الديمقراطية بين التنظير والأداء

 

ضياء الشكرجي

 

محاولة لتسليط الضوء على تجربة الولادة الديمقراطية عراقيا ـ ـ ما بين التنظير والأداء ـ ـ

إسلاميا وعلمانيا ـ ـ على صعيد القوى السياسية ـ ـ وعلى الصعيد الشعبي ـ ـ

 

أكتب هذه المقالة في وقت يوجد فيه كم هائل من قضايا ساخنة تستحق أن تـتـناول بالتحليل، ولكن هناك أسباب، منها ذاتية ومنها موضوعية، جعلتـني أغض النظر أحيانا عن الكتابة في كل تلك القضايا التي شغلت الساحتين الثـقافية والسياسية العراقيتين خلال أشهر ما بعد الانتخابات من تصعيد لنشاطات قوى الإرهاب ومحاولات لإشعال فتيل الفتـنة الطائفية، ومخاضات ولادة الحكومة، وما رافق ذلك من عقبات وصعوبات ومخاطر ومحاصصة وتوافق وقبول ورفض وإثارات مشروعة وغير مشروعة، وأحيانا لم يسعفني الوقت أن أكتب حول ما شغلني وأثار بعض الأفكار في داخلي مما كان يمكن أن يسطر. مع هذا فإن الموضوع الذي أتـناوله لا يـبتعد عن كونه من إيحاءات التجربة والأحداث على الساحة السياسية العراقية.

 

الديمقراطية تبقى من غير شك هي القضية المركزية التي بدون تحقـقها وتكامل مسيرتها، وبدون سيرها في المسار الصحيح لا يتحقـق شيء من كل التطلعات الوطنية من أمن واستـقرار، ووحدة وطنية، وسيادة واستـقلال، وعدالة ورفاه وتـقدم، وطموحات فيدرالية، إلا تحقـقا منقوصا وقـلقا وغير مضمون المستـقبل.

 

والديمقراطية لا تـتحقـق من غير ديمقراطيـيـن، ومع أهمية وجود المثـقـفين الديمقراطيـين، لكن المثـقف يـبقى لا يمثـل الطرف صاحب القرار والفعل السياسيـين، وإن كان له دوره الكبير في التأثير على كل من القرار والفعـل. إنما الذي يهمنا هو مدى وجود السياسي الديمقراطي، بقطع النظر عما إذا كان حاكما أو معارضا برلمانيا أو معارضا أو موافقا خارجبرلمانيا. فللسياسي يـبقى تأثيره المباشر على مسار التحول الديمقراطي، بينما يـبقى تأثير المثـقف ومع بالغ أهميته تأثيرا غير مباشر.

 

وليس الديمقراطي من يمتـلك نظرية ديمقراطية دون أن تـقـترن نظريته وفهمه النظري بالأداء الديمقراطي، كما أن ليس الديمقراطي هو من يمارس أداءً ديمقراطيا من غير أن يمتـلك رؤية نظرية واضحة في الديمقراطية.

 

إذن الديمقراطي حق الديمقراطي، هو من يجمع بين النظرية والأداء الديمقراطيين. هذا دون أن يعني ذلك أننا يجب أن نسلخ صفة الديمقراطية كليا عمن يتوفر على أحد عنصري الديمقراطية؛ النظرية أو الأداء، دون الآخر، ولكننا نستطيع أن نقول أن ديمقراطيته تبقى من غير شك ديمقراطية منقوصة، وبالتالي ربما - وأقول ربما - تكون قـلقة غير مستـقرة وغير ثابتة الخطى، ولعله أيضا باعثة على القـلق وسلب الطمأنينة. مع إن بعض هذه الديمقراطيات القـلقة والمنقوصة يمكن أن تكون لها قابلية استكمال النقص، والتحول من الصفة القلقة المقـلقة إلى الصفة المُطـْمَـئِنـَّة المُطـَمْـئِنـَة، فتكون بعد حين من الممارسة والمران ديمقراطية مستـقرة ثابتة الخطى، وبدرجة أقـل مما كانت عليه في البدء من النقص، أو بتعبير آخر بدرجة أكبر من التكامل.

 

بالإمكان أن أتـناول مصاديق المفاهيم التي أريد أن أتـناولها في هذه المقالة، فأتحدث مع بيان الشواهد عن مدى ديمقراطية كل من فكر وأداء كل من الأطراف السياسية بشكل إجمالي تارة ثم بشكل تـفصيلي تارة أخرى، فنتـناول ذلك فيما يتعلق بالأكراد، ثم فيما يتعلق بالشيعة، ومن ثم بالسنة العرب، ثم نتـناول الإسلاميـين من سنة تارة ومن شيعة، ثم العلمانيـين من ليـبراليـين أو يساريـين من سنة أو شيعة من عرب أو كرد أو تركمان وهكذا. ولكن لحساسية الموضوع سأكتفي بتـناول إجمالي للتيارين الإسلامي والعلماني وبدون ذكر المصاديق، وأيضا بدون قصد التعميم، مع إلماحات إلى بعض المكونات الأساسية.

 

إذن وكما بـينت في مستهل المقالة في شرح العنوان، أريدها أن تكون محاولة لتسليط الضوء على تجربة الولادة الديمقراطية عراقيا، ما بين التـنظير والأداء، وذلك إسلاميا وعلمانيا، وعلى صعيد القوى السياسية تارة، وعلى الصعيد الشعبي تارة أخرى، وربما كذلك على صعيد كل من مكونات الشعب العراقي، مع تـناول دور الاحتلال سلبا أو إيجابا في عملية الدَّمْـقـْرَطـَة في العراق.

 

هناك ما زالت ثمة أزمة ثـقة بحقيقة ومدى ديمقراطية كل من القوى السياسية أو التيارات السياسية في العراق. بعض أزمة الثـقة هذه مما يملك بعض المبـررات، وبعضه مفتعَـل، أو مهوَّل ومبالـَغ فيه، إما بسبب ثغرة في معرفة الآخر، أو بسبب الوقوع تحت طائلة التعميم بالقياس على المثـل المذهبي أو القومي أو الإيديولوجي أو السياسي، أو على تجارب سابقة، أو الوقوع تحت طائلة ثـقافة الأحكام المسبقة، أو يكون الافتعال والتهويل لغرض لدى المفتعِـل والمهوِّل والمبالِـغ في افتعاله للمخاوف أو تهويلها والمبالغة فيها. وفي كل الأحوال نجد أن من أسباب أزمة الثـقة هو وجود ثمة ثـغرة أو نقص إما في التـنظير والفكر الديمقراطي لهذا أو ذاك الطرف، أو في الأداء الديمقراطي.

 

وإذا تـناولنا الموضوع على ضوء التـقسيم الثـنائي الإجمالي للمشهد السياسي، أي على ضوء ثـنائية الإسلامية والعلمانية يمكن اكتـشاف الحقيقة التالية.

 

الإسلاميون عموما ولا أقول كلهم ولكن ربما جلهم يعانون من أزمة نظرية إسلامية للديمقراطية، مع إيماني القاطع أن الإسلام نفسه لا يعاني مطلقا من ثمة أزمة في هذا المجال، بل مثـل هؤلاء الإسلاميـين هم الذين يعانون من ذلك، بسبب أن التجربة السياسية الإسلامية على مدى قرون من الزمن كانت أقرب إلى الاستبداد منها إلى الديمقراطية، من جراء ثـقافة احتكار الشرعية الدينية وثـقافة احتكار الحق وثـقافة الإقصاء، التي استعارتها التـنظيمات الحزبية الإسلامية التي ولدت في مطلع القرن السابق على أيدي المنتمين تأريخيا إلى مذاهب إسلام السلطة من إسلام السلطة ذاك، ثم انـتـقـلت بعض عدواها إلى حد ما إلى التـنظيمات الحزبية الإسلامية في الوسط المنتمي إلى مذهب إسلام المعارضة تأريخيا، لتأثر هذه الأخيرة بالتي سبقـتها في التأسيـيس. وبعد عبور مرحلة الاستـنساخ ومرحلة الصدمة العاطفية لاكتـشاف الهوية أو توهم اكتـشاف الهوية، والتحول إلى اكتـشاف الهوية الفعلية للإسلام العقلاني الإنساني المسالم المنفـتح غير الإكراهي وغير الإقصائي، لم يستطع الجميع التخلص والتحرر من تراكمات الثـقافة الموروثة. كل ذلك أدى إلى ظاهرة أزمة التـنظير الديمقراطي والفكر الإسلامي الديمقراطي. حتى أن البعض بدأ ينظر بريـبة إلى الذين ينظـّرون إسلاميا للديمقراطية من المثـقفين والسياسيـين الإسلاميـين، متوهمين أنهم قد وقعوا في شراك الالتـقاطية الفكرية، أو لعله الانحراف الفكري، بسبب توهمهم بأن الدعوة للديمقراطية تمثـل تخليا عن المشروع الإسلامي، بسبب الخضوع تحت ضغوطات العامل الدولي والعلمنة، والوقوع في مرض عقدة استرضاء الآخر، أو تمثـل حالة استهواء وانسحاق أمام الفكر الغربي والعلماني، أو حالة انبهار أمام الإنجاز الغربي، دون التميـيـز بين ما يمثـل التـقدم في المدنية والتـقدم التكنولوجي، وبين ما يمثـل بعدا حضاريا ثـقافيا، لا بد لنا أن نـتغاير معه للحفاظ على أصالة الهوية، ظانين أن من لوازم الأصالة الانغلاق على تجارب وثـقافات الأمم غير المسلمة ورفضها كليا، والاكتـفاء ربما بجواز استعارة الآليات، بعد إفراغها كليا من جوهرها وعمقها الثـقافي، غير ملتـفـتين إلى ما تـتمتع به الشريعة من مرونة.

 

لكننا كما نستطيع أن نكتـشف أزمة التـنظير الديمقراطي عند جل الإسلاميـين، نرى معظمهم لا يعانون من أزمة الأداء، بل إن أداءهم الديمقراطي قد تجاوز بحق نظريتهم الديمقراطية بأشواط كبيرة جدا، بل أستطيع أن أقول أنهم بأدائهم قد تجاوزوا بأشواط كبيرة جدا حتى أداء الكثير ممن لا يعاني من أزمة نظرية ديمقراطية من العلمانيـين.

 

فالعلمانيون من يساريـين وليـبراليـين لا يعانون من أزمة ثـقافة أو أزمة نظرية فيما يتبنونه من فكر ديمقراطي، لأنهم يملكون نظرية ديمقراطية جاهزة استعاروها من التجربة الديمقراطية الغربية العلمانية. وهذا ما يعطيهم مبرر الادعاء أو الاعتـقاد بأنهم هم حملة لواء ورسالة الديمقراطية الحقيقيون وليس الإسلاميون، باعتبار أن الديمقراطية عند أكثرهم هي توأم العلمانية الملازمة لها ووليدة التجربة الغربـية. لكن كما استعار معظم علمانيـينا النظرية الديمقراطية من الغرب مما يجعلهم لا يعانون من أزمة نظرية ديمقراطية، مثـلما هو الحال مع جل الإسلاميـين، نجد أن الكثير منهم قد ورث من الأنظمة الاستبدادية العلمانية الموالية للغرب في المنطقـتين العربية والإسلامية بعضا من روح الاستبداد لتـلك الأنظمة. فكما أن الكثير من الإسلاميـين يعانون من أزمة نظرية ديمقراطية، في الوقت الذي لا يعانون فيه من أزمة أداء ديمقراطي، نجد أن الكثير من العلمانيـين يعانون من أزمة أداء ديمقراطي، في الوقت الذي لا يعانون فيه من أزمة نظرية ديمقراطية.

 

إذن ثمة ازدواجية نجدها لدى كل من الطرفين، والازدواجية تمثـل في كل الأحوال خللا وخطأ ولعله خطرا، ويـبقى الكلام في أي الازدواجيتين يا ترى تمثـل خطرا أكبر على مشروع عملية التحول الديمقراطي.

 

كنت قد كتبت في وقت سابق عن أولويات بعض القوى والتيارات السياسية العراقية، وذكرت أن الديمقراطية لا تـقف على قمة سلم الأولويات عند هذا البعض، فهناك من يجعل العلمانية على قمة سلم أولوياته، وهناك من تكون عنده الفيدرالية على قمة السلم، وآخرون يجعلون الإسلامية على قمتها وغيرهم الليـبرالية الغربية، وآخرون لديه يقف طرد قوى الاحتـلال على قمة سلم الأولويات.

 

لا أقصد من هذا أن المطلوب من كل من القوى أو التيارات المعنية أن تـتراجع عندهم أولويتهم إلى مرتبة ثانوية، بل الذي أقصده أن البعض عندما يؤخر الديمقراطية مرتبة في سلم أولوياته عن هدفه الأساس مما ذكر، فهو يستبطن استعدادا نفسيا في حال مواجهته لأحد الخيارين في التـفريط ولو نسبيا بأحد الهدفين؛ أولويته الأساسية أو الديمقراطية لصالح الآخر، في أن يجعل الديمقراطية هي التي تـقدم قربانا على مذبح الفيدرالية، أو العلمانية، أو الإسلام، أو الليـبرالية، أو الاستـقلال. وهذا كله لا يعني وجوب قلب العملية بالتضحية بالأوليات التي ذكرت، فتذبح على سبيل المثال الفيدرالية الطموح الأكبر بالنسبة لبعض المكونات، أو يذبح الإسلام الذي يمثـل هوية وعقيدة غالبـية الشعب، أو تذبح الحريات، أو تذبح السيادة الوطنية قربانا على مذبح الديمقراطية.

 

فالفيدرالية بلا ديمقراطية تبقى فيدرالية منقوصة عرجاء، وإنما وجدت الفيدرالية ليس فقط من أجل ضمان حقوق الأقليات، بل لتكون في خدمة الديمقراطية ومكملة لها، فإذا كانت الديمقراطية تعني فيما تعني احترام رأي الأكثرية وصيانة حقوق الأقليات، فالفيدرالية هي في طليعة شرائط ضمان حقوق الأقليات. ولكن أن يعيش دعاة الفيدرالية حالة من الازدواجية، فيؤكدون هدف الفيدرالية في مناطقهم، ولو على حساب الديمقراطية، ثم يطالبون بديمقراطية في المركز تكاد تكون مثالية، إذ تعطي للأقليات أكثر بكثير من استحقاقات الانتخابات، وهم بذلك يعطلون إلى حد ما أساسا مهما من أسس الديمقراطية، وهو القبول بحكم الأكثرية، ولا أعني هنا الأكثرية المكوناتية بل الأكثرية السياسية، فهذا هو غير المقبول ديمقراطيا ووطنيا.

 

وأما الإسلام بلا ديمقراطية، فهو هراء، ليس ديمقراطيا فحسب، بل هو هراء حتى إسلاميا، فإننا إذا ما افترضنا، من قبـيل الفرض النظري، أن الديمقراطية والإسلام يقعان من بعضهما البعض على نحو التـقابل بمستوى المغايرة لبعضهما البعض، فنـقيض الديمقراطية الذي هو الاستبداد يقع على طرف التـناقض من الإسلام. وبالتالي فإن بالإمكان أن يتعايش المتغايران، ولكن النقيضين لا يمكن أن يتعايشا، فهما على حد تعبـير المناطقة لا يجتمعان ولا يرتـفعان. وإذا كان الاستبداد والإسلام قد تعايشا في بعض مفاصل التأريخ، فإن ذلك الإسلام الذي استطاع أن يتعايش مع الاستبداد، أو يقوم عليه، إنما هو نقيض نفسه، وبالتالي لم يكن إسلام القرآن والسنة النبوية، فالاستبداد معول من معاول هدم صرح الإسلام.

 

والعلمانية بلا ديمقراطية قد شهدناها في أنظمة الاستبداد الموالية للغرب في المنطقة العربـية والإسلامية طوال القرن الماضي، وعانت منها الشعوب ما عانت، وما زال معظمها قائما. وهذا النوع من العلمانية مرفوض من العلمانيـين قبل أن يكون مرفوضا من غيرهم، فهم من ضحايا الاستبداد العلماني. وكمثال على تـقديم أولوية العلمانية، والمقصود هنا العلمانية المتطرفة المعادية للدين، لا العلمانية العقلانية المعتدلة التي لا تقوم على أساس الدين ولكنها لا تعاديه ولا تحاربه؛ كمثـال على ذلك عرفنا لعقود طويلة العلمانية التركية التي لطالما ضربت أسس الديمقراطية بواسطة المؤسسة العسكرية (حامية العلمانية التركية) بحجة حماية الثابت الدستوري للدولة التركية، أي العلمانية، وذلك على ضوء الأسس التي وضعها كمال أتاتورك. وبعض العلمانيـين ما زالوا يفكرون بطريقة إضفاء القداسة على العلمانية؛ تلك القداسة التي تبرر لهم هدم أركان الديمقراطية، إذا مثـلت الديمقراطية تهديدا لعلمانيتهم.

 

والليـبرالية بلا ديمقراطية هي الأخرى ضرب من الهراء، وقد يسأل القارئ، هل يمكن أن تكون هناك ليـبرالية بلا ديمقراطية، في الوقت الذي لا تعني الليـبرالية إلا الحرية بأوسع ما تكون عليه؟ فأقول إن هناك من الليـبراليين الذين يجعلون هدفهم إطلاق الحريات الشخصية في جانبها الاجتماعي فوق كل الأولويات، أي ولو كان ذلك على حساب الحريات السياسية التي هي من لوازم الديمقراطية، وبمرتبة متقدمة على الحريات الاجتماعية والشخصية، بحيث أنهم مستعدون، ولو من الناحية النفسية لو أتيحت لهم الفرصة، أن يفرضوا فهمهم لليبرالية بالأساليب المناقضة للديمقراطية.

 

وأخيرا السيادة الوطنية بلا ديمقراطية هي الأخرى هدم للمشروع الوطني. وقبل أن يسيء فهمي أو يؤول قولي البعض، لا سيما من دعاة مقاومة الاحتلال، فيعتبرون قولي هذا ترويجا لفكرة القبول بالاحتلال خدمة للديمقراطية، وبالذات للديمقراطية التي جاء بها الاحتلال، أقول ليس هذا الذي أعنيه، بل أعني أن هناك من دعاة المقاومة والتحرير من يسره أن يرى عراقا مستـقلا استـقلالا تاما وخاليا كليا من آثار الاحتلال، ومتمتعا بالسيادة الوطنية غير المنـقوصة، وهذا على أي حال هدف كل وطني يحب الوطن أو هكذا يفترض أن يكون، إلا أن هؤلاء يريدون أن يروا مثـل هذا العراق المستـقل ذا السيادة ولو في ظل الاستبداد. وهذا النوع من التـفكير يمثـل مدرسة وثـقافة منتـشرة بشكل واسع في الفكر العروبي والفكر الإسلامي السلفي أو الأصولي. فهم يقاتـلون الاحتلال ولو كان احتلالا موقـتا زائلا، ولو كان الاحتلال يريد مساعدة الشعب على بناء صرح الديمقراطية، ولو أن إنهاء الاحتلال ممكن بالسبل السياسية، وفي مقاتـلتهم للاحتلال هم مستعدون أن يذبحوا المشروع الديمقراطي من الوريد إلى الوريد، فيحقـقون التحرر من قوى الخارج، ويقدمون قربانا لهذا التحرر الحرية الداخلية لشعبهم، فيكبلوه بقيود وسلاسل الشعارات الوطنية الثورية أو العروبوية أو الإسلامية المتطرفة.

 

إننا نحتاج إلى ثـقافة تـقديم الديمقراطية على غيرها من الأولويات الوطنية، وبالتالي ستكون الديمقراطية في خدمة السيادة الوطنية، وفي خدمة الفيدرالية، وفي خدمة الإسلام، وفي خدمة العلمانية بالنسبة للعلمانيـين. ولو سمحت الأجواء لذكرت شواهد وأمثـلة على ما ذكرت، كي لا يكون الكلام تتنظيرا مجردا ومحلقا في فضاء المثالية، وبعيدا عن أرض الواقع، ولكن الفطن اللبيب يستطيع تطبيـق المفاهيم المطروحة على مصاديقها في أرض الواقع العراقي. ولكن هذا لا يعني في حال الانطباق على هذا أو ذاك الطرف هو إطلاق الحكم عليه، بل قد يكون الانطباق نسبيا، وبدرجة ما، قد تكون أكبر عند هذا، وأصغر عند ذاك الطرف أو التيار أو المكون.

 

ويؤسفني ويحزنني أن أقول أن الاحتلال، الذي يمثـل عنصرا مرفوضا لدى كل وطني، كان بمثابة صمام أمان أمام بعض مشاريع الاستبداد المختـزنة حتى في الأوساط الموالية له والقريـبة، منه كما كان صمام أمان أمام مشاريع الاستبداد لدى الأطراف التي هي أبعد مسافة عنه وأقل مقبولية منه وأشد رفضا له.

 

ويجب أن نحث السير ونواصل المسعى لإيجاد صمامات أمان وطنية تمثـل حصانات للمشروع الديمقراطي، وأهمها وقبل أي منها جماهير الشعب، ثم المؤسسات الدستورية.

 

01/05/2005

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::