محرمات ومباحات وواجبات الديمقراطية

 

ضياء الشكرجي

 

هناك من الممارسات وأساليب الأداء السياسي، ومنه الخطاب السياسي، وكذلك العمل الإعلامي، ما يثبت أركان الديمقراطية ويقويها، ومنها ما يـزعزع تلك الأركان، ويعرضها ويعرضهـا لخطر الانهيار، أو لا أقل للتـلكؤ والتعثر في مسيرتها، وبالتالي التأخر في الوصول إلى أهدافها المنشودة.

 

فيما يجوز وما لا يجوز، وكذلك فيما يجب وما لا يجب ديمقراطيا أحب أن أستعيـر هنا المصطلحات الفـقهية للأحكام الشرعية. ففي كل فعل يمارسه الإنسان إيجابا بمعنى الإتيان به، أو سلبا بمعنى الترك له، حكم للشرع، إما في إباحته أو تحريمه أو إيجابه. وهناك تـقسيمان؛ تـقسيم للأحكام الشرعية بمستوى الرخصة أي التزام الحد الأدنى، وبمستوى العزيمة أي التزام الحد الأعلى الذي هو من لوازم الاحتياط فيما هو الفعل الظاهري، أو من لوازم التـقوى فيما هي النية الباطنية. ونحن كبشر مسؤولون عن ترتيب الأثر على الفعل الظاهري، والله سبحانه وتعالى متكفل بالنية ومجاز على الأعمال موزونة بمعايـير النية التي لا يحيط بها إلا هو. تـقسيم الحد الأدنى أو التـقسيم الإجمالي هو التـقسيم الثلاثي: واجب، مباح، حرام. أما تـقسيم الحد الأعلى أو التـقسيم التـفصيلي فهو التـقسيم الخماسي، حيث يقسم المباح بالمعنى الأعم إلى ثلاثـة أقسام: المستحب أو المندوب أو الراجح شرعا، والمباح أي الحلال بالمعنى الأخص، والمكروه أو المرجوح شرعا. عذرا من القارئ، فلست بصدد إلقاء درس فـقهي، بل أردت بهذا التـقديم أن أوضح بأن للديمقراطية أيضا واجباتها ومباحاتها ومحرماتها، وكذلك مباحاتها تـنقسم إلى ما هو راجح ديمقراطيا وما هو مرجوح، أو لنقـل إلى ما هو راجح فعله دون أن يكون من الواجبات، وما هو راجح تركه دون أن يكون من المحرمات. ففي الأداء الديمقراطي هناك أيضا أداء الحد الأدنى وأداء الحد الأقصى، وهكذا يمكن تطبيق هذه العناوين للأحكام وهذا التقسيم فيما يجوز وما لا يجوز وما يجب وما لا يجب وما يرجح وما يرجح عليه، كما في الشرع، وكما في الديمقراطية، تماما يمكن تطبيق ذلك على ميدان الأخلاق، بل وحتى على ميدان القانون. وكما أن الذنوب بالمعايير الشرعية تقسم إلى كبائر يستحق فاعلها الخلود في العذاب وإلى ما سماه القرآن باللمم أي الذنوب الصغيرة، كذلك في التجاوزات القانونية هناك كبائر ولمم، وفي الخروقات الديمقراطية هناك كبائر ولمم، وفي المفارقات الأخلاقية هناك كبائر ولمم.

 

من متطلبات الديمقراطية

من متطلبات ولوازم الديمقراطية والأداء الديمقراطي سياسيا وثـقافيا وإعلاميا، على مستوى الحكم، وعلى مستوى المعارضة وعلى مستوى الجماهير، مجموعة شروط وقواعد ولوازم والتزامات واستحقاقات، أحب أن أمر عليها، سواء كانت من واجبات الديمقراطية أو من مستحباتها ومرجحاتها.

 

حرية التعبير عن الرأي

ليس القضية أن أقر بحرية التعبير عن الرأي من الناحية النظرية فقط، بل لا بد من أتعلم كيف أحترم هذه الحرية، ولا أتعقد من الرأي الآخر، بل أتحمل الآخر المختـلف في رأيه ابتداءً وأتحمل رأيه وأتحمل سماع هذا الرأي وترويج صاحبه له، ثم بعد ترويض نفسي على تحمله، علي في مرحلة لاحقة أن أتعلم كيف أقبل بوجود الرأي الآخر نفسيا، ثم في مرحلة لاحقة أحترم ذلك الرأي الآخر، مع الاحتفاظ بحقي بمعارضته ورفضه ودحضه بالحجج الموضوعية. لأن الذي يحترم قناعته الذاتية ويحب أن يحترمها الآخرون حتى المختلفون معه فيها، عليه أن يحترم هو قناعات الآخرين، دون أن يعني الاحترام عدم الاختلاف أو التخلي عن التعبير عن الاختلاف.

 

التعايش مع واقع التعددية والتـنوع:

فالديمقراطية إنما وجدت بسبب وجود الاختلافات في الرؤى والإيديولوجيات السياسية أو في المواقف والأساليب السياسية، فلو كان الجميع على رأي واحد وموحدين في كل المواقف والقرارات وأساليب العمل، لما كان هناك معنى للديمقراطية، لأنها إنما هي آلية للتعاطي مع واقع الاختلاف والتعدد والتـنوع. فلذلك لا بد من ألا نكتفي بالإقرار بواقع التعدد والاختلاف، بل أن نقبل هذا الواقع ونتعايش معه على أحسن ما يمكن أن يكون التعايش، ونحترم التنوع والتعددية.

 

المعارضة السياسية

كما قلنا أن لا معنى للديمقراطية بلا تعدد وتنوع واختلاف، نعلم ألا ديمقراطية إلا بوجود معارضة، ترفض وتنقد وتحاسب وتعترض وتطالب بالتصحيح وتدحض الحجة بالحجة وتحشد وتعبئ المؤازرين لرؤيتها ومعارضتها.

 

الموضوعية وإنصاف الخصم

الموضوعية ضرورة عقلانية وأخلاقية في آن واحد، فالعاقل لا بد أن يكون موضوعيا سواء في ولائه وتأييده "اعدلوا ولو كان ذا قربى"، أو في خصومته ومعارضته "لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى". والموضوعية تعني عدم شخصنة الاختلاف وأن أكون منصفا لمن أعارضه وأختلف معه، فلا أشطب عليه كليا وأنكر عليه عناصر القوة والنجاح، أو أدعي عليه ما ليس فيه. كما تعني الموضوعية أن أكون ناقدا لمن أؤيده وأواليه إذا وجدت ما يستحق النقد، وبهذا أكون قد خدمته إذ سددته بالنقد والنصيحة "إنما الدين النصيحة"، "صديقك من صَدَقـك (اي من صارحك) لا من صَدَّقـك (اي لا من أيدك حتى في خطئك)".

 

النقد الذاتي

وهذا يتطلب - وهو من لوازم الديمقراطية أيضا - أن نتعلم كيف ننقد الذات كما ننقد الآخر، وأحيانا يكون نقد الذات بمعنى الذات المباشرة أي أن ينقد الشخص نفسه هو بكل شجاعة وبكل تواضع وبكل أريحية، إذا ما شخص خطأ بدر منه في موقف أو تحليل أو رأي أو تصريح أو ردة فعل، أو يكون أحيانا على نحو نقد الذات غير المباشرة، اي نقد القريب منه شخصا يواليه أو حزبا أو تيارا ينتمي إليه. وبتعبير آخر يكون نقد الذات بمعنى الذات الخاصة الصغرى، أو نقد الذات العامة الكبرى، كأن ينتقد المرء حزبه أو جماعته أو طائفته أو أبناء قوميته وهكذا.

 

التنافس في خدمة الأهداف الكبيرة

التنافس نتيجة طبيعية للتعددية وبالتالي بالديمقراطية، فالتنافس إذن من لوازم الديمقراطية، ولا بد من مزاولته والقبول به والتعاطي معه بانشراح صدر. ولكن المهم في التنافس أن يكون تنافسا على خدمة الأمة والشعب ولوطن، خدمة الصالح العام، أي تغليب الصالح العام على المصالح الصغيرة، كمصلحة الذات الشخصية في أضيق دوائر الذات، أو مصلحة الذات الحزبية أو الطائفية أو القومية أو المناطقية أو الطبقية في دوائر الذات الأكثر سعة، ولكنها ضيقة بمعايير المصلحة الوطنية العليا.

النزاهة

ومن متطلبات المعارضة والتـنافس والتسابق أن يكون كل ذلك ضمن قواعد النزاهة بعيدا عن الكذب والافتراء والكيد والتآمر والتزوير وشراء الذمم وخداع الجماهير والمزايدات وغيرها مما يبتعد قليلا أو كثيرا عن النزاهة التي هي شرط الممارسة الديمقراطية.

 

تعضيد الخصم من أجل المصلحة الوطنية

في كثير من الأحوال نجد حتى في الديمقراطيات العريقة معارضة أحزاب المعارضة لمشاريع الحكومة لا لشيء إلا من أجل إضعاف الند السياسي المتمثل بالحزب أو الائتلاف الحاكم. بينما الصحيح والمنسجم أكثر مع روح الديمقراطية، هو أن يصار إلى تعضيد المشروع، إذا ما وجد فيه مصلحة للشعب والوطن، حتى لو كان صادرا من الند – كي لا أقول الخصم – السياسي. وهذا ينطبق على الحكومة عندما تتقدم المعارضة بمشروع، إذا ما رأت فيه مصلحة للشعب والوطن، فعليها أن تدعم المشروع، وإن صدر من معارض اليوم ومنافس الغد.

 

الصدق والشفافية مع الجماهير

الديمقراطية تعني فيما تعني أن الحاكمين كمنتخَبين من قبل الشعب أنهم وكلاء ناخبيهم ومتصرفين بالتالي بما فيه صالح موكليهم، ومن لوازم علاقة التوكيل أن يجعل الوكيل موكله بالكامل في الصورة من مجريات الأمور، كما عليه أن يكون صادقا معه فيما يقطع على نفسه من وعود، وصادقا في نقد نفسه عندما يخطئ، وصادقا عندما يعترف للخصم بما له من حق في تـشخيصاته وتـقيـيماته.

 

تأكيد المشتركات

التعددية لا تعني دائما الاختلاف، بل تعني فيما تعني السعي للالتقاء مع الصديق السياسي والند السياسي والمنافس السياسي والمعارض السياسي والمخالف السياسي والخصم السياسي على مساحة المشركات ومن ثم توظيف الالتقاء على المشتركات لخدمة الصالح الوطني العام.

 

الشجاعة في قبول الخسارة في المعركة الانتخابية

وهنا لا بد لصاحب الأداء الديمقراطي أن يتعامل في حال الخسارة الانتخابية بما يعبر عنه بروح رياضية، ويتقبل واقع الخسارة، ويعترف لمنافسه بالفوز ويهنئه عليه ويعينه على مهمته فيما هي المشتركات الوطنية وينصفه في معارضته له وينقده من أجل التسديد والتقويم الذي يصب في صالح الوطن، قبل أن يكون هدفه تحضير أجواء الفوز في الشوط الانتخابي المقبل.

 

سيادة القانون

سيادة وهيمنة وهيبة وسيطرة وسطوة القانون العادل والصارم من لوازم الدولة الديمقراطية. فالديمقراطية إذا عنت فيما عنت الحرية، فهي لا تريدها حرية منفلتة فوضوية تخريبية، بل لا بد أن تكون الحرية في دولة القانون الديمقراطية حرية مسؤولة، ولا بد أن يخضع كل مواطن من رئيس الدولة حتى المزارعة الأمية في أقاصي الريف للقانون. فلا سيادة القانون تعني استبدادا وتعسفا، ولا الحرية تعني انفلاتا وتجاوزا على حقوق الآخرين وعلى الصالح العام. فمن لوازم الديمقراطية حفظ أمن وراحة المواطن، وحفظ ثروة البلد ومؤسساته ونظامه، وهذا يعني إيقاف كل من يعتدي على حرية أو كرامة أو مال أو عرض أو سمعة أو راحة المواطن، أو يعرض ثروة البلاد للإهدار أو مؤسساته العامة للضرر، ليردع بالعقوبة التي يستحقها.

 

من المفارقات مع الديمقراطية

وبعد تـناول متطلبات ومستـلزمات واستحقاقـات وضرورات الديمقراطية، لنسلط الضوء على بعض محرمات الديمقراطية، أو إلم تكن من المحرمات، فهي مما ينبغي أن ننأى عنه في أدائنـا وممارساتـنا وتعاملنا مع بعضنا البعض. وكل ما سأذكره هو من الواقع فيما يمـارسه البعض منا ملتـفتا إلى المفارقة ومتسامحا بها تارة، أو غير ملتـفت إلى أنها تمثـل مفـارقة ديمقراطية. ولا يخفى أن المفارقة الديمقراطية تمثـل في الغالب مفارقـة شرعية، أو مفارقـة أخلاقية، أو مفارقـة عقلائية، أو قل مفارقة وطنية، فكل هذه العناوين أو جلها تصدق في الغالب على تـلك الممارسـات. وجدير ذكره أن هذه الممارسات غير المنسجمة بدرجة أو بأخرى مع أسس الديمقراطية، أو مع أسس الالتقاء على المشتركات، أو مع أسس احترام الآخر، ليست خاصة بالعراقيـيـن، بل هي في الغالب ممارسات شرقية أو عالمثالثية، أقل من ممارسات المجتمعات النامية ديمقراطيا، أو ربما المتخلفة، أو غير المجربة، أو حديثة التجربة ديمقراطيا، فنجد مثل هذه الممارسات تمارس من غالبية العرب والمسلمين. ثم هي ليست من إفرازات أو مظاهر مرحلة ما بعد سقوط الديكتاتورية، بل كان لها مصاديق حتى في تجربة معارضة المهجر، وفي تجارب النشاطات المشتركة مع غير العراقيـين، تظهر في الفعاليات الثـقافية والسياسية المشتركة، حيث تـتواجد جاليات من مجتمعات شرقية أو عربية أو مسلمة متـنوعة.

 

فرض الشعار الخاص على الآخر

من الضروري جدا أن تميز الجماعة التي تنظم نشاطا أو فعالية ما، بمختلف أنواعها، من مهرجانات، مؤتمرات، ندوات، تجمعات، تظاهرات، وغيرها، يجب أن تميز بين نشاط خاص بها يحمل اسمها وشعاراتها ورموزها، وبين ما هو برنامج مشترك، وحتى الخاص، يختـلف التعامل معه، بحسب الموضوع. فإذا دعت جهة ما جهات وأحزابا وتيارات أخرى ضمن مبادرة للاتقاء على مشترك ما بين كل تلك الأطراف، ينبغي أن تراعي الجهة المضيفة اللياقات، فلا تفرض شعارها ورمزها من لافتات وصور وهتافات وغير ذلك على ضيوفها، لا سيما إذا كانت تلك الخصوصيات لا تمثل مشتركا مقبولا من قبل الجميع. فعندما أدعو جهات بعنوان توحيد الجهود، ثم أفاجئ ضيوفي بفرض صورة الرمز الذي أدين له بالولاء، وشعار حزبي وأهيئ جمهوري ليهتف بهتافاتي، بل أعد بيانا ختاميا إعدادا مسبقا، وأحرج ضيوفي بإقراره، فهذ تعسف ومما يصدق عليه أخذ الآخرين حياءً، وقد قيل أخذ شيء حياءً هو أخذه غصبا على حد سواء، لا سيما عندما أصادر إرادة الآخرين، وأحرجهم بإعلان الولاء والتأييد لمتبنياتي. وكذلك من الممارسات غير الحضارية وغير الأخلاقية أن أشارك في برنامج له هدف معين، وأحشد له جمهوري، وأفرض هتافاتي ولافتاتي وصوري وبياناتي على البرنامج، فيما لا يمثل مشتركا مع الأطراف المشاركة، أو في كثير من الأحيان فيما يخرج الأجواء عن أصل الموضوع وأصل الهدف من ذلك البرنامج. فأتذكر مثلا عندما مر من أمام بيتي تشييع لشخصية تحضى باحترام لدى كل شرائح المجتمع، فخرجت لأشارك في التشييع، فإذا بالتشييع قد تحول إلى تظاهرة ولاء لتيار محدد. وكمثال آخر لتقريب الفكرة، عندما كنا في المهجر دعى الإخوة الإيرانيون إلى احتفال بمناسبة أسبوع الوحدة، ودعوا إلى الاحتفال شخصيات سنية وشخصيات شيعية ليست بالضرورة على نهجهم السياسي، فما كان إلا أن يكون مدير الحفل يحمل كل خصوصيات المضيفين، المذهبية والقومية والوطنية واللغوية والسياسية، والصور التي زينت قاعة الاحتفال كانت صور قادتهم، والشعارات عبارة عن أقوال لقادتهم دون قول لأية شخصية إسلامية من مذهب آخر، أو من بلد آخر، أو من خط سياسي آخر، وأعدوا بيانا سياسيا جاءهم من عاصمتهم، وطلبوا من الجمهور أن يكبر بعد تلاوة كل فقرة، وفرضوا على الحاضرين إعلان مطالبهم الخاصة وإعلان الولاء لدولتهم وقادتهم ونهجهم ونظريتهم السياسية. وهكذا يدعو البعض أطرافا إلى برنامج مشترك، فيكون شعار ذلك التيار هو الذي يتصدر القاعة. أو تخرج كما حصل كثيرا في المهجر تظاهرة لهدف محدد، فتأتي مجموعة تحشد جمهورها لتحرف التظاهرة عن هدفها إلى تظاهرة ولاء لتوجهها أو مطالبة بمطالبها التي لا علاقة لها بموضوع التظاهرة. ولا بد من وعي أن من مستلزمات الديمقراطية والأخلاق أن لا تفرض خصوصيات مجموعة من شعار أو هتاف أو صورة على الآخرين.  

 

المزايدات بالوطنية والإسلامية

هناك نوع من حرب نفسية في عملية المنافسة التي تـنأى قـليلا أو كثيرا عن النزاهة والموضوعية، فيزايد البعض على الطرف الآخر بوطنيته تارة أو بإسلاميته تارة أخرى، أو يزايد بالمرجعية، أو بالتدين، أو يزايد بحب أهل البيت (ع)، أو حب الحسين (ع) والشعائر الحسينية، أو بحب الزهراء (ع)، من أجل تمرير ممارسة، أو شعار أو فكرة أو مصلحة. أو يزايد البعض بالديمقراطية وبالوطنية وبالانتماء العراقي بدعوى احتكار الديمقراطية، أو احتكار العراقية، أو دعوى احتكار الشرعية أو غير ذلك، وغيرها من المزايدات المقرفة والمزعجة وغير الصادقة. والمزايدات غير الصادقة على الآخرين، والتي يراد منها إحراجهم أو تسقيطهم، من الأمور التي تـناقض الروح الديمقراطية، بل تـناقض روح الشرع والعقلانية والإنصاف والأخلاق.

 

ممارسة القمع المعنوي بحرب الشعارات

وهذا له ثمة علاقة بما مر ذكر آنفا، ولكن يجري ليس فـقط من خلال أسلوب المزايدات، بل بشتى أنواع الحرب النفسية والقمع الفكري للآخر. وأشهر تلك الأساليب هي حرب الشعارات بالاتجاه الإيجابي بما يختزن ذلك إيحاءات اتهام للآخر بعدم تجسيد ذلك الشعار، أو بالاتجاه السلبي بما يختزن اتهام الآخر تجسيد تلك السلبية كتهمة مفتراة يلمح بها إلى الآخر بما يقـترب كثيرا من التصريح. مورس هذا في التأريخ وفي العهود القريبـة الماضية ويمارس مثـله الآن على حد سواء، من قبيل شعار "أهل السنة والجماعة"، "الرافضة"، "ولاية الفقيه"، "ضد ولاية الفقيه"، "المرجعية القاعدة"، "خط الأحزاب"، "خط الحوزة والعلماء"، "مظلومية أهل البيت"، "الحوزة الكذائية" إيجابا أو "الكذائية" سلبا، "العمالة"، "المقاومة"، "الإسلام المحمدي"، "الإسلام الأصيل"، "الحزبية"، "المستـقلون" والقائمة تطول. إن حرب الشعارات وممارسة الضغط النفسي والتسقيط المعنوي من خلالها هو أسلوب من أساليب المتعصبين المتطرفين، أو الجهلة أو المتـنافسين بغير نزاهة، أو المفلسين. وهذا من الأساليب التي لا تـتعايش أبدا مع أخلاقية الديمقراطية، ثم هي من الناحية الأخلاقية تمثـل إما لونا من ألوان الكذب، أو الافتراء، أو فرض الرأي الخاص على الآخرين، أو تمثـل لونا من ألوان القمع الفكري، وهي بالتالي في كثير من الأحيان إفراز للتعصب وعقلية احتكار الحق وتسقيط وتكفير وتخوين الآخر.

 

المنهج التسقيطي بكيل الاتهامات المفتراة لمزا وتـلميحا

وهذا ما يجري، إما بالمزايدات المذكورة آنفا، أو بحرب الشعارات، أو اتباع الأساليب الإعلامية غير النظيفة وغير النزيهة. ويجري أحيانا بالتلميح وأخرى بالتصريح، وأصحاب هذا النهج لا يتورعون لا شرعيا ولا أخلاقيا من استخدام هذه الأساليب، فكل شيء مبرر عندهم، ما زال الهدف تسقيط الآخر، لأنهم لا يتحملون أصلا وجود آخر يعيش معهم على ساحة الوجود، فعندما لا يملكون أدوات التصفية الجسدية، أو يتورعون قليلا عن مثـل هذه الممارسات، يلجؤون إلى أسلوب التصفية المعنوية والاغتيال المعنوي.

 

الغلو في الشخص أو الحزب أو الفكرة

والغلو والتعصب والتطرف هو من أشد ما يتعارض ويتـقاطع مع الديمقراطية. وكما مر فإن هذا لا يمثـل تعارضا مع الديمقراطية فحسب، بل مع الأخلاق، مع العدل والإنصاف، مع الصدق، مع العقلانية، وليس أخيرا مع الشرع وأحكامه وقيمه. فـفرق بين أن يقـتـنع الإنسان بشيء بعمق ويتمسك بقـناعته بقوة، وبين الغلو والتعصب الذي ينتج عنه التعقد تجاه الآخر، ثم الضغينة والبغض تجاهه، وعقدة الكراهية والحقد هي نطفة العنف، والعنف هو الشوط الأول من أشواط الإرهاب.

 

إني لم أقصد طرفا محددا بأي شيء مما ذكرت، بقدر ما أشخص ممارسات يمارسها بعضنا أحيانا ولو ليس بالدرجة الصارخة التي تصل إلى مستوى التـلون باللون الأحمر في خط الخطر، بل قد تكون على نحو الاقتراب من الخط الأصفر المائل بدرجة ما للحمرة، مما يوجب الالتفات إليه والابتعاد عنه ومعالجته، فثمة من يمارسه ممن لا يحب أن يكون من المتطرفين أو اللاموضوعيين وغير المنصفين للآخر، ولكن يمثل ذلك ربما غفلة عن قيمه المتبناة، أو لونا خافتا من الازدواجية الذي يمكن أن يعالج إذا التفت إليه مبكرا قبل استفحاله واستحكامه وتجذره وتفشيه لا قدر الله.

 

11/03/2005

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::