الديالكتيك الفكري عند الأستاذ ضياء الشكرجي

 كتابات - باقر محمد

 

يوما ما كتبت في كتابات مقالا عن ضرورة نقد الموروث وإعادة استنطاقه من جديد كضرورة متجددة تماشيا مع متغيرات شخصية قارئ الموروث وخضوعها للمؤثرات المختلفة التي لا محالة تلقي بظلالها على مدى حقانية قراءته واستنطاقه ولما وصلت النوبة الى ذكر نماذج من أولئك المتمردين الذين نعتهم بالإيجابيين قصرت النظر على الأستاذ ضياء الشكرجي بعد كونه المعني في مقالتي تلك بما تحمله من تساؤلات كانت تستهدف فيما تستهدفه استيضاح منظومته الفكرية وأسسها المعرفية التي أدت به إلى تبني أفكار وتنظير آراء بعيدة عن المألوف الفكري في بعده الديني المنهجي.

وعلي الآن أن اعترف بشيئين:

الأول: إني كوّنت فكرتي السالفة عن الرجل باستقراء ناقص وباستصحاب منقوض، فقد كنت أتعامل معه كإسلامي بالمفهوم الشائع لهذه الكلمة في العرف السياسي والفكري، ولم أكن على إحاطة ولو بسيطة بالطفرة الفكرية (التي سبقتها طفرات) التي آل إليها الأستاذ المذكور بعد، كون حكمي مترشحا من مطالعة مجموعة حواراته التي ضمنها كتابه (مثلث الإسلام ووو) فقط وفقط على إني لم أعرفه عن كثب ولم  ألتقه عن قرب، اللهم إلا في ندوة جمعتني به صدفة في مكان ما، سجلـّت فيها ملاحظتين عنه على المستوى الفكري والشخصي، راقتني أولاهما وأرقتني أخراهما، لكن إحداهما قد تكون استنتاجا لا يتطابق مع الواقع، لذا أضرب عن ذكرهما صفحا، ولا أقف أمامهما طويلا.

الثاني: إني كنت على جهل تام بمسيرته الفكرية والسياسية بتقلباتها الشديدة ومنعطفاتها الحادة، وهي مسألة جديرة بالتأمل، لما لها من انعكاسات وعكوسات، سواء في البعد الذاتي للأستاذ الكريم، أو في البعد التقويمي للمتلقي والباحث، وهذان أمران قد يلحظهما المتتبع لكتابات الشكرجي بأقل تأمل.

إن دواعي تغيير الأفكار والانطباعات كثيرة جدا، وهي في بعض مفرداتها ممدوحة، على الأقل لأنها تعبر عن نكران ذات معتد به، بعد افتراض تجاوز المفكر ملابسات اجتماعية ونفسية ومصلحية يصعب تجاوزها من كثيرين، لذا ورد في الموروث الديني (ما ابتليت الأمة بأشد من إنصاف الناس من النفس....) بيد أن هذا التغيير ينبغي ألا يأخذ مناحي كمّية وكيّفية تخرج صاحبها عن تخوم الرصانة الموضوعية والتثبت العلمي إلى حد القلق الفكري والاهتزاز المعرفي، بحيث كلما لاح له نور أو ضياء يمم وجهه شطره، وإذا به (سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء) فيتحول منه إلى غيره وغيره وهكذا فهو (كل يوم في شأن)!!!.

في أفكار ورؤى الأستاذ الشكرجي ملاحظتان بارزتان أسجلهما بعجالة:

الأولى: إن هذه الأفكار والرؤى تخضع وباستمرار لمنطق الديالكتيك الفكري (الشيء ونقيضه)، فهي في تبدل مستمر، سواء منها الأفكار الدينية أو السياسية، وهذا ما توحي به تحولاته الحادة التي جعلت من مسيرته السياسية أو العلمية القلقة مسيرة مملوءة بالخصب والنماء، ولا أعرف إن كان ما توصل إليه أخونا الكريم أخيرا سيكون خط النهاية ومنتهى الغاية، أم سنشهد تحولات جديدة؟؟ رغم أني أظن (وبعض الظن إثم) إن هذا الديالكتيك سيستمر إلى ما لا يعلمه إلا الله بعد وجود المقتضي وانتفاء المانع، لاسيما بعد إيمانه بالمنطق النسبي للأشياء، وهو منطق يسري على نفس أفكاره ورؤاه التي لا بد أن تحكم به كما هو لازم تنظيره وتبنيّه، الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل عن مدى حقانية أفكاره وثباتها واستقرارها؟؟ وعن الضمانة التي يمكن أن يقدمها عن عدم تزعزعها واهتزازها من جديد؟؟.

إن عجبي لا ينقضي من التنظير والتأصيل لمنظومة فكرية وبناء حياة بكاملها على أساسها في أبعادها الاجتماعية والسياسية والأخلاقية، وبذل الجهود الكبيرة المضمخة بالعرق والدم في سبيل تطبيقها وربط مصير أمة كاملة بها، ثم بعد هذا تتبين أنها فارغة فراغ فؤاد أم موسى، وحملتها طابور خامس، ومنظروها مسيسون ومستعمرون، ومن تعقد عليه الآمال ذاتي حد النخاع!!!! وإن نسيت شيئا فلا أنسى أنه قد تبين مؤخرا للعزيز الشكرجي بأن (صدام) قد لا يخلو من الحس الوطني، وهو الذي دفعه لمقاومة الاستعمار الإيراني!!!!.

ومن هنا يجب على القواعد العاقلة وفقا لهذا المنطق أن تتخلى وبجرة قلم عن كل ماضيها وتضحياتها ومثلها التي قدمت من أجلها أرواحا كريمة وأزهقت في سبيلها نفوسا بريئة، وكأن (مفكرنا) يفكر وينـّظر في الهواء الطلق، ولا كأن تنظيراته ستتجسد دماء هنا وعرقا هناك وضياع مستقبل بين هذا وذاك، طبعا ومن يدفع الضريبة في كل هذا هم (المگاميع) على حد تعبير أميرهم!!!!!.

 وليت الأمر اقتصر على إعادة النظر في الأسس الفكرية والمنطلقات الأساسية، ولم يصل إلى حد التخوين الحاد، وهو أمر يبعث على الريبة والشك في منهجية الأخ الشكرجي كما سنرى.

الثانية: إن هذه الأفكار بدأت تأخذ في بعض مفاصلها منحى انفعاليا انتقاميا من شخصيات ومرجعيات وأحزاب، وحتى دول، وهو أمر لا يخلو من الشخصنة في أحايين كثيرة، وردة الفعل اللاواعية في أحايين أخرى، رغم أنني لست هنا في صدد مناقشة تحفظات الرجل ومدى واقعيتها وانطباقها مع الحق والموضوعية، بقدر ما أردت أن ألفت النظر إلى أن تحولات الشكرجي، لاسيما الأخيرة ينبغي ألا ينظر إليها كتحولات ناتجة من حسابات فكرية منهجية خالصة، بل لا بد من عدم إغفال البعد الشخصي، لا أقل على مستوى الاحتمال المعتد به.

لا أعرف كيف يريد منا الأخ الكريم أن نستسيغ انقلاباته الحادة وتقييماته الراديكالية الجديدة ونجعلها مندرجة تحت عنوان (التحول الفكري)؟؟

كيف يفسر القارئ الكريم مثلا موقف الشكرجي من زميله القديم ومسؤوله الأرفع (الدكتور الجعفري) الذي عاصره بشكل وآخر ربما عقودا ثلاثة، كان فيها معقد الآمال (كما هو يقول)، ثم وبقدرة قادر اكتشف  فجأة أن (الإشيقر) متخوم بحب الذات حد النرجسية (كما يدعي؟)؟؟؟!!!! حكم تأخر ما يقرب ثلاثين سنة، وأخال أن شخصا عاديا جدا ليس بمفكر ولا منظر، يمكنه أن يصل إلى نفس الحكم أو نقيضه إذا عرف (أبو أحمد) عن كثب وبثلاث أيضا، ولكني أتحدث هنا عن الدقائق أو الساعات أو الأيام في أقصى حد، لا العقود التي استغرقها أخونا أبو آمنة كما يحلو للسيد الجعفري أن يسميه!!!!

ونفس الأمر يجري بالضبط عن إيران والسيّدين المستعمر والمسيّس (الخميني والصدر)، كما يلمح الكاتب الشكرجي إليهما (قدس الله روحيهما)، وهكذا الأمر بالنسبة للأحزاب الإسلامية الشيعية التي عدها طابورا خامسا!!!

وأزعم إننا لو أخذنا بموازين الأستاذ الشكرجي فسنجد (صدام) محقا في استئصال شأفة الأحزاب الإسلامية وغير الإسلامية، وقمع الانتفاضة الشعبانية، وهكذا حربه الوقائية على إيران، لأن عدم فعله هذا سيعني وببساطة إما وقوع العراق تحت نفوذ الاستعمار الإيراني، أو وصول الطائفيين حسب وصف الشكرجي الذي تأخر على عادته في معرفة ذلك سنين عددا!!

لقد استغرقت وقتا طويلا يا أستاذ حتى توصلت إلى ما توصلت إليه وقتا دفع فيه العراق خيرة شبابه وقوافل علمائه ومفكريه، وطيرت فيه رؤوس وطيحت أيدي وسالت برك دماء ونصبت تلال أشلاء، كل ذلك دفاعا عن حريم أفكار وعقائد كنت يوما مدافعا عنها وبشدة، وليتك تحليت قديما بنفس الشجاعة التي تحليت بها الآن (كما يحلو للبعض أن يصفك بها) فأعلنت أفكارك وقناعاتك (ليهلك من هلك عن بينه ويحيى من حيي عن بينه)، وهو أمر سهل يسير عليك بعد أن جعلت نفسك في مصاف مفكرين عظام من أمثال النائيني والخميني والصدرين وفضل الله ووو رغم معارضتك لهم هنا أو هناك، وأخالك تعلم ومثلك يعلم أن المعارضة فرع التكافؤ، ولو جزئيا كما يقرره علم أصول الفقه، ولا يفوتني أن أذكرك بإشكالك المستحكم حول دليل (اللطف) العتيد، الأمر الذي أقرك عليه أستاذك الكريم، كل ذلك وغيره يجعلك قادرا وبما أوتيت من قدرة فكرية على الوصول إلى قناعاتك الحالية بأدنى تأمل ومنذ زمن طويل جدا!!!

وهذا أمر ربما يفتح باب الشك على مصراعيه حول النوايا والدوافع و ثبات الأفكار واستقرارها عند أخينا الشكرجي.

وتبقى جدلية غير واضحة عندي إلى الآن، وهي متضمنة السؤال التالي: من أدى إلى من؟؟ بكلمة أخرى:

هل إن أفكار الأستاذ الشكرجي الحادة أدت إلى فك ارتباطه بحزب الدعوة؟؟ أو إن فك الارتباط أدى إلى هذه الحدة الفكرية؟؟

وينبغي أن يكون واضحا، أني لا أتحدث عن الأفكار في مستواها المستساغ إلى حد ما، بل عن الحدة التي تصل إلى مستوى اتهام المرجعية المؤسسة وفكر الحزب وإسلاموية الطرح وغير ذلك، وإلا فأفكار من النوع الأول شهدناه عند عديدين، كالشبوط والشابندر وأضرابهما، وقد ابتعدوا أو أبعدوا بسببها عن الحزب الأم.

 ومن هنا علي أن أتساءل عن كلمة سجلها الأخ الشكرجي في بعض المنتديات نافيا فيها أي غرض دنيوي قد يكون وراء خروجه من حزبه الأم، كان مضمونها (بأنه لو كان يريد الجاه والوجاهة لانتظر حتى الانتخابات الأخيرة للحزب، وحتما سيكون في موقع قيادي فيه، ولكنه آثر الخروج عن قناعة على البقاء والتماس الحطام)، وسؤالي هو:

لو دخلت يا أستاذ الانتخابات الحزبية، فهل ستدخلها بعقلية ما بعد الخروج وأفكارها، أو بالعقلية الدعوية التقليدية ولو إجمالا؟؟؟

فإن كان الأول فكيف ستضمن النجاح وأنت تشكك في الدعوة، بل وعموم الأحزاب الإسلامية، وهكذا المرجعية (المسيسة) فكرا وأشخاصا؟؟؟ بل وتخالف قواعد مذهبية ثابتة؟؟ فإذا كان البعض أبعد أو ابتعد عن عالم الدعوة لتخالفه الفكري الجزئي معها، فهل يبقى الشكرجي وهو يخالف الجذور والأسس على حاله، بل ويكون قياديا دعويا؟؟!!!!!

وإن كان الثاني فعلي أن أتساءل مع القراء الكرام عن سرعة تبلور هذه الأفكار الحادة التي هدمت مشاريع سياسية ودينية واجتماعية في سنتين أو تزيد قليلا؟؟ وأين كانت قبل هذه الأيام؟؟ ولماذا جاء أكثرها على أقل تقدير وأشدها حدة بعد فك الارتباط؟؟

بغداد

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::