإرهاب بكل أنواعه، ويرفض قتل الأبرياء من أي مصدر كان لهو الخطاب العراقي الوطني بعينه.
ثالثا: الانفكاك كليا عن تأثير التدخل الإيراني في عمل وقرار الدعوة:
لا استطيع الإضافة أكثر مما ورد في نقاش التأكيد على عراقية قرار وقيادة وخطاب الدعوة أعلاه، لأن هذه الفقرة تكرار مقصود لما ورد بتلك. وهي توحي للمتلقي بسيطرة إيرانية على حزب الدعوة عملا وقرارا وقيادة وخطابا، وهو مما لا يوصف إلا بالتجني الكبير الذي طال الدعوة، رغم عدم القصد. هذا الإيحاء، بل التصريح تدل عليه كلمة (الانفكاك) والتي تعني بوجود ارتباط وتدخل إيراني في عمل وقرار الدعوة. وهنا لا أملك إلا مطالبة الشيخ الفاضل بالدليل، والدليل القاطع. لأني سأكون ذراعه اليمنى الضاربة لمثل هذا الارتباط والتأثير – إن وجد -. أما توضيح الشيخ حول هذه النقطة فهو مخالف لما جاء في عنوان المطلب. فهو يثبت أن تدخلات الإيرانيين أضرت بالدعوة وأدت إلى انشقاقات حصلت فيها ولم تكن يوما في منفعتها، وهو صحيح. إلا أن ذلك آت من تدخلات الإيرانيين في شؤون المعارضة العراقية التي كانت تقيم في إيران. وليس ارتباطا عضويا – كما يشير مفهوم الانفكاك -. ففرق بين أن تقيم في دولة تخوض حرب مع نظام صدام وأنت تعارض نظامه أيضا، والواقع يفرض نوعا من الاتصال الذي لا مفر منه، وبين أن ترتبط بإيران كسياسة لتكون أداتها في العراق. ومن هنا تكون دعوة الشيخ الفاضل لهذا الانفكاك بمثابة (السالبة بانتفاء الموضوع) فلا يوجد موضوع لهذا الارتباط خاصة اذا علمنا أن هذه الملامح الأساسية تم إعدادها بما يناسب فترة الدخول إلى العراق.
وأخيرا، لا يصح توجيه مثل الطعون لحزب الدعوة المعروف عند الإيرانيين وغيرهم بعدم رضوخه لكل الضغوطات الإيرانية التي امتدت لأكثر من عقدين من الزمن، ودفع ضريبة كبيرة مقابل ذلك. ويمكن استيعاب مثل هذه الاتهامات لو كنا في النصف الأول من عقد الثمانينات، كما يمكن استيعابها لو صدرت من آخرين ممن يقفون في خنادق أخرى غير الشيخ الفاضل الشكرجي. أما أن يأتي بها الشيخ وعلى هذا النحو، فلا تفسير لها إلا أحد أثنين: الأول ايجابي، وهو ما أميل إليه، أي أن معلومات الشيخ بهذا الصدد مبنية على المسموعات وعلى الحدس وليس الحس باعتباره يقيم في أوربا وليس في تماس مباشر مع العمل وتفاصيله في إيران. وهذا التصور موجود على نحو ما في أوساط التنظيم في أوربا لنفس السبب وأسباب أخرى. أما التفسير الثاني، هو أن قرار الهجرة إلى الضفة الأخرى قد اتخذ من قبل الشيخ منذ فترة طويلة سيما وان تحولاته في هذا الاتجاه تعود لأكثر من عقد – كما عبر هو – وبالتالي تكون هذه الاثارات على غرار المبررات القوية التي يبحث عنها أحدنا اذا ما أراد التحول والانفصال إلى الطرف الآخر.
يتبع
وقفات مع الشيخ الشكرجي في قصته مع الدعوة – 4
كتابات - طاهر الخزاعي
بسم الله الرحمن الرحيم
«وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم» (الأنفال – 7)
في واحدة من الملامح الأساسية لورقة التأهيل السياسي في المرحلة المتاخمة لدخول للعراق عشية الحرب، يتجلى الخط العريض الرئيس في تحول الشيخ نحو الضفة الأخرى.إذ يطالب حزب الدعوة الإسلامية تحت البند السابع بتبني الديمقراطية وتبني التأصيل لها إسلاميا!! فيقول:
7. تثبيت الديمقراطية في البرنامج السياسي وتبني التأصيل لها إسلاميا:
ويتكون المطلب من شقين، الشق الأول تثبيت الديمقراطية في البرنامج السياسي، والشق الثاني يذهب بعيدا (تبني التأصيل لها إسلاميا) وهذا الشق بذاته يتكون – ضمنا - من مرحلتين، الأولى التي تسبق التبني وهي التأصيل إسلاميا للديمقراطية، ثم التبني لهذا التأصيل. وأول الكلام في التأصيل، فإذا ما صح التأصيل ووجدنا أن الديمقراطية مبدأ إسلامي أصيل حينذاك لا مناص من التبني أسوة بالمبادئ الإسلامية. ولكن أنى لنا ذلك؟
ولا توجد أي مشكلة في تثبيت الديمقراطية في برنامج حزب الدعوة باعتبار أن الديمقراطية وسيلة وآلية لتداول الحكم بالطريقة السلمية، ويُفترض أن النقاش حول أمر التثبيت قد فات أوانه بعد أن نصَّ الدستور الدائم على النظام الديمقراطي وعلى عدم جواز مخالفة تشريع أي قانون يخالف مبادئ الديمقراطية.
كما أن حزب الدعوة قد أدرج مفردة الديمقراطية ضمن برنامجه السياسي وما جاء في هذا المضمار ما يلي: (مفردات البرنامج السياسي - 5- الديمقراطية:
الديمقراطية آلية إدارية وسياسية وقانونية لتداول السلطة بصورة سلمية، إذ تتضمن مفردات الدستور والبرلمان والانتخابات والتعددية السياسية، وحرية العمل السياسي، وحرية الصحافة، وحرية التعبير، وحرية الاجتماع، وحرية التظاهر، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وخضوع الحكومة للسلطة التشريعية. والديمقراطية تأتي مقابل الاستبداد والديكتاتورية والقمع السياسي والإرهاب الثقافي والحرمان الاقتصادي الذي تمارسه الأنظمة المستبدة ضد شعوبها. كما تعني تمتع جميع المواطنين بالحقوق، والحريات العامة والشخصية، والمشاركة السياسية، وتأسيس الجمعيات والمنظمات الاجتماعية والثقافية والسياسية، وهي التي تؤكد هوية الأمة وكثابت يحفظ تماسك المجتمع على الأسس العقائدية والقيمية التي آمن بها. إن تداول السلطة بالطرق السلمية قد يكون من خلال الكتل البرلمانية والتنافس الحزبي والفردي على قاعدة خدمة الوطن والمواطن.)....
لكن هل يكتفي الشيخ بهذا المعنى من الديمقراطية؟ أم يطالب بتبني التأصيل لمعنى آخر يتناسب ومعنى الديمقراطية كمبدأ وركن ركين للنظام العلماني. بمعنى أنه لا يكتفي بتداول الحكم عن طريق الانتخاب والفصل بين السلطات واستقلال القضاء... إنما يريد تبني التأصيل للديمقراطية بما هي هي كنظام يلف كل المناحي الحياتية للمواطن، تماما كما يحصل في أمريكا وأوربا. من البديهي أن الشيخ الفاضل لا يريد هذا المعنى الأخير، فمن غير المعقول انه يريد أن ينسخ الديمقراطية الألمانية أو الامريكية على العراق والمجتمع العراقي. وأقصد الديمقراطية التي يمارسها الأوربيون على كافة مناحي الحياة بما ينسجم ومجتمعاتهم ولكنه لا ينسجم مع مجتمعنا لاعتبارات كثيرة منها ماهو عرفي تقاليدي بيئي ومنها ماهو ديني يتقاطع والثوابت الدينية.
فللديمقراطية معان كثيرة ومختلفة، كما أن الأنظمة الديمقراطية أنظمة مختلفة من بلد إلى آخر، فالديمقراطية في السويد غير التي في أمريكا، والنظام الديمقراطي في ألمانيا غير الذي في تركيا. والديمقراطية ممارسة في إيران أيضا، فلو رفعنا ولاية الفقيه، لوجدنا نظاما ديمقراطيا وتداول السلطة عن طريق الانتخاب، وهكذا في بعض الدول العربية كالكويت ولبنان. أصبحنا اذا أمام ديمقراطية نسبية، فلأي من هذه الأنواع يطالب الشيخ بالتأصيل والتبني؟.
والقدر المتيقن منها كآلية ووسيلة سلمية متوفر ومتبنى من حزب الدعوة، وتمارسه الدعوة على مستوى التطبيق منذ نصف قرن.
والشيخ الفاضل في تفصيله لهذا المطلب أشار إلى (المواءمة بين الإسلام والديمقراطية) كما أشار بوضوح كسبب هام لهذا الخطاب للتوفيق بين (رفع هواجس الأطراف العلمانية العراقية والأطراف الدولية) الممسكة بالملف العراقي (وبين مراعاة مشاعر الجماهير الموالية في الداخل). ونشم في هذا المنطق رائحة الميكافيلية عابقة! فالجماهير في العراق هواها إسلامي والأطراف الدولية وبعض أطرافها السياسية علمانية وعلينا أن نقف على التل في هذه الصورة السياسية! فلا نريد أن نخسر الجماهير الإسلامية بتبنينا للديمقراطية وفي نفس الوقت علينا رفع هواجس الاطراف الدولية والعلمانية من خلال التأصيل لتبني الديمقراطية. ولا أدري في أي خانة من خانات المواقف نضع هذا الموقف؟. ليعذرني الشيخ الفاضل، ولكن هذا سياق كلامه ولم آتي بشيء من عندياتي، ولعل أبرز ما يدل على ذلك عبارة (المواءمة بين الإسلام والديمقراطية) ولا يخفى أن الوئام مفقود بين الإسلام والديمقراطية – بحسب التعبير – وبالتالي علينا خلق هذا الوئام. والسؤال هنا كيف لحزب إسلامي أن يؤصل ويتبنى التأصيل لأمر لا وئام له مع الإسلام؟.. ثم هذه العبارة بحد ذاتها من الشيخ فيها ما فيها مما هو ضد طرح الشيخ ومطالبه.
من الممكن جدا أن تكون عبارات الشيء تدعو إلى أمر آخر، لكننا ليس أمام نص شعري كي نقول أن (المعنى في قلب الشاعر) بل نحن أمام رؤية فكرية ينبغي أن لا تحتمل التفسيرات والتأويلات إلى درجة أن ما يريده الكاتب يصل خلافه للمتلقي!.
نعم يتأتى كلام الشيخ ومطلبه اذا كان منظورا من حيث الخطاب السياسي المتحرك وفقا للظروف الموضوعية المحيطة، من دون أخذ مسألة التأصيل والتبني على حساب توجه الجماهير. ولكني لم أجد هذا المعنى في تفصيل الشيخ الفاضل تحت فقرة التبني والتأصيل. بل وجدت المطلب واضحا بدعوة حزب الدعوة إلى لعب دور الوسيط بين الجماهير الإسلامية وبين الأطراف الدولية والعلمانية، وعلى حساب فكر الجماهير وتوجهاتها لا على أساس تحقيق مطالب الجماهير. وهذا مطلب خطير بحيث يكون حزب إسلامي عمل وسط الجماهير وقدم من التضحيات ما لا يقدمه حزب غيره لمدة خمسين سنة من أجل هدف تغيير الجماهير نحو الإسلام، ولما حصل هذا التغيير بنسبة كبيرة نتيجة هذه الجهود وجهود آخرين، يأتي الحزب ليجر الجماهير رويدا رويدا لمتبنيات الأطراف الدولية والأطراف السياسية العلمانية؟!!. فهل هكذا تورد الإبلُ؟
أنا هنا لست ضد الديمقراطية كآلية ووسيلة لتداول الحكم بشكل سلمي قائم على أساس الانتخاب، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وضمان حقوق المواطنة دستوريا، وكل ما من شأنه تكريم الإنسان (وكرَّمنا بني آدم) في إطار القيم والمبادئ المجتمعية التي تختلف من مجتمع لآخر. وضمان كافة الحقوق والحريات ضمن ذات الإطار، وهذه قيم إنسانية وجاءت رسالة الإسلام من أجل الإنسان. وهذا مالا يختلف عليه اثنان من المدرسة الإسلامية، والاختلاف يقع حول ماهية الديمقراطية المرادة، فهي بأصلها اليوناني حكم الشعب، فالحكم والسيادة والتشريع للشعب. والاختلاف يقع في التشريع، وهل يجوز – إسلاميا – تشريع قوانين من البرلمان – كمؤسسة أفرزتها الديمقراطية – تتنافى وتشريعات السماء والثوابت الدينية؟. يجوز ذلك في الأنظمة الديمقراطية التي تتبنى الديمقراطية بما هي هي، كونها وجه العملة الآخر للعلمانية الغربية. فهل المراد تبني وتأصيل هذا المعنى؟ لا يقول بهذا سوى أصحاب النظرية العلمانية التي تعتمد أساسا على فصل الدين عن الدولة أو حسب تعبير الآخر عدم جواز تسييس الدين. أو بتعبير ثالث أخف وطأة، فصل الدين عن السياسة، وليس فصل الدين عن الدولة، باعتبار أن الكنيسة والمسجد والعتبات مؤسسات تنتهي بالنتيجة داخل حياض الدولة بمفهومها العام. وهنا جاء الشيخ الفاضل بإيمانه (بعدم تسييس الدين) في دوافعه التي أدت به لإعلان الانفكاك، قائلا (إيماني بأن الدولة ذات النظام الديمقراطي، غير المؤدلجة دينيا، وغير الممارس فيها عملية تسييس للدين وللمذهب وللرموز الدينية من مرجعيات وعتبات مقدسة وشعائر دينية، هي الأصلح للعراق وطنا، وللإسلام رسالة للحياة، وللشيعة طائفة.)...
مع الغموض الكامل الذي يلف هذه العبارة، حيث الخلط للقضايا المذهبية بالشعائر والعتبات والمرجعية، لكن معنى الفصل بين السياسة والدين ظاهر فيها. مع قرب العبارات إلى الإنشائية منها إلى العلمية، والسخط الواضح على بعض الممارسات الخاطئة التي تستغل بعض ما ذكرها الشيخ من واجهات، وبعض هذه الممارسات أشاركه في السخط عليها ورفضها. ولكن الإيمان بدولة تبعد الدين – الإسلام – عن السياسة أمر آخر يختلف عن السخط على الممارسات الخاطئة التي تمثل أصحابها، بل هو الارتكاز الأوحد الذي ترتكز عليه العلمانية. والمشكلة هنا أن الشيخ الفاضل أطلق الكلام على عمومه بل ذهب أكثر من ذلك حتى رأى أن هذه الدولة (التي تبعد الدين عن السياسة) هي الأصلح للعراق وطنا وللإسلام رسالة للحياة!!. والغريب هنا أن الشيخ يثبت أن الإسلام رسالة للحياة! لكنه يطالب بابعاده عن أكبر جزء من الحياة، وهي الحياة السياسية! فكيف يستقيم هذا المطلب؟.. وما أقصده من تعميم الشيء هنا عدم تقييده بهذه المرحلة التي يمر بها العراق، فلو كان قد قيد لهان الأمر ولقلنا أن الظرف العراقي وتداعياته من احتلال ومشروع أمريكي له ملامحه الخاصة به تحول دون إفراز نظام سياسي على أساس الإسلام، موجب لمطلب مرحلي له أسباب موضوعية. ولكن التعميم والإطلاق في غير صالح الشيخ.
ثم عن أي صلاح لرسالة الإسلام للحياة يتحدث الشيخ اذا أبعدنا الإسلام عن الشؤون السياسية؟ فهل هي حياة الحوزة والدرس الفقهي، أم هي الصلاة والصوم وسائر العبادات، وماذا عن المعاملات والقضاء والأحوال المدنية، الخ؟... ثم كيف تنسجم دعوى عدم تسييس الدين مع قولة أخرى للشيخ: (فتشت عن الديمقراطية في الإسلام فوجدت الإسلام في الديمقراطية)!!. نعم تنسجم مع الجو العام لطرح الشيخ ونظريته بإبعاد الإسلام عن مسرح الحياة السياسية، باعتبار أن الديمقراطية توفر لأي صاحب ديانة أن يمارس طقوسه وعاداته وشعائره باعتبارها مفردات شخصية مقننة بعدم تدخلها بالشؤون السياسية، وهذا المعنى يأخذنا عنوة للقول بأن الشيخ الفاضل يقترب شيئا فشيئا نحو شاطئ العلمانية وتبتعد أشرعة سفينته عن مرافيء الإسلام كنظام سياسي قادر على قيادة الحياة. ومن هنا، يصح قول الشيخ بأنه ليس إسلاميا، على هذا المفهوم للإسلامي الذي يؤمن بالإسلام رسالة للحياة على كافة صعدها. أما تجزئة الإسلام بانه رسالة لبعض جوانب الحياة دون الجوانب الآخرى فهو ينطبق على أديان أخرى كالدين المسيحي ولا ينطبق على الإسلام. ولا أعتقد أن هناك ضرورة لسرد نصوص قرآنية ونبوية ووقائع تدل على ذلك، لأن الشيخ لا ينطلق من منطلق البعد الفلسفي للنظرية وإنما يريد أن يتبنى الواقع. ولكن السؤال الاهم، هل يصلح الواقع أن يكون أهلا للتبني اذا كان مخالفا لثوابت ومبادئ الإسلام ويؤدي إلى تنحي الإسلام وتخليه عن رسالته ألا وهي قيادة الحياة؟!.
يتبع
وقفات مع الشيخ الشكرجي في قصته مع الدعوة - 5
كتابات - طاهر الخزاعي
بسم الله الرحمن الرحيم
«وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم» (الأنفال – 7)
هذه الحلقة الخامسة من وقفاتي مع الشيخ في قصته، وهي الأخيرة من حيث الوقوف مع ما ورد في القصة، وقبل الأخيرة من حيث كل الوقفات، فستكون الحلقة اللاحقة – الأخيرة – مخصصة للأخذ والعطاء مع مشروع الشيخ وفكرته الأساس الموسومة بــ <الديــــــإسلامـــقراطية>. ولا بد من الإشارة إلى مداخلات الشيخ على هذه الوقفات، سواء بعنوان وقفة مع وقفة أو بعنوان "رفع لبسٍ"، لا بد من الإشارة على أنني لست بمعرض الحوار المباشر مع الشيخ الفاضل، حتى أمارس رد على رد، أو وقفة مع وقفة، وهو ما دعاني إلى انتظار الشيخ حتى إكمال كل حلقات قصته وملحقاتها من رسائل ترتبط بالقصة. وهذا لا يعني أني أتحفظ على مداخلات الشيخ لوقفاتي أو أسلبه حقه في هذا الصدد، فله كل الحق في ذلك، إلا أني لست ملزما في الرد على الردود، لأن قصة الشيخ واضحة – بالنسبة لي – بالشكل الذي يمكن أن أسميها (قصة التحول عند الشيخ)، ولهذا أخذت على نفسي أن أقف مع بعض محطات هذا التحول من خلال قصته مع الدعوة، فإن فصول كتاب التحول هي الفصول التي قرأناها في قصة الشيخ. ولهذا جاءت وقفاتي متسلسة مع هذه الفصول للوصول إلى خلاصة كتاب التحول، وهو ما أسماه الشيخ بـالـ <ديــــإسلامـــقراطية>. وما عبر عنه في موضع من القصة بالمواءمة بين الإسلامية والديمقراطية، ولقد سجلت بعض الاثارات عن مثل هكذا مواءمة مدعاة في الحلقة السابقة.
كما أسجل هنا احتمالية خطأ ما أذهب اليه في بعض وقفاتي، وهو أمر طبيعي، وفي نهاية المطاف يكون الحكم للقاريء، إذ بين يديه قصة الشيخ ووقفاتي وله وحده الحكم، ولا أقصد بالحكم إعلان فوز أحدنا وخسارة الآخر! ولا حتى صواب أحدنا وخطأ الآخر على نحو الاحتفالية للفائز ومواساة الخاسر أو الشماتة به، بقدر ما أقصد أن عقل القارئ سيستنبط صحة الفكرة من سقمها، وستتوارد المعلومات مخزونة في ذاكرة عقله، معلومات القصة ومعلومات الوقفات، وعاجلا أم آجلا سيميز العقل أيهما الأقرب إليه – وفقا لفكره بالتأكيد -، ونحن في معرض الفكر الإسلامي. ومهما يكن فإنها حالة من الإثراء سواء من القصة أو من الوقفات، وهذا ما يجب أن يكون غاية هامة لمثل تداول هذه المواضيع الحساسة. ومن هنا آليت على نفسي ألا التقط معلومة من هذا ومساعدة من ذاك حول الموضوع، بل لم آخذ رأي أحد لأرد على الشيخ الفاضل، لأسباب كثيرة منها: أنني أمقت شخصنة الردود، ومنها أني أرى قصة الشيخ وافية كافية لا تحتاج حتى إلى مراجعة ربطها بمقالاته السابقة خاصة أن وقفاتي تتعلق بما ورد في القصة والتماشي معها حتى الوصول إلى ما عيرت عنه "العبور إلى الضفة الأخرى". وقد وصلتني العديد من الرسائل (21 رسالة) من إسلاميين وعلمانيين جميعها تثني على الوقفات باستثناء واحدة من أستاذ إسلامي عبر فيها عن فوات الأوان لمثل هذه الوقفات وعلى حد تعبيره (لقد سبق السيف العذل). والحقيقة ليست هذه الوقفات من اجل ألا يسبق السيف العذل، بل هي وقفات مجردة غايتها الحقيقة – النسبية – أو على أقل التقادير هي ردود من أحد قراء قصة الشيخ الموجهة لهم بالدرجة الأولى، فأدون رأيي فيها وأسوق بضاعتي مع بضاعة الشيخ ليتبضع منها من شاء ممن يهمه الأمر وليدعها كاسدة ممن لا تروق له وللطرفين وافر الاحترام. وللتدليل على أن هذه غاياتي كنت قد أرسلت للشيخ بريدا بعدما راسلني هو مرفقا وقفته على وقفتي ورفع اللبس الآخر قبل أن ينشرهما، وله الشكر على ذلك، أجبته برسالة عرفت له فيها عن نفسي بشيء من التفصيل البسيط الذي أراه حقا له – ولم يطلب الرجل ذلك – من أجل اضفاء مصداقية أكثر على غاية وهدف الوقفات. والبارحة وصلتني رسالة أبوية أو أخوية – فعمري 43 عاما – صادقة من الشيخ يثني فيها على أسلوبي وطريقتي المؤدبة في الوقفات، مشيرا أيضا إلى إخفاق في الحوار، والأهم فيها أن الشيخ الجليل طلب رقم هاتفي ليتصل بي هاتفيا، ولم أرد على الرسالة قاصدا محرَجا، لأني لا أريد أن أتحدث مع الشيخ مباشرة قبل نهاية وقفاتي – وبقي منها واحدة – حتى لا يكون هناك أي تأثير سلبي أو ايجابي عليها، ولو لا شعوريا، ونص رسالة الشيخ الفاضل هو
(بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
والله أقولها من موقع الحب إنك في الوقت الذي – حسب تقديري القاصر طبعا – لم تنجح في الحوار، تألقت أيما تألق في سمو خلقك الذي انطلق بعفوية الصدق البعيد عن التكلف، فأهنئك من كل قلبي على خلقك الراقي، وقد شوقني ذلك إلى أن أحدثك مباشرة، لذا أرجو أن تتفضل علي بإرسال أرقام تلفونك، والأوقات المناسبة للاتصال بك مع الشكر والمودة والتقدير والدعاء.
أخوك: ضياء الشكرجي
13/06/2006)
وكل العذر للشيخ لنشر هذه الرسالة، فما أراه في الرسالة فضل من الشيخ ونشرها من باب نشر الفضل، ولو كانت رسالة تحمل أي شيء لغير صالح الشيخ ما نشرتها. على أني وحال الانتهاء من نشر الحلقة الأخيرة سأكون أنا السَّباق في الاتصال الهاتفي بالشيخ حتى يكون التداول وقتها حول رؤيتين انتهينا من نشرهما.
اليوم سأقف سريعا مع بعض محطات ما ورد في قصة الشيخ المحترم، وأراها تصب كسلسلة مترابطة لصالح ما أذهب اليه من تحول الشيخ وخطوات عبوره إلى الضفة الأخرى. فمما ورد في ورقة ما أسماه الشيخ بالتيار الإصلاحي في حزب الدعوة الإسلامية – الحلقة 4 من القصة – مطالبا القيادة إلى أن تلتفت إلى بعض الأمور وترتيب الأثر اللازم عليها، وهذه الأمور تتعلق بوجود تيار داخل الدعوة بدأت قناعاته تتبلور باتجاه تشكيل تنظيم جديد!. فكانت النقطة الأولى التي سجلها الشيخ مخاطبا قيادة الحزب: (1. إن هذا التيار يمثل وجودا واسعا في جسم الدعوة لا يجوز التغافل عنه وإنه يملك كل مقومات التشكيل لتنظيم جديد.)
وهذه الفقرة تعتبر بمثابة الذروة في نقطة التحول عند الشيخ، والعبارة واضحة لا تحتاج إلى تفسير أو الوقوع في سوء الظن المنهي عنه عرفا وشرعا وأخلاقا. الفقرة تقول لقيادة الحزب أن هناك تيارا في الدعوة ان لم يُستجاب لطلباته سيكون تنظيما جديدا. وأي قارئ لهذه الفقرة لا يقول بأن هناك نية مبيتة بتشكيل تنظيم جديد من الدعاة، بل هو إعلان صريح – مشروط -. نعم، قد يُقال أن المقصود منه هو الضغط على الدعوة من أجل الاستجابة لمطالب من يرون أنهم دعاة إصلاح داخل حزب الدعوة الإسلامية. لكني أقول، إن أسلوب الضغط بحد ذاته أسلوب غير صحيح، وهو أسلوب يتناقض أساسا ومبادئ الإصلاح والإصلاحيين، ومن هنا ومن أجل أن لا نظلم الشيخ نرفض كونه أسلوبا ضاغطا ونضع الفقرة في موضعها الصحيح وهو الاقتراب من نقطة الفراق والتحول الذي لا رجعة فيه.
كما لا بد من الوقوف هنا وتسجيل نقطة في غير صالح هذا الخطاب الوارد في الفقرة المذكورة، فهو خطاب يحمل الاثنينية وهي تبتعد عن الإصلاح والوحدة والتجديد. ولا يُقال لا توجد اثنينية هنا! بل هي واضحة من خلال التصريح بان هذا التيار (يملك كل مقومات التشكيل لتنظيم جديد)!!. فهو إذا تنظيم جاهز يحمل كل المقومات ولا يحتاج سوى الاعلان عنه.
واذا كانت هي النهاية الطبيعية لمثل هذا الطريق الإصلاحي المسدود باعتبار أن الكثير من المحاولات لم يتم الاستماع لها، وبالتالي فهو التنظيم الجديد الذي لا مناص منه، تقفز إلى الذهن كومة من التساؤلات حول صدقية دعوى الإصلاح داخل حزب الدعوة الإسلامية، فأقول وقد وقع المقصود وتم الاعلان عن (تجمع الديمقراطيين الإسلاميين) أقول إن دعوى الإصلاح لم تكن إصلاحية بل تغييرية داخل حزب الدعوة الإسلامية والتحول من حزب إسلامي إلى حزب ديمقراطي، وهذا فعلا تنظيم جديد يبتني على فكر آخر غير فكر الدعوة، فلا يخفى مدى الفرق بين الحزب الإسلامي والآخر الديمقراطي باعتبار المبادئ وليس الآليات، فحزب الدعوة الإسلامية يعتمد الديمقراطية كآلية وهو ما نوقش في الوقفة السابقة. لهذا نحن أمام تغيير وليس إصلاح، أو لنقل: إصلاح من نمط آخر، هو إصلاح التحول من الإسلامية التي الديمقراطية، بل إلغاء السمة أو البعد السياسي لحزب الدعوة الإسلامية والمطالبة بتغيير اسم حزب الدعوة الإسلامية إلى اسم آخر إذا أراد أن يمارس العمل السياسي ويحتفظ بهذا الاسم للشؤون الوعظية وحسب!!. فأي إصــــــــــلاح هــــــذا؟ إن لم يكن التحول بأم عينه.
ولهذا نجد الشيخ المحترم وبشفافية تُحسب له، في رسالة الانفكاك وسرد أسبابه التي دفعته لاتخاذ هذا القرار، يقول كسبب أول من بين أسباب عديدة: (- التحول الفكري الذي طرأ عندي مما يجعل انسجامي ضعيفا مع الجو الثقافي والسياسي العام للدعوة.). وبهذا يسجل الشيخ هذا التحول الفكري الطاريء، ولا غرابة ولا استنكار، فهو حق طبيعي أن يغير المرء فكره ويتحول إلى فكر آخر. لكن خلاصة وقفاتي من الحلقة الأولى وحتى هذه الحلقة وربما الحلقة الأخيرة أيضا، هي هذا التحول الفكري الذي يعترف به الشيخ، ومسألة الإصلاح والتجديد والتأهيل السياسي وغيرها من الأوراق الأخرى وحلقات قصة الشيخ كلها عبارة عن مقدمات لهذا التحول. وإن حزب الدعوة الإسلامية وقع ضحية تحول الشيخ الفكري الذي طرأ عنده في تاريخ معين! بمعنى أن قصة الشيخ التي وقعت برأس حزب الدعوة تنتفي مصداقيتها بشكل كبير اذا نظرنا إلى اعتراف الشيخ بهذا التحول الفكري. فلا ذنب إذا لحزب الدعوة الإسلامية اذا ما طرأ غدا لأي عضو من أعضائه تحولا فكريا على نحو ما ورأى رأيا آخر. ومما يؤيد هذا التحول الفكري للشيخ الفاضل ذكره لسبب آخر من نفس مجموعة الأسباب التي دعته للاستقالة: (- إيماني بأن الدولة ذات النظام الديمقراطي، غير المؤدلجة دينيا، وغير الممارس فيها عملية تسييس للدين وللمذهب وللرموز الدينية من مرجعيات وعتبات مقدسة وشعائر دينية، هي الأصلح للعراق وطنا، وللإسلام رسالة للحياة، وللشيعة طائفة).. وهاهو شيخنا المحترم يسجل بكل شفافية رائعة أنه مؤمن بدولة ذات نظام ديمقراطي لا يُمارس فيها تسييس الدين. و"تسييس الدين" لها مدلولاتها التي لا تخفى على أحد. وهنا وقفة جديرة بالتأمل – من دون أحكام مسبقة – إذ قد يُقال أن الشيخ لا يطالب بفصل الدين عن الدولة والسياسة بالمعنى الذي يجعل تحوله نحو العلمانية، إنما هو يثبت إيمانه بالنظام الأصلح في الوقت الحاضر للعراق آخذا بنظر الاعتبار الظروف المحيطة. وللجواب على الاحتمال بأنه باطل باعتبار أن حزب الدعوة الإسلامية بل وكل الأطراف الإسلامية وغيرها المشاركة في العملية السياسية تؤمن بهذا المعنى الذي احتملناه، لان الدستور الدائم أثبت مثل هذا النظام الديمقراطي، فيكون من العبث ذكر هذا السبب لأنه تحصيل حاصل، وكل مشارك بالعملية السياسية ملزم بذلك قبل غيره، فلا يستدعي من الشيخ ذكر السبب كدافع من دوافع استقالته خاصة أن تاريخ الاستقالة بعد التصويت على الدستور الدائم بأشهر. وليس من باب سوء الظن أو قراءة النوايا التي لا يعلمها إلا الله، بل من باب المنطق لا بد لنا من ان نحمل مراد الشيخ بما قاله بماهو نص وظاهر عبارته. وهنا نكون أمام مفرق طرق في هذه الوقفة بالذات، فهل يدعو الشيخ إلى فصل الدين عن السياسة أم يقر ذلك؟ لا أعطي جوابا يقينيا هنا، لان وكما يُقال "المصنف حي" ولكني سأورد كلام الشيخ في فصله بين ماهو دعوي وماهو سياسي وبعض الفقرات التي تعطي ملامح واضحة للجواب على التساؤل.. فالشيخ واثناء سرده لدوافع تأسيس حزب الدعوة الإسلامية يذهب إلى أن مهام حزب الدعوة الإسلامية هي مهام تثقيفية وعظية وليس مهام حزب سياسي! – وجملة اعتراضية على نحو الملاحظة التصحيحية للشيخ فقد سجل أن حزب الدعوة تأسس في فترة الدكتاتورية الصدامية في خطأ سياقي غير مقصود اذ قال: (وهذه المهمة كما هو واضح هي مهمة دعوية أو وعظية أو دينية تربوية وتثقيفية. ومثل هذه المهام هي في الواقع ليست من مهام حزب سياسي، بل من مهام مؤسسة مجتمع مدني دينية دعوية أو وعظية أو تثقيفية تربوية، ولكون مثل هكذا مؤسسة ما كان لها أن تؤسس في زمن الديكتاتورية الصدامية، كان لا بد من تنظيم سري يضطلع بهذه المهمة)، ومعلوم أن حزب الدعوة تأسس في آواخر سني العهد الملكي فضلا من زمن الدكتاتورية الصدامية. وليس هذا المهم بل المهم ما ذهب اليه الشيخ بقوله: (من هنا لا بد من أن يتحول حزب الدعوة إلى حزب سياسي محض، وتتأسس إلى جانبه مؤسسة مجتمع مدني دينية تعنى بالتربية والتثقيف الدينيين، وليكن اسمها رابطة أو مؤسسة أو جمعية الدعوة الإسلامية أو ما شابه. وهنا سينقسم كوادر الحزب إلى ثلاثة أقسام، منهم من يتفرغ للعمل السياسي، فينتمي إلى الحزب السياسي ذي الاسم الجديد، ومنهم من يتفرغ للنشاط الوعظي، فينتسب إلى مؤسسة الدعوة، ومنهم من يجمع بين الاثنين، كأي حزبي له نشاط اجتماعي، أو ثقافي، أو خيري إنساني، أو علمي أكاديمي آخر، ولكن يبقى لكل منهما أساليبه في العمل التي يتميز بها عنها في الثاني، ويكون صاحب الانتماءين سياسيا في الحزب، وداعية في المؤسسة، وهذا له بعض المصاديق في التجارب الديمقراطية، فهناك قسّ قد يضطلع بنشاط سياسي، فلا يخلط بين دوره الكنسي ودوره الحزبي، بل لكل مجاله.)... وهذه الفقرة الفكرية من الشيخ تصرح بضرورة تحول حزب الدعوة إلى حزب سياسي بالمعنى الذي لا يتبنى الدين، وهذا المعنى المراد تحديدا، إذ لا معنى ولا مغزى لوجود كلمة "محض" غير ذلك. هذا فضلا عن المطالبة بضرورة تقسيم الحزب إلى قسم ديني وآخر سياسي وهو ما لا يعني سوى الفصل بين الدين والسياسة داخل حزب إسلامي فكيف الحال مع الدولة!!!. فلا أظن أن هناك مجالا للتأويل والتفسير والأخذ بالظن والنوايا. حتى آخر جملة من فقرة الشيخ الفاضل عندما ضرب مثالا في التجارب الديمقراطية الغربية والفصل بين الديني والسياسي وعدم الخلط بين الدور "الكنسي" والدور الحزبي السياسي. ومدلولات "الكنسي" أتركها لفطنة القارئ حتى لا اُتَّهم بقراءة النوايا!!. ومن غير المستساغ أن يقول أحد بأن الشيخ قد يقصد ضرورة الفصل بين عمل الإسلامي كرجل الدين أو الداعية المتدين بما هو سياسي عما هو وعظي ديني! لأن في هذا تسطيح كبير لفكرة الشيخ لا أقبل أن نصف طرح الشيخ بها، فليس واردا من الداعية الإسلامي أن يقف بمجلس الوزراء أو وزارة ما أو مجلس النواب أو أي مؤسسة سياسية، يقف واعظاَ موضحا لأحكام الحج إذا اقترب موسم الحج أو الآثار الوضعية في الحياة الدنيا لآفة الغيبة الخ!!. فهو تسطيح ما بعده تسطيح لا أقبل أن توصف عبارة الشيخ به وأعتقد جازما أن الشيخ لا يقبل بذلك المعنى أيضا. وأكبر دليل على ذلك أن الشيخ لما يصل إلى افتراض قبول هذا الفصل بين الدعوي والسياسي يستنتج ما يلي:). فإذا ما أقررنا هذا الفصل، لن يكون لنا بعدها من مبرر لنعت أنفسنا سياسيا بالإسلاميين.).. واستنتاجه هذا قائم على أساس تقريره إلى أن 90% من الشؤون السياسية يعود بها الإسلامي كمتشرع إلى التجربة الإنسانية في مقابل عشرة بالمائة يعود بها إلى القاعدة الفلسفية كموحد.. ونسي الشيخ الحديث المروي المشهور: (ما من واقعة إلا وللإسلام فيها حكم) وعبارة الارش في الخدش أشهر من نار على علم في الشريعة الإسلامية.. وحتى عموم التجربة الانسانية لا يؤخذ بها مالم توافق الشريعة وبهذا تكون حركة المتشرع الإسلامي في ظل السياسة حركة شرعية من وحي التشريع الإسلامي من ألفها إلى يائها. ومن هنا تحديدا نعرف يا شيخنا الفاضل مغزى إسلامية المشروع السياسي، وليس كما تفضلت لتذهب إلى طرح اعادة النظر في مغزى إسلامية المشروع السياسي.
فلا توجد مهمتان واحدة دعوية والأخرى سياسية بالمعنى الذي تفضلتم به، وهذا الفصل الذي تطالبون به هو مطالبة بإلغاء حزب الدعوة الإسلامية بل وكل حزب إسلامي سياسي. وإذا سلمنا – جدلا - بما ذهبت إليه، أليس من الجدير أن نرفع صفة الإسلامية من تجمع الديمقراطيين، لأنها أصبحت باهتة لا لون لها، فكيف تطالبون بإعادة النظر في مغزى إسلامية المشروع السياسي، بالوقت الذي تذيلون فيه تجمع الديمقراطيين بالإسلاميين!. نعم هناك مغزى واحد ينسجم مع طرحكم والاسم المختار، هو دمقرطة المشروع السياسي وليس – طبعا - أسلمة المشروع الديمقراطي. ومن هنا تصبح صفة "الإسلامية أو الإسلاميين" لتجمع الديمقراطيين لا معنى لها انسجاما مع قولكم (فإذا ما أقررنا هذا الفصل، لن يكون لنا بعدها من مبرر لنعت أنفسنا سياسيا بالإسلاميين)، فلا أدري لماذا تنعت الآن الدميقراطيين في تجمعهم الجديد بالإسلاميين!!!؟؟ مع وافر التقدير والاحترام لشخصكم الكريم.
يتبع الحلقة الأخيرة
وقفات مع الشيخ الشكرجي في قصته مع الدعوة
الحلقة الأخيرة
كتابات - طاهر الخزاعي
بسم الله الرحمن الرحيم
«وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم» (الأنفال – 7)
في البدء وقبل الشروع في الوقفات هذه المرة مع النظرية المسماة "الديمسلامقراطية" والتي تُعد عصارة الرأي في هذا المضمار. أقول ظهر علينا الشيخ في تعقيب على وقفتي الرابعة منفعلا مستاءً وقد سطر تعقيبه الهجومي الذي لا مبرر له!! وأخذ يصفني بالجهل والسطحية وعدم الثقافة والجمود الفكري وعدم القراءة والتشنج، وغيرها من الشتائم التي قدم لها بالطلب مني على عدم مؤاخذته على قسوته.. فأقول له: خذ راحتك، بل إن كان هذا يرضيك، فخذ حتى ترضى. إلا أن سلاح وصم المقابل بعدم القراءة ومجانبة الموضوعية بات من الأسلحة التي لا مكان لها سوى متاحف الحوار الكلاسيكية، التي يميزها أقل القراء معرفة بفنون القراءة والكتابة.
أنا يا سيدي لم أسلبك إسلاميتك ولم أتهمك بالانحراف، فلست من خريجي منهج التكفير والتضليل، ولم أقولك حرفا واحدا لم تقله أنت وتحديدا في قصتك التي أنا بصدد مناقشة بعض ما ورد فيها، وحرصت كل الحرص أن أضع عباراتك بين قوسين وبلون مختلف وعلى طريقة النسخ واللصق من أجل ألا يسقط منها حرف أثناء النقل، كي لا يُقال هذا تحريف وتزوير للكلام!. أحاكم النصوص ومعانيها الظاهرة الواضحة، ومن يدعي معان أخرى لها عليه أن يظهرها في النص ولا يبقيها في قلب صاحبها.
والشيخ الفاضل كرر لمرتين أو ثلاث خلال تعقيباته على الوقفات، كرر توقيع بعض قادة حزب الدعوة وبعض الشخصيات على أوراقه ومشاريعه سيما ورقة المنتدى الإسلامي الديمقراطي. وغريب هذا التركيز على أصحاب هذه التواقيع! فهل يريد أن يجرني إلى نقاش في الأسماء وأربأ بنفسي عن ذلك، أم يريد أن يعطي قوة ومصداقية إلى طرحه باعتبار تأييده من مثل هذه الشخصيات!.. أو يتصورني من الذين يقيسون الخطأ والصواب على مدى توقيعات أشخاص نحترم بعضهم!.. سيدي الشيخ: قلتها من البداية أني لست بصدد الدفاع عن حزب الدعوة لأنه أكبر من أن أدافع عنه، ثم الخطأ خطأ ولو أيده مليون شخص، ورجاء منك أن تبحث عن قوة طرحك ومشاريعك في ذاتها وليس في نوع وعدد الأشخاص الموقعين عليها، هذا أولا. وثانيا أنت ذكرت في تعقيبك على وقفتي الرابعة بأن هؤلاء الشخوص أو بعضهم وبخاصة الإسلاميين أعطوا تواقيعهم مشفوعة بالشرط الذي ذكرته أنت لاحقا دون إيمانك به من حيث الايراد في النص، (واصر البعض الذين كنت أحتاج إلى تواقيعهم على تكرار شرط «بما لا يتعارض مع هوية الأمة»).. اذا يا شيخنا، القوم اشترطوا هذا الطرح لتبني الديمقراطية على أن لا يتعارض مع هوية الأمة.. وهو مما لم تذكره في قصتك، ولا بد من التذكير بأن كتابة القصة هي النص المتأخر زمانا على الكتابات التي سبقتها وبالتالي، الموضوعية تقتضي إعتماد آخر الآراء واعتباره يمثل وجهة النظر الأخيرة، على طريقة الناسخ والمنسوخ من الآراء. وثالثا، هناك غرابة بمكان من تكرار ذكرك لوجود بعض قادة حزب الدعوة وشخصيات أخرى وقعت على المضمون المشار اليه، فأجدك تارة تمجد بهؤلاء القادة من هذه الزاوية – زاوية التوقيع – بينما من جانب آخر سجلت عليهم من بين أحد نقاط الضعف الموجهة لحزب الدعوة في قصتك معها قولك: (وجود عناصر غير قليلة في القيادة لا تتمتع بعقلية أو كفاءة تؤهلها للدور القيادي).. ولا يخفى أن "عناصر" جمع وأنت تعلم كم هو أقل الجمع!!! ثم هذا الجمع غير قليل!! فأنت تصف الكثير من قيادة حزب الدعوة الإسلامية بعدم التمتع بعقلية أو كفاءة تؤهلها للدور القيادي، بالوقت الذي تعتبر توقيعات بعضهم "قميص عثمان" في مجال إسكات من يرد عليك!..
أضف توقيعي أيها الشيخ الفاضل مع من تريد توقيعه مع الشرط "بما لا يتعارض مع هوية الأمة" وهويتها إسلامية، وهذا الشرط وحده يكفي بجعل الديمقراطية ليس إلا آلية، مهما غرَّبت أو شرَّقت بعدم قبولها كآلية.
وعلى كل حال سنكون اليوم مع الحلقة الأخيرة لهذه الوقفات، وسنفترش معا أرض الديمسلامقراطية كنظرية أو مدرسة أو مذهب فكري كما ترى أنت. باعتبار هذه النظرية تمثل لباب وعصارة طرحكم الموجود على موقعكم: www.nasmaa.com
وللقارئ الكريم أن يراجع ويقرأ ويحكم على هذه المسماة ظلما "نظرية" و "مذهب". وأول الملاحظات حول تقرير الباحث إذ "يكتشف الإسلام في الديمقراطية"، وهذا القول خاطئ على كل الاعتبارات والاحتمالات، وعلى طريقة الشيخ في الحوار، أقول ليس هذا مجال تفصيله، وقد أعود يوما لهذا التفصيل، علما أنه بين طيات الأسطر اللاحقة إشارات لهذا البطلان.
وثاني الملاحظات حول الترقيعية أو التلفيقية في اختيار الاسم "الديمسلامقراطية". فمن البديهيات عند العارفين بمعنى المذهب أو المدرسة أو النظرية أن لها ثوابتها ومبادئها الخاصة بها والتي تعتبر مائزا خاصا لهذا المذهب دون سواه. بينما مذهب الشيخ الديمسلامقراطي لا ينفرد بمائز يميزه عن غيره من المذاهب، فلا هو المذهب الإسلامي ولا هو المذهب العلماني أو الديمقراطي، يحاول صاحب هذا الطرح أن يخلق نظرية تأخذ من هذا ومن ذاك وتشطب من هذا ومن ذاك لتأتي بكل ما ذكره باحثون سابقون – دون استحداث أية فكرة لم يسبقه أحد بها - حول ثنائية الإسلام والديمقراطية فيما يوافق ويخالف، فتوضع على شكل نقاط غير منسجمة نظريا فما بالك اذا وصلنا إلى عالم التطبيق!.
وثالث الملاحظات: عدم وضوح معالم النظرية عند صاحبها فهو يقرر في المقدمة (وانتهى مكتشفا الإسلام في الديمقراطية) ثم يذهب إلى القول (وكذلك أرفض – دون أن أخطـّئ بالمطلق بالضرورة – القول بأن "الإسلام هو الديمقراطية"، أو "الديمقراطية هي الإسلام"،).. ويقرر مرة أخرى بقوله: (ففيما يتعلق بالإسلام والديمقراطية، فالإسلام يبقى هو الإسلام، والديمقراطية تبقى هي الديمقراطية، ولا تجري على إحدى المفردتين الاستحالة إلى الأخرى).. ولا أدري كيف اكتشف الإسلام في الديمقراطية مع أن الإسلام هو الإسلام والديمقراطية هي الديمقراطية كما قرر لاحقا في نفس النظرية المدعاة! واذا كان كل من الإسلام والديمقراطية مدرستان لكل واحد منهما مبادئه الخاصة به – وهو الصحيح – فلا يصح بأي حال من الأحوال أن نخترع نظرية أو مذهبا يمزج الاثنين معا بدءً من الاسمين وانتهاءً بالثوابت الخاصة بكل منهما.
ورابع الملاحظات: القول بأن (هذه النظرية لا تفرض الإسلام نفسه كآيديولوجية شمولية وحيدة في الساحة الفكرية والسياسية....) قول لا تنفرد به النظرية الديمسلامقراطية، بل الإسلاميون يقولون بالتعددية الفكرية فضلا عن السياسية.
وينتهي الكاتب من التمهيد لنظريته، وقد قام بتجميع الأسس المتناثرة التي تناولها الإسلاميون القائلين بالديمقراطية وسطرها واصفا إياها بأسس النظرية الديمسلامقراطية وقد وصلت إلى 22 أساسا. وإجمال هذه الأسس من أجل الديمقراطية بذاتها، حتى أن الأساس الأول يضع رؤية واضحة جلية لمثل هذه النظرية إذ يقول (1 - الديمسلامقراطية لا تقبل بالديمقراطية فقط، بل تدعو وتروّج لها، وتجاهد من أجلها.).. ومن حق الكاتب صاحب النظرية أن يجاهد من أجل الديمقراطية، فمن حق كل من آمن بفكرة أن يجاهد من أجلها، وبنفس القوة من الحق للآخر الذي يؤمن بفكرة مغايرة أن يجاهد من أجلها!! إلا أن الغريب من صاحب هذه النظرية لا يعطي الحق للآخر!! وهذا نقيض الديمقراطية أو بتعبير أصح نقيض الاختراع الجديد الديمسلامقراطي. إذ نجد النظرية الديمسلامقراطية ترفض من يرفض الديمقراطية! فتحت البند 13 من أسس نظريته يقول (الديمِسلامُقراطية ترفض أي تقييد للمشاركة في العملية الديمقراطية، باستثنـاء من تثبت معاداته للديمقراطية نفسهـا، ومخالفته للعقد الوطني، إسلاميا كان أو علمانيـا، ولحقوق الإنسان، والسلم الاجتماعي).. وهذا ضرب من الديكتاتورية وإقصاء للآخر، مهما كان الآخر، وإن وصمناه برفض أو معاداة الديمقراطية! إذ رفض الديمقراطية لا يُخرج الرافض من إنسانيته وحقوقه على أساس المواطنة حتى يُصار إلى استثنائه من المشاركة بالعملية التي أسمتها النظرية بالعملية الديمقراطية وهي تعبير غير دقيق، إذ ينبغي أن نسميه عملية المشاركة في تداول السلطة، وهو حق من حقوق الإنسان تسلبه الديمسلامقراطية منه!!. هذا الإقصاء وصل إلى مدى لم يصل اليه أشد الأفكار تطرفا، على طريقة (أما معنا أو ضدنا) تماما، فهو تعبير أما مع الديمقراطية أو ضدها، فإن كنت معها فادخل صاغرا منفذا لقوانينها وان لم تكن مع هذه الديمقراطية فليس لك حق المشاركة!! إرهاب فكري باسم الديمسلامقراطية وهو تعبير مستهجن عن الديمقراطية الإقصائية الجديدة!. وهذا معناه أن الديمقراطية مؤدلجة بالرغم من محاولات الكاتب رفض هذا المعنى وقبوله على بعض التفسيرات.. وما نأمله من مثل هذه الآيديولوجية الجديدة أن تضع من بين أسسها مبدأ (لا إكراه في الديمقراطية) حتى يمكن أن تحظى بشيء من القبول والاحترام، لا أن تمارس هذا القمع الفكري لمجرد رفض الديمقراطية المعنية!. لنتصور أن النظرية الإسلامية لا تقمع غير المسلم وتضمن له كافة حقوقه بل ولا تقمع غير الإسلامي وتؤكد على التسامح والتعايش والتعدد والانفتاح على الآخر إيمانا وانطلاقا من (لا إكراه في الدين) وإقرارا بـ (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا)، بينما نظريتنا الجديدة تريد أن تتدمقرط أكثر من الديمقراطية نفسها فتقصي من يرفضها، ولا أدري هل الجهاد من أجل الديمقراطية المدونة في الأساس الأول لهذه النظرية معناه قطع رؤوس من يرفض الديمقراطية؟!.
وحتى لا أطيل مع هذه النظرية الديمسلامقراطية، فكلها تناقضات ومحاولات يائسة وعاجزة عن التوفيق والمواءمة، وليس إلا مجرد تجميع لمقولات غير مترابطة. إلا أنه من المهم الوقوف أمام أحد أسس هذه النظرية ذلك لأنها التفتت إلى الهوية الإسلامية واعتبارها من لوازم النظرية الديمسلامقراطية، في محاولة على ما يبدو لإضفاء الإسلامية على هذه النظرية، لا يمكن بأن توصف بأنها إسلامية أو بأنها ديمقراطية. أما كون خطأ وصفها بالديمقراطية فكما أسلف من تناقضها مع نفسها حيث الاقصاء لمن يرفضها! وفقدانها لمبدأ (لا إكراه في الديمقراطية) وأما من حيث خطأ إسلاميتها فهو ما سيتبين من التفصيل الآتي:
وصلت الأمور بأسس النظرية المزعومة أن تفرض معايير التحالفات السياسية التي يقيمها الإسلاميون بحسب البعد أو القرب من الديمقراطية وإن أدعت عدم انفراد المعيار بالقرب والبعد من الإسلام!!. ومن هنا يكون اعتبار الاصالة في الهوية الإسلامية مجرد حشو تم تضمينه للنظرية لأجل ذاك الشرط الذي اشترطه الإسلاميون من أجل التوقيع على المنتدى الإسلامي الديمقراطي!. بل وصل الجهاد من أجل الديمقراطية إلى أكثر من ذلك بحيث تشترط النظرية على الإسلاميين فيما اذا وصلوا إلى الحكم عن طريق ثورة جماهيرية وأسسوا حكومة على هذا الاساس ومع فرض التأييد الجماهيري لهم، تشترط النظرية الانصياع إلى الديمقراطية وتسليم تضحيات وتأييد الجماهير لعيون الديمقراطية السوداء!!!.
ولعل جواب السيد المرجع محمد حسين فضل على تساؤل من هذا النوع يكفينا في مقام التوضيح في شرح الآية (قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبِيث) إذ يقول: (استيحاء الآية في مسألة الديمقراطية
وهذا ما قد يطل بنا على ما تعارف عليه الناس في مسألة الديمقراطية، وهي الخط السياسي الخاضع لمبدأ الأكثرية، والذي يأخذ به في كثير من الأوضاع السياسية والاجتماعية والحزبية والاقتصادية وما إلى ذلك، حيث إن قانون الأخذ بالأكثرية هو القانون الذي يجري عليه الناس اليوم، حتى أصبح الحديث عن الديمقراطية حديثا عن مسلَّمة فكرية إنسانية، كما لو كان الإنسان يتحرك بين خطين: إما الدكتاتورية أو الديمقراطية. ومن الطبيعي أن لا يختار الإنسان الدكتاتورية، لكن هل المسألة كذلك؟ لا بد لنا أنْ نناقش هذه المسألة إسلاميا بعيدا عن كلِّ حالات الانفعال والحماس من خلال المنهج الذي حصلنا عليه استيحاءً من هذه الآية الكريمة، وذلك في عدة نقاط:
أولا: إننا عندما ندرس الديمقراطية في قاعدتها الفكرية، فإننا نرى أنّ النظام الديمقراطي يؤكِّد أنّ الشرعية في كل شيء تتحرك من خلال الأكثرية، أو أنها تتركز على أصواتهم، فكل شيء تعطي الأكثرية أصواتها لحسابه يمثّل الشرعية، وكل شيء لا توافق عليه الأكثرية هو غير شرعي. وهذه القاعدة الفلسفية للنظام الديمقراطي تنسحب إلى التشريع والسياسة والاقتصاد والحرب والسلم وما إلى ذلك.. هنا نأتي إلى الجانب الفكري الإسلامي ـ ومن خلال وجهة النظر الديمقراطية ـ لو أنّ الأكثرية لم تصوِّت للإسلام، فإنّ الإسلام في هذه الحالة يفقد شرعيته القانونية والسياسية، وإنما تكون له الشرعية لو صوَّتت الأكثرية لصالحه، بمعنى أنّ الإسلام لا يؤخذ كحقيقة تعيش عناصرها في داخل الإنسان من خلال ما ينتج عنه في علاقته باللّه وعلاقته بالإنسان وعلاقته بالحياة وامتداده في حفظ النظام الكوني وحفظ النظام الإنساني وما إلى ذلك.. وهذا أمر لا يوافق عليه الإسلام كدين؛ لأنّ الإسلام يرى بأنّ ما جاء من اللّه سبحانه وتعالى ومن رسوله هو الحق، بقطع النظر عن اختلاف الاجتهادات وآراء الناس، لأنّ الأساس هو ما جاء من اللّه ورسوله، لأنه يمثِّل الحقيقة المعصومة.
أما الاجتهاد فإنه ليس معصوما، ولذلك لو فسَّر غير المعصوم القرآن، فإننا نناقش تفسيره، كما لو أنّ مجتهدا أو عالما ناقش في سند رواية عن الرسول (ص) مثلا، ولكن للإسلام حقيقة {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ}(آل عمران/19)، {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ}(آل عمران/85)؛ لأنّ الإسلام بمعناه العام يتسع للرسالات كلّها. فلكل رسالة إسلامها، حتى ينتهي الأمر إلى الرسالة الخاتمة التي جمعت كل إسلام الرسالات.
ثانيا: إن في تفاصيل النظام الديمقراطي أن الأكثرية لو صوَّتت على إباحة المحرَّمات، أو على تحريم المباحات أو الواجبات، كما هو الآن في بعض الدول الإسلامية وبعض الدول الغربية من منع الحجاب وما إلى ذلك.. فإن ذلك كافٍ للتحليل أو التحريم. أما الإسلام، فإنه يرفض هذا المبدأ المفضي إلى تحليل الحرام كإباحة الخمور، أو إباحة دور الزنى وما أشبه ذلك، رضي الناس أو لم يرضوا، وهذا مائز كبير بين الديمقراطية والرؤية الإسلامية على مستوى التفاصيل.
ثالثا: في المسألة السياسية؛ إذ يمكن أن نطبّق مبدأ الأكثرية في نطاق الشورى، خصوصا عندما يدور الأمر بين الديكتاتورية والشورى، حيث إن الديكتاتورية مرفوضة إسلاميا، إلا أنّ ذلك لا بدّ أن يتمّ ضمن ضوابط الثوابت، حيث إن هناك ثوابت إسلامية مُسلَّم بها عند المسلمين جميعا، ولذلك، فإن الأكثرية عندما تقبل بوضع الأوراق في صندوق الاقتراع، لا بد أن يكون العنوان الكبير لما يراد للناس أنْ يصوِّتوا عليه هو احترام الإسلام، سواء كان عند انتخاب قيادة إسلامية أو انتخاب ممثلين للناس في بعض القضايا التي تتصل بالتشريع أو تتصل بالمصالح العامّة أو بمعرفة المصلحة أو المفسدة أو ما إلى ذلك.. ولذلك لا بد أن تُذكر الشروط الشرعية للأشخاص الذين يشرفون على تنفيذ ذلك، ولا يُترك الإنسان ليصوّت لصالح الكفر والكافرين.))). انتهى
وقد يقول قائل أن النظرية الديمسلامقراطية ركزت على اعتماد الضوابط الأخلاقية والعقلائية وأصالة الهوية الإسلامية الخ.. فنقول إذا كانت الضوابط الإلهية التي جاءت بها رسالة الإسلام لا يقبلها الآخرون منا بحجة الفارق بين النظرية والتطبيق، فكيف يمكن أن نقبل بكلمات تم تصوريها على أنها ضوابط جاء بها أصحابها لأغراض سياسية بحتة ومحاولة الخروج من عنق الزجاجة المتمثل بالصراع في العراق، وكل الصراع في العراق صراع سياسي!. ويمكن أن نتفهم مثل هذه النظريات كأنصاف حلول لمثل هذا الصراع السياسي في العراق، ولكن من غير الممكن تفهمها على أساس النظرية أو المذهب البديل، بدعوى اعتبار الأصالة في الهوية الإسلامية، لأن الهوية الإسلامية ليس تلك المشار إليها في بطاقة الأحوال المدنية بقدر ما هي الرسالة التي جاء بها الله ورسوله.. الرسالة التي تعشوشب فيها مروج الإنسانية، وتزدهر فيها ثقافة الانفتاح والتعدد والتسامح والتعايش والأخوة (الناس صنفان أما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق).. رسالة يأخذ فيها كل ذي حق حقه على أساس من العدل والإنصاف والرحمة.. تلك هي الدعوة الإسلامية، كرسالة جاء بها الرسول، وكل حزب إسلامي ليس أكثر من حزب وجماعة تحمل هذه الرسالة وأهدافها. ومن هنا وعلى هذا الفهم تكون الديمقراطية آلية ووسيلة من وسائل التداول السلمي للسلطة وبهذا المعنى مقبول، ولا قبول لأي نوع آخر من أنواع الديمقراطية التي طفنا حولها في ما يسمى بالنظرية الديمسلامقراطية.. وعذرا، بل ألف عذر من الشيخ إذا ما أنهيت وقفاتي بعبارة لا تروق له، هي أنني ومنذ أول سطر من هذه الحلقات وحتى آخر حرف منها أكتبه لم تفارقني نظرية القذافي المسماة بدولة (إسراطين)، مع التأكيد بكل صدق الدنيا بأن ألف قذافي لا يساوي عندي شسع نعل الشيخ.
حول الوقفات مع الشيخ الشكرجي، ملحق لا بد منه
كتابات - طاهر الخزاعي
قبل كل شيء لا بد من التأكيد على ورود خطأ في معلومة واحدة في وقفاتي الست مع قصة الشيخ، وهذا الخطأ قام الشيخ بتوضيحه في رده الأخير، وتبين أنه أشار له في أحد الردود السابقة ولم ألتفت إلا من رده الأخير، ذلك هو نفيه لترشيحه في قائمة خاصة كما كنت قد استشهدت أنا في معرض الوقوف مع عبارة للشيخ (لو كنت أبحث عن مواقع....). وتبين أن الشيخ لم يرشح في قائمة خاصة للانتخابات الأخيرة - كما ذكرت أنا - بل تم ترشيحه في نهاية المطاف ضمن قائمة الائتلاف وفي آخر القائمة. وهنا أسجل هذا الخطأ على نفسي في هذه المعلومة، وأردفه باعتذار. ويبدو – بل أكيد – أن خلطا حصل عندي بين الشيخ وشيخ آخر كان أيضا عضوا في الجمعية على قائمة الائتلاف، ومهما يكن السبب فالنتيجة خطأ في نقل هذه المعلومة. ولم أكن أعلم أن الشيخ كان مرشحا على قائمة الائتلاف، وبعدما عدت إلى رده الذي تناول هذه المعلومة، وجدت أن قبول الشيخ للترشيح ضمن قائمة الائتلاف ووفقا للطريقة التي ذكرها أبلغ في الاستشهاد وأمضى في الاستدلال على ما أردت قوله أثناء الاستشهاد بتلك المعلومة. ورغم أن الشيخ ذكر ندمه على قبول ذلك الترشيح وترويجه لقائمة أخرى غير الذي رشحوه فيها وتصريحه لأقاربه بأنه إذا فاز ضمن الائتلاف سينسحب من القائمة، أقول رغم ذلك لن يتغير في صلب الموضوع شيء، بالرغم من أني احتملت عدم قصد الشيخ في قولي (فقد وقع الشيخ في شرنقة البحث عن المواقع، ربما دون قصد منه،).
في غير تلك المعلومة، لم أخطئ في وقفاتي مع الشيخ، ولا أقصد قطعا عدم الخطأ في الرأي والتحليل، وطرح الرأي المخالف، بل ما أقصده عدم الخطأ بحق الشيخ وشخصه. فلم أحمل ضد الشيخ أي شيء شخصي ولم أحتك بالرجل، بل التقيته مرة واحدة – جمعنا الظرف – ذكرتها في أول وقفة، وكنت قد صليت خلفه – دون أن يعرفني – وأقول صادقا أني سأصلي خلفه لو التقيته مرة أخرى. فلا توجد عندي أي حساسية تجاه الشيخ الفاضل، وحتى الآن ورغم بعض ما جاء في ردوده – تـُراجع – لم يتغير موقفي تجاهه. فأنا لا أعرف صفاته الشخصية عن كثب ومعاشرة، ولا يحق لي أن أحكم عليه من هذا الإطار. القضية كل القضية أني في بعض الأحيان حاكمت نصوصه بشيء من القساوة، وأخاله يعذرني في ذلك، فهو حقي أن أبين الوهن والضعف والتناقض وكل ما يمكن أن أجده في النص، بحسب ما أرى، وحقه أن يرفض تبياني. وكل كلمة قاسية بحق هذه النصوص، قلتها ولم يكن دائرا في خلدي أن تكون هذه الكلمات الحادة موجهة إلى شخص الشيخ المحترم بالمطلق – ولا مجال للنسبية هنا -. لم أتهم الشيخ ولم أوجه له الكلام حول الإقصاء والدكتاتورية وقطع الرؤوس – حاشاه – بل صوبت رماح كلماتي للفقرة التي ترفض وتقصي من لا يؤمن بالديمقراطية أو لا يتبناها على نحو المعنى التي جاءت به بنفسها كأساس أول من أسسها !.. وهكذا الحال بالنسبة لعبارة (مدعيات) التي اعتبرها الشيخ إساءة وشتم باعتبار تفسيره لها أنها تعبير مهذب عن (أكاذيب) !!. لا يا سيدي الشيخ، أخطأت في هذه، ففي الحوار والنقاش والنقد والرأي والرأي الآخر، النصوص تـُعتبر مدعيات ما لم يثبت الدليل القاطع عليها الذي يقبله الآخر فتتحول إلى أمر ثابت يقيني. وهذا الأمر عام لا يتعلق بأحد دون آخر. فالرأي، كل رأي، هو في حقيقته ادعاء حتى تثبته الأدلة القاطعة، على الأقل عند الآخرين الذين لم يثبت عندهم. وهكذا شيخي الفاضل المحترم عندما أصف عبارة معينة أنها منطق ميكافيلي لم أسئ إليك خاصة أنها واحدة من هذه الأمور التي أخذتها عليَّ. واجبي أن أبين الخلل الموجود – الذي أراه – ولو بنسبة! وهو يقع في خانة ما أراه بالنسبة لهذا النص وذاك الرأي، فحين أقرأ رأيا يريد التوفيق بين رفع الهواجس عند الأطراف الدولية والقوى السياسية الأخرى حول مسألة ما وبين مراعاة مشاعر الجماهير الموالية، أراه ضربا من الميكافيلية، وتراه أنت أمرا آخر.. فليس كل من أتى برأي أو فكرة فيها رائحة ميكافيلية يعني أنه ميكافيلي ويؤمن بأن الغاية تبرر الوسيلة، ولا توجد أي ملازمة تدل على ذلك.
لم أكن أتوقع شيخي الفاضل أن تحاسبني على توجيه سهامي إلى النصوص، وليس لأحد الحق أن يسحب وصفي للنص والعبارات على الشيخ المحترم. فالنظر كل النظر كان إلى (ما قال) وليس إلى (من قال)، وأرجو أن يرتفع كل لبس في كل عبارة في مثل هذه التفسيرات والتأويلات. وعلى سبيل المثال الذي ينبغي أن يكون واضحا وصفك في إحدى حلقات القصة ثقافة الدعوة بثقافة (السراديب) !!! ولو نظرنا للعبارة على طريقتكم في النظر إلى عباراتي لوصلنا إلى ما لا يُحمد عقباه في التفسير والتأويل وسوء النية!! أليس كذلك؟. لكني أحملها على معناها العام الموجه للثقافة باعتبار حالة السرية وقتها، وإن تداعى إلى ذهني معنى (الرجعية) أو (التخلف) من عبارة (السردايب) لكني من منطق محاكمة الفكرة أعطيك الحق بهذا الوصف على المعنى الذي ذكرته. ولو وقفت مع كل العبارات بهذه الطريقة لدرنا في حلقة مفرغة ليس لها أول ولا آخر. أرجو أن أكون قد أوضحت بما يكفي. وهكذا التذبذب المقصود، فهناك من يراه شكا وآخر يراه ترددا ورأيت الأقرب للموقف (التذبذب) انطلاقا من سياق كلامكم في التحولات المتناقضة في سيرة حياتكم الكريمة، خاصة وأن فترة منها ولم تبلغوا سن الرشد. فالأمر طبيعي ولا تحمله ما لا يحتمل. ومسألة أهم ألا وهي أني أطلقت وصف التذبذب لتلك المرحلة وحسب، وكتبتها مرة واحدة بينما كررت عشرات المرات العبارة لفترات أخرى بصيغة (التحول) أو ( التغير) أو (العبور إلى الضفة الأخرى)، حتى حاولت كثيرا أن لا أسمي تلك الضفة وذلك الآخر، بقدر ما ذكرت أنت العلمانية والديمقراطية غير المؤدلجة ووصفت نفسك بأنك داعية ديمقراطية (وهذه المرة لم أضعها بين قوسين كي لا نذهب إلى مدلولات الأقواس!) !! ثم تبنيت نظرية أسميتها الديمسلامقراطية، وعلى هذا التبني ينبغي أن تقبل من يصفك بالديمسلامقراطي. مع هذا فأنا لم أتبن أي وصف لكم وفقا للفكر الذي تحملون. لأني لا زلت غير متأكد من نهاية التحول الفكري لديكم بالوقت الحالي وليس المستقبلي الدائم. ولكني أستطيع وصفك – وفقا لمتبنياتك – بالديمقراطي المشروط والإسلامي المشروط والعلماني المشروط. أو لنقل بالديمقراطي لا كما يسمي الديمقراطيون أنفسهم، وبالإسلامي لا كما يسمي الإسلاميون أنفسهم، وهكذا بالنسبة للوصف الآخر. وهذا ما لا يهمني كثيرا فهو أمر خاص بك دون غيرك وليس من حقي أن أحاسبك عليه. لكن الفكرة العامة ليس ملك صاحبها الشخصي، وبالتالي إذا ما تمت مهاجمتها والتعدي عليها لا يعني التعدي على صاحبها. وهذا المفهوم ينبغي أن نوسعه ونرشده ونهتم به بدلا من اعتباره مثلبة ما بعدها مثلبة.
ونقطة أخيرة هامة، كانت مقروءة بين سطور الوقفات، ولكشف اللثام عنها هنا أقول: ومع التأكيد قد يكون الشيخ الفاضل لا يقصد التوقيت، وأعني توقيت نشره القصة وليس توقيت الانفكاك، فتوقيت القصة يعطي انطباعا في غير صالح الدعوة وفي غير صالح الشيخ معا. كما أن أسلوب نشر القصص لكل من يقرر لبواعث خاصة به يراها موضوعية، الخروج من التنظيم الذي ينتمي إليه، هو أسلوب يضع صاحبه في دائرة نشر الغسيل على أقل التقادير (مع التأكيد على أن الشيخ قد لم يلتفت إلى هذا المعنى) لكنه معنى وارد للقراء أو لنسبة من القراء... قررت الانفكاك، حقك، لك أسبابك وبواعثك، بغض النظر عن ماهية هذه البواعث، فلا بأس. أريد الانفكاك، أعلن الانفكاك، أيضا ألف لا بأس... أما المسارعة إلى كتابة القصص وتفاصيلها والاسترسال بها، ثم لهذه الأسباب قررت تشكيل التنظيم الفلاني الجديد!!. رأيي الشخصي بأنه غير صحيح. أقرر الانفكاك، أعلن الانفكاك، أعمل ما أريد ومع من أريد و( كل يعمل على شاكلته) وما كان لله ينمو، كما أن ما كان للدين والوطن ينمو أيضا والله وحده ولي التوفيق.
وفي نهاية المطاف ونهاية الوقفات وملحقها، أضع كل احترامي للشيخ، وأكرر أن كل ما ورد بشأن النصوص ومحاكمتها لا يمكن بحال من الأحوال أن تتعدى على شخص الشيخ، وإذا كنت قبل كتابة الوقفات لا تربطني علاقة ود مع الشيخ ولا نقيضها، فمن جانبي اليوم أكن كل الود والتقدير للشيخ الفاضل مؤكدا اختلافي معه في كل ما كان مورد اختلاف، مع التأكيد على عدم الاختلاف الدائم والخطأ الدائم والصواب الدائم. ولا دائم غير وجه الله تعالى.
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::