قانون انتخاب المحافظات وفوز الفائزين وضعف الخاسرين

دُعيت يوم السبت 18/04/2009 إلى مؤتمر صحفي وندوة مناقشة، أريد من خلالهما إطلاق حملة للمطالبة بتعديل الفقرة الخامسة من المادة الرابعة عشر من قانون انتخاب مجالس المحافظات والأقضية والنواحي.

 

حضرت المؤتمر رغم عدم قناعتي بالموضوع محل المناقشة، بسبب أني عبر حضوري أحببت أن أعبر عن تضامني مع القوى التي أعتبرها حليفة وصديقة، في إطلاق نداء، يهدف من حيث الدوافع إلى تقوية التيار الديمقراطي الوطني الذي أنتمي إليه بعنوانه العام، وكذلك لمنح نفسي فرصة الاستماع إلى مبررات إطلاق النداء، فلعلي أسمع ما يصحح فهمي، ويغير موقفي، إلا أني وجدت ما يؤيد مبررات عدم اقتناعي بالفكرة، رغم تضامني مع الهدف المنشود من خلالها. من هنا أردت أن أبين وجهة نظري في هذا الموضوع عبر هذه المقالة، والتي سأؤخر نشرها لأسبوع، كي لا تكون عنصر تعارض مع الحملة، ولعله عامل إضعاف لها.

 

من أجل ألا أطيل إتعابي للقارئ الكريم، وأطيل حيرته عما أريد معالجته في هذه المقالة، أدخل في صلب الموضوع، وأقول إن الذي أثير حول قانون انتخاب مجالس المحافظات والأقضية والنواحي، هو ما تسبب من تجيير للأصوات الممنوحة للقوائم غير الفائزة لصالح القوائم الفائزة، مما استفادت منه أحزاب السلطة السياسية، أو لنقل أحزاب تيار الإسلام السياسي، وهي: حزب الدعوة وحزب الدعوة تنظيم العراق (قائمة ائتلاف دولة القانون)، والتيار الصدري (قائمة تيار الأحرار المستقل)، وتيار الجعفري (تيار الإصلاح الوطني)، والمجلس الأعلى (قائمة شهيد المحراب)، .... وتنص الفقرة المعنية على الآتي:

 

المادة (14):

خامساً: تمنح المقاعد الشاغرة، عند وجودها، للقوائم المفتوحة الفائزة، التي حصلت على أعلى عدد من الأصوات، بحسب نسبة ما حصلت عليه من المقاعد، لاستكمال جميع المقاعد المخصصة للدائرة الانتخابية.

 

وهذا ما جعل نسبة الإسلاميين ترتفع بشكل حاد ومفاجئ لمن لم يكن يعرف ما ستؤول إليه هذه الفقرة، فقد تغيرت نسب الإسلاميين من النسب الأولى التي احتسبت على ضوء فرز الأصوات، إلى النسب ما بعد توزيع المقاعد على النحو الآتي:

§       في بغداد من 51 إلى 68%. (زيادة 17% من عموم مقاعد مجلس المحافظة) (زيادة 25% من مقاعد الإسلاميين).

§       في واسط من 29 إلى 79%. (زيادة 50% من عموم مقاعد مجلس المحافظة) (زيادة 63% من مقاعد الإسلاميين).

§       في كربلاء من 15 إلى 63%. (زيادة 48% من عموم مقاعد مجلس المحافظة، وزيادة 76% من مقاعد الإسلاميين).

§       في ذي قارمن 54 إلى 100% (تأملوا 100%). (زيادة 46% من عموم مقاعد مجلس المحافظة، وزيادة 46% من مقاعد الإسلاميين).

§       في ميسان من 55 إلى 100% (كذلك 100%). (زيادة 45% من عموم مقاعد مجلس المحافظة، وزيادة 45% من مقاعد الإسلاميين).

§       في المثنى من 27 إلى 58%. (زيادة 31% من عموم مقاعد مجلس المحافظة، وزيادة 53% من مقاعد الإسلاميين).

§       في صلاح الدين من %0 إلى 7%. (زيادة 7% من عموم مقاعد مجلس المحافظة).

§       في بابل من 30 إلى 53%. (زيادة 23% من عموم مقاعد مجلس المحافظة، وزيادة 43% من مقاعد الإسلاميين).

§       في النجف من 32% إلى 57%. (زيادة 25% من عموم مقاعد مجلس المحافظة، وزيادة 44% من مقاعد الإسلاميين).

§       في نينوى من 5% إلى 8% (صعود جزئي). (زيادة 3% من عموم مقاعد مجلس المحافظة، وزيادة 73% من مقاعد الإسلاميين).

§       في ديالى من 21 إلى 10% (المحافظة الوحيدة التي كان التحول فيها لغير صالح الإسلاميين).

§       في الأنبار بقيت 0% (المحافظة الوحيدة التي لم يكن فيها حصة للإسلاميين، ولكن لم يكن ذلك أيضا بالضرورة لصالح التيار الديمقراطي).

§       في البصرة من 47 إلى 85%. (زيادة 38% من عموم مقاعد مجلس المحافظة، وزيادة 45% من مقاعد الإسلاميين).

 

النسب أعلاه مأخوذ فيها بنظر الاعتبار عدّ ائتلاف دولة القانون وتيار الإصلاح أيضا من الإسلاميين، كما مر ذكره، ولست هنا بصدد تحليل أسباب فوز قائمة ائتلاف دولة القانون، ولا تحليل أسباب ضعف التيار الديمقراطي، رغم أن لي رأيا في ذلك، فالذي يعنينا هنا هو ما آلت إليه الانتخابات من حيث النتائج وليس من حيث دوافع الناخبين، ولا من حيث العوامل التي جعلت الانتخابات تنتهي إلى ما انتهت إليه.

بهذا نقول من حق القوى الديمقراطية أن تُشْكِل على قانون انتخاب مجالس المحافظات، لاسيما على الفقرة الخامسة من المادة الرابعة عشر. ولكن لدي هنا بعض الـ(ولكن)ـات، مما جعلني لا أوقّع على المذكرة المرفوعة إلى المحكمة الدستورية الاتحادية، التي يُحاوَل عبرها استصدار قرار من المحكمة بلادستورية الفقرة، لغرض الدفع بمجلس النواب إلى تعديلها. ولكني في نفس الوقت لم أتحدث في الندوة معربا عن إشكالي على الطلب، رغبة مني في عدم إضعاف جهد لقوى ديمقراطية، قد يكون له مبرراته التي لم ألتفت إليها، وبسبب أني لم أستطع حضور الندوة من بدايتها لتزامنها مع حفل تأبيني لضحايا النظام السابق من الكرد الفيلية، والتي وجدتني حريصا على التعبير عن تضامني مع هذه الشريحة من الشعب العراقي بحضوري جزء من الحفل. لكن بعد حواراتي مع القانونيين المشاركين في الندوة بعد انتهائها، تأكدت لي صحة تحفظي على هذه المطالبة، رغم أنها لو نجحت ستحقق مكسبا لصالح القوى الديمقراطية، التي أحرص فيمن يحرصون على أن تحقق نجاحات، لأنها الحاضنة الحقيقية والمؤهلة أكثر من غيرها للمشروع الديمقراطي، لكني أفضل أن تتحقق النجاحات بالوسائل الصحيحة.

عندما سألت بعض الأصدقاء الديمقراطيين ممن كانوا متحمسين للحملة، أن يا ترى لو كنا أقوياء، أكنا سندعو لتعديل القانون، جاء الجواب بالنفي، وعندها قلت، إني أجد أن الديمقراطيين ينبغي أن يكون خطابهم واحدا، سواء كانوا في حالة من القوة أو حالة من الضعف.

فالمشكلة في رأيي لا تكمن في القانون، بل في أمرين مهمين، ألا هما:

1.     في نزاهة الانتخابات.

2.     في البحث عن سبل خروج التيار الديمقراطي من واقع الضعف إلى مواقع القوة.

فمن غير الصحيح أن نقع – ولو من غير قصد - فيما وقعت فيه عامدة قوى التيار الديني، بحيث أنها عملت على تفصيل قانون الانتخابات على مقاسها، وبما يخدم مصلحتها، في تثبيت وجودها وأدامة بقائها السلطوي، فنفعل كما فعلوا في محاولة تفصيل القانون على ضوء واقع ضعفنا.

ففي كثير من الديمقراطيات العريقة، أو ما أسميه بالديمقراطيات المستقرة والمتطورة، في مقابل ديمقراطيتنا القلقة والنامية، نجد اعتماد نسبة الاستبعاد البرلماني، أو ما يمكن تسميته بنسبة الحد الأدنى للتمثُّل البرلماني، ففي بعض البلدان لدينا نسبة الـ 5% وفي أخرى 10% أو 3% أو 7%، وهكذا. بمعنى أن الحزب الذي لا يحصل على هذه النسبة لا يحصل على مقاعد في البرلمان. هنا أيضا ستذهب الأصوات الممنوحة للأحزاب الحائزة على ما دون نسبة الاستبعاد البرلماني، إلى الأحزاب الفائزة، كل بحسب النسب التي حصلت عليها، أي إن المقاعد توزع بحسب أصوات الناخبين الذين صوّتوا لصالح من حصل على النسبة الدنيا المحددة فما فوق، وتُهمَل أصوات من صوّت من الناخبين لمن لم يعبر عتبة الاستبعاد البرلماني.

وشخصيا كنت في عملي داخل اللجنة الدستورية عام 2005 من المطالبين باعتماد نسبة الاستبعاد البرلماني. نعم يمكن مناقشة أي الطريقتين أقرب إلى روح الديمقراطية. فمن الممكن القول أن تمثيل كل القوى السياسية، أي حتى تلك التي لم تحصل إلا على مقعد واحد هو الأقرب إلى مبدأ المشاركة الشاملة، وبالتالي إلى روح الديمقراطية. لكن هنا يُسجَّل إشكالان، الأول، هو ماذا يستطيع يا ترى الحزب ذو المقعد الواحد مثلا تحقيقه لصالح البرنامج والرؤى السياسية المعتمدة من قبل حزبه. نعم سيتسفيد من وجوده في البرلمان، ليكون لهذا الاتجاه ثمة صوت، عندما نعتبر البرلمان في أحد أوجهه منبرا إعلاميا، وسيضيف في كل قضية صوتا إلى كتلة برلمانية، يجد نفسه أقرب إليها في تلك القضية المصوَّت عليها تحديدا. ولكن استخدام البرلمان منبرا إعلاميا لا يمثل إلا دورا هامشيا، وكنتيجة أو حاصل تحصيل، وليس كهدف ينطلق من المهام الحقيقية للبرلمان، بوصفها هيئة تشريعية ورقابية، وأحيانا دستورية. والإشكال الثاني هو أن هذا سيشجع على الإفراط في التعدد غير المحدود للأحزاب، وإلى ظاهرة التفريخ الحزبي، والانشطارات الحزبية، والدكاكين الحزبية. بينما اعتماد نسبة الاستبعاد البرلماني سيكون حافزا للكثير من الأحزاب أحادية الخلية، أو أحزاب الأسر والبيوتات، وأحزاب العشائر والأفخاذ، وأحزاب المناطق والمحلات، إلى أن تعيد النظر في جدوى وجودها. كما وستفكر الأحزاب ذات المناهج والرؤى والمبادئ والأهداف المتقاربة أن تندمج مع بعضها البعض، من أجل تشكيل حزب واحد. وهذا سيعطي لصورة المشهد السياسي ملامح أكثر وضوحا، وأقل تشابكا وضبابية بالنسبة للناخب.

كتبت في بغداد في 18/04/2009

وتأخر إرسالها للنشر لأسباب

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::