الشفافية مطلبا .. ضياء الشكرجي نموذجا

 كتابات - رفيف الجابر

 

الشعارات لها سحر أخاذ، وفي الحياة السياسية لها فعل مؤثر. كل الأحزاب السياسية تبنت الشعارات منارا وسبيلا للتعبير عن رؤيتها للغد، والكثير منا انزلقت خطاه نحوها، كونها تلامس شغاف القلب قبل العقل، وكم منا اكتشف بعد حين أن الكثير من هذه الشعارات لم تعد سوى كونها سرابا وأملا يتلاشى، بعد أن يمسك بزمام الأمور مطلقوها ومروجوها، وتحين ساعة تحويلها من إطارها الفكري إلى صعيد الواقع.

الماركسية وعدتنا بغد مشرق وشعب سعيد، والأحزاب القومية رسمت لنا طريق الوحدة جنة تذوب في فيافيها القطرية، والأحزاب الإسلامية شحذت نفوسنا نحو مجتمع الفضيلة والعدل. التاريخ القريب والحاضر يقدم لنا إجابات وبراهين عن زيف تلك الشعارات.

أنا ضد التعميم والإطلاق، وما زلت أؤمن بالفضيلة، وأصبو نحوها، وأغالب نفسي التي تزيغ عنها تارة حين تدلهم الحياة بقسوتها، وما زلت ذاكرتي تحفزني نحو التمسك بها. التاريخ ذاته ينبئنا برموز تفسد التعميم وتخبرنا عن رجال لم يحيدوا عن "طريق الحق لقلة سالكيه"، الفاروق عمر نموذجا، وحيدرة علي وابنه الحسين وساما في جبين التاريخ، عمر المختار ومحمد باقر الصدر وصدام حسين لم ترهبهما مقصلة الزمن وبقيا ثابتين على خطهما، رغم التحفظ على هذا أو ذاك.

كم من نماذج يومنا الحاضر تنقض شعارات الأمس وتلبس عباءة جديدة، حتى بتنا لا نميز بين من يصدقنا أو يضحك على عقولنا الساذجة ونصفق له.

المالكي كان يحركنا ضد صدام حسين، ويقود مجاميع مسلحة تريد الإطاحة به، وكان يعلن الجهاد ضد طاغية العصر، واقتص منه لأنه أعدم نفرا حاولوا التطاول عليه وهو رئيس الدولة، ويركب ذاته ويغير مذياعه ويخبرنا بأنه قد ركب دبابة الاحتلال ليعدم المئات من شقوا عصى الطاعة على الدولة، ويصول عليهم بصولة الفرسان، يستقبل الإعلاميين ويدعوهم ألا يخدموا الأجنبي وألا يكتبوا ضد العراق، وهو ذاته كان ورهطه الدجالون يسودون صفحات جرائد الأجنبي بكل ما يفسد العراق ويذمه. الحكيم وبعباءة ولاية الفقيه كان يحذرنا من مكائد الشيطان الأكبر، وها هو يتحالف معه حتى ينعم بصفراء وحمراء الشيطان. الدليمي والهاشمي لعنوا طائفية المالكي وقبله الجعفري، وهاهم يقفون على أبوابه يشحذون صدقاتهم حتى ينعم عليهم بكرسي متهالك. وقادة الحزب الشيوعي الذين وعدونا بإقامة الاشتراكية ودق أعناق الرأسمالية يبيضون صفحات حكومة فائض قيمة الإنتاج الرأسمالي ومكارثيتيه.

 

أين نحن من هذه الشعارات، ومن نصدق؟

من بين ظلمات هذا النفق الذي يخنق أنفاسنا نجد ثمة ضوء يبدد العتمة ويخبرنا بأن الحياة مازالت فيها بقية.

ضياء الشكرجي نموذجا، رغم تحولاته، إلا أنه بقي شفافا صادقا لم يتردد بأن يجلد ذاته ويخبرنا بانفعالاته ومسبباتها، ويكشف عن دواخله بصورة لا أملك ويملك غيري وهم كثر إلا أن يشدو على يديه.

 

كم نحن بحاجة إلى شفافية دواخل الرجال وصولة الفرسان لقول الحقيقية والتراجع عن الخطأ وتسمية الأشياء بمسمياتها.

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::