التوافقية والديمقراطية

سبق وكتبت بتاريخ 24/08/2008 مقالة تحت عنوان «التوافقية والمكوناتية وحكومة الوحدة الوطنية من الديمقراطية»، ويجدها القارئ الكريم على صفحة «نسماء» تحت الرابط أدناه:

http://www.nasmaa.com/diaa/seaseia/8-%2028-09-08.htm

وأحب اليوم العودة إلى تناول هذا الموضوع. والذي دعاني إلى ذلك هو إني لاحظت في الأيام الأخيرة اهتماما خاصا بمناقشة موضوعة (التوافقية) وعلاقتها بالديمقراطية، وما إذا كانت التوافقية مرادفة للمحاصصة، ومدى التعارض أو التواؤم بين التوافقية والديمقراطية، أو ما إذا كانت هي بالفعل من لوازم الديمقراطية الانتقالية، وكذلك مناقشة مدى خطورة أن تتحول آليات الديمقراطية الانتقالية أو الموقتة هذه، أي الديمقراطية التوافقية وبالتالي الطائفية أو المكوناتية السياسية إلى تقليد دائم للديمقراطية العراقية، وبالتالي ثابت من ثوابتها.

ونريد ثانية مناقشة مدى كون الديمقراطية التوافقية من إفرازارت الطائفية السياسية، وما إذا كانت الطائفية السياسية هذه هي إفراز طبيعي للظروف التي مر بها العراق، أم إن هناك جهات سياسية عراقية (أحزابا ومرجعيات دينية أو فكرسياسية)، أو إقليمية (دولا واستخبارات)، أو أمريكية (إدارة جورج دبليو بوش)، مسؤولة عن التأسيس للطائفية السياسية. وهنا نريد أن نطرح السؤال - ما إذا ثبت أن هناك من أسس لها - حول ما إذا كان المطلوب التمييز - فيما يتعلق الأمر بالأطراف العراقية - بين مؤسس لها عن عمد، أو من مؤسس لها عن خطأ، ، مما يستوجب محاسبة ومقاضاة الأول، ويستوجب من الثاني الإقرار بخطئه وتقديم اعتذاره للشعب العراقي، وربما التنحي بالاستقالة عن موقع المسؤولية، أو تنحيته بالإقالة ديمقراطيا، لثبوت ما ألحقت الطائفية السياسية من اضرار على العملية السياسية، وعرقلت وأخرت عملية التحول الديمقراطي، وألقات بظلالها على الوضع الأمني.

في الحوارات حول التوافقية في الأيام الأخيرة، وجدنا مدافعين عنها ومبررين لها في جانب، ووجدنا في الجانب الثاني ناقدين لها داعين على إنهائها والتحول إلى الاستحقاقات الانتخابية. وعلى النحو العام وجدنا السياسيين (السنة) هم المدافعين عن التوافقية والمتمسكين بها، والسياسيين (الشيعة) هم الناقدين لها، والداعين إلى وضع نهاية لها. ولا أقصد هنا بالسياسيين السنة والسياسيين الشيعة كل السياسيين الذين ينتمون مذهبيا وبالمعنى الديني، أو اجتماعيا أي بالوراثة إلى التسنن أو إلى التشيع، بل أقصد المنتمين سياسيا إلى كل من التسنن السياسي أو التشيع السياسي. إذن كل من مصطلح (السنة) ومصطلح (الشيعة) الموضوعين بين هلالين معني بهما في هذه المقالة التسنن السياسي والتشيع السياسي، أي كل من تخندق أو تأطر في أدائه السياسي سنيا أو شيعيا، حتى لو كان من الناقدين في خطابهم السياسي الإعلامي للطائفية السياسية، لأن من انتمى إلى حزب مغلق للشيعة هنا وحزب مغلق للسنة هنا، أو إلى كتلة برلمانية سنية أو شيعية، أو منح منصبا على أساس الحصة لهذه أو تلك الطائفة، فهو بالمصطلح السياسي المعتمد في هذه المقالة (سني) أو (شيعي)، مكتفيا بالإشارة إلى ذلك بوضع المفردة بين هلالين، اجتنابا لاستخدام (السُّنَّوِيّة) و(الشّيعَوِيّة) اللتين استخدمتهما في وقت سابق.

التوافقية والديمقراطية

هناك عدة آراء مطروحة اليوم من منظري الديمقراطية من السياسيين والمفكرين العراقيين. فريق يتبنى أن التوافقية إنما هي صيغة من الصيغ المتعددة للديمقراطية، وهذه الصيغة نسميها بالديمقراطية التوافقية. وفريق آخر يقول إن التوافقية هي تطبيق متقدم وراقٍ للديمقراطية، لأنها تشرك الجميع في العملية السياسية، بينما ديمقراطية الاستحقاق الانتخابي هي في مقابل الديمقراطية التوافقية ليست إلا صيغة متخلفة عن التوافقية، وناقصة بالقياس إليها، لأنها تحصر إدارة العملية السياسية في الحزب الفائز أو الائتلاف الحكومي المتشكل من الأحزاب الفائزة. وفريق ثالث يرى أن التوافقية هي من لوازم الديمقراطية الانتقالية حصرا، فمتى ما رست سفينة العملية السياسية أو عملية التحول الديمقراطي على شاطئ الديمقراطية المستقرة والمتطورة، تنتفي الحاجة إلى الديمقراطية التوافقية، ومن هنا فالتوافقية هي ديمقراطية الرحلة من الديكتاتورية إلى الديمقراطية المستقرة؛ هذه الرحلة التي تعرف بالديمقراطية الانتقالية.

شخصيا أتفق بدرجات متفاوتة من حيث المبدأ مع كل من هذه الآراء، لكن مع شيء من التحفظ، يكون بدرجة أشد على القول الثاني القائل بكون التوافقية تمثل الصيغة الديمقراطية الأكثر تقدما، نسبة إلى كل من الأول الذي يعتبرها صيغة من مجموعة صيغ للديمقراطية، والثالث الذي يقرها كديمقراطية انتقالية. هذا وإن كنت لم أغير رأيي الذي طرحته في المقالة المذكورة قبل ما يقارب التسعة أشهر، ذلك إن «التوافقية [أساسا] صيغة غريبة على الديمقراطية». وأشكلت على كون توافقيتنا التي تعني أن «القرارات توافقية، تعني بالتالي أن يجري التوافق [على القضايا الحساسة] ليس في الحرم البرلماني بل في [المطبخ السياسي أو] مطبخ القيادات السياسية»، وإن كنت قد اعتبرتها في مقطع آخر من نفس المقالة أنها «خطوة متقدمة حتى على التجارب الديمقراطية العريقة، لأنها تشرك الجميع، حتى لو كان هناك تناقض في البرامج والرؤى السياسية بين الشركاء التوافقيين». لكن في نفس الوقت يمكن أن تشكل التوافقية عامل إعاقة لسير العملية السياسية، بسبب ما ذكرته من احتمال وجود تعارض قد يصل إلى درجة التناقض بين الأطراف المشاركين في العملية التوافقية. إذن تقدم التوافقية ديمقراطيا على الاستحقاق الانتخابي هو تقدم نظري مثالي، تنهار مقولته عندما ينزل تطبيقا إلى الواقع.

هل التوافقية ضرورة

والذين يدافعون عن التوافقية بل وحتى عن المحاصصة، يدعون محقين مع تحفظ، أنها تمثل «ضرورة لمثل حال العراق»، ولكن وهذا ما ذكرته في تلك المقالة، «إنما كانت التوافقية بسبب وجود مرض في العملية السياسية (الديمقراطية) في العراق»، وحملت القوى المؤسسة للطائفية السياسية مسؤولية نشوء هذا المرض، ذلك «من جراء أساس خاطئ انطلقت منه تلك القوى، التي كانت سببا لنشوء المرض السياسي الذي تطلب التوقي منه أو معالجته بأساليب أسميناها بالديمقراطية التوافقية وحكومة الوحدة الوطنية. لأننا لو لم نكن اعتمدنا التوافقية وحكومة الوحدة الوطنية ستكون النتيجة أن قراراتنا ستكون قرارات شيعية/كردية، وستكون حكومتنا حكومة شيعية/كردية، وقوانيننا ستكون قوانين شيعية/كردية، وبالتالي سيكون هناك إقصاء للسنة العرب عن الحكومة والقرارات والقوانين، وهذا واضح ضرره وخطره. إذن لا بد من التوافقية، ولا بد من حكومة الوحدة الوطنية، بديلا لحكومة الأكثرية البرلمانية»؛ هذه اللابدية التي إنما نشأت بسبب التأسيس الخاطئ للطائفية السياسية، واستبدال الأكثرية السياسية بالأكثرية الطائفية أو المكوناتية.

 

لهذا السبب قلت «لا يحق لنا أن نعترض على السياسيين، لاسيما من داخل التحالفات التوافقية، [وبالأخص من داخل الوسط السياسي السني]، عندما يدافعون عن التوافقية وعن حكومة الوحدة الوطنية كسبيل لدرء الصراعات الطائفية والعنصرية عن العراق»، وللحيلولة دون تهميش المكون السني سياسيا، والذي أي هذا التهميش ليس معترَضا عليه سنيا فحسب، بل هو مضر ومرفوض وبالتالي معترَض عليه وطنيا وديمقراطيا.

التوافقية والطائفية أو المكوناتية السياسية

وكما ذكرت في مقالتي قبل تسعة أشهر إننا «لو كنا اعتمدنا التعددية السياسية بدلا من الطائفية السياسية (شيعة/سنة)، والقومية السياسية (عرب/أكراد)، وذلك بوجود أحزاب شيعية وقوائم انتخابية شيعية وكتل برلمانية شيعية، وأحزاب سنية وقوائم انتخابية سنية وكتل برلمانية سنية، وأحزاب كردية وقوائم انتخابية كردية وكتل برلمانية كردية، بدلا من أحزاب سياسية ذات فكر سياسي ورؤى سياسية وبرنامج سياسي، لما أصبنا بهذا المرض، ولما احتجنا إلى اعتماد هذه العلاجات اللاديمقراطية في العمق. فلو اعتمدنا التعددية السياسية لرأينا داخل الحزب [من تيار اليسار الديمقراطي مثلا، أو من التيار العلماني الليبرالي، أو من داخل حتى التيار القومي الديمقراطي، أو لعله أيضا من داخل التيار الإسلامي الديمقراطي، أو الإسلامي المعتدل]، لرأينا داخل [كل منها] السني والشيعي، [وكذلك باستثناء الأحزاب الإسلامية] المسيحي والصابئي والإيزيدي، و[هكذا لوجدنا باستثناء الأحزاب القومية] العربي والكردي والتركماني والآشوري، وبالتالي عندما يشكل حزب الأكثرية السياسية البرلمانية الحكومة، أو إذا لم يكن هناك حزب له أكثرية المقاعد البرلمانية، عندما يشكل حزبان أو أكثر ائتلافا حكوميا، لما احتجنا إلى كل هذه الأساليب الهجينة على الديمقراطية»، فيما أسميناه توافقية ومحاصصة، بل ولما احتجنا إلى إلى حكومة الوحدة الوطنية بمعنى وحدة المكونات، لأن المكونات كانت ستكون متمثلة في كل الأحزاب، لاسيما العلمانية والليبرالية، أو جل ما ذكرنا إذا ما أضفنا الأحزاب القومية والإسلامية المعتدلة، وإن كان الاستيعاب فيهما ليس كما هو حال قدرة التيار العلماني والليبرالي على الاستيعاب لكل مكونات الشعب العراقي بلا استثناء.

أكرر إننا «نحتاج إلى تشريع قانون للأحزاب وقانون للانتخابات قائم على أسس الوطنية والديمقراطية والعلمانية، بحيث لا يجوز تأسيس حزب سياسي أو قائمة انتخابية أو كتلة برلمانية على أساس مذهبي (شيعي أو سني)، أو ديني (إسلامي)، أو قومي (عربي أو كردي)، مع استثناء للمكونات الدينية والقومية من غير الأكثرية».

معنى الأكثرية والأقلية

الغريب كل الغرابة ومنتهى الغرابة أنه ما زال هناك من أطراف تنتمي إلى التشيع السياسي، تتكلم عن الأكثرية  والاقلية، لا بمعنى الأكثرية السياسية والأقلية السياسية، بل بمعنى المكون أو الطائفة الأكبر أو الأصغر، ومن هنا يروج بعض المنتمين إلى هذا التيار لضرورة التحول من الديمقراطية التوافقية إلى ديمقراطية الاستحقاق الانتخابي، لكون التوافقية من لوازم الديمقراطية الانتقالية، وقد آن الأوان حسب رأي هؤلاء للانتقال إلى الديمقراطية الدائمة أو المستقرة، التي من لوازمها القبول بالاستحقاق الانتخابي بعيدا عن المحاصصة، وكأن هؤلاء قد أنهوا مسببات التوافقية والمحاصصية، هذه المسببات التي كانوا هم الذين بعثوها إلى الوجود وأصروا على العمل بها، ومن أبرزها اعتماد الطائفية السياسية، أو المكوناتية السياسية بما يشمل أيضا الاصطفافات السياسية على أساس قومي، وبالتالي سيكون معنى الالتزام بالاستحقاق الانتخابي هو حاكمية الطائفة والقومية ذاتي العدد الأكبر، أي حاكمية القائمة الشيعية العربية في حال حصولها على أكثر من نصف مقاعد مجلس النواب، أو مؤتلفة مع قائمة أخرى، فتختار إما حليفا كرديا، وإما حليفا عربيا سنيا، وإما حليفا علمانيا غير متخندق مذهبيا أو قوميا. المهم من الضروري أن يصحح هؤلاء معنى الأكثرية البرلمانية بما يعني الأكثرية السياسية وليس الأكثرية الطائفية أو القومية. وإلا إذا لم نتحول إلى التعددية السياسية متجاوزين التأطر مذهبيا أو قوميا، تبقى التوافقية ضرورة لا محيص عنها، تجنبا لانفراد مكون من مكونات الشعب العراقي بالحكم، وبالتالي يبقى مبدأ التعددية السياسية معطلا، وهذا يعني الإبقاء على أهم ركن من أركان الديمقراطية معطلا. وحيث لا يجوز ديمقراطيا تعطيل هذا الركن المهم، لا بد من إنهاء أسباب التوافقية، بدلا من التبرير لها والإصرار على الإبقاء على مسبباتها.

لحد الآن لم يشخصوا الخلل

بهذا نتعرف على أن الذين يدافعون عن التوافقية من السنة، وكذلك الذين يدافعون عن الاستحقاق الانتخابي من الشيعة، كلاهما لم يشخصا مكمن الخلل الحقيقي، وهذا يشبه الطبيب الذي يعالج مريضا من غير تشخيص لمرضه. ولهذا السبب نجد بعض هؤلاء من مؤسسي الطائفية السياسية والمصرين عليها، وإن رفضوها على نحو الشعار، يتكلمون عن المكونات، بدلا من التيارات السياسية، وكأنما الديمقراطية هي تعددية مكوناتية، وليست تعددية سياسية، فيذهب أتباع الطائفة الأكبر يدافعون عن فكرة أن قد آن أوان وجوب تجريب الاستحقاق الانتخابي، وكما يذهب أتباع الطائفة الأصغر يدافعون عن وجوب الإبقاء على التوافقية، لكونها أكثر تجسيدها للوحدة الوطنية، وكلاهما لا يريد أن يلامس جوهر المشكلة، ويعترف بأنه كان السبب في تأسيس تقاليد الطائفية السياسية.

نقول للفريق الأول أي فريق التشيع السياسي، إنها كلمة حق لا تؤدي إلى حق، عندما يقال أننا يجب الآن الانتقال إلى الاستحقاق الانتخابي، لكونه أقرب لجوهر وروح الديمقراطية، لكن هذا لا يمكن أن يجري ونحن ما زلنا نعتمد القاعدة الأبعد عن جوهر وروح الديمقراطية، أي التخندق طائفيا، فقبل أن ننهي التوافقية علينا إنهاء التخندقية السياسة مذهبيا (شيعيا وسنيا)، وقوميا (عربيا وكرديا). فلا يمكن الدعوة لبناء نظام منسجم مع روح الديمقراطية على أساس متنافر مع روح الديمقراطية.

الطرف المسؤول أكثر عن التأسيس للطائفية السياسية

وكما قلت سابقا ومرارا إن مشكلة الطائفية السياسية تكمن في الشيعة، ثم في الشيعة، ثم في الشيعة، ثم في السنة، ثم في الأكراد. والغريب أن السياسيين الشيعة هم المتحمسون الآن للدفاع عن الاستحقاقات الانتخابية ورفض التوافقية والمحاصصة، ناسين أو متناسين أنهم هم الذين أسسوا للطائفية السياسية، فكانت التوافقية من لوازمها التي لا تنفك عنها، إلا إذا سلمنا بجواز تهميش السنة، كون هذا التهميش هو من نتائج العملية الديمقراطية، التي لا بد من احترامها. فنرى هؤلاء السياسيين الشيعة يتكلمون عن أن التوافقية مرحلية، دون أن يخطوا خطوة جدية في إنهاء الطائفية السياسية، فكأنما الطائفية السياسية التي هي مبرر وسبب التوافقية هي الدائمة والثابتة، بينما التوافقية نفسها مرحلية وانتقالية ومتغيرة. وواضح الخلل في هذا النوع من التفكير، فمن يريد أن يزيل المسبب عليه إزالة السبب، أما إزالة المسبب والإبقاء على السبب، فهو مخالف للمنطق تمام المخالفة.

المتحولون من التخندق الطائفي إلى الخطاب الوطني

نشهد منذ مدة انتقالا لكثير من السياسيين، وربما لبعض الكيانات السياسية، من التخندق الطائفي الشيعي أو السني إلى الاتجاه الوطني. وهؤلاء في كل الأحول ينقسمون إلى قسمين؛ قسم تحول صادقا بعدما شخص خطأ المشروع الطائفي وخطره على الأمن والاستقرار والوحدة الوطنية والمشروع الديمقراطي. ومنهم من هو من راكبي الموجة والمتحولين من موجة إلى موجة بحسب المتغيرات. وفي الوقت الذي نقول فيه ألا شغل لنا مع راكبي الموجة، فالشعب بلغ من الرشد السياسي، مما يجعله قادرا على التمييز بين الصادق وراكب الموجة، نقول لكن حتى أولئك الصادقون في تحولهم، فإن التحول الصادق يحتاج إلى اعتراف بخطأ النهج السابق واعتراف بأن المتحولين هؤلاء يتحملون مسؤولية ذلك الخطأ، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، ينبغي لجماهير الشعب أن تميز بين من شخص الخطأ والخلل عام 2003 و2004 و2005، وبين من شخصه وحدث لديه هذا التحول عام 2008 أو عام 2009. فالحزب أو التيار السياسي الذي يحتاج إلى ست سنوات ليشخص مكامن الخطأ والخلل والخطر، غير مؤهل لقيادة العملية السياسية الوطنية الديمقراطية.

إعادة تشكيل قائمة الائتلاف الشيعي

نشهد في الآونة الأخيرة حراكا محموما وضغوطات داخلية وإقليمية، سياسية ودينية، لإعادة اللحمة للكتلة البرلمانية الشيعية الموسومة بالائتلاف العراقي الموحد، التي تصدعت وتفككت، حتى لم يبق فيها إلا حليفان لم يخف على أحد مدى التناقض الموجود بينهما. وهذا إذا حصل سيمثل عودا للتخندق الشيعي الإسلامي، أي لقائمة الشمعة 169/555، وبالتالي إلى تكريس الطائفية السياسية، والإسلام السياسي، وهذا خلاف ما أبداه المالكي من الابتعاد عن الاصطفاف مع القوى الشيعية وقوى الإسلام السياسي، هذا الابتعاد الذي عبر الناخبون عن مباركتهم إياه بمنحهم أصواتهم لقائمة المالكي في انتخابات مجالس المحافظات. عندها سيعيد أولئك الناخبون الذين انتخبوا قائمة ائتلاف دولة القانون بسبب هذين الابتعادين، سيعيدون في المالكي، مما سيُخسره أصواتا يعتد بها، وهذا بكل تأكيد ما يحسب المالكي حساباته بدقة، ويجعله يعيش صراعا بين الخضوع للضغوطات التي يبدو أنها تمارس عليه ليعود إلى الخندق الذي غادره، وبين أن يكسب مزيدا من الأصوات باقترابه أكثر إلى النهج الوطني المدني، ليضمن له ولاية . بكل تأكيد أن المجلس الأعلى سيكون الطرف الأكثر استفادة من إعادة تشكيل الائتلاف العراقي الموحد، كما وإن هذه العودة تمثل رغبة إيرانية. ولكن الاحتمالات تبقى مفتوحة أمام عدد من الخيارات، منها ثمة حوار وتنسيق بين الإسلاميين المعتدلين (المالكي وحزبه حزب الدعوة بدون جناح تنظيم العراق مثالا) وبين القوى الوطنية الديمقراطية ذات الاتجاه العلماني والليبرالي لتشكيل جبهة وطنية عريضة في مقابل قوى الطائفية السياسية وقوى الإسلام السياسي، تجمع قوى الائتلاف الديمقراطي الذي تشكل وسيعلن رسميا عن تشكيله في الثلث الأخير من شهر حزيران، وقوى تنتمي إلى التيار الديمقراطي غير الطائفي، كالقوى العربية غير الطائفية، وقوى اليسار الديمقراطي، والقائمة الوطنية العراقية وغيرها، ربما في إطار تحالف انتخابي لبعض من ذكر من القوى، أو ائتلاف برلماني مابعدانتخابي.

14/05/2009

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::