الفيدرالية كانت وما زالت موضع جدل، وتنوع في الرؤى والمواقف بين الأطياف السياسية العراقية، ليس الآن، ولا منذ نيسان 2003، بل يرجع الجدل حول هذه الموضوع إلى مؤتمرات المعارضة في مطلع التسعينات، بل إلى بداية الثمانيات. واليوم نقف أمام حاجة لمناقشة القضية مناقشة موضوعية متجردة بعيدا عن الشعارات والمزايدات والحسايات والمواقف المتقولبة، وذلك ليس مناقشة نظرية مجردة، بل على ضوء التجربة. ولكن قبل هذا لا بد من المرور السريع على خلفية الجدل الفيدرالي العراقي للعقود الثلاثة الماضية.
في مطلع الثمانينات انفردت جود (الجبهة الوطنية الديمقراطية) وجوقد (الجبهة الوطنية والقومية الديمقراطية)، أي المعارضة العلمانية، بتبني مبدأ الفيدرالية، فكانت من أولويات شعارات القوى الكردية واليسارية، وانطلق الشعار المعروف (الديمقراطية للعراق والفيدرالية لكردستان)، والذي لم ينسجم معه في البداية الإسلاميون، لعله بسبب الموقف المعادي لإيران ما بعد ثورة الخميني تجاه مفهوم الفيدرالية الذي نادى له أحد كبار مراجع الثورة وهو شريعتمداري، مما اعتبر موقفا مناوئا لمبادئ الثورة، التي تمثل رؤى الخميني وحده، والتي كان يعتبر أي خروج عنها مناوءة للثورة الإسلامية، وحيث كانت الأحزاب الإسلامية المعارضة (الشيعية بشكل خاص) ترى تكليفها الشرعي ألا تتقاطع مع رؤى الثورة الإسلامية وبالأخص مع رؤى الولي الفقيه واجب الطاعة، على أقل تقدير حسب قناعة معظم هذه الأحزب آنذاك، لم تكن منسجمة مع أطروحة الفيدرالية للعراق. ولكن حتى شعار القوى الكردية وقوى اليسار العراقي (الديمقراطية للعراق والفيدرالية لكردستان)، اقتصر على المطالبة بالفيدرالية كما نرى لكردستان خاصة، وليس لعموم العراق، ومن المفارقات أن هذا ما كانت تطالب به قوى الطيف السني العربي في اللجنة الدستورية عام 2005، أي جعل الفيدرالية لكردستان فقط.
ولكن الموقف المشار إليه آنفا للأحزاب الإسلامية قد تغير تدريجيا بعدما أصبحت تلتقي في إطار مشاريع معارضة جامعة مع الأحزاب العلمانية، ابتداءً المتمثلة بالحزبين الكرديين والحزب الشيوعي والجناح المعارض من حزب البعث الموالي لحزب البعث الحاكم في سوريا، وذلك منذ انبثقت لجنة العمل المشترك لقوى المعارضة العراقية وما أعقبها من مؤتمرات في بيروت وڤينا وأربيل ومشاريع معارضة انبثقت عنها. وتحديدا في مؤتمرات المعارضة التي أعقبت انتفاضة 1991، اضطر الإسلاميون للقبول بمبدأ الفيدرالية، منهم من اقتنع بها، ومنهم من بقي غير مقتنع بها في العمق، ومنهم من استحصل على ضوء شرعي أخضر من الولي الفقيه أو ممثليه الشرعيين الذين كانوا بمثابة حلقة الوصل بين الإسلاميين العراقيين والولي الفقيه للقبول بها. وعندما اقتنع حزب الدعوة مثلا بالفيدرالية كتان ما زال محمد مهدي الآصفي الناطق الرسمي للحزب آنذاك، والممثل الحالي للولي الفقيه الحالي علي خانئي في النجف، وحده يعترض على الفيدرالية، بل يرجح القبول – وعن مضض – بالحكم الذاتي، ليس أكثر.
وبعد سقوط النظام ودخول معارضة المهجر للعراق، ظهرت مؤشرات التردد في موضوعة الفيدرالية عند الإسلاميين مجددا، وتجلى هذا التردد أو قل التراجع، بالجهد فوق العادة الذي بذله المجلس الأعلى، للحيلولة دون تسمية العراق باسم (جمهورية العراق الاتحادية)، ومن أجل تحقيق ذلك طرحوا تسمية (جمهورية العراق الإسلامية الاتحادية)، وضغطوا على كل الإسلاميين في اللجنة الدستورية لدعم هذا المطلب، وكنت حينها المعارض الوحيد في القائمة، وعندما سألت مستغربا ومستنكرا مبرر هذه الدعوة، قال لي أحدهم، إن طرح إضافة (الإسلامية) لاسم الدولة، هو مجرد للمساومة، وسنتنازل عنه، عندما تتنازل أحزاب التحالف الكردستاني عن توصيف الدولة العراقي بـ(الاتحادية)، فأثار هذا عندي المزيد من الاستغراب والاستنكار. ولكن سرعان ما تغير الموقف عندما تبنى المجلس الأعلى الفيدرالية بقوة وحماس، ودعا إلى تشكيل الإقليم الشيعي الكبير ذي التسع محافظات، وأصبح من أشد دعاة الفيدرالية، وبأقصى الاختصاصات للأقاليم.
ثم هناك لدينا تجربة إقليم كردستان التي لا تخلو من تسجيل ملاحظات عليها، وذلك باتجاهين، باتجاه تطبيقات الإقليم للفيدرالية، وباتجاه الملاحظات التي تسجل على مدى ديمقراطية التجربة. وحيث إن هذه المقالة تتناول موضوعة الفيدرالية على وجه الخصوص، نقتصر على هذا الجانب، ولو إن الفيدرالية ينبغي ألا تنفك عن الديمقراطية بأي حال من الأحوال.
أما القوى السياسية السنية التي قاطعت العملية السياسية في البداية، ثم التحق ممثلون عنها بخمسة عشر عضوا في اللجنة الدستورية الموسعة، فكان موقفهم على الأعم الأغلب غير منسجم مع مبدأ الفيدرالية، أو كانوا يطالبون بجعل الفيدرالية قائمة على أساس قومي فقط، وذلك بجعل العراق إقليمين، إقليم كردستان، وإقليم العراق العربي، أو عراق ما هو خارج كردستان. وبعض قوى مكون السنة العرب كان يطالب بالإقرار للكرد بالفيدرالية، وجعل بقية العراق ضمن الدولة المركزية، التي تتمتع محافظاته بشيء من اللامركزية الإدارية وترتبط بالعاصمة، ومن هنا قلت في البداية إنهم – ومن المفارقة – التقوا هنا مع شعار المعارضة الكردية-اليسارية للثمانينات بطرح مطلب الفيدرالية لكردستان.
واليوم نجد مواقف لقوى سياسية وأوساط شعبية عراقية عربية أو غير كردية أكثر تحفظا من الفيدرالية، بل هناك مواقف رافضة لها، وتدعو إلى الاقتصار على الإدارة اللامركزية للمحافظات. وباعتبارنا فصيلا من فصائل التيار الوطني الديمقراطي الليبرالي وجدنا في ائتلافنا (الائتلاف الديمقراطي) نوعا من التفاوت الطفيف، وليس الحاد، في رؤى الأطراف المشاركة تجاه الفيدرالية، وتجاه تجربة كردستان، لذا وجدنا من الضروري أن نبلور رؤية جامعة، أدرجناها في وثيقة عهد الشرف الداخلية للائتلاف. جاء في الفقرة الثامنة من هذه الوثيقة:
بالنسبة لموضوعة الفيدرالية فيعتمد «الائتلاف الديمقراطي» القواسم المشتركة الآتية:
أ- يتبنى «الائتلاف الديمقراطي» مبدأ توزيع السلطات بين المركز والأقاليم والمحافظات وعدم العودة إلى حصر السلطة في الحكومة المركزية.
ب- يبقي «الائتلاف الديمقراطي» الباب مفتوحا أمام خياري تشكيل الأقاليم من محافظة أو أكثر، أو اعتماد إدارة لامركزية للمحافظات.
ت- يقف «الائتلاف الديمقراطي» مع الفيدرالية، أو مع أي صيغة للإدارة اللامركزية، التي من شأنها أن تحفظ للعراق وحدته أرضا وشعبا وسيادة.
ث- يرجح أكثر أطراف «الائتلاف الديمقراطي» تأجيل تشكيل الأقاليم لحين توفر الأرضية والأجواء المناسبة لذلك.
ج- لا يمانع «الائتلاف الديمقراطي» من دعوة بعض أطرافه إلى تشكيل إقليم، إذا تحركت الدعوة في إطار هذه القواسم المشتركة.
ح- يرى الائتلاف ضرورة أن يراعى في تشكيل الأقاليم، إذا ما شكلت أو شكل بعضها، بألا تكون على نحو يكرس الطائفية.
خ- يدعم الائتلاف النظام الاتحادي في العراق بما يضمن وحدته أرضا وشعبا وسيادة وفق القواعد الدستورية، ويعارض تشكيل الأقاليم بما يكون مقدمة لتجزئة العراق، أو يمس بوحدته من الناحية العملية، أو بما من شأنه إضعاف السلطات الاتحادية بما يفقد الدولة هيبتها.
د- . يتبنى الائتلاف إرساء العلاقات بين المركز على أسس دستورية بعيدا عن التهميش والإقصاء، مما قد يوجب إعادة النظر في المعادلة فيما هي العلاقة بين إقليم كردستان والحكومة الاتحادية.
ذ- يعتمد الائتلاف الإقرار بثمة خصوصية لإقليم كردستان فيما هي اختصاصات الإقليم، على ألا يعمم ذلك بالضرورة على بقية الحكومات المحلية، سواء على صعيد الأقاليم التي قد يجري تشكيلها مستقبلا، أو على صعيد المحافظات.
ر- يدعو الائتلاف إلى وجوب مراعاة التوزيع العادل للثروات الوطنية.
ز- تحتفظ بعض أطراف „الائتلاف الديمقراطي» بحقها في التحفظ على المادة 140 من الدستور كأرضية صالحة لحل مشكلة كركوك، ولكنها تلتزم بلوازمها ما لم يجر التوصل إلى اتفاق على تعديل المادة المذكورة، أو توافق بين الأطراف المعنية على آلية أخرى للحل.
قبل تناول شرح بعض الفقرات أعلاه، لا بد من التنويه إلى أمرين مهمين:
1. النص أعلاه في الوثيقة الداخلية للائتلاف ليس نهائيا، ولكنه أقر على النحو العام، ولم يبد طرف في الائتلاف ملاحظة مهمة عليه.
2. هذه المقالة لا تمثل بالضرورة موقفا رسميا للائتلاف الديمقراطي، بل هي رؤية سياسية شخصية، لكنها لا تبتعد عن التوجه العام لمتبنيات الائتلاف.
والآن أحب أن أتناول بعض ما مر بشيء من التفصيل أكثر:
مبدأ رفض حصر السلطات في الحكومة المركزية، أو لنقل مبدأ الإدارة اللامركزية، هو من مستلزمات الديمقراطية، من هنا لا بد أن يكون هذا المبدأ بقطع النظر عن التفاصيل أمرا محسوما، على أقل تقدير هو محسوم عندنا كتيار ديمقراطي علماني ليبرالي. ولكن لا بد من القول إن طبيعة الإدارة اللامركزية أو طبيعة الفيدرالية ستتخذ ملامحها بالتدريج عبر التجربة الذاتية مستفيدين من تجارب من سبقنا من الدول الفيدرالية أو ذات نظم الإدارة اللامركزية، دون استنساخها بالضرورة، كما نمت وتطورت النظم اللامركزية في كثير من الدول بالتدريج حتى اتخذت ملامحها النهائية، وما زالت تنمو وتتطور، فهي إذن ليست نهائية بشكل قطعي. من هنا تبنينا أن لا بد من إبقاء الباب مفتوحا أمام خياري تشكيل الأقاليم من محافظة أو أكثر، أو اعتماد إدارة لامركزية للمحافظات. وهذا الذي يجعلنا نقف مع الفيدرالية، أو مع أي صيغة للإدارة اللامركزية، التي من شأنها أن تحفظ للعراق وحدته أرضا وشعبا وسيادة، وتحترم التنوع القومي والثقافي، دون اعتماد البعد المذهبي أو الطائفي.
02/08/2009
وجهة نظر عراقية في الفيدرالية 2/2
ضياء الشكرجي
dia.alshakarchi@yahoo.de
www.nasmaa.com
ولعل للقول بترجيح تأجيل تشكيل الأقاليم لحين توفر الأرضية والأجواء المناسبة لذلك ما يبرره ويدعمه، لأن الاستعجال قد يؤدي إلى خيارات لا تخلو من اختزان بذور مشكلة مستقبلية. وعلى سبيل المثال، لو كانت الدعوة إلى تشكيل الإقليم الشيعي الكبير قد حققت نجاحا على نحو القبول ثم التمرير في لحظة حماسية تغيب فيها الحسابات الدقيقة لما يمكن أن يترتب على هكذا أطروحة، من غير شك كان ذلك سيمثل سابقة سيئة بتكريس الطائفية وتقسيم العراق إلى أربعة عراقات، عرق كردي، وعراق شيعي، وعراق سني، وعراق مختلط يكون قد زرعت فيه بذور النزاع العرقي والطائفي، إضافة إلى مخاطر أخرى، منها وأهمها تكريس النفوذ الإقليمي للجارة الشرقية، وتأسيس إقليم على أساس فكري شمولي يتعارض مع مبادئ الديمقراطية.
ومع ترجيح التأجيل المشار إليه آنفا، قلنا أننا يجب ألا نمانع كائتلاف من دعوة بعض أطرافنا إلى تشكيل إقليم، إذا تحركت الدعوة في إطار هذه القواسم المشتركة. وشخصيا كنت وما زلت من المؤمنين بالنظام الفيدرالي، ولكن الكلام في التفاصيل. فمثلا قلنا إنه لا بد من أن يراعى في تشكيل الأقاليم، إذا ما شكلت أو شكل بعضها، بألا تكون على نحو يكرس الطائفية.
ولوجود مخاوف عند الكثيرين من معارضي الفيدرالية أو المتحفظين عليها، من أنها قد تكون مقدمة لتقسيم العراق، أو هي نوع من أنواع التقسيم، أو قد تؤدي إلى إضعاف الدولة المركزية، وتفقدها هيبتها، أو قد تكون مجحفة اقتصاديا ببعض أجزاء العراق الفقيرة نسبيا في ثروتها الطبيعية، تبنينا في الائتلاف الديمقراطي دعم النظام الفيدرالي، بما يضمن وحدة العراق أرضا وشعبا وسيادة، وعبرنا عن معارضتنا لتشكيل الأقاليم بما يكون مقدمة لتجزئة العراق، أو يمس بوحدته من الناحية العملية، أو بما من شأنه إضعاف السلطات الاتحادية، على نحو يفقد الدولة هيبتها، باعتبار إن السلطات الاتحادية هي المعبرة عن هوية الدولة، دون أن يعني ذلك القبول بالعودة إلى الدولة المركزية. من هنا قلنا لا ينبغي للدولة المركزية أن تؤكد مركزيتها بما يؤدي إلى التهميش أو الإقصاء لأي مكون من مكونات الشعب العراقي، أو يخل بمبدأ المشاركة، كما أكدنا تبنيَّنا لمبدأ التوزيع العادل للثروات.
ولما مر اعتمدنا مبدأ إرساء العلاقات بين المركز على أسس دستورية بعيدا عن التهميش أو الإقصاء. وفي نفس الوقت شخصنا ضرورة لإعادة النظر في المعادلة فيما هي العلاقة بين إقليم كردستان والحكومة الاتحادية. فالمعادلة حسبما نرى، وأرى شخصيا، بين الإقليم والاتحاد علاقة مختلة، فمع وجوب – نعم أقول وجوب - الإقرار بخصوصية كردستان، أو كما عبر الائتلاف في وثيقة العهد بثمة خصوصية لإقليم كردستان، فيما هي اختصاصات الإقليم، هذه الخصوصية لا يكون من الصحيح تعميمها بالضرورة على بقية الحكومات المحلية، سواء على صعيد الأقاليم التي قد يجري تشكيلها مستقبلا، أو على صعيد المحافظات. أما لماذا نرى أو أرى المعادلة المذكورة مختلة، فهو إن القوى السياسية الكردية الماسكة بالسلطة، لأن هناك قوى كردية لها رؤية أخرى، قد عملت إلى رفع مبدأ حصر صلاحيات إدارة الإقليم بالسلطات الإقليمية إلى السقف الأعلى، والحيلولة دون أدنى تدخل من السلطات الاتحادية في شؤون الإقليم حتى لو كانت ذات أثر يعتد به على شؤون الدولة الاتحادية، عاملة بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية فيما هو معتمد في العلاقات بين الدول، لا بين أقاليم دولة واحدة، حتى لو كانت فيدرالية، هذا من جانب، ومن جانب آخر رفعت المشاركة المتكافئة والمتساوية إلى ما فوق التكافؤ في إدارة الدولة الاتحادية كذلك إلى السقف الأعلى. وهذه معادلة تفتقد إلى التوازن، وبالتالي فهي مختلة بشكل واضح.
لكننا في الوقت الذي نشير فيه إلى اختلال هذه المعادلة، نرفض مبدأ عدم الإقرار بثمة خصوصية للكرد ولإقليم كردستان. والذين يرفضون الإقرار بهذه الخصوصية، ينطلقون فقط من واقع كون الكرد لا يمثلون إلا 17% أو أي نسبة أخرى، ويغمضون الطرف أمام واقع أن أكراد العراق إنما هم جزء من أمة كردية مترامية الأطراف، تمتد شرقا وشمالا وغربا، وأن الكرد كما عبرت مرارا يملكون مقومات أمة ومقومات كيان دولة. وإذا حرموا من ذلك، فلا بد من الإقرار لهم بخصوصية في إطار الدول الأربع التي يعيشون فيها. وحيث إننا نتكلم عن العراق، لا نريد بحث موضوع أكراد إيران وتركيا وسوريا، مع إيماننا بحق تقرير المصير للشعوب، ونقتصر على القول إن أكراد العراق لهم حق التمتع باستحقاقات خصوصيتهم، ضمن اتحاد اختياري. ولكن في نفس الوقت نحن كديمقراطيين ليبراليين، وإن كنا لا نعادي الفكر القومي، ولكننا لا نتبناه كقاعدة لبرامجنا ورؤانا وفلسفتنا السياسية، من هنا نجد أنه من غير الصحيح الإفراط في الاستغراق في الفكر القومي الكردي، كما قلنا من قبل وما زلنا أن لا بد من الابتعاد عن الإفراط في الاستغراق في الفكر القومي العربي، دون إنكار حقيقة انتماء العراق إلى محيطه العربي، بحكم أن الأكثرية الإثنية في العراق عربية، هذا الواقع، أي واقع هذه الأكثرية الذي لا ينبغي أن يكون على حساب مبدأ أن العراق متنوع القوميات، كما هو متنوع الأديان والمذاهب. لذا نحن لا نستعمل مفردات أدبيات التيار القومي، كالقول إن العراق جزء لا يتجزأ من الأمة العربية، بل نعبر عن ذلك بأنه منتم إلى محيطه العربي، ونؤكد هذا الانتماء. وهذا لا يرضي التيار القومي العربي، كما لا ترضي بعض متبنياتنا التيار القومي الكردي، فنحن في الوقت الذي نحترم فيه رؤى التيارات السياسية والفكرية الأخرى، نؤكد بعدي الإنسانية والمواطنة، أكثر مما نعتمد البعد القومي والديني والمذهبي والقبلي، لأننا نؤمن بالدولة المدنية، دولة المواطنة، دولة الإنسان، دولة روح العصر والحداثة، القائمة على أسس الوطنية والديمقراطية والعلمانية التي تحترم الدين وترفض تسييسه، والليبرالية المقترنة بالعدالة الاجتماعية.
أما القضية الحساسة جدا، والتي قد يتهرب البعض من تحديد موقف تجاهها، إذا لم يكن معنيا بها بشكل مباشر، أو لم يكن في وضع يوجب عليه تحديد الموقف، فهي قضية كركوك والمادة 140 من الدستور المعنية بالمناطق المختلف عليها، أو كما عبر الدستور المتنازع عليها، مع تحفظي شخصيا على مصطلح (المتنازع) هذه. في وثيقة العهد للائتلاف الديمقراطي ثبتنا أن بعض أطراف الائتلاف «تحتفظ بحقها في التحفظ على المادة 140 من الدستور كأرضية صالحة لحل مشكلة كركوك، ولكنها تلتزم بلوازمها ما لم يجر التوصل إلى اتفاق على تعديل المادة المذكورة، أو توافق بين الأطراف المعنية على آلية أخرى للحل.» وهنا أحب أن أستعير من الصديق الأستاذ أحمد عباس أحد أعضاء الأمانة العامة للائتلاف الديمقراطي قوله، أن هناك ثمة مفارقة عند القوى المتمسكة بالمادة 140، مع إن هناك قوى سياسية كردية ترى غير ذلك، والمفارقة تكمن، أن نفس هذه الأحزاب الكردية قد أصرت على وجوب اعتماد (التوافقية) لمعظم القضايا الحساسة لعراق ما بعد 9 نيسان 2003، بينما في نفس الوقت ترفض تطبيق هذا المبدأ على قضية كركوك. ومنه أيضا أستعير اعتراضه على مبدأ أن كردستان تمتد أينما وجد الأكراد في العراق، بقوله هل من المعقول عندما جرى تقسيم القارة الهندية مثلا أن تطالب الپاكستان بحقها في أن تمتد أينما وجد المسلمون في أعماق الهند؟
لو تبين أن أكثرية أهالي كركوك يرديون أن تلحتق كركوك بكردستان، فلا نملك إلا احترام إرادتهم، وليس عن مضض بل عن طيب خاطر، لأن احترام إرادة جماهير الشعب من أولى مبادئ الديمقراطية التي نعتمدها. ولكن في مثل هذه القضايا الحساسة، والتي تلاقي رفضا شديدا من أوساط هي الأخرى ليست قليلة من نفس أهالي كركوك، لا يمكن اعتماد أكثرية النصف زائدا واحد، بل لا بد من أن تكون أكثرية غالبة بشكل كبير جدا، فكما احترم العراق الجديد إرادة 17% من الشعب العراقي وهم الأكراد، لا بد للأكراد من احترام إرادة الـ 17% أو أي نسبة يعتد بها من أهالي كركوك، والسعي الجاد والمسؤول لإيجاد صيغة توافقية ترضي أكراد كركوك وتركمانييها وعربها على حد سواء.
02/08/2009
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::