الديمقراطية في العراق .. واقعها وآفاقها

 

ضياء الشكرجي

 

بعد أن أنجز العراقيـون إنجازهم التأريخي الذي الفريد والرائد، والذي به سيـبقى بسببه الثلاثون من كانون الثـاني خالدا في سجل التأريخ، لا تأريخ العراق فحسب، بل سجل تأريخ التحولات الديمقراطية في العالم للقرنين العشريـن والحادي والعشريـن؛ بعد هذا الإنجــاز الواعي والبطولي والرائد، لا بد من وقـفة أمام مجموعة تساؤلات تعتمل في دواخل الكثيرين منا، ومحاولة الإجابة عليها، لما تمثـل الإجابة عليها من تسليط للضوء على معالم وآفاق الطريـق، مما يمنح للرؤية وضوحا أكثر وللنفس طمأنينة أعمق، وكما تسلط أو تحاول تـلك الإجابات أن تسلط الضوء على العقبات أمام عملية التحول الديمقراطي التأريخية لتـذليلها، وعلى المخاطر عليها للتوقي منها وتـفاديها. من هنا سأجعل مقالتي هذه على شكل تساؤلات، ثم محاولات إجابة، ولا أقول إجابات قطعية ونهائية، لأن الإجابة على كل تساؤل ستمتـلك نسبة من الصواب، ولذا فهي تبقى محاولة للكشف عن الصواب المطلق والنهائي، أو ما يقـترب من ذلك، والنسبـية التي هي من طبيعة عالم الإنسان هي التي تجعل التحليلات والتـفسيـرات لا سيما في القضايا السياسية للتـشابك والتعقيد الذي يكتـنفها غالبا أكثر من غيرها من القضايا، وما يترتب على تـلك التحليلات من مواقـف متـفاوتة، دون أن نلغي عامل النوايا والدوافع والمصالح التي قد توسع أو تضيق المسافة ما بيـن التحليل والموضوعية، وما بين المدَّعى وحقيقـة النوايا، فالابتعاد عن الصواب بدرجة أو أخرى يأتي تارة كنتيجة لقصور في الفهم والقراءة والتحليل، وأخرى يكون نابعا من خطة تضليلية، أو من عصبـية وغلو، أو من حساسية مفرطة. وأترك للقارئ أن يحدد مدى تصويب أو تخطيء ما يقرأ، وتحديد حسن أو سوء الظن في تفسير الخطأ الذي يشخصه، ناهيك عن كون التـشخيص نفسه يـبقى هو الآخر نسبـيا، ويـبقى هو الآخر يدور ما بيـن عمق أو لاعمق الوعي، وما بيـن القصور والتعمد، وما بيـن حسن أو سوء السريرة، وكل ذلك بنسبة أو بأخرى.

 

التساؤلات ومحاولات الإجابة

 

هل صحيح أن رغبة العراقيـين في بناء صرح الديمقراطية تمثـل صدى أو استجابة لرغبة أمريكية؟

في بداية مرحلة ما بعد سقوط نظام الاستبداد كان الكلام عن الديمقراطية يثير شبهة أن المنادين بها إنما يعبرون عن توجهات أمريكية، أو إن المعني بالديمقراطية ثوب معين قد فصل بمقاسات أمريكية يراد للعراق أن يلبسه بقطع النظر عما إذا كانت تـتـفق مع مقاساته وذوقه هو. ولكن مع الوقت بدأت مفردة الديمقراطية تـشق طريقها بقوة إلى وعي الجماهير العراقية وتتحول إلى تطلع عراقي محض.

 

ما هو عمق وسعة الوعي الديمقراطي الشعبي في الشارع العراقي؟

كنت أتصور أن شرط نجاح عملية التحول الديمقراطي في العراق بخلق أرضية شعبية تحتاج إلى تـثـقيف مكثـف ومعمق واسع على مفاهيم الديمقراطية من جهة، وتربية أخلاقية في التعاطي مع أخلاقيات وسلوكيات الديمقراطية من جهة أخرى، والتي يمكن للتربية الأخلاقية والدينية منها على وجه الخصوص أن تؤدي دورا فاعلا ومؤثرا فيها، إضافة إلى عنصر المران من خلال الممارسة والتعاطي اليوميـيـن؛ أن كل ذلك إنما يحتاج إلى جهد فوق العادة من أجل تأسيس الأرضية الشعبية التي تمثـل المحضن الضروري للديمقراطية وشرط إنجاح عملية التحول. لا أقول أن هذه الأفكار قد ثبت عدم صحتها أو دقـتها على أرض الواقع، بل ما زال كل ذلك يمثـل شروطا أساسية لإنجاح المشروع، وهذا يعتبر أمرا طبـيعيا للغاية، وليس هو بالأمر المعيب من قبـيل دعوى عدم امتلاك الشعب للرشد والنضج الكافيـيـن لاحتضان المشروع الديمقراطي. ولكن الذي تغيرت نظرتي له من خلال التجربة الميدانية، هو أن الشعب العراقي قد أثبت بأنه استطاع بجدارة أن يحرق المراحل ويثبت في هذا المضمار رشدا ونضجا لا يتـناسبان في مدى عمقهما وتجذرهما وسعتهما مع حداثـة التجربة أبدا؛ هذه التجربة التي جاءت ليس بعد زمن طويل جدا فقط، بل قـل كتجربة أولى يمر بها الشعب العراقي ليس منذ خمس وثلاثين سنة، ولا منذ ثمانين سنة، بل منذ قرون عديدة. وهذه الحقيقة تجعل الأمل الذي كبير أساسا أكبر بكثير مما لو لم تتوفر هذه الخاصية التي أثبتها شعبنا العراقي.   

 

هل يشكل طرف أو أكثر من طرف عراقي عقبة أمام عملية التحول الديمقراطي؟

لا أستبعد أبدا ولا أتردد في القول بأن ثمة من يمثـل عقبة أمام المسار الديمقراطي، ولكن دون أن ترقى هذه العقبة إلى مستوى الخطر على أصل المشروع، بل هي فـقط بمستوى تأخير بعض أشواط العملية، التي حتما يصب التعجيل بها بدرجة أكبر بكثير في صالح عملية التحول الديمقراطي، لولا هذه العقبات، والتي تمثل واقعا لا بد من التعايش معه، ولكن مع الحذر واليقظة منه، ودون الاصطدام به. ولعل بعض المتابعين لمقالاتي يتذكر أني سبق وكتبت عن أولويات بعض الأطراف السياسية، وتفاوت هذه الأولويات، وموقع الديمقراطية في سلم اولويات كل من تـلك الأطراف، وبـينت على سبيل المثال كيف أن الفيدرالية تـتـقدم أولوية عند الأطراف الكردية الأساسية على الديمقراطية، والكردستانية تـتـقدم لدى البعض منهم على العراقية، كما إن إقصاء الإسلاميـيـن كهدف يتـقدم أولوية عند بعض الأطراف على أساس الديمقراطية، ولكن دون أن يستطيعوا أن يضربوا هذا الأساس بشكل فاعل ومؤثر، لوجود ثمة صمامات أمان وموانع شعبية ودولية تحول دون ذلك. ولكي أكون موضوعيا لا أنفي أن في العمق عند بعض – وأؤكد على بعض – الإسلاميـيـن تـتـقدم إسلاميتهم اولوية على الديمقراطية، ولكن ثمة أطراف إسلامية أساسية هي من غير شك أكثر ديمقراطية بدرجة كبيرة من كثير من مدعي الديمقراطية الآخرين، حسبما أثبتت التجارب حتى الآن، وكما ستـثبت التجارب المقبلة ذلك أكثر فأكثر. وهنا أقول صحيح أن المشروع الديمقراطي يكسب أكثر، ويملك فرص النجاح أكثر، إذا كانت الأطراف المتعاطية معه تؤمن به في العمق، أو تـتعاطى معه بصدق وشفافية، أو – والأفضل - إذا وفرت كلا الشرطين؛ الإيمان العميق بها والتعاطي الصادق معها، ولكن ثمة من يدخل في المشروع الديمقراطي، من قد لا يؤمن به في العمق، بل وقد يكون بالإمكان أن ينقـلب على المشروع، لو أوتيت له الفرصة، وهي والحمد لله غير مواتية لأي طرف، ولكن مثـل هذه الأطراف عندما تمارس الأداء الديمقراطي مضطرة ومنجرة مع التيار العام، ستجد نفسها مع الوقت تألف الديمقراطية، ثم في مرحلة تالية تأنس بها، ثم تؤمن بها. هذا الأمر ليس خاصا بالعراق، بل هو ما حصل في كثير من التجارب الديمقراطية، حتى العريقة منها في بعض أشواطها في بلدان ذات سبق وعراقة وريادة في تجربتها الديمقراطية. ولكن جوابا على السؤال أعلاه، أقول حسب تـقديري نعم هناك من يمثـل عقبة في طريق الديمقراطية، ولكن دون أن يمثـل خطرا. هذا لا يعني لكن أن طريق التحول أصبح معبدا، وغير محفوف بأي من المخاطر، بل هناك ثمة مخاطر، كما وإن هناك ثمة من يختـزن تـلك المخاطر.

 

ما هي فرص علاوي ليبقى رئيسا بنسبته البرلمانية ذات الـ 14,45%؟

ما زال رئيس وزراء الفترة الموقـتة الحالي غير المنتخب يلوح بكونه سيستمر كرئيس للوزراء لما تبقى من المرحلة الانتـقالية. فهو وبالرغم مما أعطاه في لقائه بالسيد عبد العزيز الحكيم من وعود بانسحابه من الترشيح، عاد لينقض ذلك، فيؤكد مواصلة ترشحه لهذا الموقع. وإذا أراد أياد علاوي أن يكون واقعيا، وإذا أردنا أن نكون واقعيـيـن، لا نجد ثمة فرصة حقيقية له لتحقيق حلمه هذا، وإن كان من حق أي إنسان – بما في ذلك رجل السياسة - أن يحلم كما يشاء. لأني لا أدري من أيـن يريد أن يحصل على ثـلثي أصوات الجمعية الوطنية لانتخاب مرشحيه الثلاثة لهيئة الرئاسة، الذين سيقرونه بدورهم بالإجماع رئيسا للوزراء. فحتى مع فرض تحالفه مع جميع القوائم الأخرى من دون كتـلة قائمة الائتلاف، ومع اصطفاف من غادر الكتـلة مؤخرا معه – ولا أظنهم يفعلون - لن يكوّن في أحسن الأحوال إلا ما يقترب قليلا من نسبة الـ 50% أو يتعداها قـليلا جدا في أفضل الأحوال. إذن فرص تحقق هذا الحلم لا تعدو أن تكون مجرد وهم. ومع هذا لا أقطع في أن ذلك من المحال تماما، بل يمكن أن يتم ضمن سيناريوهات غريـبة ورهيـبة وكيدية ولاديمقراطية.

 

ماذا يضر بقاء علاوي رئيسا للوزراء للسنة أو ما يقرب من السنة المتبقية من الاتنقالية؟

من حيث المبدأ لسنا معقدين من شخص، لا من أياد علاوي ولا من غيره، إذا كان وطنيا ويعمل من أجل إرساء قواعد صرح الديمقراطية في العراق، سواء اتـفقـنا أو اختـلفنا معه في بقية التـفاصيل. ولو استطاع أياد علاوي أن يكون رئيسا للوزراء للفترة المقبلة المتبقية من المرحلة الانـتـقالية عبر الآليات الديمقراطية النزيهة، فهنيئا له ذلك مع أمنياتـنا الصادقة له بالنجاح، إذا كان نجاحه نجاحا للعراق، وبالتالي فهو سيكون نجاحنا جميعا. وإذا كا سنختـلف معه في أمور، فسنمارس المعارضة بالأساليب الديمقراطية النزيهة والموضوعية، وسنكون معارضين منصفين، ولن نكون معارضين تسقيطيـين، أو معارضين مزايدين، على حساب مصالح الوطن. بل سنذهب إلى أبعد من ذلك، فنكون متعاونين حيث يحقق التعاون مصلحة للعراق ولمسقبله ولعملية التحول الديمقراطي وإرساء الأمن والاستـقرار وتـلبية حاجات المواطنين. إذن أين المشكلة؟ أقول نعم هناك مشكلة، بل وأكثر من مشكلة، لأن ذلك، ولكون غير قابل التحقق عبر آليات الديمقراطية وبدون سيناريو التفاف عليها؛ سيمثـل سابقة سيئة جدا، لأنه سيكون بمثابة نقض للأسس الديمقراطية، ويسبب إحباطا لجماهير الناخبين الذين خرجوا في الثلاثين من كانون الثاني متحدين الموت، لا لأن القائمة التي فازت بأكثرية الأصوات لم تستلم زمام الأمور، بل لأن ذلك سيعطي انطباعا بأن لا جدوى من الانتخابات، ما زالت هناك فرص وأساليب لاديمقراطية هي التي تحسم أمر تولي زمام أمور الحكومة، وليست الانتخابات هي التي تـقرر. نعم، هذا سيحدث إحباطا كبيرا جدا لا يجبر بسهولة، وسيؤدي إلى أن يكفر الكثيرون بهكذا لون من الديمقراطية. ثم هناك ثمة مضار ومخاطر أخرى؛ منها مخاطر العلاقات الإقليمية المريـبة للسيد رئيس الوزراء، لا سيما مع الجارتين الغربيتين العروبيتين، البعثية والهاشمية. ثم العلاقة الحميمة برفاق الماضي (من غير الصداميـيـن على ما يفـترض) هي الأخرى تـشكل ناقوس خطر لا يمكن التهاون به واعتباره مجرد مسألة اختلاف في وجهة نظر وفي رؤية سياسية. من هنا لو أوتي للسيد علاوي أن يلتـف بدعم من هنا أو هناك على العملية الديمقراطية، فسنحشد الجماهير من بغداد إلى البصرة لتعلن عن غضبها على هذا الالتـفاف على إرادتها، وتعلن إصرارها على الالتزام باستحقاقات الانتخابات والعملية الديمقراطية، لا انتصارا لطائفة أو لتيار سياسي معين أو لقائمة انتخابـية فائزة، بل انتصارا لمبدأ احترام الديمقراطية واستحقاقاتها، وستواصل جماهيرنا الاحتجاج الذي سيتـدفق إلى الشارع ملايـين ملايـين حتى تحقق طموحها الذي من أجله وضعت أرواحها على أكفها يوم الانتخابات الخالد، بعيدا عن العنف غير المشروع.

 

هل يمكن أن يـشكل الأمريكان عقبة أمام استكمال أشواط التحول الديمقراطي؟

ليس تـنزيها للأمريكان، ولكن كل المؤشرات تـشير إلى أنهم يريدون إنجاح العملية الديمقراطية في العراق، ليس بالضرورة لسواد عيـون العراقيـين، وليس لأن أمريكا جاءت إلى العراق كجمعية خيرية، بل طبقا لحسابات المصالح القائم على الفهم الجديد للمصالح، وليس الفهم الكلاسيكي لما يسمى بمصالح الاستعمار القديم المحسوبة بعقـلية استعمار القرن السابق. وها نحن نرى اليوم كيف يضغط الأمريكان على كل دول المنطقة، دافعة إياها نحو الإصلاحات الديمقراطية، وجاعلة العراق النموذج الأول لهذا التحول. وعلى ذكر المصالح على ضوء حسابات العقـلية الأمريكية الجديدة، لا بد أن نعي أن المصالح عندما تـلتـقي، فلا يهم أن تـلتـقي الدوافع أم تـفترق، لا بد من التوقـف فقط عند حقيقة التـقاء المصالح، لندرس كيف نوظف هذا الالتـقاء من اجل المصلحة الوطنية، فبقطع النظر عن دوافع رغبة أمريكا في إنجاح عملية التحول الديمقراطي في العراق، لا بد أن نعي أن المشروع، مشروع التحول هذا يمثـل مشروعا وطنيا عراقيا، ولا يغيـر من هذه الحقيقة تبني أمريكا له، فإن تبنته بنوايا حسنة فنشكرها على ذلك، وإن تبنته بنوايا غير حسنة، فنستفيد من فرصة التـقاء المصلحة في عملية التحول الديمقراطي بيننا وبينها، ثم ندرس كيف نتوقى من خفايا النوايا غير الحسنة، إن احتملناها باحتمال راجح، أو إذا شخصناها بشكل واضح.

 

ما هو مدى جدية الأمريكان في دعم عملية التحول الديمقراطي؟

من هنا أقول - وبعيدا عن حقيقة الدوافع - أن أمريكا تبدو جادة تمام الجدية في إنجاح عملية التحول الديمقراطي في العراق. وهذه الجدية تمثـل فرصة لا بد من أن نحسن استـثمارها خير استـثمار.

 

هل يمكن أن يشكل الأمريكان خطرا على الديمقراطية أم صمام أمان لها؟

من الممكن جدا، إذا ما رأت أمريكا أن الديمقراطية أفرزت ما يعتبر حسب معايـيرها تجاوزا لخطوطها الحمراء، أن تـنقـلب على مشروعها الديمقراطي في العراق، لتـتحول من جديد إلى ديكتاتورية مخففة هذه المرة ومزوقة بمساحيق ديمقراطية، ولو مستعينة مجددا بالبعثيـيـن (غير الصداميـين؟) منهم. ولكن في تصوري أن تجاوز الخطوط الحمر حسب المعايـير الأمريكية غير وارد نهائيا، لأن ما يمثـل خطوطا حمراء لها، يمثـل لنا نحن أيضا خطوطا حمراء، ووحدة الخطوط الحمراء لا تعني أننا تأمركنا، كما لا تعني أن أمريكا قد تعرقـنت أو تأسلمت أو تـشيعنت، ولكنه التـقاء جاء بشكل تـلقائي وعفوي أو غير عفوي، إنه التقاء مصالح حتى مع فرض افتراق المنطلقات والدوافع. فتأسيس دولة إسلامية قائمة على مبدأ ولاية الفقيه يمثـل لنا الإسلاميـيـن، ولنا الشيعة، ولنا العراقيـيـن عموما خطا أحمر. وربط العراق بعجلة إقليمية إيـرانية كانت أو سورية أو أردنية يمثـل لنا خطا أحمر. وإقامة حكم ديني على أي نحو كان بمعنى إقحام الدين في كل جزئيات العملية السياسية والتدخل الصارخ للمؤسسة الدينية في الشأن السياسي يمثـل بالنسبة لنا خطا أحمر. والتحول عن جادة الديمقراطية يمثـل بالنسبة لنا خطا أحمر. واعتماد مناهج التعصب والتطرف والتـشدد والعنف والإرهاب وإقصاء الآخر يمثـل بالنسبة لنا خطا أحمر. فإذا كان كل ذلك هو الذي يمثـل الخطوط الحمراء لأمريكا التي يـبرر تجاوزها لها التحول عن مشروعها الديمقراطي للعراق إلى ما سواه، فلا خطر لا على مشروعنا الوطني من الأمريكان، ولا على المشروع الأمريكي للعراق منا. نعم يمكن أن تـتحول أمريكا عن المشروع أيضا، ليس عند التجاوز الفعلي للخطوط الحمراء، بل إذا ما صور لها، أو إذا ما توهـمت حصول التجاوز أو وجود الخطر الجدي للتجاوز للخطوط الحمراء، ولا أظنها بهذه الدرجة من الغباء السياسي والسذاجة المخابراتية بحيث تـتوهم ما لا واقع له. أما سؤال ما إذا كانت أمريكا يمكن ان تمثـل صمام أمان أمام المخاطر على الديمقراطية، فهذا في تصوري وارد جدا، فهي صمام أمان أمام حتى حلفائها كعلاوي والأكراد، فهؤلاء دون أن نتهمهم من ضمن ما يجعلهم يلتزمون بدرجة أشد مما سيكون عليه الأمر لولاها، لعلمهم أن أمريكا لا تسمح لهم أيضا بتعدي الخطوط الحمراء. وهذا شيء يـبعث على الارتياح والاطمئنان نسبـيا. ولا يهمنا كما بينت ما إذا كانت دوافع الأمريكان في دعم عملية التحول الديمقراطي ثمة قيم ومبادئ، أم ثمة مصالح.

 

هل التأخير في انعقاد الجمعية الوطنية والاتـفاق على تـشكيل الحكومة أمر طبيعي أم يمثـل ثمة خلل؟

لقد سئم العراقيـون – ومعه الحق - الانتظار، فبعدما خرجوا متحدّين الموت إلى مراكز الانتخابات وأدلوا بأصواتهم، أخذوا يتطلعون إلى ممثـليهم ليمثـلوهم حقا، مترقبيـن انعقاد الجمعية الوطنية، وانتخاب رئيس الوزراء والهيئة الرئاسية، وتـشكيل الحكومة، ليـبدأ العمل، وتـتحقق لهم بعض ما يتطلعون إليه من أمن، وخدمات أساسية، وتحسين لشروط العيش ورفع للمستوى المعاشي، ومكافحة للفساد الإداري وإبعاد لشبح عودة البعث، والقضاء على الإرهاب، وتوفير مستـلزمات الاستغناء عن القوات متعددة الجنسيات وغيرها من الأولويات. هنا لا بد من القول أن بعض هذا التأخير هو أمر طبيعي، وكثيرا ما يحصل مثـله حتى في الدول ذات التجارب الديمقراطية العريقة والرائدة. ولكن بعضه غير طبـيعي، وحاصل بسبب ممارسة ما يشبه الابتزاز من قبل بعض الكتل البرلمانية، فيما منحهم قانون إدارة الدولة الانتـقالي من فرص الابتزاز، من خلال الآلية التي ثبتها في انتخاب الهيئة الرئاسية بقائمة واحدة وبتصويت ثـلثي أصوات الجمعية الوطنية، واشتراط موافقة الهيئة الرئاسية على مرشح رئيس الوزراء بالإجماع. الذي نرجوه أن يجري إعادة ترتيب الأولويات عند كل الفرائق، ليكون العراق، ومستـقبل العراق، وديمقراطية العراق، وأمن وسلامة العراق، وازدهار ورفاهية العراق، فوق كل اعتبار. أما دعوى أو توهم وجود صراع على الكراسي، فهذا ما ليس له أي واقع، لأن الضغط الذي يمارسه الإخوة الأكراد، ليس من أجل رئاسة الجمهورية أو وزارة الخارجية أو وزارة سيادية ثانية، بقدر ما هو مطالبتهم بكركوك خلاف ما يقرره قانون إدارة الدولة الذي يرى إرجاء قضية كركوك إلى ما بعد المرحلة الانـتـقالية، وبقدر ما هو مطالبتهم بـ 26% من مجموع واردات النفط العراقي. ومع هذا لا نيأس أبدا من الوصول إلى توافق معهم، لأننا نعلم أنهم هم أيضا وبدرجة ما حريصون على إنجاح العملية الديمقراطية الانـتخابية البرلمانية الدستورية. ثم لا ننسى أنهم حلفاؤنا لعقود، وهم الفريق الأول الذي شاركنا الصراع ضد الديكتاتورية، وإن تفاوتت منطلقات الصراع في بعض مفرداتها، ثم على إخواننا الأكراد أيضا ألا ينسوا أننا عندما كنا لكل هذه العقود حلفاء بعضنا البعض – وسنبقى إن شاء الله – إنما كان ذلك لأننا نحن الذين كنا أصحاب المبادرة في الوقوف معهم، فإذا قـلنا في الظلم أن البادي أظلم، ففي التعاطف والتآزر والتـناصف يكون البادي هو الأعدل والأكثر إنصافا، فهذه نقطة لنا عليهم ألا ينسوها، وإذا كان في يوم ما قد خذل أحدنا الآخر، فأكيدا لسنا نحن الذين فعلنا ذلك، ومع هذا نسينا أو تـناسينا تـلك المحطات في تاريخنا المشترك من أجل الصالح العام للوطن. وشخصيا أدعي لنفسي بأني كنت دائما وما زلت وسأبقى من أشد المنتصرين للحقوق المشروعة لإخواننا الأكراد، وقد آمنت بالفيدرالية تماما كإيماني بالديمقراطية، بحيث اعتبرت دائما الفيدرالية توأم الديمقراطية الملازمة لها والتي لا يجوز أن تـنفك إحداهما عن الأخرى، لأن الديمقراطية إذا كانت تضمن حاكمية الأكثرية، فالفيدرالية تسد ثغرات الديمقراطية فتضمن حقوق الأقليات. ولكننا نتمنى على إخواننا الكرد أن يرتـفعوا بديمقراطيتهم إلى مستوى إصرارهم على الفيدرالية، لأن الفيدرالية لا قيمة لها عندما تطلب بأي ثمن، وحتى لو تصدعت أركان الديمقراطية، وهذا ما يذكرني بالأصولية العلمانية التركية التي كانت تـقدم دائما أولوية العلمانية وإقصاء الدين على أولوية الديمقراطية ولا يهمها أن تـتصدع أركان هذه الأخيرة لحساب لادينية الدولة، بالرغم من كل اعتدال وعقلانية وديمقراطية إسلاميي تركيا، كما يذكرنا هذا بالمتطرفين من دعاة ما يسمى بالمقاومة الذين يريدون سيادة بلا ديمقراطية، بينما نحن دعاة الديمقراطية ودعاة السيادة على حد سواء، نرى المباشرة في طريق إرساء أركان الديمقراطية هو الطريق الأصلح المؤدي إلى استكمال كل أشواط السيادة الكاملة غير المنقوصة، دون أن يعني ذلك أننا لا ينبغي أن نعمل من أجل استكمال السيادة جنبا إلى جنب مع إرساء صرح الديمقراطية، كما ونؤسس للنظام الفيدرالي بعملية متوازية، ولكن دون الإخلال بمبادئ وثوابت الديمقراطية. فالخلل يكمن دائما في ترتيب الأولويات الوطنية، فإذا ما رتبنا هذه الأولويات ترتيـبا يضمن تغليب مصلحة العراق على أي شيء آخر، كان الوصول إلى سائر الأهداف الأخرى مضمونا، لأن تغليب المصلحة الوطنية على المصالح القومية والطائفية والحزبية والإيديولوجية هو الضمانة لنجاح (المشروع العراقي) برمته، وإذا ضمنا نجاح المشروع الكلي، ضمنا معه نجاح المشاريع الجزئية المتـفرعة عنه، كما إن نجاح المشروع الوطني الكلي يمثـل المساحة المشتركة التي يجب أن نقف عليها جميعا، كما إنه هو المنطلق الذي ننطلق منه لتحقيق سائر الأهداف، وليس العكس، والديمقراطية هي بلا شك من أولى أولويات المشروع الوطني. فهل يتعلم علاوي كيف يتـنافس مع الآخرين تـنافسا ديمقراطيا؟ وهل يتعلم الكرد كيف يسيرون من أجل إرساء فيدراليتهم بالآليات الديمقراطية؟ وكيف يرتـفع مستوى حرصهم على الديمقراطية إلى مستوى حرصهم على الفيدرالية على حد سواء تماما؟ وهل يتعلمون كيف ينصفون الأقليات في مناطقهم، فلا تظلم هذه الأقـليات القومية منها والدينية في كنفهم وتـنسحق حقوقهم ببلدوزر الفيدرالية الكردستانية؟ وهل يتعلم من لم يستكمل بعد كل مفردات الدرس الديمقراطي من بعض الإسلاميـيـن كيف يدعون إلى مشروعهم الإسلامي على أسس الديمقراطية، ويفهمون أن الديمقراطية هي خير سبل الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وليست مجرد بضاعة غربية مستوردة؟ وهل يتعلم دعاة مقاومة الاحتلال كيف يسيرون إلى هدف استكمال السيادة معنا دون تصديع أركان البناء الديمقراطي؟ جوابي على تساؤلاتي هو أني متفائل في أننا سنتعلم جميعا كل ذلك، ولكن الذي نرجوه ألا يكون ثمن الدرس باهضا بأكثر مما تـتحمله طاقة شعبنا العراقي الذي لم يـبخل بالعطاء والصبر والإصرار.

 

بغداد - 06/02/2005

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::