الكتابة في المحظور "ضياء الشكرجي" مثالا ..
محمد كاظم الشهابي - صحيفة أخبار الخليج
باهتمام بالغ كنت أتابع مقالات، وبتعبير أدق الوثائق التي قام بنشرها الأستاذ "ضياء الشكرجي" العضو السابق بـ "حزب الدعوة الإسلامية - العراق"، والتي جاءت تحت عنوان (قصتي مع الدعوة منذ انتمائي حتى استقالتي)، وقبل ذلك كنت أتابع ما يمكن أن أسميه الآن - وبعد أن انكشف المستور - التحضيرات، أو البيانات التي مهدت الطريق لإعلان موقف المفاصلة التنظيمية بين الأستاذ "الشكرجي" وحزب الدعوة، وكان مبعث اهتمامي بمقالات الداعية السابق الأستاذ الشكرجي، لعدة أسباب، أولها: للدور الفكري اللافت الذي تميز به الرجل في عملية التثقيف الفكري للحزب، وخاصة في العقدين الأخيرين، وكذلك لأهمية "حزب الدعوة" كتجربة نضالية تضحوية ساهمت بشكل كبير في التكوين السياسي والثقافي للتيار الإسلامي بشكل عام، والشيعي تحديدا، ليس في العراق فقط، وإنما في كل الامتدادات والتجارب السياسية السابقة، والراهنة، التي كان لـ "حزب الدعوة" فيها حضور سياسي، سواء كان ذلك في صورة تنظيم فاعل بشكل مباشر في المشهد السياسي، أو كان وجود الحزب في فترة سابقة، ثم جرى حله، ولكنه بقي حيا في وجدان منتسبيه وأنصاره كفكر تغييري، (كما هو الحال عندنا في البحرين)، والسبب الثاني لاهتمامي بالموضوع، لكونه يتصل بشكل مباشر بتطورات الوضع الراهن في العراق، وما يحمله من احتمالات تنذر بمخاطر تفوق كثيرا ما يتعرض له العراق حاليا من احتلال واستلاب إنجلوأمريكي صهيوني، رغم فظاعة وهول ما يحدث الآن في العراق، لكن الخوف الجدي والداهم أن يكتسح المشروع الإنجلوأمريكي الصهيوني كل المنطقة، ما لم يقرع كل الواعين لهذا الطوفان الاستعماري كل أجراس الخطر، وهذا حقيقة ما بدأه الأستاذ "الشكرجي" من خلال مقالاته النقدية الشجاعة والصريحة والجريئة للتيار الحركي الإسلامي.
قلت، كنت أتابع ما كتبه الأستاذ "الشكرجي"، وأحرص على حفظ سلسلة المقالات بهدف التعليق عليها بعد اكتمالها، وكذلك توجيه تحية تقدير للشجاعة النقدية النادرة التي التزم بها الكاتب، ولم تسلم منها حتى سيرته الذاتية، لاسيما حديثه في غاية الصراحة عن تاريخه السياسي السابق، وانتماءه في مرحلة مبكرة من عمره لحزب البعث، حتى لو كان ذلك يوم كان البعثيون لمّا يستولوا على سدة الحكم. وشفافيته المتناهية في سرد سيرته الذاتية، لدرجة إقراره بارتكاب بعض الكبائر، كشرب الخمر، ثم أن يتحدث رجل كان لغاية الأمس القريب يلبس العمامة، ويحمل وكالة لواحد من أعلام مراجع الطائفة الشيعية، وإمام مسجد للجالية العراقية في مدينة "هامبورڠ" بألمانيا، ويتحدث عن فترة (ردة) عن الإسلام، كل هذا مما لا يستسيغه البعض، ويعتبره آخرون خلاف الحكمة، بالنظر لعدم تحمل مجتمعاتنا الاسلامية لهذا النوع من الصراحة غير المألوفة. وهذا ما يضفي المصداقية بدرجة أكبر على ما كتبه الأستاذ الشكرجي، ويؤكد - بما لا يدع مجالا للشك - ترفعه عن الأطماع والأهواء الشخصية، أو الرغبة في منافسة الآخرين فيما أثاره من إشكالات، ورغم أني قد لا أتفق تماما مع كل ملاحظاته، إلا أنه - والحق يقال - قد وضع يده على الجرح النازف، وشخص مكامن الخطر بدقة، فأصاب بسهامه مقاتل التقوقع والاجترار العقيم ونرجسية القيادات، وأساليب التنميط الجامدة التي منيت بها جل حركات التحرر الإسلامية.
قلت، قد لا أتفق تماما مع الأستاذ "الشكرجي"، ولكني أتفق تماما مع تنويهات الأستاذ "توفيق التميمي" الذي سبقني في التعقيب، وأجزم أنه سبق كثيرين غيري ممن سيدلون بدلوهم في هذا الخضم الذي كان للأستاذ "الشكرجي" الإسلامي المنفتح بامتياز، والمثقف الشيعي الديمقراطي الشجاع، شرف ريادته.
وللحديث صلة.
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::