أسئلة مجلة «الإسلام والديمقراطية»
أسئلة مجلة «الإسلام والديمقراطية»
§ هل يرى الشكرجي أن هناك نفقا مظلما لا مخرج منه أمام هذا لمشهد المتشظي للقوى السياسية لاسيما الدينية والمذهبية منه في العراق؟
* أحيانا يبدو المشهد بهذه الدرجة من العتمة، مما يثير الرعب في نفوس الحالمين بمشروع التحول من أجل بناء المستقبل، إلا إننا عندما نمعن النظر، نرى أن الفرصة ما زالت قائمة، وهذا ما يجعلنا في موقع المسؤولية في تعبئة كل الطاقات الممكنة من أجل عدم تضييع هذه الفرصة التاريخية الأولى من نوعها للعراق. إني أقول دائما ليس المهم متى نصل إلى المستقبل المنشود، وكم نواجه في الطريق من تحديات وصعاب وإحباطات، وكم نقع في مطبات وأخطاء، بل المهم ألا ينهار أصل المشروع، وألا تنحرف وجهة المسيرة عن الهدف بدرجة اللارجعة لا قدر الله، وما بين مقولة التفاؤل والتشاؤم أقول أن فرصة النجاح ما زالت قائمة ولا بد من استثمارها وعدم تضييعها، ولكن الطريق ما زال محفوفا بالمخاطر، مما يستدعي القلق، الذي لا يجوز أن يتحول إلى تشاؤم، بقدر ما يجب أن يكون مدعاة لبذل أقصى الجهد لتجاوز الخطر.
§ ما هو موقع التيار الإسلامي الذي يتبنى الديمقراطية مشروعا أصيلا من مشاريعه ورؤاه الفكرية، وليس مجرد تسويق سياسي أو سبيل لتحقيق مآرب ومصالح آنية زائلة؟
* هناك قوى إسلامية-ديمقراطية أو ديمقراطية-إسلامية ما زالت لا تملك القدرة الكافية على المشهد السياسي في العراق، بسبب حداثة نشوئها نسبة إلى التيار الإسلامي التقليدي، ولكون الشارع ما زال ملتهبا بحمى الشعارات والولاءات، مما يعتبر عادة ظاهرة طارئة حتى لو طال أمدها، ولكن تيار القوى الإسلامية الديمقراطية، وأحب أن أصطلح عليها بالقوى الديمقراطِسلامية وعموم قوى الوسط السياسي الوطنية في تقديري هي التي ستملك المستقبل شيئا فشيئا، ، وربما سوية مع بعض القوى الإسلامية التقليدية القادرة على إحداث حركة إصلاح حقيقية في رؤاها وأدائها وخطابها، إذا ما نجح الإصلاحيون في داخلها. وفي النتيجة لن يصح إلا الصحيح، والمستقبل للاعتدال والعقلانية
§ هل يمكن للثقافة المدنية الناشئة أن تمارس دورها في بناء عراق جديد وتواكب التحديات الكبرى سواء تلك التي جاءت إفرازا لحدث التغيير أو للتداعيات التي أعقبته؟
* دائما كانت الثقافة هي المنهل الذي تنهل منه السياسة، ولو بعد حين. فمن الممكن ألا يكون هناك تأثير يذكر للثقافة والمثقفين على الحياة السياسية في وقتها، إلا أن ما يُنتـَج اليوم من ثقافة يمكن أن يتحول غدا إلى فعل سياسي. ولذا فما زال هناك فسحة من فرص لا بد للمثقفين أن يبذلوا قصارى جهدهم ليتركوا بصماتهم على الحياة السياسية من أجل أن يرفدوا عملية التحول الديمقراطي ما يحركها أكثر فأكثر باتجاه التكامل والترشيد والتقويم.
§ أين نضع ميراث التنوير الإسلامي في التعددية والدستورية وخاصة الميراث الفكري المهم للشيخ النائيني في سياق مرجعية معاصرة لإسلام يؤمن بالديمقراطية ويؤمن بالمشاركة مع الآخر؟
* إن الفكر الإسلامي الإصلاحي للشيخ النائيني وما قدمه من تأسيس لدولة الدستور وللحياة السياسية الديمقراطية، وكذلك الفكر الإصلاحي لغيره من المفكرين الإصلاحيين يمثل من غير شك ثروة مهمة ينهل منها المثقفون الإسلاميون المعاصرون، إضافة إلى إبداعات وإضافات البعض من المثقفين والمفكرين المعاصرين أنفسهم، مما يشكل إثراء إضافيا لحركة الإصلاح المتواصلة، من أجل إزالة ما علق عند الكثيرين من الإسلاميين التقليديين من شبهات حول شرعية الديمقراطية ودعوى تقاطعها مع الإسلام، والتي أي الديمقراطية تمثل خيار العقلاء الوحيد للخروج من واقع التنوع والتعددية إلى واقع المشاركة والتعايش والسلام المجتمعي.
§ ما هي مشكلة الأحزاب الإسلامية العراقية، وما هي آليات التخلص من سياق مأزقها التاريخي المتمثل بكاريزما الرمز والقائد، والانغلاق المذهبي، وعقدة الاضطهاد، واختلاط ذاكرة المعارضة بالسلطة الجديدة؟
* إني من خلال مخاضات تأملية ترجع بداياتها إلى مطلع التسعينات قد توصلت إلى قناعة بأن الأحزاب الإسلامية قد ولدت في ظرف أفرز تلك الولادة وبتلك الملامح التي نشأت عليها تلك الأحزاب، ولم تكن مسألة الديمقراطية والتعددية السياسية مدرجة في حساباتها في العقود الأولى من نشأتها، ومن هنا فإن استصحاب المفاهيم والأسس التي اعتمدتها القوى الإسلامية يمثل عدم وعي لروح العصر ولمتغيرات الزمان. من هنا فإن الواجب على الأحزاب الإسلامية أن تستفيق من سبات استصحاب التراث الثقافي والحركي الموروث إلى واقع العصر الراهن، وتكون من الشجاعة في إعادة صياغة لجل متبنياتها، وإلا ستبقى تعيش خارج العصر. وهذه الدعوة لا تمثل دعوة تخلّ عن ثوابت المبادئ، بل دعوة وعي لمتحولات العصر والتعاطي معها. فالتركيز على قيادة الفرد ولمدى الحياة، وعلى مفهوم الأمير، أو الإمام، أو ولي الأمر، أو الولي الفقيه، أو المرجع السياسي الأعلى، ولو بمسميات أخرى، لا يمكن أن ينسجم كل ذلك مع مبادئ الديمقراطية التي تملك أرضية شرعية من وجهة نظر الإسلام، إذا ما جرت دراسة شرعية معمقة لوجوب اعتماد الديمقراطية. ونفس الشيء يلاحظ على الأحزاب الدينية ظاهرة مذهبة العمل الحزبي والخطاب السياسي، وتسييس الدين والمذهب والمقدسات والرموز الدينية كالمرجعية وغيرها، والخلط بين السياسي والدعوي، واستصحاب أساليب وروح العمل المعارض، دون الالتفات إلى المتغيرات، وإقحام تفصيلات الدين ورموزه في تفاصيل الشأن السياسي، وعدم القدرة على بلورة نظرية شرعية للديمقراطية، والازدواجية المتأتية من جراء ذلك، وممارسة الباطنية السياسية من قبل الكثيرين، كل هذا مما يمثل طريقة أداء معظم الأحزاب الإسلامية لا يمكن أن يجعلها مؤهلة لقيادة العملية السياسية في البلد، ومن هنا لا بد من امتلاك الشجاعة لإجراء عمليات إصلاح شاملة وجذرية في هذه الأحزاب، أو فيمن لها قابلية إجراء هذا الإصلاح، أو القيام بتأسيس بدائل لقوى إسلامية ديمقراطية شابة تحل محل القوى الإسلامية التقليدية الشائخة ولو بالتدريج.
§ ترك المفكر والعالم الفقيه محمد باقر الصدر تراثا سياسيا يعد أحد المرجعيات التي تبنتها بعض المرجعيات والتيارات المتصدية لقيادة المشهد السياسي. كيف تنظر بعين ناقدة وشفافة إلى تراث محمد باقر الصدر؟ وهل بالإمكان تجاوز هالة القدسية لشخصياتنا التاريخية دون المساس بمكانتها في ضمير الأمة، وتوظيف معطيات الحداثة ومناهجها العلمية في البحث؟
* ليس من أحد يشكك في عظمة وتألق ذلك الفذ الرائع الفريد محمد باقر الصدر. ولكن يجب أن نفهم أن ليس هناك من شخصية مهما بلغت الذروة في الفكر والأداء والجهاد، تملك أن تتحول إلى معيار مطلق أو نموذج أمثل نهائي غير قابل للمراجعة في كل تفاصيل ما قدمته من فكر واتخذته من مواقف. ومن هنا فليس من الصحيح أن نلزم أنفسنا كإسلاميين تربينا على فكر الشهيد الصدر بكل طروحاته، سواء ما يتعلق ذلك برؤيته للعمل الحزبي، أو رؤيته للدولة والحكم. فيبقى الصدر على عظمته وتألقه ولا ينتقص من مكانته شيء، عندما نقول أننا في حاجة إلى فهم جديد للعمل الحزبي وللحكم على أساس الديمقراطية والتعددية، وإلى فهم جديد لمفهوم المرحلية وكثير من المفاهيم التي قدمها الصدر العظيم. ولعله رضوان الله عليه كان نفسه سيعيد النظر بشكل يكاد يكون جذريا وشاملا في جل تلك الرؤى. فإضفاء القدسية المطلقة والصواب المطلق على مفكرينا وقادتنا ومراجعنا الماضين منهم أو الباقين، واعتبار بعض وصاياهم ثوابت لا يجوز المساس بها، يمثل تعطيلا لحركية وتحولية الحياة السياسية وإلغاءً لديناميكية الشريعة.
§ لو افترضنا أن هناك فرصة لدخول المثقفين العراقيين، شعراء وباحثين وكتابا وإعلاميين، منتظمين في كتلة برلمانية واحدة، ما هي حظوظها في النجاح في مواسم انتخابية قادمة؟
* السياسة أحوج ما تكون إلى دخول المثقفين الذين يحملون ثقافة السلام والاعتدال والحداثة والديمقراطية، ولكن افتراض أن صفة الثقافة وحدها يمكن أن تشكل الجامع الذي يجتمع المثقفون في إطاره، قد لا يمكن تحقيقه، فكل مثقف يحمل بالنتيجة توجها سياسيا محددا، ديمقراطيا ليبراليا، يساريا اشتراكيا، إسلاميا معتدلا أو غيره. نعم، يمكن أن نتصور مع هذا إيجاد مشترك سياسي من نوع آخر، كأن تكون المساحة المشتركة هي الوسطية والاعتدال، والكفاءة والنزاهة والوطنية. لكن هذا إذا لم يتحقق، فلا بد للكثير من المثقفين من أن يزجّوا أنفسهم في الحياة السياسية بالانضمام إلى كيانات سياسية قريبة من توجهاتهم، أو تأسيس كيانات تمثل الوسطية، وتؤكد الهوية الوطنية، وليكن أكثر من كيان في هذا الاتجاه، كالوسط الإسلامي الديمقراطي، والوسط الليبرالي الديمقراطي، والوسط اليساري الديمقراطي، وبالتالي يمكن لهؤلاء كخطوة لاحقة أو ربما موازية أن يشكلوا إطارا تحالفيا أو أكثر من إطار تحالفي، يملأ الفراغ الحاصل في المشهد السياسي الراهن. وقضية أن يقحم نفسه المثقف في الفعل السياسي، ليست قضية مزاج ورغبة شخصية، بل هي قضية مسؤولية ورسالة. فشخصيا أميل إلى التفرغ للنشاط الثقافي، إلا أن تشخيصي للفراغ السياسي للوسط الديمقراطي الإسلامي يجعلني في موقع المسؤولية لزج نفسي في السياسة.
§ هل تعتقد أن التيار الإسلامي الديمقراطي ضرورة يمليها الواقع الذي تؤطره استقطابات الاحتقانات الطائفية والعنف الأصولي، أم هي انبعاث تنويري لإسلام حقيقي تحاول القوى السلفية الظلامية طمره؟
* التيار الديمقراطسلامي هو كلا الأمرين؛ هو ضرورة يمليها الواقع من جهة، وهو انبعاث لفهم سياسي وثقافي جديد للإسلام يحاول أن يتعرف على الإسلام في حقيقة جوهره من جهة أخرى، دون دعوى أننا أصحاب هذا التوجه نحتكر دعوى امتلاك الرؤية للإسلام الحقيقي، فالحقيقة تبقى في عالم الإنسان نسبية، ومن يفكر أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، سواء حقيقة الإسلام، أو حقيقة الديمقراطية أو أي حقيقة أخرى، إنما يمهد لانبعاث بذور التعسف بالآخرين وروح الاستبداد. فرؤيتنا إذن تمثل محاولة اكتشاف لحقيقة الإسلام في جوهره، لاسيما فيما يتعلق الأمر بالشأن السياسي، دون دعوى امتلاك الحقيقة المطلقة أو دعوى احتكار الحقيقة. نحن نعتقد وبشكل واضح ودون أي شك أن الإسلام في جوهره ديمقراطي بالضرورة، فالديمقراطية لا تمثل بالنسبة لنا أمرا واقعا يكون الخضوع له من موقع الاضطرار، بل هي ضرورة إسلامية ووطنية وإنسانية وعقلائية.
§ ما هي خلاصة التجربة ودروس العبر التي خرج منها ضياء الشكرجي من تجربة الأحزاب الإسلامية العراقية سواء في تاريخ معارضتها أو واقع سلطتها الجديدة؟
* جل الأحزاب الإسلامية وبشكل عام أثبتت عجزها عن القيام بعملية إصلاحية أو تصحيحية أو تجديدية تؤهلها لمواكبة العصر، فبعضها زايد بالمقدسات والرموز الدينية، وبعضها مارس الباطنية السياسية، وبعضها سيّس الدين وسيّس المذهب وسيّس المرجعية وسيّس الشعائر بما لا تتحمله القضية، ومن هنا فنحن في حاجة إلى أن تنشأ أحزاب إسلامية بديلة؛ ديمقراطية، معتدلة، وطنية، عصرية، وإلى أن ينتهي دور بعض الأحزاب الإسلامية التقليدية القائمة، أو أن تتدارك الأحزاب التي ربما ما زالت تملك القدرة على القيام بتجديد نفسها لتباشر بهذا التجديد. إذن نحتاج إلى ثلاثة أمور، ولادات جديدة، وانتهاء لدور وجودات مصابة بالشيخوخة وعدم القدرة على التجديد والمعاصرة، وإصلاح ما هو قابل للإصلاح منها.
27/04/2006
: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::