الأستاذ الشكرجي، كلمة أخيرة

كتابات - باقر محمد

 

في مقالتي التي ربما تبدو أنها الأخيرة في موقع (كتابات) بعد حالة الانحدار الفكري والأخلاقي الذي رافق الكثير من عطاء كتابنا الأمر الذي يوجب على الإخوة القائمين على هذا الموقع التأمل في هاتين الظاهرتين ووضع العلاج الناجع لهما، أقول لا بد لي من تسجيل جملة ملاحظات على مقال الأستاذ الشكرجي الأخير بعد إسداء آيات الشكر والامتنان له لوصف كاتب هذه السطور بأنه (رجل رغم كل توتراته النفسية ضدي، يستحق الاحترام لرصانة قلمه وعمق فكره) وهي شهادة أعتز بذيلها بنفس مقدار تحفظي على صدرها, وما أردت قوله يندرج ضمن الملاحظات التالية:

 

الأولى: أنا أتحفظ كثيرا على ما ذهب إليه الأستاذ الشكرجي من كون لغتي السابقة والمملوءة بالاحترام والتقدير له قد انقلبت فجأة لا لشيء إلا لأني اكتشفت أن الرجل تعلمن في أخريات أيامه، ودليلي على ذلك أن الأستاذ الشكرجي قد أجاب مشكورا عن تساؤلاتي السابقة بخمس حلقات، (وقد علقت على هذه الأجوبة في مقال خاص) التي أزعم أن من يطالعها سيكتشف وبسهولة مذهب الشكرجي حتى وإن كان لم يُؤتَ حظا معتدا به من المعرفة والعلم، فكيف بمن وصفه الأستاذ بعمق التفكير ورصانة القلم؟؟!!!

 

ولو رجع الأستاذ إلى هذا المقال الذي جاء على خلفية اكتشاف تحوله العلماني الأخيرة لوجد التبجيل والاحترام بدرجة لا تقل عن مقالي الأول، إان لم يكن يفوقه، ولكني ومن باب حسن الظن والحمل على الصحة أقول ربما أن الأستاذ الشكرجي لم يطلع عليها, ومن هنا لا معنى لقوله: (ونجد كيف أن لغة الأخ معي تغيرت بشكل حاد جدا بمجرد اكتشافه أني لم أعد إسلاميا، واكتشافه واقع التحول والتطور الفكريين، فلم يمض وقت طويل، بل كان ذلك في شباط الماضي، إذ نشر الكاتب على (كتابات) ما أسماه بـ «تساؤلات باقرية ترجو إجابات شكرجية»، فأجبته بخمس حلقات تحت عنوان «إجاباتي على التساؤلات الباقرية»، إذ كان في لغته القدر الكبير جدا من إظهار غاية الاحترام والإجلال والمودة، وذلك رغم إن أفكاري لم تتغير - على أقل تقدير في هذه الأشهر القليلة منذ ذلك الشباط حتى أيارنا هذا الذي نحن فيه -؛ مما يدل وللأسف على أن حتى المعتدلين من الإسلاميين إنما تتغير مواقفهم بشكل حاد بمجرد تغير العناوين).

 

على أن حديثي عن التحول ببعديه السلبي والإيجابي كان كلاما عاما، ولم تصل النوبة إلى ذكر المصاديق والنماذج حتى يوجه الكلام إليه.

 

الملاحظة الثانية: لا أعرف يا أستاذي الكريم متى وأين أوحيت للقراء بانتمائك لمدرسة صدام؟؟؟ حتى يستوجب هذا هجومك العنيف إلى حد اتهامي بالتوتر النفسي والاهتزاز الداخلي مرورا بفقدان الموضوعية وانتهاء بأخطرها وهو فقدان التقوى!!

 

مع إن كل الذي قلت أننا لو استعرنا منهجك ومعاييرك الأخيرة لوجدنا صداما محقا في كل ما فعل من حيث أصل الأفعال، لا من حيث تفاصيلها طبعا، بعد كون كل ذلك يندرج تحت عنوان مقاومة الاستعمار الإيراني ومحاربة الطابور الخامس والسعي للحيلولة دون الطائفية التي يمكن أن تحرق الأخضر واليابس، وهذا يندرج ضمن إلزام القائل بلوازم لا يلتزم بها، لا إفساد ما يتبناه ويقوله، فهل ترتيب اللوازم على كلام ما مما يوجب بالضرورة تبني المتكلم لها يا أستاذ؟؟ وأعتقدك أستاذا درّست العقائد وتعرف أن الكثير من اللوازم الباطلة المترتبة على المقالات الفاسدة والتي تصل إلى حد اتهام متبنيها بالشرك والكفر لا يؤخذ بها ولا يترتب عليها أي شيء مما ذكرنا.

 

ويبقى اتهامي بعدم التقوى عثرة أسأل الله لك الإقالة منها وأن لا يوقفك عليها.

 

الثالثة: أعتقد جازما أن الكثير من تشخيصاتك الأخيرة لا تحتاج إلى ثلاثين سنة حتى تصل إليها، بل هي من الوضوح بالدرجة التي يمكن معها تلمسها حسيّا، وبأدنى تأمل قبل هذا الوقت، لاسيما مع المستوى المعرفي الذي تحمله، لذا لا أجد معنى لقولك: (يعني أنه يطالبني بأن أتحلى قبل ثلاثين سنة بما وصلت إليه اليوم من قناعات لكي أتحلى بالشجاعة وأعلن عن خطأ المسار......الخ.)

 

الرابعة: أما قولك يا أستاذ: (فأقول لو صح تعميم هذه القاعدة لما جاز لك - ومن قبيل ضرب المثال لا المقايسة - أن تـُخطـِّئ كارل ماركس لأنك لست كفأه، ولا أن تخطئ بوذا، ولا جان پول سارتر، ولـَتـَوقـَّف الفكر الإنساني، وما جرؤ إنسان أن يُشكِل على أي فكرة، ما لم يكن متيقنا من أنه بلغ درجة التكافؤ ومنزلة الندية مع صاحبها، مع إننا نعلم أن إشكال طالب العلم على أستاذه لا يعتبر أمرا مرفوضا، لأن الأستاذ عندما يكون أوسع وأعمق علما من طلابه، لا يعني ذلك، بحكم عدم عصمته، أن ليس من الممكن أن يلتفت طالب من طلابه إلى ما لم يلتفت إليه الأستاذ، وأن يكتشف خللا في فكرة من أفكار أستاذه)

 

إن الذي أفهمه يا أستاذ إنك تعطي لنفسك عمليا مقام التنظير والتأسيس لمنظومة فكرية متشعبة تؤسس لرؤية جديدة، بغض النظر عن قيمتها العلمية سلبا أو إيجابا، فليست القضية قضية طالب وأستاذ حتى يتم ما قلت، هذا أولا، وثانيا أنا أفهم من التكافؤ المقصود في هكذا موارد معناه العام الذي يجعل الجميع تحت عنوان واحد، وهذا لا يعني بطبيعة الحال تساويهم بالدرجة أو الرتبة، بعد كون ذلك من المستبعدات العادية، لذا ليس من حق غير المتخصص في أي علم من العلوم النظرية أو العملية أن يبدي رأيا علميا في أي مسألة تحتاج إلى معرفة تخصصية، وثالثا إن الندية والتكافؤ قد تكون مأخوذة على نحو جزئي، وليس بالضرورة على نحو شمولي استغراقي في كل مفردة مفردة، ومن هنا فيمكن أن يكون من هو دون ماركس وبوذا وجون بول سارتر نظيرا لهم في مفردة هنا أو هناك، وإلا فكيف يعارض غير المتخصص متخصصا؟؟ وكيف يكسب رأيه درجة الحجية والقبول ما لم يرجع بنحو وآخر إلى أهل الاختصاص ولو من باب التبني والتأييد؟؟

 

الخامسة: أما ما عبرت عنه يا أستاذ بالسؤال غير المنطقي  فأردت من خلاله أن أقول لك إن افتراض دخولك الانتخابات الحزبية بعقليتك الحالية التي تتحفظ فيها على الكثير من الأحزاب الطائفية ودور إيران ومرجعيات وشخصيات دعوية وووو لايمكنـّك من أن تنال موقعا قياديا كما ألمحت إلى إمكانية تحصيله في بعض المنتديات، حتى يعتبر خروجك من المفاخر، وإن دخلت بالعقلية التقليدية فكيف غابت عنك تلك الإشكاليات الآنفة التي لا تغيب عن مثلك، بحيث ظهرت أخيرا بصورة حادة وفجائية؟؟؟ وأردت من هذا أنه سيجعلك محل شك وتساؤل ولو على نحو الاحتمال المعتد به، ولم يصل الأمر بي إلى تخوينك أو اتهامك بالكفر وووو، والعياذ بالله، ولا أعرف هل يحق لي أن اتهمك بما اتهمتني به من التهويل أولا؟؟

 

وليكن واضحا لديك أني أتحدث عن تشخيصاتك الأخيرة عن النرجسيين والمسيسين والمستعمرين وإخوانهم من الطابوريين من حيث يعلمون أو لا يعلمون، لا عن تحولاتك الفكرية من هذا الفكر إلى ذاك، وهذا لا ينطبق عليه تعليك القائل: (لطالما سارت أمم وسارت جماعات وإيديولوجيات وثورات في طريق حافل بالعناء والتضحيات والدماء والدموع، وطال سيرها، وشقّ المسير فيها، ثم تبين بعد عقود، أو ربما بعد قرون خطأ المسار، حتى مع فرض سلامة الدوافع والمنطلقات). وتبقى نصائحك حول سوء الظن والوقوف بين يدي الله والسؤال ووو نصائح كريمة لو طبقتها شخصيا على منهجك، لاسيما في تعاملك مع زملائك القدامى كالجعفري مثلا (لست في صدد الدفاع عنه) الذي أشبعته (في بعض مقالاتك) تهما تنفر منها الطباع وتمج ذكرها الأسماع، وأخال أن جلـّها مبني على سوء الظن ومحاكمة الضمائر الذي اتهمتني به، رغم أني استعرت منهجك ومقاييسك فهو منك وإليك يا أخي الكريم.

 

السادسة: إلى الآن لم أفهم يا أستاذي الكريم ما هو الفيصل لديك في تصنيف القضايا إلى نسبية ومطلقة، والذي أفهمه أن الأمر راجع إلى أحد حالتين، على سبيل منع الخلو (علـِّيا) كما يقولون: فأما أن تكون الحقيقة بذاتها نسبية وفي عالمها الواقعي الثبوتي، أو أن أفهامنا وبحكم ملابسات ذاتية أو عرضية  تتلمس القضايا تلمسا نسبيا، وعلى أي حالة بيننا يكون الحكم واحدا على جميع القضايا بعد كون حكم الأمثال في ما يجوز وما لا يجوز واحدا، أما كون فهمنا يفصل بين قضية فيتعاطى معها تعاطيا مطلقا، وأخرى فيتعاطى معها نسبيا، فهذا ما لم يتضح إلى الآن من أستاذنا العزيز الذي أرجو جاهدا ألا يكون ممن يُسرون النسبية حتى على قضايا (الينبغيات واللاينبغيات).

 

السابعة: أما ما ذكرته من عدم تعارض العلمانية مع الدين، فدعني أشخصن المسألة أكثر لأقول لك يا أستاذي الأجل إني فهمت منك وفي معرض تصوراتك عن علاقة الدين والسياسة إنك تتبنى حرمان المرجع الديني من إبداء رأيه بعنوان كونه مرجعا، وهذا له لوازم غريبة لا أعرف هل تلزم بها أولا، فمثلا لو أقدم برلمان مشهدك السياسي المفترض على شرعنة أشد المحرمات وأكثر الممنوعات حساسية، كما لو أباح الزواج المثلي مثلا، ثم عرض الأمر على الاستفتاء الشعبي، فليس من حق مرجعنا أن ينبه الأمة (فتوائيا) على حرمة تأييد هذا التشريع وكونه ضروري الحرمة، وإنهم بفعالهم هذا إنما يعينون على إثم عظيم، لأن ذلك يعد تدخلا منه في السياسية، الأمر الذي يمكن أن يضعه تحت طائلة المساءلة والقانون!!.

 

أما ما ورد ضمنا من أوصاف واتهامات وبلغة متشنجة انفعالية لكاتب هذه السطور إلى حد سلب تقوى الله عنه، فلا تثريب عليك فيها، وأسال الله تعالى لي ولك العفو والصفح وستر العيوب وإقالة العثرات.

 

هذا ما أردته من بعض الملاحظات التي كتبتها تحت الحمى والإعياء الشديد، وأزعم أن ملاحظات هنا وهناك قد فاتني ذكرها، ولكن (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدّة من أيام أخر).

 

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::