الصراحة التي نريدها
ضياء الشكرجي: في مواجهته مع الذات والحزب
توفيق التميمي
لا أعتقد أني الوحيد الذي أثارته ما كتبه الباحث الديمقراطي (ضياء الشكرجي) على موقع كتابات خلال يومي18.19من أيار بعنوان (قصتي مع الدعوة منذ انتمائي حتى استقالتي(، فمنطق الشجاعة والجرأة في مواجهة الذات ومراجعة السيرة الشخصية والحزبية والسياسية فيما بعد استفزني كما استفز آخرين غيري لمحاولة التماهي مع ذات المنطق الجريء والشجاع للتعقيب وإثارة المسائل الجوهرية المطروحة في هاتين الحلقتين قبل أن تكتمل في حلقاتها السبع. وحين ذاك قد يكون لنا كلام آخر.
التعقيب لا علاقة له بإطراء أو مجاملة لا يحتاجهما شخص بمستوى الأخ (الشكرجي) والمعروف جيدا من خلال سيرته السياسية ومنجزه المعرفي وآرائه التي يتكلم بها دون تردد أو خوف. ولكن كان لا بد أن نسجل ونؤشر على الشجاعة الاستثنائية والنادرة والتي لم نعرفها بكل تجارب ومذكرات وكتابات الساسة العراقيين يمينا ويسارا. حيث لم نشهد مثل تلك الجرأة والصدق في مواجهة الذات وعيوبها وعرض التجارب الشخصية كما هي دون رتوش أو تجميلات أو تضليل حتى يصل الأمر به حد البوح بالعيوب البدنية الخاصة. لأن ما يشغل الشكرجي بالدرجة الأساس هو المستقبل ورهان الخيار الديمقراطي دون مزايدات أو استثمار الفرص لتحصيل المكاسب الرخيصة الزائلة، ولذا لا يهمه أن يحاكم ذاكرته بتلك القسوة الحادة التي لم نعرفها بكل الأدب السياسي العراقي. وقد أكون مبالغا إذا اعتبرت هذه الكتابات هي تحريض للآخرين لتمرين ديمقراطي في مواجهة الذات قد لا يحتمله الكثير وبضمنهم بالطبع دعاة الديمقراطية الجدد.
الشكرجي لا يتعامل مع تلك (القصة) بوصفها تصفية حسابات مع (الدعوة) كحزب أو ظاهرة سياسية، بل هي قصة امتحان الإرادة في مقاومة السلوكيات المرضية المتسربة للأحزاب من القاع الاجتماعي وأمراضه المتفشية من التاريخ الاستبدادي والمقموع والمتجلية في الواقع السياسي الحالي وصوره المؤلمة من الكذب والنفاق والوصولية، وهي أمراض تنتقل بعدواها الفردية من ذلك القاع الاجتماعي إلى الذات، ثم الأحزاب وبعد ذلك للمجتمع.
الشكرجي يجري كشفا مغايرا لتقويض الصورة الكارزمية للقائد السياسي المهيمن على ذاكرتنا الجمعية وعقلنا الباطن، وهنا يدعو الشكرجي صراحة للتخلص من هيمنة هذه الصورة الكارزمية ومن سطوتها وللأبد، سواء من واقعنا أو مستقبلنا.
لربما سيتلقى إخوانه من (الدعاة) بنوع من الصدمة التي قد يترتب عليها نوع من الخروج والوصف العبثي بالتمرد أو الانشقاق بصفتهم أحد أبرز مكونات الصدارة للمشهد السياسي الجديد. ولكني أتوقع أن الحلقات القادمة من هذه (القصة) ستكون على مستوى أكبر من المنفعة التاريخية، وستشهد المزيد من المواجهة الجريئة في تناول تاريخ الإخفاقات والأخطاء في هذه التجربة السياسية، أو التي أدت إلى خروج الكثير من الرموز والشخصيات، وهي تمثل الآن اتجاهات مشتركة لرؤية ديمقراطية وطنية خالصة، تبذل ما بوسعها ومقدراتها لتأسيس وتشييد البناء الديمقراطي التعددي دون التمسك بموقف العزة بالإثم والخوف من المراجعة النقدية، والتي تنتهي حتما لنجاح رهان المستقبل الوطني رغم الخسارات المتوقعة في هذه المواجهة.
وأطمئن الأخ والصديق الشكرجي، بأنه لن يكون وحيدا في هذا المسلك الذي فتحه، ولن يكون يتيما في وحشة طريق الحق والديمقراطية. وسينشد معه كل الصعاليك من عشاق النهج الديمقراطي المغيبين عن مسرح السياسة وأروقتها والمبعدين عن طاولاتها المستديرة؛ هؤلاء الذي اكتشفوا عبر مرارة التجربة وآلامها وخساراتها بأن الديمقراطية خيار، والإسلام هوية، هما المنفذان الوحيدان للخروج من نفق الواقع وظلمته نحو رحاب المستقبل وإشراقته، كبديل وحيد وشرعي للمقايضة مع سنوات الحرمان والاستبداد والتشرد، وعن فوضى وانفلات الحرية الدموية الجديدة.
ربما لا يتماهى هذا الخيار الديمقراطي ولا ينسجم مع الصورة الكآبية والدموية للواقع اليومي، ولا يتصالح مع صورة الاستقطابات الحزبية والرهانات الطائفية والمحاصصات الحزبية. ولكن عزاءنا أن هذا الخيار هو خيار المستقبل الذي يؤسس له أبطال قادرون على مواجهة الذات، دون خوف أو تردد أو خشية من أحد؛ هؤلاء فقط هم وحدهم القادرون على الوصول بالنهج الديمقراطي لشوطه الأخير.
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::