أو لنطرح السؤال بشكل أكثر وضوحا، من خلال تسمية الأشياء بأسمائها، والكلام عن المصاديق والأمثلة على أرض الواقع، وعدم الاقتصار على المفاهيم المجردة، نقول هل إن دمقرطة المنطقة العربية والإسلامية، أو دعم بعض محاولات التحول الديمقراطي التي هي في بداياتها المتلكئة، لدفعها نحو تحقيق نجاحات أكبر وحقيقية، كما هو الحال مثلا مع الكويت، وهل إن إنجاح مشروع التحول الديمقراطي في العراق، ودعم القوى الديمقراطية الحقيقية، وهل إن إعانة الشعوب وقوى المعارضة الديمقراطية لإحداث التغيير المنشود، كأن يكون ذلك في إيران أو سوريا، بل حتى في مصر وغيرها من الدول العربية ذات التجارب الديمقراطية الشكلية، بل هل إن التغيير والإصلاح المتطلَّع إليه حتى في السعودية، وهل وهل، هل إن كل ذلك من الشؤون الداخلية أو الوطنية لكل من شعوب الدول التي ذكرناها كأمثلة، مما لا ينبغي لأمريكا ولا غير أمريكا، ولا حتى للمنظمة الدولية، أن تتدخل فيها، وإن التدخل الخارجي يعتبر لونا من ألوان الانتقاص من السيادة الوطنية ولونا من ألوان التدخل في الشأن الداخلي المرفوض حسب مبادئ العلاقات بين الدول المعتمدة في العالم؟
لو قارنا بين كل من سياسة جورج دبليو بوش وسياسة باراك أوباما، فيما يتعلق الأمر بموضوعنا، يمكن أن نسجل الملاحظات الآتية. نحترم الحكمة والعقلانية لأوباما في طمأنة الشعوب العربية والإسلامية - وكذلك طمأنة الأنظمة - في عدم وجود نية لأمريكا للتدخل في شؤونها الداخلية، ولكننا لا نرضى له إذا كان ذلك منطلقا من مبدأ اللامبالاة بالقضية الديمقراطية وقضايا الحرية وحقوق الإنسان، بل اعتماده مبدأ المصالح المشتركة للدول دون الاكتراث بالشعوب. كما نثمن شجاعة جورج بوش في الإفصاح عن مشروعه الذي لم يتحقق شيء منه فيما أسماه بمشروع الشرق الأوسط الكبير القائم على فكرة دمقرطة المنطقة، إلا أننا نلاحظ على ذلك الإفصاح أنه لم يراع تأثيراته السلبية شعبيا على الأعم الأغلب، بسبب وجود خلل في الثقافة السائدة، والعقدة تجاه الغرب (الكافر)، أو الغرب المسيحي، أو الغرب العلماني، أو الغرب (الاستعماري). كل هذا دون الدخول في تقويم صدق نوايا كل من جورج بوش وباراك أوباما، وبعيدا عن الاستغراق في نظرية المؤامرة.
وإذا اعتمدنا معيارين، قد يتكاملان في حالة، ويتقاطعان في حالة أخرى، وقد يجتمعان، وقد يفترقان، ألا هما معيار المبدئية أي ما هو مطلوب من حيث المبدأ، ومعيار الواقعية والعقلانية أي ما هو مطلوب بالعنوان الثانوي كما يعبر في المصطلح الفقهي، أي مع مراعاة الحكمة، نجد إن المعيارين مطلوب اعتمادهما، كما المطلوب التوفيق بينهما إذا ما تقاطعا وتعارضا في قضية ما، وغالبا ما يتقاطعان، بحيث تطلب المبدئية التدخل، وتنهى الواقعية عن ذلك، لا بد أن نجعل لكلا المعيارين شرطا يحول دون الإفراط أو التفريط، هو أن لا تدير الواقعية ظهرها كليا للمبدئية، وأن تضبط المبدئية حركتها بحيث لا تجانب الحكمة والواقعية، فتربك السلام الذي هو أساس ما تتطلع إليه المبدئية، فتكون هنا الواقعية واقعية مبدئية، وليست محض نفعية، وتكون المبدئية مبدئية واقعية، وليس محض مثالية.
من هنا أنتهي إلى أن دمقرطة أي بقعة على سطح كوكبنا الأرضي، وإنهاء أي حالة من الاستبداد، وحصول أي شعب على حقوقه كاملة في الحرية والكرامة والديمقراطية والسيادة، لا يعتبر شأنا خاصا بذلك الشعب، بل هو شأن إنساني أولا وأخيرا، ولكن لا بد من وضع ضوابط وآليات لحركة الدعم والتعاطف والتضامن مع كل شعب متطلع إلى التحرر من الاستبداد أو الاحتلال وتحقيق الديمقراطية وتطبيق مبادئ حقوق الإنسان، سواء كان ذلك في العراق، فيما استكمال أشواط عملية التحول الديمقراطي، وإزالة العقبات من طائفية سياسية وتسييس للدين وفساد مالي وإداري، أو في إيران وتطلع شعبه إلى الانعتاق من الاستبداد (المقدس)، أو في أي مكان، مع ملاحظة مع يحفظ سلام المنطقة وسلام العالم، دون التفريط بالمسؤولية الإنسانية. فالعالم الحر المتحضر، لاسيما الولايات المتحدة والاتحاد الأورپي وكذلك المنظمة الدولية، يتحملون مسؤولية أخلاقية تجاه الشعوب المتطلعة إلى الديمقراطية تأسيسا، أو استكمالا وترسيخا. وفي تقديري إن أوباما - وإن كان أكثر عقلانية من بوش -، لا أظنه سيدير ظهره للشعوب المتعطشة للحرية. وقد يرفض كلامي هذا الكثيرون، لأنهم سيقولون، إن هذا يمثل إضفاء شرعية لتدخلات أمريكا في الشؤون الداخلية للدول. وللرد على هذه الشبهة مجالا آخر.
20/06/2009
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::