محاضرة ألقيت في ندوة نظمتها حركة تنسيق التيار الديمقراطي في لندن يوم السبت 14/06/2008 تبعها حوار طويل مع الحضور، ثم جرى التوسع فيها على هذه النسخة التي أعدت للنشر.
هل يمكن بناء الدولة الديمقراطية المدنية بمعزل عن العلمانية؟ هذا هو سؤالنا الذي نحاول أن نجيب عليه في هذه المداخلة.
في عام 2002، أي بأقل من سنة من التغيير، وهنا في لندن، كانت لي محاضرة في ندوة لرابطة الشباب المسلم في دار الإسلام، كان موضوعها (الإسلام والعلمانية ومستقبل العراق السياسي بين خيارات خمسة لا سادس لها؛ ثلاث ديمقراطيات وديكتاتوريتين). وكنت في وقت إلقاء تلك المحاضرة مصنفا كإسلامي – ديمقراطي، هذا التصنيف الذي لازمني من عام 1993 حتى نهاية عام 2005.
طرحت في حينها التساؤل عن البديل السياسي المرتقب للعراق، وذلك تارة في ضوء تصور الإنسان الإسلامي العراقي، وأخرى في ضوء الإنسان العلماني العراقي، أو كجامع في ضوء تصور عموم الإنسان الوطني العراقي؟
العناصر التي كانت داخلة في البحث يومئذ هي:
1. الإسلام
2. العلمانية
3. الديمقراطية
4. الديكتاتورية
وتتكون من هذه العناصر الأربعة كما هو واضح ثنائيتان، كل منهما تتكون من متقابلتين. واعتبرت في ذلك الوقت أنه من الخطأ أن يجري التقابل بين الإسلام والديمقراطية، وما زلت أرى ذلك، إلا أن هذه الرؤية لا تحظى بإجماع الإسلاميين، بل تلقى رفضا معلنا أو غير معلن من معظمهم، كما اعتبرت في ذلك الوقت أنه من الخطأ القول بضرورة التلازم بين الديمقراطية والعلمانية، مما اكتشفت خطأه لاحقا.
ولنرجع إلى تلك الثنائيتين الممثلة كل منها لثمة تقابل، لأقول أن التقابل الأول (بين الديمقراطية والديكتاتورية) يعتبر تقابلا على نحو التناقض. بينما التقابل الثاني (بين العلمانية والإسلامية) يعتبر تقابلا على نحو التعارض.
في التقابل الأول، هناك بديهية، هي بديهية الإجماع الوطني للرفض الديكتاتورية، أيا كان لونها الإيديولوجي. إذن النقاش والاختلاف كان يدور حول التقابل الثاني بين العلمانية والإسلامية. ولذا ولعدم وجود إجماع وطني فيما يتعلق بهذا التقابل، دعوت في حينها إلى العمل على حسم القرار فيه عبر تنافس وطني نزيه على ملء الوعاء بالمضمون الحضاري لأحد الخيارين: الإسلام أو العلمانية، أو ربما اختيار ثمة ائتلاف يمازج بين ما هو إسلامي وما هو علماني.
في حينها وبعد استثناء الديكتاتوريتين العلمانية منها والإسلامية، وحصر الخيار بين ثلاثة من مجموع الخيارات الخمسة، افترضت ثلاث ديمقراطيات:
1. ديمقراطية مشروطة بشرط الإسلام.
2. ديمقراطية مشروطة بشرط العلمانية.
3. ديمقراطية غير مشروطة (غير مؤدلجة).
فعن الديمقراطية المشروطة بشرط الإسلام، قلت في تلك المحاضرة أنها الديمقراطية التي تبدو مستساغة أكثر من غيرها من قبل الكثير من الإسلاميين، والذين يتمنون لو تكون هي البديل للعراق وغير العراق من بلدان العالم الإسلامي. وبينت أن المشكلة تكمن في أن هذا النوع من الديمقراطية صحيح أنه يسمح بالتنوع الفكري والاجتهادي والتعددية السياسية، ولكنه يحصر ذلك في الدائرة الإسلامية متعددة ومتنوعة الاجتهادات، فيقر التعددية السياسية الإسلامية، فيكون هذا النموذج متقدما على نموذج ولاية الفقيه، أو أي نموذج إسلامي آخر أحادي الاجتهاد السياسي، بل إنه يأخذ بالتعددية الإسلامية وآليات الشورى، إضافة إلى استعارة الآليات الديمقراطية بشكل أوسع مما هو الحال مع تجربة ولاية الفقيه، ويعمل على تطبيق هذه الآليات الديمقراطية في الدائرة الإسلامية خاصة. أما بالنسبة للتيارات الفكرية والسياسية غير الإسلامية، فمع فرض أن هذا البديل يمثل ديمقراطية، ولكنها مشروطة بشرط الإسلام، فسوف لا تضيق هذه الديمقراطية ذرعا بمنح الآخرين حرية التعبير عن الرأي، ولكن دون منحهم حق المشاركة في الحياة السياسية وصنع القرار السياسي. هذا قد يكون مستساغ شرعا بالعناوين الأولية للأحكام الشرعية لدى معظم الإسلاميين، إلا أنه خيار غير مستساغ وطنيا، لأنه يحرم الآخر من حق المشاركة في الحياة السياسية، وبالتالي غير مستساغ شرعا ولو بالعناوين الثانوية، أو بتعبير آخر مرجوح إسلاميا، لأنه سيحول الآخر المبعَد عن الأداء السياسي إلى خصم، وبالتالي فإن استعداء هذا الآخر سيفرز إفرازات سلبية على نفس عملية الدعوة والتغيير الإسلاميين. فهذا الآخر المبعَد والمُقصى عن الميدان السياسي لا يخلو من أن يكون آخر صغيرا، أو آخر كبيرا. فإن كان صغيرا، فلا مبرر للخوف منه عندما يشارك في الحياة السياسية، وإن كان كبيرا، فاستعداء الكبير فيه خطر على الأطروحة الإسلامية، ليس بالضرورة من خلال إسقاطها، بل من خلال عزلها جماهيريا، أو جعل مساحة واسعة من الجماهير تنفر من الأطروحة الإسلامية، وبالتالي من الإسلام نفسه، لأن أساليب فظاظة التعامل وغلظة القلب من شأنها أن تنفر الجماهير وتجعلها تنفض من حول التجربة، واستشهدت بالنص القرآني «ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك». ثم خاطبت الإسلاميين الذين يفكرون بهذه الطريقة متسائلا ما إذا لم يكن الإصرار على جعل شروط إسلامية مسبقة على التجربة الديمقراطية ليس إلا تعبيرا عن تزعزع الثقة عن قدرات الإسلام الكامنة فيه في التأثير والجذب والإقناع، أو هو تعبير عن عجز الإسلاميين المتخوفين من الديمقراطية غير المشروطة.
أما عن الديمقراطية المشروطة بشرط العلمانية، والتي تشترط فصل الدين عن السياسة، بمعنى عدم السماح للأحزاب القائمة على أسس إيديولوجية دينية أن تشارك في الحياة السياسية، مع السماح لكل الإيديولوجيات الأخرى غير الدينية أن تشارك في الحياة السياسية، فاعتبرت في وقتها هذا اللون من الديمقراطية العلمانية متأثرا بالتجربة السلبية لتدخل الكنيسة في الحياة السياسية في العصور الوسطى في أوربا، ومتأثرا ببعض التجارب للحركات الإسلامية السلفية المتحجرة التي لم تكتشف في الشريعة الإسلامية ديناميكيتها وحركيتها ومرونتها في مساحات العناوين الثانوية للتشريع، والتي فهمت الإسلام ضمن قوالب جامدة، أو هي علمانية تستهدف إقصاء الإسلام عن الحياة. ولذا اعتبرت في حينها الدعوة إلى الديمقراطية المشروطة بشرط العلمانية دعوة تعيش خارج الجغرافية الإسلامية، ولذا فهي غير واقعية لتجاهلها حقيقة انتماء شريحة واسعة من الأمة إلى هويتها وتأريخها وعقيدتها. ذلك لأن التيار الإسلامي في نمو مطرد وليس في انحسار، والحالة الإسلامية المعاصرة في تعقلن مطرد كذلك، حيث كنت أحسن الظن في الإسلاميين. ومن هنا وجدت أن إصرار بعض العلمانيين بإقصاء الإسلام عن الساحة الإسلامية، عبارة عن إغماض للعيون وصم للآذان أمام حقيقة وواقع الإسلام الحضاري والسياسي المتزايد نموا أفقيا فيما هو الاتساع، وتجذرا عموديا في وجدان ووعي وواقع الشعوب المسلمة. ولذا انتهيت إلى تقرير أنه من غير الواقعية التغاضي والتعامي عن هذه الحقيقة ومحاولة إلباس البلاد الإسلامية بثوب هو ليس ثوبها. ثم قلت في حينها محسنا الظن بالإسلاميين العراقيين، بأنهم - إن لم يكونوا كلهم فأكثرهم وأشدهم تأثيرا على الواقع - ليسوا بالسلفيين ولا هم بالقوالبيين ولا بالإقصائيين والإلغائيين. ثم أضفت في وقت لاحق عندما نشرت هذه المحاضرة في الهامش ملاحظة مفادها أنه قد ظهرت للأسف بعد سقوط النظام بعض مظاهر التطرف الإسلامي التي تثير مشاعر القلق لدى الإسلاميين أنفسهم ناهيك عن العلمانيين الذين وجدوا في هذه المظاهر ما يؤيد مخاوفهم وطرحهم لضرورة فصل الدين عن الدولة، ومع هذا دعوت للتفاؤل بالمستقبل وبأن مظاهر التطرف ستنحسر، وأن الاعتدال (الإسلامي) كما الاعتدال (العلماني) هو الذي سيملك المستقبل في العراق.
عندها انتهيت في تلك المحاضرة بالقول أنه بعدما استعراضنا للديكتاتوريتين العلمانية والإسلامية، ثم الديمقراطيتين المشروطتين تارة بشرط العلمانية وأخرى بشرط الإسلام، اعتبرت أنه لن يبقى لنا إلا الخيار الخامس، أي الديمقراطية غير المشروطة بشروط مسبقة أي غير المؤدلجة. وقلت: عذرا للإسلاميين الرافضين للديمقراطية غير المشروطة بشرط الإسلام، وعذرا للعلمانيين الرافضين للديمقراطية غير المشروطة بشرط العلمانية، ودعوت الطرفين أن يتحلوا بالواقعية، كون أن ليس من الفريقين من يستطيع أن يدعي أن الساحة له وحده، وعلى فرض تمثيل أحد الطرفين للأكثرية، فقلت أولا إن الأكثرية لا تفترض مسبقا، وقبل أن تعطينا صناديق الاقتراع إجاباتها الحاسمة، وثانيا أنه حتى مع تبين أن أحد لطرفين يمثل الأكثرية، فلا ينبغي لصاحب الأكثرية إلغاء إرادة وحقوق الأقلية، وكنت أدرك أن الإسلاميين هم الذين سيمثلون الأكثرية. وخاطبت كلا منهما بقولي إنك أيها الإسلامي، إن لم تفكر بأخلاقية الرحمة وانشراح الصدر، وإنك أيها العلماني إلم تفكر بالطريقة الديمقراطية، وأراد أي منكما أن يكون متفردا وأنانيا بمعنى التفكير بالدرجة الأولى بمصلحة تيارك أنت - كإسلامي أو كعلماني -، فلا أقل ينبغي كل منكما – إذا ما مثل غدا الأكثرية - أن يفكر في ألا يستعدي الطرف الآخر، وإن مثل الأقلية ضده، لأن هذا الاستعداء الحاصل عبر الإقصاء، سيكون مضرا بتيار المُقصِية قبل أن يكون مضرا بالأقلية المقصاة من الساحة السياسية. صحيح كنت أخاطب الطرفين في محاضرتي، الإسلامي والعلماني، إلا أني كنت أعني الإسلاميين أكثر مما أعني به العلمانيين، ودعوت للتحلي بالعقلانية والواقعية والموضوعية والوطنية والإنسانية والعراقية، ولقبول بعضنا الآخر، ونطرح الديمقراطية غير المشروطة بأي شرط مسبق، وغير المؤدلجة بأية إيديولوجية مسبقة، لأني اعتبرت أن الديمقراطية هي التي ستضع لنفسها حدودها وضوابطها بآليات الديمقراطية نفسها، وليس بشيء خارج عنها، أو سابق لها، أو مفروض عليها من خارجها. وخاطبت الإسلامي أنه يفترض أنك كإسلامي تملك من الثقة بإسلامك مما يجعلك لا تخشى عليه شيئا من الديمقراطية غير المشروطة، كما خاطبت العلماني أنه يفترض إن كنت علمانيا، أنك واثق من صواب منهجك العلماني، وبالتالي فالمستقبل للصواب، فلا تستعجل وعي الجماهير للصواب، قبل تكامل مراحل الوعي، فإن كنت تعتقد بأن تقدم البشرية مدين للعلمانية، فما كان فيه التقدم ستصل الأمم إليه عاجلا أو آجلا، فإنك ستربح إذن في الأشواط المقبلة، إن تبين فعلا أن منهجك - كما تعتقد - هو الصحيح وهو سر تقدم الأمم.
وحيث كنت مصنفا نفسي إسلاميا ديمقراطيا خاطبت العلمانيين بقولي: يا أيها العلمانيون من شركاء ورفقاء الوطن تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نـُحكـِّم إلا إرادة الشعب، ولا يقصي بعضنا بعضا، ولا يلغي بعضنا بعضا، ولا يتعقد بعضنا من بعض، تدعون إلى برنامجكم السياسي اليساري أو الليبرالي أو القومي، وندعو إلى برنامجنا السياسي الإسلامي، وتعبئون جماهيركم وأنصاركم ليصوتوا لكم وللعلمانية التي تؤمنون بها، ونعبئ جماهيرنا وأنصارنا ليصوتوا لنا ولإسلامنا الذي نؤمن به، نتنافس تنافس العقلاء وتنافس الواعين لمسؤوليتهم الوطنية، وتنافس الحضاريين، ويقبل الخاسر فوز منافسه بروح رياضية، وندعو وإياكم جماهيرنا وجماهيركم أن يبتعدوا عن كل الأساليب التي من شأنها تصعيد حدة الصراع ورفع وتيرة التشنج. فعراقنا محتاج أشد ما هو محتاج إليه إلى سلام وطني، ووئام اجتماعي، وإلى ديمقراطية حقة، وإلى قبول واحترام للآخر، وتعايش سلمي إنساني وطني. وقلت إن الديمقراطية غير المشروطة وغير المؤدلجة هي عبارة عن ميثاق مصالحة وطنية، وبالتالي يكون في المصالحة بالضرورة ثمة تنازل من كلا الطرفين، فلا معنى للمصالحة إذا أصر كل طرف على أطروحته من غير مرونة. ثم وجهت كلامي للإسلاميين بثمة استشهادات من نصوص ومقاطع من السيرة، وكيف أن الرسول قد انسحب من العنوان الإسلامي «محمد رسول الله» إلى العنوان اللامنتمي «محمد بن عبد الله»، ومن الشعار الإسلامي «بسم الله الرحمن الرحيم» إلى مصطلح عرب ما قبل الإسلام «باسمك اللهم» ومن هنا قلت أنه ما زالت إذن المصالحة، أية مصالحة كانت، تعني تنازلا بنسبة ما من قبل كلا طرفي المصالحة، فما معنى أن يريد العلمانيون توافقا مع الإسلاميين بشروطهم العلمانية، وما معنى أن يريد الإسلاميون توافقا مع العلمانيين بشروطهم الإسلامية؟ ثم ذكرت أن التنازل لا يمثل خسارة، بل هو ربح بنفس المقدار، فبهذا يحقق العلمانيون ربحا بتنازل الإسلاميين عن تقييد الديمقراطية بشرط الإسلام، ويحقق الإسلاميون ربحا بتنازل العلمانيين عن تقييد الديمقراطية بشرط العلمانية، ويحقق كل الأطراف ربحا للقيم التي يؤمنون بها، وبالتالي يكون العراق هو الرابح، وتكون العقلانية هي الرابحة. فإن كان العلماني عراقي الولاء عقلاني التوجه فإنه ربح بمقدار ربح العراق وربح العقلانية، وإن كان الإسلامي عراقي الولاء عقلاني التوجه، فإنه ربح بمقدار ربح العراق وربح العقلانية.
كل هذا قلته قبل التجربة، واليوم وبعد التجربة وما حصل للنظرية من نمو وترشد ونضج عبر التجربة، أنه صحيح ما قلته آنئذ بأن الديمقراطية غير المؤدلجة هي الخيار الأفضل، إلا أني أقول اليوم أن الديمقراطية غير المؤدلجة هذه ليس الديمقراطية غير المشروطة بأي من شرط الإسلام أو شرط العلمانية، لا هي عين العلمانية، ذلك أن العلمانية ليست أدلجة، بل العلمنة لا تعني إلا التحييد الإيديولوجي. ولذا فلا ديمقراطية حقيقية إلا بالعلمانية، وإلا فهي ديمقراطية منقوصة ومهددة.
والقول بأن من غير العلمانية تكون الديمقراطية منقوصة ومهددة، وألا ديمقراطية حقيقية إلا بالعلمانية، يستلزم طرح سؤال علينا، ما إذا كان الدين يشكل خطرا على الديمقراطية، ويستتبع سؤالا بالمقابل سيطرحه علينا الإسلاميون أو لعله عموم المتدينين، ألا هو أوليست الديمقراطية تشكل خطرا على الدين وثوابته ومثله وأحكامه؟
لنبدأ بتناول سؤال أين تكمن خطورة الدين على الديمقراطية، أو ما إذا كان الإسلام أي الإسلام السياسي بالذات والمصطلح عليه أحيانا بالإسلاموية يشكل خطرا على الديمقراطية، ولماذا. هنا أقول إن الجواب على مثل هذا السؤال يكون بحسب الإسلام المستنبط، فإننا نواجه عددا من الإسلامات وليس إسلاما واحدا. فبالإمكان استنباط إسلام منسجم كليا مع الديمقراطية، وهذا ما حاولته أن أثبته من بدية التسعينات إلى أواخر 2004. لا بل ادعيت وما زلت ملتزما بإمكاننا استنباط إسلام يقر حتى بالعلمانية ويرجحها كفلسفة للحكم، فذهبت عام 2006 إلى أن الإسلام في جوهره فيما هو الشأن السياسي علماني النزعة.
لكننا نواجه هنا مشكلة أن الذين يفهمون الإسلام على هذا النحو من الإسلاميين لا يشكلون في أحسن الأحوال إلا 10% من مجموع الإسلاميين. فإني أكاد ومن خلال تجربتي أن أدعي بأنه من الممكن القول بأن 75% من الإسلاميين لا يؤمنون في العمق بالديمقراطية، وإن قبلوا التعاطي معها، أما بقية الـ 25% فيمكن القول أن 20% منهم يقبلون بالديمقراطية مشروطة بشرط الإسلام، وهذا ما ثبته دستور 2005، أو لا أقل غير مشروطة بشرط العلمانية، ولا يبقى لدينا في أحسن الأحوال إلا 5% ممن يقبلون بالديمقراطية المقترنة بالعلمانية. هذه النسب هي مجرد تخمينات، ولكني أتصور أنها لا تبتعد عن الحقيقة.
وأكثر الذين لا يؤمنون بالديمقراطية في العمق من الإسلاميين؛ نعم قد يقبلون بها اضطرارا، وكثير منهم يقرها على مضض، على القاعدة الفقهية القائلة بدفع أكبر الضررين بأصغرهما. من هنا نجد الكثيرين منهم لا يترددون عن أن يخرقوا قواعد الديمقراطية كلما وجدوا الفرصة لذلك، وللخرق عند هؤلاء غطاء شرعي. بينما يعتبر الخرق على ضوء فهم آخر للإسلام، وما هو ما تبنيته منذ نظرت للديمقراطية من زاوية فهم إسلامي، إنا هو أي هذا الخرق يمثل خرقا شرعيا ومخالفة شرعية، لأنه خرق للعقد الاجتماعي، والعقد أو العهد أو الميثاق ملزم شرعا وأخلاقا، وخرقه ينعكس بضرر كبير على الإسلام نفسه، وحتى مع عدم الإضرار بالإسلام فهو محرم لذاته وبالعنوان الأولي. ولكن هذه الحرمة لا يلتزم بها أكثر الإسلاميين قناعة بل اضطرارا كما بينت.
نرجع إلى السؤال المعاكس، وهو أين تكمن الخطورة يا ترى في إقحام الدين في السياسة على المشروع الديمقراطي؟ جوابي هو أن الفكر السياسي الديني، باعتباره يتخذ الدين مرجعا له، فهو يعتقد أو يدعي أنه يستمد شرعيته من الدين وبالتالي من الله سبحانه وتعالى، ولذا فهو مقدس، والمقدس لدى المتدين ولدى كل ذي مقدس يؤمن بقداسته هو ما لا يجوز المساس به. وعدم المساس بالمقدس كالتزام ذاتي لا يشكل بحد ذاته ثمة خطورة، أي ليست هناك مشكلة في عدم المساس بالمقدس عندما يكون عدم المساس ملزما لمن يلتزم بذلك خاصة. لكن المشكلة تكمن في كون معظم الإسلاميين إنما يرون وجوب فرض قداسة ما هو مقدس عندهم وبالتالي ما لا يجوز المساس به على عموم المجتمع. وهذا الفرض أو الإملاء متأت من طريقة تفكير، ألا هي أن لسان حالهم يقول أنه إذا ما دخلت أكثرية المجتمع في عهد (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، ولو دخولا شكليا، أو اتباعا للموروث، أو تقليدا للعقل الجمعي، أو تقية، فهو أي المجتمع قد ألزم نفسه بكل لوازم هذا العهد، على ضوء فهمهم وتأويلهم هم. وهذا الفهم متأت من كونهم أي هؤلاء الـ 75% - 90% من الإسلاميين لا يميزون بين مطلقية المقدس الإلهي المفترض ونسبية كل من الفهم والتطبيق البشريين لذلك المقدس.
قد يقال هنا لدعاة العلمانية شرطا للديمقراطية: إنكم تحولون العلمانية عمليا أيضا إلى دين، بل وتكونون أصوليين في فرض دينكم هذا على الجميع. وهذا الفهم متأت من مشكلة تكمن في كون العلمانية فهمت على أنها اللادينية أو الضد الديني. وهذا الفهم أو الوهم انعكس حتى على العلمانيين أنفسهم، بحيث راحوا يحذرون من استخدام مصطلح العلمانية، ويدعون بدلا عن ذلك إلى ما سمي بالدولة المدنية.
لهذا كله فأنا مع تأكيد وجوب الدعوة إلى العلمانية، على أن تكون هذه الدعوة مقترنة بحملة تثقيفية من أجل تصحيح الفهم الشائع خطأ عن العلمانية. واليوم بالذات فالأرضية مهيأة الآن بشكل جيد لإطلاق هذه الحملة التثقيفية، وذلك بإشاعة مفهوم أن العلمانية لا تمثل الضد الديني، بل العلمانية - طبعا بشرط الديمقراطية - محايدة تجاه الدين، بل حاضنة وصائنة له، أو كما عبرت مرة بأنها الحاضنة الأفضل لقضايا الدين وقضايا الوطن والسياسة على حد سواء.
مرة ثانية لنعد إلى توجس الكثير من الإسلاميين أو المتدينين من الديمقراطية خيفة على الإسلام، هذا الخوف الذي يتصاعد بحسب المراتب آتية الذكر:
1. الديمقراطية المشروطة بشرط الإسلام هي أخف أنواع الديمقراطية خطورة على الدين عندهم، ولذا فهذا ما يحالون طرحه كبديل لنظام الحكم الإسلامي.
2. الديمقراطية غير المشروطة، وهذا ما كان يمثل دعوتي لغاية 2004، وهي الصيغة التي يرتفع فيها منحنى الخطر المهدد لثوابت الدين عندهم، ولكنها الصيغة التي تواجه درجة أخف من الرفض عندهم.
3. الديمقراطية المشروطة بشرط العلمانية، وهو ما يمثل دعوتي اليوم ومنذ 2006، وهي التي تمثل أقصى درجات استشعارهم الخطر على الإسلام.
وهنا نقول للخائفين على الإسلام من الديمقراطية، لاسيما العلمانية منها رغم احترامها للأديان، وكحاصل تحصيل بدرجة أساسية لدين الأكثرية، نقول لمن يستشعر أو يدعي خطورة المشروع الديمقراطي العلماني على الدين ما يأتي:
1. إذا كان الدين (دعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة)،
2. وإذا كان (لا إكراه في الدين)،
فالديمقراطية العلمانية (أولا) لا تحول دون هذه الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة إلى الدين، ولكن (ثانيا) ترفض الإكراه، كما الدين - على الأقل على ضوء النص آنف الذكر -، ثم نقول إذا كانت نظريتكم إلهية، وبالتالي تمثل مصداقا للذكر الذي قال عنه القرآن «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون»، فهل يا ترى الديمقراطية العلمانية قادرة على تعطيل إرادة الله؟ فإذا كان الدين هو دين الله، وإذ كان سبحانه هو المتكفل بحفظه، وكانت حسبما تعتقدون أو حسبما تدعون نظريتكم السياسية هي عين الدين، فيستحيل أن يكون بمقدور الديمقراطية العلمانية أن تعطل إرادة وقدرة الله. أما إذا افترضنا أنها قدرت على تعطيل مشروعكم السياسي، ولاستحالة عجز الله سبحانه وتعالى عن ذلك، فإذن إما الدين ليس إلهي المصدر، أو لنقل نظريتكم المستنبطة بشريا من هذا الدين الإلهي ليست إلهية المصدر.
أما إذا طرح الإسلاميون سؤال وأين المشكلة في إقحام الدين في المسألة السياسية، وأين الخطورة في ذلك على المشروع الديمقراطي، فأقول لو كان هناك وعي شعبي واسع وعميق بالتمييز بين الحقيقة الدينية المطلقة ونسبية الفهم والتطبيق البشريين لهما، لما كانت هناك مشكلة. لكن الخطورة تكمن في أنه عندما تصدر فتوى سياسية، فتفهم على أنها تمثل الدين وبالتالي إرادة الله، فهنا وبهذا ينتفي شرط التكافؤ في التنافس السياسي الذي هو من لوازم الديمقراطية.
انتفاء التكافؤ في التنافس السياسي يكون من خلال أن طرفا ستكون له رؤية سياسة بشرية، إذن ممكنة الخطأ، بينما نجد الطرف الآخر له رؤية سياسية إلهية، إذن مستحيلة الخطأ، أي معصومة. فلا يمكن للبشري الخطاء أن يدخل في منافسة متكافئة مع الإلهي المعصوم عن الخطأ افتراضا أو ادعاءً.
بينما التكافؤ هو من لوازم الديمقراطية، بل ليس فقط من لوازمها، بل من لوازم الإسلام نفسه، فالتكافؤ هو شرط العدل، والعدل واجب من أهم الواجبات الشرعية بحسب القرآن الذي يوجبه حتى مع أشد الناس عداوة بقول: «ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا؛ اعدلوا، هو أقرب للتقوى.» فإذا كان العدل واجبا مع أشد الناس عداوة بحسب هذه الآية، فكيف يكون الحال مع إخوة الوطن والمواطنة، الذين هم بكل تأكيد ليسوا بأعداء؟
ومما يخل بشرط التكافؤ اللازم للتنافس السياسي النزيه والديمقراطي، هو دور رجال الدين من أئمة مساجد وخطباء ومفتين وفقهاء ومراجع، عندما يُقحِمون أنفسهم أو يُقحَمون في الشأن السياسي، بحيث يكون رأيهم السياسي بمثابة الفتوى وبالتالي التكليف الشرعي الإلهي، ويتعامل معهم كالتعامل مع النبي (عند عموم المسلمين) أو مع النبي والأئمة المعصومين (عند الشيعة خاصة)، بحيث يكون قولهم مساوقا لقول المعصوم، وفعلهم مساوقا لفعله، وتقريرهم (إقراراهم لقول أو فعل غيرهم) مساوقا لتقرير المعصوم نبيا أو إماما، فيكونون بمثابة السُّنة التي تأتي عند المكلف (المؤمن الملتزم) بمرتبة تالية بعد الكتاب (القرآن). وهذا فيه شيء من استغفال لبساطة وطيبة عموم المتدينين، الذين يخافون سوء العاقبة (الأخروية) إذا هم خالفوا المرجع، لأن مخالفته مخالفة للإمام، ومخالفة الإمام مخالفة للرسول، ومخالفة الرسول مخالفة لله، ومخالفة الله مآله نار «جهنم خالدين فيها أبدا لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون». فمن يجرؤ بعد كل هذا وضع نفسه في خط خطر الدخول في نار جهنم واستحقاق غضب الله سبحانه؟
من هنا تأتي خطورة تدخل المرجعية في الشأن السياسي، إضافة إلى مجموعة أمور أوجزها كالآتي:
- المرجع غير معصوم، ولا أحد من المراجع يدعي العصمة لنفسه، ولا أحد يدعي لواحد منهم العصمة، بينما يجري التعامل عمليا، وحسب ما هو مختزن في وعي عامة المتدينين، كما لو كان معصوما.
- المرجع - ولا أعني مرجعا محددا بشخصه - غالبا ليس من أهل الاختصاص في القضايا السياسية، بل السياسة من الموضوعات الخارجية التي يكون تشخيصها من تكليف المكلف وليس من تكليف المرجع، كما يقررون في رسائلهم العملية، ثم لكل اختصاص أهله، والواجب هو الرجوع إلى أهل الاختصاص في كل ما له علاقة بذلك الاختصاص.
- مع فرض توفر الثقافة السياسية والحكمة والكفاءة والحس الوطني والدرجة العالية من التقوى والتجرد عن الطائفية عند مرجع ما، يبقى رأيه السياسي بشريا، وقابلا للنقد والاعتراض والرد، مما هو غير مسموح به في الوعي الديني الشعبي، وليس على ضوء الأدلة الشرعية، إلا ما كان من الأدلة ما لا يحظى بإجماع الفقهاء.
- ثم على فرض تحقق الشروط التي تؤهل مرجعا ما على وجه التحديد للتصدي للشأن السياسي، فلا يمكن أن يضمن أن من يأتي بعده من المراجع يتوفر على نفس المؤهلات وينفس الدرجة، بل أغلب المجتهدين في الفقه لا يملكون الحد الأدنى من تلك المؤهلات.
- حتى مع فرض توفر الشروط اللازمة، فإن التعويل على رأي المرجع في قضايا الأمة المصيرية، وجعل رأيه وقراره السياسيين بديلا عن آليات اتخاذ القرار السياسي، وعن مؤسسات الدولة في إطار السلطات الثلاث، لاسيما التشريعية والتنفيذية، يمثل خرقا لأسس الدولة المدنية، لأن ذلك يكون بمثابة التعطيل للدستور، والبرلمان، ودور مؤسسات الدولة.
- هذا الإقحام للدين في الشأن السياسي هو تطبيق عملي للدولة الدينية أو الثيوقراطية (في حالتنا الإسلامية)، بينما دولتنا هي دولة مدنية ديمقراطية دستورية برلمانية تطبيق، وهو أي هذا الإقحام هو تطبيق عملي لدولة ولاية الفقيه، والتي لم نؤسس لها في العراق.
وهكذا هو الحال مع التحفظ على استخدام الرموز الدينية ودور العبادة (المساجد والحسينيات ومنابر الجمعة والجماعة) في الدعايات الانتخابية وللكسب السياسي. وكل هذا فصلناه في مقالات سابقة.
من هنا نجد لزاما علينا، وانطلاقا من القاعدة العقلانية، ومن قاعدة العدالة والتي من لوازمها شرط التكافؤ، وحتى من القاعدة الدينية الشرعية، ومن قاعدة أسس الدولة المدنية ومبادئ الديمقراطية، أن ندعو إلى علمانية الدولة. مع عن علمانية الدولة لها لوازمها الدستورية، ولوازمها القانونية، ولوازمها الثقافية. فدستوريا، لا بد من العمل على تعديل دستور 2005 إلى ما ينسجم مع لوازم الدولة العلمانية، وقانونيا لا بد من سن القوانين ذات العلاقة، كقانون الأحزاب، وقانون الانتخابات، من حظر لقيام أحزاب تقوم على أساس ديني أو طائفي، أو تشكيل قائمة انتخابية قائمة على أحد الأساسين المذكورين، بل حتى على الأساس القومي، إلى حظر استخدام الرموز الدينية كصور المراجع واستخدام دور العبادة وتسييس خطب الجمعة والشعائر الدينية، ودخول رجال الدين بصفتهم هذه وبزيهم الديني في حقل مكن حقول التصدي السياسي، سواء في السلطة التشريعية أو التنفيذية، إلى حظر إصدار الفتاوى السياسية، والفصل بين المهام الدينية في الوعظ والإرشاد والدعوة، كل ذلك الذي له مؤسساته الخاصة به وغير المسيسة، وبين المهام السياسية، فلا يكون للحزب السياسي مزالة المهام الدينية، ولا للمؤسسة الدينية مزاولة المهام السياسية.
وأخيرا أقول إننا في حاجة إلى:
حالة أتاتوركية عراقية
- معتدلة
- شجاعة
- عقلانية
- متدرجة
- غير مضيعة للفرص
- مبرمجة
قلت (حالة) ولم أقل (فرد)، لأن الفردانية تختزن خطر الصنمية والديكتاتورية.
قلت (معتدلة)، لأن العلمانية المتطرفة تشكل خطرا على المشروع الديمقراطي العلماني نفسه.
قلت (عقلانية)، بمعنى حكيمة، وغير متهورة، وغير مستفزة للمشاعر الشعبية.
قلت (متدرجة)، كي لا تستعجل قطف الثمار قبل نضجها، فهذا يعرض المشروع للانهيار.
قلت (لكن غير مضيعة للفرص)، واليوم نحن أمام خطر تضييع فرصة مهمة.
قلت (مبرمجة) لوجوب وجود خطة علمية مدروسة بدقة.
وقلت قبلها (شجاعة)، بمعنى أننا نحتاج إلى:
1. الإفصاح.
2. والدعوة.
3. والنضال.
4. والتثقيف.
أعني وجوب الإفصاح عن مشروعنا الديمقراطي العلماني، ووجوب الدعوة إليه، وإطلاق حركة النضال من أجل تحقيقه، وكذلك المباشرة بإطلاق حملة التثقيف على مفاهيمه.
16/06/2008
مع تحياتي وشكري.
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::