الديمقراطية .. آلية أم إيديولوجيا؟
ضياء الشكرجي
في كتاباتي وحواراتي عن الديمقراطية طالما بينت أن الديمقراطية التي أدعو إليها، هي ديمقراطية غير مؤدلجة، وهذا يعني أني أريد للديمقراطية ألا تؤدلج لا إسلاميا ولا علمانيا. ولكننا لسنا أمام تصعيد الديمقراطية إلى مصاف الإيديوجيات، بل نجدنا من جهة أخرى أمام تنزيل الديمقراطية إلى مجرد آلية. وهنا أجد أننا لا بد من رفض كلا المقولتين، فجعل الديمقراطية إيديولوجيا يمنحها بعدا أكثر مما تتحمله، واعتبارها مجرد آلية لا أكثر يضيق الخناق عليها ويمنحها دورا محدودا جدا. الذي جعلني أكتب عن هذا الموضوع هو حوار جرى لي مع أحد المثقفين، رأيته يجعلني بسؤال طرحه علي أمام الخيار بين هذه الثنائية، أي ما إذا أتبنى الديمقراطية كإيديولوجيا أو كآلية، غير ملتفت في حصر الأمر بين هذين الأخيرين إنما يلغي الطيف اللوني بين الأسود والأبيض، فلا يرى سواهما. وقد استغرب عندما سمع جوابي بأني أرفض كلا الصفتين للديمقراطية، فهي ليست إيديولوجيا ولا آلية. فقلت له إن الديمقراطية حسب فهمي نظام، وقولي أنها نظام ينزلها من عرش الإيديولوجيا الذي يحاول البعض أن يرفعها إليه، ويرفعها من حصير الآلية، ليجلسها في موقعها الطبيعي لها وهو أنها نظام. بعض الإسلاميين الذين يريدونها مجرد آلية سيعترضون على رفعي لها إلى مستوى لنظام، وبعض العلمانيين سينزعجون لأني جردتها من إيديولوجيتها باعتبارها والعلمانية صنوين أو لفظين لمعنى واحد.
لننظر ماذا يعني أن تكون الديمقراطية آلية أو إيديولوجيا أو نظام. كما بينا إن أكثر من يدعي كون الديمقراطية إيديولوجيا هم أولئك العلمانيون الذين يؤكدون إما على التلازم الوثيق الذي لا انفكاك له بين الديمقراطية والعلمانية، أو يدعون أنهم شيء واحد، وعندما تستشهد بوجود ديكتاتوريات علمانية، ينفون العلمانية عن تلك الديكتاتوريات، لأن العلمانية تعني عندهم الديمقراطية بالضرورة، بينما لا يقبلون منا التفكيك بين الأصولية والإسلامية عندما يجدون لدى بعض الإسلاميين نهجا أصوليا إقصائيا تكفيريا. ويتصور هؤلاء إننا عندما ننفي ضرورة التلازم بين الديمقراطية والعلمانية، إنما نريد بذلك طرح الديمقراطية الإسلامية، وبالفعل هناك من الإسلاميين من يقع في نفس خطأ العلمانيين فيؤدلج الديمقراطية أيضا ولكن بعكس اتجاه أدلجة العلمانيين لها، فيؤسلمونها. ويتكرر عند البعض من كلا الطرفين خطأ سلوك منهج الإماوإما، فكما تم التعامل بهذا المنهج مع ثنائية كون الديمقراطية إيديولوجيا أم آلية، يجري التعامل بنفس المنهج مع ثنائية علمانية أو إسلامية الديمقراطية. والجواب بالبديل الثالث يكون على الثنائية الأولى إنها نظام، وكونها نظام يرفعها عن مستوى مجرد كونها آلية، ويخفضها عن دعوى كونها إيديولوجيا. بينما الجواب بالبديل الثالث على الثنائية الثانية هو القول بالديمقراطية غير المؤدلجة أو غير المشروطة. وهذا ما سبق وبحتثه بشكل مفصل وانتهيت بمعادلات بين ثابت ومتغير الدولة في ظل النظام الديمقراطي، وبين ضرورات وممكنات وممتنعات الديمقراطية، لا بأس من إعادة ذكره هنا بقليل من التصرف.
هناك مسألة غاية في الأهمية، تغيب عن الكثير ممن يتناولون (الدولة)، و(الحكومة المنتخبة) في الدولة، كذلك بين (الدستور)، و(القانون)، وبين (الثابت) و(المتغير)، ثم بين (ضرورات)، و(ممتنعات) و(ممكنات) الديمقراطية. ولذا أسرد أدناه توضيحا بذلك:
- الدولة: دستورية.
- الحكومة: برلمانية.
- الدستور: ثابت.
- البرلمان: متغير.
إذن:
- الدولة: ثابتة.
- الحكومة: متغيرة.
مع لحاظ حقيقتين:
- الثابت نسبي.
- والمتغير نسبي.
وأعني أن ثبات الثابت ليس ثباتا مطلقا وثابتا، بل الخط العام والقاعدة فيه الثبات، والتغير فيه طارئ ومشروط، وهذا ما نعرفه في التعاطي مع الدستور الذي يملك ثباتا أشد مما يملكه القانون. وهكذا بالنسبة للمتغير كالقانون والحكومة والبرلمان، ففيه ثمة ثبات، ولكن التغير أيسر فيه من الثابت، وأكثر تكرارا.
وإذا تكلمنا عن ضرورات وممتنعات وممكنات الدولة الديمقراطية، نجد ما يلي:
- الديمقراطية: من ضرورات الدولة، ومن ضرورات الحكومة.
- العلمانية والإسلامية: من ممتنعات الدولة ومن ممكنات الحكومة.
- إلغاء العلمانية للديمقراطية: ممتنع.
- إلغاء الإسلامية للديمقراطية: ممتنع.
- إلغاء الديمقراطية للعلمانية: ممكن.
- إلغاء الديمقراطية للإسلامية: ممكن.
- فصل الدين عن الدولة: ضروري.
- فصل العلمانية عن الدولة: ضروري.
- فصل الدين عن الحكومة: ليس ضروريا، أي ممكن.
- فصل العلمانية عن الحكومة: ليس ضروريا، أي ممكن.
وبالتالي:
- عدم فصل الدين عن الحكومة: ليس ممتنعا، أي ممكن.
- عدم فصل العلمانية عن الحكومة: ليس ممتنعا، أي ممكن.
إذا اتفقنا على هذه الأسس، نجد مشتركا بين المقولة العلمانية بـ (ضرورة تلازم الديمقراطية والعلمانية) والمقولة الإسلامية بـ (عدم ضرورة تلازم الديمقراطية والعلمانية).
إذن المشترك بين الرؤيتين:
- نعم لفصل الدين عن الدولة. (الدستوري الثابت)
- لا لفصل الدين عن الحكومة. (البرلماني المتغير)
- نعم – وبالضرورة - للديمقراطية غير المؤدلجة دستوريا.
- نعم – بالإمكان - للديمقراطية المؤدلجة برلمانيا سواءً إسلاميا أو علمانيا.
وهذا الطرح ينسجم مع قول العلمانيين الذين لا يقولون بفصل الدين عن السياسة، إنما يدعون إلى فصل (الدين عن الدولة)، وعدم فصل الدين عن السياسة أريد أن أعبر عنه أيضا بعدم وجوب فصل الدين عن الحكومة على نحو الفصل الدستوري الضروري الثابت، لا على نحو الفصل البرلماني الممكن المتغير.
إذن بآليات الديمقراطية نفسها، يحق للعلمانيين أن يعملوا على علمنة الحكومة والقوانين – لا الدولة والدستور - ديمقراطيا، وكما يحق للإسلاميين أن يعملوا على أسلمة الحكومة والقوانين – لا الدولة والدستور – ديمقراطيا، وهذا لا يتم إلا بقرار ديمقراطي، أي شعبي، ذلك حسب من يعطي الناخبون أكثر أصواتهم.
ولكن هناك مشكلة ليست مضمونية ولكن صياغية. وهي كيف نثبت فصل الدين عن الدولة (لا عن الحكومة)، دون إثارة حفيظة غالبية الإسلاميين، بما فيهم أكثرهم ديمقراطية وانفتاحا. و لا ننس أن الإسلام يمثل أحاسيس وانتماء وعواطف وتاريخ وقناعة الغالبية العظمى من مجتمعنا، ولا ننس أننا نريد أن نـُفـَصـِّل هنا ديمقراطية على مقاسات العراق، وليس على مقاسات جزيرة واقعة في أقاصي أطراف العالم النائية عبر المحيطات. من هنا يجب تثبيت نفي الشرط الإيديولوجي المسبق بشكل من الأشكال في الدستور، دون المبالغة باستفزاز مشاعر غالبية الأمة بصياغة هجينة على هوية الأمة، وهذا ما راعاه قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية، وما يجب تثبيته في الدستور الدائم.
23/08/2004
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::