الاستاذ الشكرجي مرة أخرى
كتابات - حمزة الكرعاوي
في البداية أبارك لك انسحابك المتأخر بعد خمسين عاما، بعد خمسين عاما لم يبين الحزب مرجعيته السياسية ولا عقيدته ولا مذهبه السياسي، واتسم خطابه السياسي بالضبابية وعدم الوضوح.
خمسون عاما هو نصف قرن، أعتقد أنها مدة طويلة حتى يكتشف الإنسان أنه على خطأ ويسير في الاتجاه غير الصحيح.
الحزب الذي كنت منتميا له، كانت قيادته مخفية، وكانت علاقته مع واشنطن منذ سنوات، وهل يعلم الأستاذ الشكرجي بهذا الأمر أو لا؟ أنا أميل إلى عدم علمك بهذه العلاقة حتى لا أظلمك. الاتفاق كان بين واشنطن والقيادة المخفية هو عدم التجاوب مع أي حالة وطنية أو إسلامية، وظهر ذلك جليا في أحداث 1991 التي بكت عليها المعارضة الإسلامية بدموع التماسيح لخدع العراقيين، ولأخذ المساعدات باسم العراقيين من دول الخليج وبريطانيا وأمريكا.
فلو كان الحزب معارضا ويريد تغيير النظام، لدخلت قياداته وانتهزت الفرصة، ولم تكتف بالتفرج بأمر من واشنطن التي قالت لهم بالحرف الواحد (إذا دخلتم في هذا الوقت وغيرتم النظام فإنكم غير قادرين على السيطرة على هذا الشعب، ونقترح عليكم أن ننهكه بحصار يدوم عقدا من الزمن فاستحسن حزب الدعوة هذه الفكرة)، وإذا تقول من أين لك هذه المعلومات؟ أقول لك أنا قريب من كل قيادات حزب الدعوة وأعرف كل ما كان يدور في اجتماعاتهم، وعرفت أن السيد طالب الرفاعي هو الذي قال عن انسحابه والصدر الأول الذي أسميت مرجعيته المرجعية المسيسة، وربما كان سبب انسحاب الصدر من الحزب هو الذي جعلكم تسخطون عليه، وقال الرفاعي أن سبب الانسحاب بعد ثلاث سنوات من تشكيل الحزب، بعد أن شعرنا أن الحزب لم يعد لنا وتم اختطافه واستلابه من قبل جهات لا نعرفها.
لا توجد عملية سياسية في العراق أبدا، الذي يوجد هو الاحتلال الذي دمر العراق ولا زال يدمر، هل قرأت يا دكتور تاريخ حروب أمريكا؟، وهل سمعت تصريحات وكتابات المسؤولين الأمريكان والغربيين حول احتلال العراق، الذي تسميه أنت عملية سياسية وهي كالآتي:
1. نائب الرئيس الأمريكي قبيل الاحتلال قال يجب أن نشعر العراقيين بأننا محتلون لا محررون.
2. ريشارد بيرل (أمير الظلام الذي رتب الحرب على العراق) قال في كتابه نهاية الشر (من لم يدخل معنا نادي الحرب لا يحق له الجلوس معنا على المائدة، ووضعها بين قوسين (نفط العراق)، وهو يقصد الدول التي عارضت الحرب.
3. وزير الدفاع الأسترالي قال: لم نذهب للبحث عن أسلحة العراق ولا تحريرهم، ذهبنا للاستيلاء على نفط العراق.
4. رئيس وزراء كندا الأسبق (جين كريتيان) قال في مقابلة مع سي بي سي الكندية: إن أمريكا وحلفاءها ذهبوا للاستيلاء على نفط العراق وليس للتحرير ولا للبحث عن الأسلحة، لأنهم يعرفون أن العراق خال من الأسلحة، وذكر هذا الكلام في مذكراته.
5. الرئيس الأمريكي بوش : استهزأ عندما قال له أحد الصحفيين: أراك تبحث تحت كرسيك، عمّاذا تبحث؟ فقال ضاحكا: أبحث عن أسلحة الدمار الشامل العراقية.
والشاهد الآخر السادس هو من أعضاء حزب الدعوة ووزير التربية خضير الخزاعي، قال أمام مجموعة من العراقيين أنا منهم: (جندي أمريكي واحد يستطيع أن يضع كل الحكومة من جلال طالباني إلى أبسط مسؤول في السجن، ولا واحد يستطيع أن يحاسبه بسبب الحصانة التي يتمتعون بها).
والدليل الأوضح والأجلى الذي يخالف ما ذهبت إليه من وجود عملية سياسية، ما حصل مع الجعفري الذي لم يستطع أن يدخل ثلاثة من وزرائه للاجتماع كانوا عند بوابة الخضراء، وكان رد الجندي الأمريكي، ثلاثة دقائق إذا لم تنصرفوا سأطلق النار عليكم.
فأي عملية سياسية تتكلم عنها في ظل احتلال أوجد أدواته من رئاسة جمهورية ووزراء وبرلمان وإعلاميين، وأي حكومة غير قادرة أن تحاسب شركات الأمن التي تصطاد العراقيين بالجملة مثل الطيور، ورواتبهم العالية أنهكت الاقتصاد العراقي.
أي سيادة وحكومة وعملية سياسية، والملف الأمني لا زال بيد قوات الاحتلال، وصندوق تنمية العراق بيدهم أيضا، وكل وزارة فيها ثلاثة مستشارين أمريكان لا يسمحون للوزير أن يصرف ميزانية وزارته حتى يتم تجويع الشعب وإنهاكه؟.
وإن المسؤول في المنطقة الخضراء إذا اعترض على تصرفات قوات الاحتلال يذهبون إلى منزله ويهينونه أمام زوجته وأطفاله، كما حصل مع مثال الآلوسي عندما طالب باسترجاع أحد البنايات الحكومية من الأمريكان.
لا توجد يا دكتور عملية سياسية، وأرجوك بعد انسحابك أن تقف مع شعبك ولا تتلاعب بالألفاظ والمفردات.
الأجوبة التي أجبتني بها غير مقنعة وبعضها نقضي، والاعتذار الذي قلته لم نرَ له أي أثر، لأنك ما زلت تؤيد صولات المالكي، ووضعت لها شرطا، وأعتقد بعد أن رأيت ورأينا نحن والعالم جريمة قتل الأطفال التي جعلت من شرط تأييدك للماكي ينتفي وينتقض، ولو كان هؤلاء الأبرياء الأطفال أولادك أو أحفادك هل ستؤيد المالكي في استهدافه للشعب العراقي بأمر من القوات الأمريكية التي ستقول لا دخل لنا، وإن حكومة العراق (المنتخبة) هي التي تقوم بذلك، لا أحد منا دكتور لا يريد دولة القانون، لكننا نرى ما يسمى بالحكومة تسير في غير اتجاه إرساء القانون منذ احتلال العراق، وسأعطيك مثالين لشهادتين من مسؤولي حكومة الجعفري:
الأول: وزير الداخلية صولاغ الذي قال لقناة العراقية في برنامج أنت والمسؤول، عندما سأله مقدم البرنامج كريم حمادي (لماذا لا تذهبون وتحمون العوائل التي تصلها رسائل تهديد)، قال: الأمريكان لا يسمحون لنا بالذهاب إلى هذه المناطق.
ثانيا: عبد الكريم العنزي: نفس البرنامج ونفس المذيع ونفس القناة، والسؤال هو (لماذا لا تحمون الناس من الإرهابيين)، فقال: الأمريكان لا يسمحون لنا بذلك، وأردف وقال: إذا خرجت قوة مشتركة، قوات عراقية وأمريكة فهي لاستهداف الأبرياء وليس لاستهداف الإرهابيين، وإذا خرجت قوات عراقية والهدف القاعدة تصدها قوات الاحتلال).
كل هذا ويجعلك تقول لنا توجد عملية سياسية في العراق، ونحن نقول يا دكتور الذي يوجد هو احتلال وأدواته من المفسدين الذين قبلوا أن يهانوا يوميا في بوابة الخضراء.
أما قولك توجد حزمة من أمثال الكاتب، فأقول لك توجد حزمة وحزمة وحزمة من الذين يلمعون صورة الاحتلال ويقولون أننا حكومة مستقلة والطائرات تقطع أشلاء الأطفال وهم ينظرون، ماذا تريد من الكاتب الذي يرى بلده تحت الاحتلال ويدمر يوميا، وهو يرى صور الأطفال كما تراها أنت أن يفعل؟ وهل تريدني أن أخالف المنطق وأقول الحمد لله تحرر العراق؟.
وتبين من خلال تحولك من حزب إسلامي إلى العلمانية أن كل ما تبنيتموه من متبنيات وشعارات كنتم غير مؤمنين بها، أما الارتداد الذي تكلمت عنه لو أن حزب الدعوة وآل الحكيم والأحزاب الإسلامية الأخرى ارتدت، لكان أفضل لنا ولهم من الانخراط في مشروع الاحتلال الذي لم يُبق من العراق إلا اسمه، لأن الارتداد لا يضر إلا صاحبه، أما الوقوف مع المحتلين ضد الأمة فآثاره تدميرية وضررها لم يسلم منه أحد.
الإسلام الذي صورته لنا على أنه مجموعة أشخاص، وتحولت منه إلى علماني، نقول لك الإسلام لا يمكن اختزاله بمعمم ولا بحزب، الإسلام الذي أنقذ الدنيا من الضلال والظلمات إلى الهدى والنور، وهل كان النبي الأكرم ص وأهل البيت بعيدين عن السياسة؟ وكيف نشأت دولة الإسلام في صدرها الأول وعهد الخلفاء والرسول يقول أبعدوني عن السياسة، هذه الطروحات طروحات استشراقية، ويؤسفني أن يتبناها شخص مسلم هو الدكتور ضياء الشكرجي الذي له وزنه الثقافي والمعرفي.
لا يمكن للعراقي أن يقبل بالوضع الذي يجعل العراق يدمر ويهجر أهله ويبحث القسم الأكبر منهم على لقمة العيش، ونسمي ذلك عملية سياسية، وهل جنى الفلسطينيون من عملية السلام التي رعتها أمريكا إلا الخراب والدمار، حتى نطمئن للعملية السياسية التي تقودها في العراق؟.
الحكومة غير القادرة أن تسأل عصابات شركة بلاك ووتر عن قتل العراقيين لا نستطيع أن نطلق عليها لفظة حكومة، والأمر سالب بانتفاء موضوعه.
كثيرون من رفاقك الإسلاميين تحولوا من الأحزاب الإسلامية إلى العلمانية، ونحن نعرف أن الذي يتعافى من أفكاره الخاطئة يتحول من العلمانية إلى الإسلام النور وليس العكس، الآن العملية السياسية (الديمقراطية) التي تدعمها رباعيها وخماسيها تفرض على الشعب العراقي نظرية قبول المحتل كشرط لدخول الانتخابات القادمة، وتؤمن الحكومة التي لا زلت تدعمها بنظرية الإقصاء، فأين الديمقراطية التي تتبجحون وتطبلون لها؟، وهل عدم قبول الآخر ورأيه من الديمقراطية؟.
ألم يحذركم محمد باقر الصدر من ما أنتم فيه؟ وردد هذه المقولة الجعفري طوال حياته وهي (قال لنا الصدر الأول: من منا عرضت له دنيا هارون الرشيد ولم يقتل موسى بن جعفر). ويا ليتكم حصلتم على دنيا هارون الرشيد. حصل الحزب والأحزاب التي ادعت أنها إسلامية على أوسخ دنيا، وهي تتلقى الإهانات من جنود الاحتلال.
نظرية الخميني التي جعلت إيران دولة في مصاف الدولة المتقدمة تحسب لها القوى العظمى ألف حساب، فأين موطن الفشل، هذه الحقيقة سواء اختلفنا مع إيران أم لا.
كنت أتمنى منك أن توجه قلمك لنصرة المحرومين الذين كانوا ينتظرونكم حتى تداووا جراحاتهم، لا أن تدافع عن عملية فاشلة وخاسرة، أما خوضك في نظريات علاقة الدين بالدولة، فأكرر القول أنك تناقش في البديهيات، ولم تأت بجديد.
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::