استراتيجية الخلاص .. لا خلاص إلا بالديمقراطية

مرت البشرية بعصور كانت تنتظر فيها الخلاص من السماء، فيبعث الله الأنبياء مخلصين. ولكن عندما بلغت البشرية سن الرشد، أراد لها الله أن تبحث عن سبل الخلاص من محنها وأزماتها في تجربتها الإنسانية الطويلة، وعلى ضوء قيم ومثل رسالات السماء، فختمت المسيرة النبوية وانقطع وحي السماء عن الأرض، ليكمل الإنسان مسيرته ويصوغ حاضره ومستقبله مستوحيا تلك الصياغة من قيم تلك الرسالات، ومن كل تلك التجربة الإنسانية الطويلة التي صنعها بالفكر والدماء والدموع، وبالكلمة التي هي النتاج الإنساني الأسمى.

 

فاليوم أي بين لحظة ختم النبوات والرسالات السماوية، ولحظة ظهور مخلص في الشوط الأخير من مسيرة الإنسان، لا نحتاج إلى مخلص من السماء، بقدر ما نحتاج إلى أن نوظف تجربتنا الإنسانية مستنزلين قيم السماء إلى واقع الأرض، كي نسير باتجاه الخلاص من كل ما نحن فيه من أزمات وظلمات وكوارث تعيشها مجتمعاتنا، مع إن التجربة الإنسانية الأرضية تمثل المشترك بين أبناء الأرض، بينما رسالات السماء تختص بمن يؤمن بإلهية مصدر تلك الرسالات دون غيرهم.

 

وبالنتيجة لا يتأتى لمجتمع أن يسير باتجاه الخلاص، إلا إذا أقام نظاما صالحا تتقوم وتصلح به الحياة. ولطالما اتخذت الإيديولوجيات السياسية – سماوية المصدر كانت أو سماوية وإلهية المدعى، أم أرضية بشرية - مقولة أنها تملك الحل وأن بها الخلاص؛ من قبيل مقولة «الإسلام هو الحل»، «الاشتراكية هي الحل»، «المقاومة هي الحل»، وإلى غير ذلك مما يفترض أن يكون الحل فيه. ومن هنا يمكن أن تكون مقولة «الديمقراطية هي الحل» ليست إلا واحدة من كل تلك الحلول، أو مدعيات الحلول. وهذه المقولة أو الدعوى مستبطـَنة في الشق الثاني من عنوان هذه المقالة «لا خلاص إلا الديمقراطية». وكاتب هذه المقالة، وهو من يفترض به أن يكون إسلامي الفكر، يدعي صدق هذا العنوان. ولعل كثيرا من الإسلاميين الآخرين يتساءلون كيف يمكن أن يكون الخلاص بالديمقراطية، ولا يكون الخلاص بالإسلام، الذي يمثل رسالة السماء، وخلاص الإنسان وسعادته في الدنيا والآخرة.

 

وقبل أن أحاول الإجابة على هذا التساؤل، دعونا نتناول ما المقصود بألا خلاص إلا بالديمقراطية. وليكن مثالنا في ذلك العراق، والذي من خلاله نحاول بدءً بيان ما هي المفردات المعنية بالخلاص الذي يرتجى للعراق.

الخلاص من الطائفية والعنصرية:

الطائفية والعنصرية يمثلان أخطر ما يهدد المشروع الوطني، وكلما حققت الديمقراطية نجاحا جديدا، كلما تأصل مبدأ التعددية السياسية، وحل محل المحاصصات القائمة على الأسس المذهبية والقومية، وكلما حل الانتماء إلى الهوية الوطنية محل التخندق الطائفي والعرقي.

الخلاص من الفساد الإداري:

معروف لدى الجميع كم يملك الفساد الإداري المستشري في كل مفاصل الدولة ومؤسساتها من طاقة تخريبية ومن عائق كبير أمام المشروع الوطني برمته. أما سؤال ما علاقة الديمقراطية بالفساد الإداري، فيجاب عليه بأن من لوازم النظام الديمقراطي هو تسييد القانون، ومن هنا سيكون في ظل نظام ديمقراطي حقيقي كل مواطن، بدءً من المتبوئ لأعلى موقع للمسؤولية في الدولة، وانتهاءً بأبسط مواطن، خاضعا لمساءلة القانون؛ القانون الذي يكون مسؤولا عن حفظ حقوق كل المواطنين من أي انتهاك، بقطع النظر من يكون مصدر الانتهاك، وحفظ الصالح العام والمال العام، بقطع النظر ممن جرى التجاوز عليهما. ومن هنا فالحياة البرلمانية الحقيقية، وضلوع البرلمان بواحدة من أهم مهامه ألا هي المهمة الرقابية، وتفعيل دور القضاء النزيه، واستقلال القضاء عن السلطة التنفيذية، الذي هو من لوازم الديمقراطية، وتعميق الوعي الديمقراطي والوعي الانتخابي للمواطن، كي ينتخب الأنزه والأكفأ، كل ذلك سيساهم ولو بعناء ومشقة وجهد جهيد في استئصال هذا السرطان المدمر.

الخلاص من الإرهاب:

نجاح مشروع التحول الديمقراطي سيسهم من غير شك في تجسير الثقة بالتدريج، وينجح العملية السياسية من خلال مشاركة جميع القوى السياسية وجميع مكونات المجتمع، وبالتالي سيسهم ذلك في عزل الإرهاب وتطويقه ووضعه في الزاوية الضيقة لمعاداة كل قوى الشعب العراقي، وهذا سينهي حالة التعاطف السلبي غير المعلن من قبل بعض القوى بالتدريج، هذا مع استكمال شروط بناء دولة المؤسسات، والتي من شروطها امتلاكها أجهزة قوية لحفظ الأمن، كل ذلك سيضيق من فرص الإرهاب حتى يجعل نهاية له ولو بعد حين وبمشقة كبيرة وبتضحيات جسيمة.

الخلاص من العنف المهدد للسلام والوئام المجتمعي:

حيث تحل الديمقراطية إشكالية الاختلاف، وتكون بالتالي صمام أمان أمام تصعيد الخلاف إلى مستوى العداوة والذي يكون مقدمة للاحتراب، وذلك من خلال الانتخابات الحرة النزيهة وتكافؤ الفرص والتداول السلمي للسلطة وحق المعارضة والاحتجاج وحرية التعبير عن الرأي، فكل هذا يعطي للتعددية فرص التعايش والتنافس، ويقلص من فرص الاحتراب.

الخلاص من الجريمة:

وإذا كانت دولة القانون ودولة المؤسسات، مما يعتبر من لوازم النظام الديمقراطي قادرا ولو بعد حين على مكافحة كل من الفساد الإداري والإرهاب، سيكون على تطويق الجريمة أقدر.

الخلاص من انتهاكات حقوق الإنسان:

في النظام الديمقراطي تتوفر مجموعة آليات رقابة لانتهاكات حقوق الإنسان، مما لا يتوفر في النظام غير الديمقراطي. فالرقابة البرلمانية ورقابة الصحافة ورقابة منظمات المجتمع المدني والرقابة الشعبية، كل ذلك يمثل صمامات أمان أمام انتهاكات حقوق الإنسان، سواء حصلت على أيدي السلطة أو الأحزاب السياسية.

الخلاص من معوقات الرفاه الاجتماعي:

حيث أن التعددية الحزبية من لوازم الديمقراطية، سيجعل التنافس بين الأحزاب من أجل كسب تأييد الناخبين تتسابق في خدمة المواطن في رفع مستواه المعيشي وتوفير الخدمات له وحل مشاكله الحياتية اليومية. وإذا كان الناخبون في الدورات الأولى ينتخبون أحزابهم على أساس الوعود المعطاة وعلى أساس الولاء المذهبي والقومي والإيديولوجي، فالوعي الانتخاب سيتنامى عبر التجربة أكثر فأكثر، وستضيق بالتدريج فرص الفوز للقوى السياسية التي لا تفي بوعودها، إما قصورا من جراء عدم الكفاءة، وإما تقصيرا من جراء عدم النزاهة وعدم الصدق. ومن هنا سترتفع فرص من يحقق للشعب قدرا أكبر من الرفاه الاجتماعي.

الخلاص من معوقات التقدم العلمي والتقني:

الديمقراطية تعني بعكس نظم الاستبداد الشمولية انفتاحا على العالم، مما يفتح أمام الشعب الذي يرفل في ظل النظام الديمقراطي فرص التزود من عموم التجربة الإنسانية في العالم، فيجني ثمار التقدم الذي حققته المجتمعات الأخرى ليلحق بركب العصر، ثم لتنبعث لاحقا وبالتدريج لديه روح الإبداع، فيتحول من مجرد مستفيد من التقدم الذي حققه المجتمع الدولي، إلى مشارك في صنع ذلك التقدم، وليصل لعله في المستقبل الأبعد إلى مستوى الإبداع في رسم ملامح عموم الحضارة الإنسانية.

الخلاص من معوقات النهوض الثقافي:

بما أن الديمقراطية توفر أجواء الحرية للمفكرين والمثقفين والأدباء والفنانين، ستحصل في أجوائها نهضة ثقافية تسير في خط الإبداع والتجديد، أكثر بكثير مما توفره أجواء اختناق الحرية في ظل الاستبداد.

ضرورة تحويل نجاح الديمقراطية إلى الهدف الوطني الأول

من هنا لا يكون مفيدا للشيعة أن يكون لهم مشروع شيعي، ولا يكون مفيدا للسنة أن يكون لهم مشروع سني، ولا يكون مفيدا للكرد أن يكون لهم مشروع كردي، ولا يكون مفيدا للتركمان أن يكون لهم مشروع تركماني، ولا يكون مفيدا للإسلاميين أن يكون لهم مشروع إسلامي، بقدر ما يكون مفيدا للجميع وبدرجة أساسية للعراق، للإنسانية، للإسلام، للوطن، أن يكون مشروع الجميع هو مشروع الوطن والديمقراطية، ذلك بالدرجة الأولى وبالدرجة الثانية وبالدرجة الثالثة، ثم ليكن هناك بدرجة رابعة مشروع كردي للأكراد، ومشروع شيعي للشيعة، ومشروع سني عربي للسنة العرب، ومشروع تركماني، وآخر فيلي وشبكي وآشوري وصابئي وإيزيدي، وذي هوية خصوصية أخرى أيما كانت لكل مكون قومي أو ديني أو مذهبي أو سياسي أو إيديولوجي. عندئذ سيكون للعراق كله، وللعراقيين كلهم، ولكل مكون من مكونات الشعب العراقي المستقبل كل المستقبل. 

 

16/05/2006

 

رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::