قوائم مفتوحة أم مغلقة لديمقراطية قلقة أو مستقرة

السياسيون والقوى السياسية وعموم المهتمين بالشأن السياسي من جهة، والوسط الثقافي من جهة، وعامة الأوساط الشعبية من جهة يتطلعون إلى الانتخابات المحلية القادمة، وإلى ما بعدها من الانتخابات العامة في آخر عام 2009، بعدما انتهت أول دورة برلمانية للمرحلة الدستورية الدائمة للسنوات الأربع الأولى، والتي كان اللاعب الرئيس فيها قائمة الائتلاف العراقي الموحد المدعومة من المرجعية والمتكونة من الأحزاب الإسلامية الشيعية (المجلس الأعلى، حزب الدعوة، التيار الصدري، الفضيلة، الدعوة تنظيم العراق) إضافة إلى الشيعة الإسلاميين المستقلين وعدد محدود من غير الإسلاميين. واللاعب الرئيس الثاني كان التحالف الكردستاني بحزبيه الكبيرين المتنفذين في كردستان، وبعدها جاءت التوافق، فالوطنية العراقية، ثم تلي قوائم أخرى كالحوار الوطني وغيرها. وكما هو معروف أن القوائم الرئيسة الثلاث عبرت عن حالة التخندق الطائفي والقومي، فقائمة شيعية إسلامية، وقائمة كردية علمانية، وقائمة سنية تغلب عليها الملامح الإسلامية أيضا. فإذن كانت الكتل البرلمانية حتى الآن غير معبرة عن حالة التعدد السياسي، بقدر تجسيدها لواقع المكونات الطائفية والقومية، تمثل الطائفتين الشيعية والسنية، والقومية الكردية. ولسنا بصدد بيان الخلل في هذا الواقع وانعكاساته السلبية على العراق وأمنه ومشروعه الوطني وعملية التحول الديمقراطي فيه، فكل ذلك أصبح معروفا ومُقــَرّا به حتى من قبل صانعي هذا الواقع الكارثي، بقطع النظر عما كان هذا الإقرار صادقا أو يمثل شعار المرحلة الذي تمليه المزايدات.

أقول الكل يتطلعون اليوم إلى معركتين انتخابيتين قادمتين، بدأ الزمن يزحف ويسرع الخطى نحو موعديهما؛ البعض متطلعا إلى ثمة تغيير بالاتجاه الإيجابي بتحول من الاصطفاف الطائفي والعرقي إلى التعددية السياسية، وتغيير موازين القوى لصالح المشروع الوطني والقوى الديمقراطية، والبعض يريد إن لم يستطع أن يزيد من ثقله البرلماني أن يحافظ على ثقله الحالي، أو لا أقل ألا يضعف إلى الدرجة التي تعرض هيمنته على المشهد السياسي إلى الاهتزاز بشكل ملحوظ. والكل يعرف أن بعض التحالفات والائتلافات الانتخابية لن تبقى على حالها، بل إنها تفككت فعليا قبل مجيء انتهاء هذه الدورة. وبشكل خاص تفكك الائتلاف العراقي الموحد، إذ تحول من ائتلاف موحد إلى إطار تنافر مفكك. وهذا من غير شك ظاهرة إيجابية، إذا ما أحسِن توظيفها في خدمة المشروع الوطني الديمقراطي. فلم يبق اليوم متحالفا من قوى قائمة الائتلاف إلا طرفين معروفين بتناقضهما القديم والذي سيطفح إلى السطح أكثر فأكثر ويتفجر من جديد، ألا هو التحالف بين المجلس والدعوة الذي يشبه اجتماع (الحية والبطنج) كما يعبر المثل الشعبي.

وإني جعلت مدخلا إلى صلب الموضوع، الذي أريد تناوله، وهو أي نوع من القوائم أنفع للعراق ولحاضره ومستقبله، القوائم المغلقة كما كان عليه الأمر في انتخابات آخر 2004 للفترة الانتقالية التي دامت سنة واحدة، وانتخابات آخر 2005 للدورة الانتخابية الأولى للمرحلة الدستورية الدائمة، أم هي القوائم المفتوحة. النوع الأول يدعو إليه التحالف الكردستاني بحزبيه، والمجلس الأعلى دون الدعوة، إذ مثل ترجيح المالكي للقوائم المفتوحة تقاطعا إضافيا من تقاطعاته مع حليفه (الشيعي الإسلامي) غير الاستراتيجي المجلس الأعلى، وبذلك يكون قد سجل موقفا شجاعا ووطنيا آخر يحسب له، وإن كان هناك ما يحسب عليه، وإن كنت ممن يرون أن الذي يحسب له أكثر بكثير مما يحسب عليه، ولو إن بعضه عسير الهضم، كمشهد نزع ربطة العنق أمام الولي الفقيه الخامنئي، الذي سمح لنفسه أن يمارس دوره الولائي على العراقيين، وهو يعلم أن العراقيين يرفضون فرض ولايته ووصايته عليهم ويمجون ويستنكرون تدخله في شؤونهم.

وأحب هنا أن أطرح على القراء والكتاب وأصحاب الاهتمام مناقشة أي من الصيغتين أقرب إلى روح الديمقراطية استراتيجيا، وأيهما أصلح للعملية الديمقراطية مرحليا من بين القائمتين المغلقة أو المفتوحة، وبعدها سأتناول مفردات أخرى ذات علاقة بكل من الديمقراطية القلقة والديمقراطية المستقرة.

والكلام عن أي من القائمتين أقرب إلى روح الديمقراطية وأنفع لعملية التحول الديمقراطي، يدعونا للتمييز بين الديمقراطية القلقة والديمقراطية المستقرة، أو بين الديمقراطية النامية والديمقراطية المتقدمة، أو بين الديمقراطية الانتقالية والديمقراطية الدائمة. ومن هنا فإننا عندما نتحدث عن الأقرب إلى روح الديمقراطية استراتيجيا، فهذا ما يناسب الديمقراطية المستقرة، بينما يكون الكلام عن الأصلح للعملية الديمقراطية مرحليا، فهذا ما يناسب الديمقراطية القلقة.

وعندما نريد أن نحدّد طبيعة الديمقراطية في العراق، فمن غير شك لا يمكن ادعاء أن الديمقراطية لدينا - إن وجدت - هي ديمقراطية مستقرة متقدمة، بل هي من غير شك لما تزل ديمقراطية قلقة نامية. ولهذا لا يمكن عندما نختار عما هو أصلح لهذه الديمقراطية صيغة انتخابية لا تصلح إلا للديمقراطية المستقرة. فمن حيث المبدأ يكون الأقرب إلى روح الديمقراطية المستقرة هي القوائم المغلقة، بقطع النظر عما إذا كانت في إطار الدائرة الانتخابية الكبيرة الواحدة، أم في إطار الدوائر الانتخابية الصغيرة المتعددة، لأن من لوازم الديمقراطية المستقرة الحياة الحزبية والمؤسساتية، التي ينظر فيها بدرجة أساسية إلى الفكر السياسي والبرنامج السياسي لهذا أو ذاك الحزب، ويعول فيها على المؤسساتية السياسية المتجسدة بالأحزاب السياسية، وليس على الفردانية السياسية المتجسدة بالأفراد السياسيين. ولكن حيث إن ديمقراطيتنا في العراق إذا ما وجدت فهي بكل تأكيد ديمقراطية قلقة، فالأحزاب لم تتجذر في أغلبها التقاليد الديمقراطية، وما زالت المعايير معايير محسوبيات ومنسوبيات وولاءات على حساب المعايير الصحيحة من مواصفات ومؤهلات كالنزاهة والكفاءة، فلا بد من منح المواطن الناخب حق انتخاب الأشخاص الذين يثق بهم، وليس القوائم المغلقة التي تشتمل على الغث والسمين، على الزَّبَد الذي سيذهب ولو آجلا جُفاءً، وما ينفع الشعب فيمكث في أرض مستقبل الوطن، كما تشتمل على الفاسد والنزيه، وعلى عديم الكفاءة والكفوء، إضافة إلى أن الانتخابات ما زالت محكومة بالتزوير والتهديد وشراء الأصوات، وستبقى كذلك إلى حين، مع انحسار تدريجي لهذه الخروق.

من هنا فإن من ضرورات إعانة ديمقراطيتنا القلقة على قلقها وعدم استقرارها، وديمقراطيتنا النامية لتنمو نحو التقدم والتطور والاستقرار الديمقراطي، اعتماد القوائم المفتوحة، فكما إن من لوازم الديمقراطية المستقرة الحياة الحزبية وبالتالي اعتماد القوائم المغلقة. صحيح إن للقوائم المفتوحة بعض سلبياتها، حيث أن المرشح الذي يحصل من الأصوات أكثر مما يحتاجه للصعود إلى البرلمان، وقد يحصل على أضعاف ما يحتاجه، ستذهب الأصوات الفائضة لغيره، مما يتيح الفرصة لغير الكفوئين أن يدخلوا مجلس النواب، ولكن في كل الأحوال سنضمن بذلك انتخاب الناخبين لممثليهم الحقيقيين ممن حازوا على ثقة ناخبيهم عبر كفاءتهم أو نزاهتهم أو برنامجهم السياسي أو وطنيتهم أو فكرهم، مما قد لا يحصل إذا كان هؤلاء مستقلين، أو وبالأخص إذا كانوا متقاطعين مع الأحزاب ذات النفوذ، لاسيما الراديكالية منها. على أي حال هذه مشكلة يجب دراسة الخروج بأفضل حل لها أو بتقليص سلبياتها إلى أقصى الممكن، ويحتاج إلى دراسة من قبل أهل الاختصاص.

وفي الوقت الذي يكون فيه مناقشة أي من الدائرة الانتخابية الواحدة الكبيرة أو الدوائر المتعددة الصغيرة أو المتوسطة ستكون أصلح للديمقراطية المستقرة المعتمدة للقوائم المغلقة، فإننا عندما نقرر أن القوائم المفتوحة هي الأصلح للديمقراطية القلقة، فليس من المعقول أن يؤشر المواطن على 275 اسما واحدا واحدا، فلا بد إذن من أن تكون القائمة المفتوحة ملازمة باعتماد الدوائر الصغيرة المتعددة، لا أقل من الناحية العملية.

وهناك كذلك بعض آخر من خصوصيات الديمقراطية القلقة، فيما تختلف فيه عن الديمقراطية المستقرة؛ ففي الديمقراطيات المستقرة تدخل الأحزاب السياسية المعركة الانتخابية بصفتها هذه، أي كأحزاب، وليس ضمن قائمة تجمع عددا من الأحزاب، كما تجمع عددا من المستقلين فيها. فالحياة الحزبية بكل ما يستتبعها ويترتب عليها من لوازم الديمقراطية المستقرة، وإلا فإننا نرى كيانات ليس لها رصيد يذكر تدخل ضمن قوائم انتخابية، فيصعد ممثلوها إلى البرلمان، بينما لو دخلوا المعركة الانتخابية كأحزاب، لما حصلوا على مقعد واحد.

وكذلك كنت أتمنى - ودعوت إلى ذلك في وقتها في اللجنة الدستورية - أن تعتمد نسبة الاستبعاد البرلماني، بمعنى أن تكون نسبة معينة من عدد أصوات الناخبين كحد أدنى يسمح للحزب المشارك في العملية الانتخابية الدخول إلى مجلس النواب. وهناك عدد من دول العالم تعتمد نسبة الاستبعاد هذه، منها من يعتمد نسبة الـ 5%، ومنها ما فوق ذلك كنسبة الـ 7 أو 10%، أو ما دون ذلك، كنسبة الـ 3%، وبالنسبة للعراق، فيمكن التدرج باعتماد نسبة 2% أو 3% وفي وقت لاحق 5%.

دخول الأحزاب كأحزاب، وليس اندماجها في قوائم، واعتماد نسبة الاستبعاد، فيه ثمة سلبية، ولكن تقابلها إيجابية أكبر بكثير. السلبية هو أن كثيرا من الكيانات ستحرم من جراء دخولها بصفتها الحزبية من دخول الحياة البرلمانية، وسيحرم عدد أكبر من ذلك، عندما نعتمد نسبة الاستبعاد البرلماني، ولكن هذا سيخلصنا من جهة أخرى من العدد الكبير والمبالغ به من الأحزاب والكيانات السياسية، ثم سيقود ذلك إلى أحد أمرين، إما أن تحل نفسها الكثير من هذه الأحزاب، بعدما تجد وعبر عدة دورات انتخابية أنها لا تملك فرصة الانضواء تحت قبة البرلمان والمشاركة الفعلية في العملية السياسية في الحكم أو المعارضة البرلمانية، وإما أن الأحزاب الصغيرة ذات الأفكار والرؤى والبرامج السياسية المتقاربة ستفكر في توحيد نفسها في كيان واحد. وهذا كله سيجعل المشهد السياسي أكثر وضوحا للمواطن الناخب، ثم سيخلصنا من ظاهرة أن كل من أوتيت له الفرصة يحاول أن يؤسس لنفسه حزبا، يكون هو مؤسسه وهو رئيسه مدى الحياة، ويكون كوادره زوجته وأولاده وإخوانه وبعض أقاربه وفي أحسن الأحوال بعض أصدقائه الأقربين.

أما حاليا ونحن ما زلنا في مرحلة الديمقراطية القلقة أو النامية أو الانتقالية، فإننا بحاجة إلى اعتماد الصيغ الانتقالية كالقوائم المفتوحة، والقوائم الائتلافية، وعدم اعتماد نسبة للاستبعاد البرلماني. وواحدة من هذه الآليات الانتقالية كان بالإمكان أن نستغني عنها، ألا هي القوائم الائتلافية، لو كان هناك قدر كاف من الإيثار من أجل الوطن، وعدم تمسك كل حزب بحزبه وكل بما لديهم فرحون.

وأخير وللإيضاح ندرج الجدول أدناه فيما نراه صالحا لكل من الديمقراطيتين؛ الديمقراطية القلقة (الانتقالية) والديمقراطية المستقرة.

الديمقراطية القلقة/الانتقالية/النامية

الديمقراطية المستقرة/الدائمة/المتقدمة

قوائم مفتوحة

قوائم مغلقة

قوائم ائتلافية

قوائم حزبية

دوائر انتخابية متعددة صغيرة

دائرة انتحابية وطنية واحدة

عدم اعتماد نسبة الاستبعاد البرلماني

اعتماد نسبة الاستبعاد البرلماني (5%)

حتى انتخابات 2013 أو 2017

ابتداءً من انتخابات 2017 أو 2021

17/06/2008

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::