لماذا الدعوة للعلمانية

هناك مجموعة مفردات تطرح بين حين وحين في الخطاب السياسي، ولعلي من الذين يكررون استخدامها، كـ«الوطنية»، «الديمقراطية»، «الليبرالية»، «العلمانية». صحيح إن البعض يستخدم الواحدة أو الأخرى من هذه المفردات للمزايدة دون الإيمان العميق بها، والبعض يستخدمها لأنها غدت مودة سياسية، وبعضهم يكررها دون معرفة ما تعني بالضبط.

ولعلي أكدت في الآونة الأخيرة - وبقصد - على مفردة «العلمانية» بالذات بشكل مكثف ومتكرر. وهذا ما أثار عند البعض تساؤلات، والبعض أثار الشبهات والاتهامات والغضب بسبب تأكيدي على العلمانية، وذلك بسبب خلفيتي الإسلامية من جهة، وبسبب شيوع فهم خاطئ عن العلمانية بمعنى مناوئة الدين من جهة أخرى.

كنت كتبت في شباط 2007 سلسلة من أربع حلقات بعنوان (العلمانية والديمقراطية والليبرالية بين الإسلام والإسلامسم)، وجاء فيه تعريف لمجموعة مصطلحات سياسية، منها العلمانية، أستغني عن تكرار ما ذكر في تلك السلسلة، وأكتفي بإشارة مقتضبة حول العلمانية، ذلك نشأت في فرنسا، وكانت تعبيرا عن رفض أي تأثير للكنيسة على مصالح الدولة، ودعوة إلى تبني مبدأ الفصل بين الكنيسة والدولة، وتحول لاحقا إلى الفصل بين الدين والدولة. وعملية العلمنة التي شملت كل أورپا، وأخذ بها العصر الحديث في أورپا، ثم في غيرها، لإحلال العلمانية، محل الفكر والرؤية الكونية المستمدين من الفهم الديني والمعايير الدينية، اللذين أخذا يتراجعان، لتحل محلهما الطريقة العلمية لتقييم الأمور، والتي أخذت تزداد أهميتها شيئا فشيئا. فالعَلمانية كانت نتاجا لتأثير التوجه الإنساني وللوعي المتناميين، واللذان يستندان على رؤية مفادها قدرة الإنسان على اتخاذ القرارات مستقلا، على ضوء العقل. وقد وقف معظم ولا نقول كل الإسلاميين موقفا رافضا بشكل حاد للعَلمانية، متوهما بعضهم، ومُدَّعيا البعض الآخر أن العَلمانية تعني معاداة الدين وإقصاءه، ليس فقط من ميدان السياسية، بل تهدف إلى إلغائه كليا من ساحة حياة الإنسان على وجه الأرض بكل ميادينها عموما، وهي إن هادنت المسيحية، بعد أن هجنتها، وروضتها، وأخضعتها للنظام اللاديني في أورپا، وربما رأت الكنيسة أيضا أن تسلم الأمر للعَلمانية، فلأن المسيحية لا تملك نظرية للدولة، واليوم - كما يذهب هؤلاء الإسلاميون – شكل كل من علمانية ومسيحية الغرب جبهة ضد الإسلام، الذي وجد الغرب (الكافر) ببعديه المسيحي (الصليبي)، والعلماني (المستعمر)، وجد فيه خطرا لا بد من مواجهته. وفي الحقيقة فإن العَلمانية لا تتخذ موقفا متحيزا لا سلبا ولا إيجابا، لا معاديا ولا مواليا من الدين، بل هي أقدر من النظم الدينية على رعاية الدين، من خلال ما تتبناه من حرية الاعتقاد وحرية الرأي، بينما لا تسمح النظم الدينية إلا بممارسة الدين وكذلك السياسة على مذاق وتوجه ومصالح السلطة الحاكمة المتلبسة بلباس قداسة الدين، رغم بشريتها التي تسمح للصواب كما للخطأ، وللعدل كما للظلم. إذن العَلمانية بما هي، لا عداء لها تجاه الدين إطلاقا، أما أن يكون بعض العَلمانيين المتطرفين لا يطيقون رؤية أي مظهر من مظاهر التدين، ويتمنون أن يروا العالم خاليا من الدين، فهذا الموقف لا يجوز أن يُحسَب على العَلمانية بما هي، ثم إن هذا الموقف المتطرف أو الحاد لبعض العَلمانيين المتطرفين منه ما يمثل عقدة نتجت كردة فعل تجاه التطرف الديني، فوقعوا هم في رد فعلهم في التطرف العَلماني من جانبهم، دون الالتفات أن التطرف على نقيض من العَلمانية، كما إنه على نقيض من الدين، وجاء نتيجة تعميم وإطلاق بعض التجارب، ومنه ما له مبرراته، من خلال التجربة القاسية التي دفعت الإنسانية ضريبتها غاليا جدا، فيما مارسته الأصولية المسيحية في القرون الوسطى والتي امتدت تأثيراتها حتى بدايات القرن العشرين، وكذلك فيما مارسته وتمارسه الأصولية الإسلامية من تطرف وعنف وإرهاب وطائفية وسلفية وتحجر وإيقاف لعجلة التطور والتقدم ومحاربة للحريات ولحقوق الإنسان. ثم تطرف الأصوليين الدينيين هو على الأعم الأشد والأكثر ضررا، فهو يقمع حتى حرية الدين نفسها كما مر. وهذا ليس ذنب الدين كدين، بل هو ذنب المتدينين الذي يفهمون الدين فهما مشوها، أو يمارسونه ممارسة متعسفة، أو خرافية، أو متطرفة، أو عنيفة، أو مغالية. فالدين في واقع البشر بشري الفهم وبشري الأداء، حتى لو ثبت باليقين القاطع أنه إلهي المصدر. والخطر يكمن عند إقحام الدين في السياسة أن تدعى العصمة الإلهية للجهل البشري، وتضفى صفات العدل الإلهي على الظلم البشري، فيستحيل تخطيء خطأ الجاهلين، لأنه إلهي مقدس، ويستحيل التمرد على ظلم الظالمين، لأنهم يظلمون بإرادة الله وبتفويض منه، ولذا فظلمهم عين العدل. أما إذا تعاملنا مع الفكر السياسي والقرار السياسي والأداء السياسي والموقف السياسي على أنه بشري حقا وليس إلهيا، من خلال تبني العَلمانية، فستتواصل عملية التصحيح والتقويم والنقد والمعارضة والتنافس والتداول السلمي. فالعَلمانية مساوقة للعقلانية ولحقوق الإنسان وللعلمية والمعاصرة، إذن هي منسجمة كل الانسجام مع جوهر الدين دون إغلاق باب التصحيح والتقويم لبشريتها ونسبيتها وسيرورتها التكاملية، كما هو الحال مع معظم دعاة الدين المُسيَّس. نعم ما يتحقق بالعَلمانية يمكن أن يتحقق مع الدين أيضا، ولكن ليس مع الدين المُسَيَّس الذي سرعان ما يتحول إلى استبداد يدمر ويفسد دين الله ودنيا الناس على حد سواء. وفي تصوري أن الدين وفق فهم إنساني عقلاني معتدل والعلمانية المحايد تجاه الدين والمحترمة له والمانعة من إقحامه في الشأن السياسي بما يضر السياسة والدين، ذلك الدين وهذه العَلمانية يمكن لهما أن يتعايشا، كل يتحرك في ميادين حركته الطبيعية له.

ولذا فإني إنما بدأت بشكل مكثف أطالب بدستور علماني، ودولة علمانية، وتحالف للعلمانيين، بسبب ما أدت إليه قوى الإسلام السياسي في العراق إلى ما فيه خراب الوطن وخراب الدين، من عنف وتطرف وطائفية واقتتال وتنافس غير متكافئ وغير نزيه ومخالف لمبادئ الديمقراطية ومبادئ الدين، لأنني وجدت أن العلمانيين ظلوا يراوحون في مكانهم ولا يجرؤون في طرح مشروعهم الوطني/الديمقراطي/العلماني،الليبرالي. فإن العراق لأحوج ما يكون إلى ظاهرة أتاتوركية ولا أقول إلى أتاتورك كفرد، لأن مشروع الفرد الزعيم أو القائد أو الرمز يختزن خطر ديكتاتورية جديدة، بل أن يكون هناك تيار وظاهرة ثقافية وتوجه سياسي يؤسس للأتاتوركية العراقية أو الأباعراقية*، مع إبعاد الجانب المتطرف من أتاتوركية تركيا في بعض مواقفها المتشنجة أكثر من المعقول، كالموقف الحاد من الحجاب، فنحن في الوقت الذي نرفض إجبار المرأة على لبس الحجاب، كما فعلت إيران والطالبان في أفغانستان وقوى الإسلام السياسي المتطرفة في العراق، نرفض أيضا إجبار المرأة على نزع الحجاب.

قد يقول قائل أن كل النظم الديكتاتورية في العراق وفي عموم المنطقة كانت نظما علمانية، فأقول إن العلمانية التي نقصدها وندعو إليها هي العلمانية المقترنة بالديمقراطية والمشروطة بشرطها، ولا تعني النظام غير الديني، بقطع النظر عما إذا كان ديمقراطيا أو كان ديكتاتوريا. أما إذا قيل أن النظام الإسلامي يمكن أن يكون هو الآخر مشروطا بشرط الديمقراطية، فأقول إن الديمقراطية ليست مجرد استخدام لبعض آليات الديمقراطية أو حتى لأكثرها، بحيث يتأتى حتى للذي هو في العمق كافر بالديمقراطية أن يتحين فرص الانقضاض عليها بآلياتها هي. وحيث أن المقارنة هنا ليست بين العلمانية والإسلام كإسلام، لأن هناك رؤية شرعية معتبرة تقول بشرعية الديمقراطية حتى لو أدت نتائجها مخالفة بعض ثوابت الإسلام، بل المقابلة هي بين العلمانية والإسلام السياسي على وجه التحديد، مع إن الإسلام السياسي يتعارض مع جوهر الإسلام على ضوء رؤية إسلامية معتبرة، وحيث أن الإسلام السياسي الذي يعتمده 90% من الإسلاميين لا يؤمن بالعمق بالديمقراطية، ولا بمنظومة حقوق الإنسان، ولا بمواكبة العصر، ولا بحرية الرأي وحرية العقيدة وحرية التعبير، ولا بالمساواة التامة بين الرجل والمرأة، فهو يشكل خطرا يهدد المشروع الديمقراطي، وبالتالي فما العلمانية التي ندعو لها إلا بمثابة التحصُّن والتوقـّي من هذا الخطر، ومن هنا تكون العلمانية ضامنة الديمقراطية وحاميتها، كما وتكون حاضنة الدين وخادمته أكثر مما يكون الإسلام السياسي في خدمة الدين وحمايته، لأن الإسلام السياسي يهدد أسس الديمقراطية والعقلانية، وهذا من شأنه أن يسيء للدين نفسه لتقاطعه مع جوهر الدين، ولأنه يكون عامل تنفير من الدين، كما لمسناه كردة فعل تجاه التطرف الديني والسياسي لقوى الإسلام السياسي في إيران والآن نجد هذه الظاهرة أو لا أقل بداياتها ومؤشراتها في العراق، ومن هنا يطرح البعض على ضوء نظرية المؤامرة - وهنا عن صحت فمؤامرة إيجابية – هو إن الأمريكان هم الذين خططوا لهيمنة التيارات الإسلامية المتطرفة ولتغلغل التدخل الإيراني، كي يصل التذمر إلى ذروته فينقلب الناس أنفسهم على الإسلام السياسي، ويرفضونه كليا، ويكونون متطلعين إلى نظام علماني، حتى لو تبنى الراديكالية العلمانية.

ومن مرجحات النظام العلماني هو إن أي رؤية سياسية علمانية إنما تمثل فكرا بشريا، وبالتالي نسبيا وقابلا للخطأ وبالضرورة قابلا للنقد، بينما الفكر الديني - خاصة السياسي منه - بالرغم من أنه أيضا بشري ونسبي وقابل للخطأ، إلا أنه ومن حيث أن أصحابه ينسبونه للدين نفسه، فيكون الفكر الديني البشري مساوقا للدين الإلهي عندهم، يكون نقده محرما دينيا، ومن هنا تصادر حرية الرأي السياسي منه والثقافي، وتصادر حرية العقيدة، وتقمع سائر الحريات باسم الدين، وحتى لو كان قمع تلك الحريات مخالفا للدستور، فبهيمنة قوى الإسلام السياسي على المشهد السياسي والثقافي، وقدرتها على استغفال الجماهير المتدينة تدينا عاطفيا وتضليلها، تقمع عمليا الحريات التي ضمنها الدستور نظريا، وبمرأى من الدستور، دون قدرته على منع الخروق التي تلحق بأسسه، وذلك ليس عبر قوة السلطة لحكومة ما بالضرورة، وإنما بقوة السلطة الجماهيرية، حتى لو كانت الجماهير المسخرة عاطفيا من قبل الإسلام السياسي لا تمثل الأكثرية، لكنها بحماسها وعنفها وصخبها تكون غالبا أمضى تأثيرا في الواقع من الأكثرية العاقلة الصامتة، مع إن صمت هذه الأكثرية قد لا يعبر بالضرورة عن لاأباليتها، بل هو بسبب عدم ميلها لاستخدام نفس آليات الطرف الصاخب من عنف وغوغائية وهيجان لاعقلاني. ولو إننا في حاجة إلى توظيف الجماهير العاقلة المعتدلة الوطنية والمؤمنة بالمشروع الوطني الديمقراطي الرافض للطائفية ولتسييس الدين، وفي حاجة إلى توعية وطنية لها، بضرر اللامبالاة السياسية، وذلك عند توفر الحد الأدنى من الأجواء الأمنية، لأننا نأبى أن تراق دماء من أجل الوصول إلى أهدافنا، فخير لنا أن يطول الطريق، من أن نحاول استعجال قطف الثمار ولكن عبر الدم، لا من خلال أننا سنلجأ إلى القبول بإراقة دم أحد من خصومنا الذين هم إخواننا في المواطنة، بل من خلال تهيئة الأرضية ليمارس العنفيون أعمال إراقة الدماء.

 هذا وغيره كثير يرجح العلمانية ترجيحا وطنيا، وديمقراطيا، وعقلانيا، ودينيا، وإنسانيا.

 30/05/2008

*: أتاتورك أو بالأصح أتاتـُِرك (وضع حركتي الضمة والكسرة على التاء محاولة لتقريب اللفظ التركي للكلمة، حيث إن الحرف الصوتي ü الذي يلي كلمة تـُرك في كلمة Atatürk هو صوت مزيج بين الضمة والكسرة، وهو غير ممدود هنا بل قصير اللفظ) أقول أتاتورك هذه أو أتاتـُرك أو أتاتـُِرك معناها (أبو الأتراك)، ولذا نحت من عبارة (أبو العراقيين) الأباعراقية كما تشتق الأتاتوركية من أتاتورك.

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::